تَابِع
الَّنوْعُ الأَوَّلُ مِنَ القِسْمِ الثَّانِي فِي اْلنَّهِي عَنْ اْلتَّشَبُهِ بِالشَّيطَانِ, لَعَنَهُ الله تَعَالَى
٦٦ - ومن أعمال الشيطان: شرب الخمر، وتناول المسكرات، والقمار، واللعب بالنرد ونحوه مطلقًا، واللعب بالشطرنج إذا اقترن بمحرم، والتكهن، والتنجيم، والتطير، والزجر، والطرق، والعيافة، ونحو ذلك .
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠].
وتقدم في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه أن إبليس طلب من الله تعالى لمَّا أهبطه إلى الأرض أن يجعل له شرابًا، فقال: كل مسكر (١).
وذكر الثعلبي في "العرائس" عن ابن جريج رحمه الله تعالى أن الله تعالى أهبط على آدم ﵇ عرشة عنب فغرسها، فلما أطلعت وحملت العنب جاء إبليس وسرق من عنبها، فقال له آدم: أخرجتني من الجنة ولا تريد تدع لي رزقًا؟
стр. 2910
فقال: إن لي فيها حقًا.
فقال آدم: وما حقك فيها؟
قال: لي فيها شرابها.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم المسكر" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: قال إبليس: ما أعجزني فيه بنو آدم فلم يعجزوني في ثلاث: إذا سكر أحدهم أخذنا بخزامته فَقُدناه حيث شئنا وعمل بما أحببنا، وإذا غضب قال بما لا يعلم وعمل بما يندم، ونبخله بما في يديه ونمنيه ما لا يقدر عليه (١).
وأمَّا المَيْسِر فقال ابن عباس وغيره من المفسرين: هو القمار (٢).
وروى البخاري في "الأدب المفرد" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يقال: أين أيسار الجزور؟ فيجتمع العشرة فيشترون الجزور بعشرة فصلان إلى الفصال، فيجيلون السهام فتصير لتسعة - أي: يخرج منهم الغرم على واحد، فيغرم فصيلًا واحدًا فتصير لتسعة حتى تصير إلى واحد - يغرم الآخرون فصيلًا فصيلًا إلى الفصال، فهو الميسر (٣).
وروى ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى
стр. 2911
قال: كانوا يشترون الجزور فيجعلونها أجزاء، ثم يأخذون القِداح - أي: السهام؛ جمع قِدح بكسر القاف - فيلقونها، وينادى: يا ياسر الجزور! يا ياسر الجزور! فمن خرج قِدحه أخذ جزورًا بغير شيء، ومن لم يخرج قِدحه غرم ولم يأخذ شيئًا (١).
وقال ليث: عن طاوس، وعطاء، ومجاهد: كل شيء فيه قمار فهو من الميسر حتى لعب الصبيان بالكعاب والجوز. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، والمفسرون، وأخرجه ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن سيرين رحمه الله تعالى: أنه رأى غلمانًا يتقامرون يوم عيد فقال: لا تقامروا؛ فإن القمار من الميسر (٣).
وروى ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ عنه قال: ما كان من لعب فيه قمار، أو قيام، أو صياح، أو شر فهو من الميسر (٤).
وروى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: النرد والشطرنج من الميسر (٥).
стр. 2912
وروى الإمام أحمد قال: قال رسول الله. "اتَّقُوا هاتَيْنِ الكَعْبَتَيْنِ المَوْسُوْمَتَيْنِ اللَّتَينِ تَزْجُرَانِ زَجْرًا؛ فَإِنَّها مِن مَيْسِرِ الْعَجَمِ" (١).
وروى ابن أبي حاتم، والطبراني عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ : أنه كان يقول: "اجْتَنِبُوا هَذِهِ الْكَعْبَاتِ الْمَوْسُوْمَةِ الَّتِي يُزْجَرُ بِهَا زَجْرًا؛ فَإِنَّهَا مِن الْمَيْسِرِ" (٢).
وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ؛ فَفَرَسٌ للِرَّحْمَنِ، وَفَرَسٌ للشَّيْطَانِ، وَفَرَسٌ لِلإِنْسَانِ، [فأمَّا فرسُ الرَّحْمنِ] فَالَّذِي يُرْتَبَطُ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ فَعَلَفُهُ وَرَوْثُهُ وَبَوْلُهُ فِيْ مِيْزَانِهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الشَّيْطَانِ فَالَّذِي يُقَامَرُ أَوْ يُرَاهَنُ عَلَيْهِ، وَأَمَّا فَرَسُ الإِنْسَانِ فَالْفَرَسُ يَرْتَبِطُهَا الإِنْسَانُ يَلْتَمِسُ بَطْنَهَا فَهِيَ سِتْرٌ مِنْ فَقْرٍ" (٣).
وروى ابن أبي حاتم عن يزيد بن شريح رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "ثَلاثٌ مِنَ الْمَيْسِرِ: الصَّفِيْرُ بِالْحَمَامِ، وَالْقِمَارُ،
стр. 2913
وَالضَّرْبُ بِالْكِعَابِ" (١).
وأما الأنصاب فروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: الأنصاب أحجار كانوا يذبحون لها، والأزلام قداح كانوا يقتسمون بها الأمور (٢).
واختلف المفسرون فقال جماعة: هي الأصنام التي كانوا يذبحون لها في الجاهلية.
وقال مجاهد، وقتادة رحمهما الله تعالى: كان حول البيت ثلاث مئة وستون حجرًا منصوبة، كان أهل الجاهلية يعبدونها ويعظمونها ويذبحون لها، وليست هي أصنامًا، إنما الأصنام المصورة المنقوشة (٣).
قال مجاهد: وكانوا يبدلونها بحجارة أعجب إليهم منها. رواه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر (٤).
وأمَّا الأزلام فقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: هي حصى بيض كانوا يضربون بها؛ أي: ينجمون.
وقال أيضًا: الأزلام القداح؛ كانوا إذا خرجوا في سفر جعلوا قداحًا
стр. 2914
للخروج وللجلوس، فإن وقع الجلوس جلسوا، وإن وقع الخروج خرجوا. رواهما ابن جرير (١).
وروى عبد بن حميد عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: الأزلام القداح يضربون بها لكل سفر وغزو وتجارة (٢).
وعنه أيضًا قال: هي كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها، وهي النرد (٣).
وقد تقدم أنها من الميسر، فيكون ذكرها ثانيًا من باب عطف الخاص على العام اعتناء بالنهي عنها.
وقال الشعبي، وغيره: الأزلام للعرب، والكعاب للعجم (٤).
وقال سفيان بن وكيع رحمه الله تعالى: الأزلام الشطرنج (٥).
روى ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا عن القاسم رحمه الله تعالى: أنه سئل عن الشطرنج فقال: كل ما ألهى عن ذكر الله وعن الصلاة فهو من الميسر (٦).
стр. 2915
وعن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه مر على قوم يلعبون بالشطرنج فقال: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ لأَنْ يمس أحدكم جمرًا حتى يطفئ خير له من أن يمسها (١).
ومذهب الشافعي رحمه الله تعالى: أن اللعب بالشطرنج مكروه، فإذا اقترن به قمار أو فحش أو إخراج صلاة عن وقتها، أو كان مصورًا كان حرامًا (٢).
وقال أكثر العلماء بتحريمه مطلقًا.
وسئل عبد الله بن عمر ﵄ عن الشطرنج فقال: هي شر من النرد. رواه ابن أبي الدنيا (٣).
وقد اتفق العلماء على أن النرد حرام، وهو من الكبائر.
وقال جماعة من المفسرين: الأزلام ثلاثة قداح كانت الجاهلية تستقسم بها - أي: تستخرج قسمها وأرزاقها بها - كان مكتوبًا على الأول: أمرني ربي - يعنون: الصنم -، وعلى الثاني: نهاني ربي، وعلى الثالث: غفل؛ فإن خرج الأول فعلوا ما استقسموا عليه، وإن خرج الثاني
стр. 2916
تركوه، وإن خرج الثالث عادوا إلى الاستقسام، فنهى الله تعالى المسلمين أن يستقسموا بالأزلام، وبيَّن أنها من عمل الشيطان (١).
وقال الحسن: مكتوب على الأول: أُأْمرني، وعلى الثاني: انهني، ويتركون الثالث محللًا بينهما. رواه عبد بن حميد، وابن جرير (٢).
وقال آخرون: كانت الأزلام سبعة قداح مستوية من شوحط - وهو شجر من أشجار الجبال - وكانت تكون عند سادن الكعبة مكتوب على واحد: نعم، وعلى الآخر: لا، وعلى آخر: منكم، وعلى آخر: من غيركم، وعلى آخر: ملصق، وعلى آخر: العقل، وآخر: غفْلٌ ليس عليه شيء.
وكانوا إذا أرادوا أمرًا من سفر، أو نكاح، أو ختان، أو غير ذلك جاؤوا إلى هُبَل - وكانت أعظم أصنامهم بمكة - وأعطوا صاحب القداح مئة درهم؛ فإن خرج (نعم) فعلوا، وإن خرج (لا) لم يفعلوا ذلك حولًا، ثم استقسموا.
وإذا أجالوا على نسب فإن خرج (منكم) كان وسطًا منهم، وإن خرج (من غيركم) كان حليفًا، وإن خرج (ملصق) كان على منزلة لا نسب له ولا حلف، وإن خرج (الغفل) أحالوا ثانيًا (٣).
стр. 2917
فنهى الله تعالى عن ذلك، وبين أنه رجس من عمل الشيطان لأنه دخول في علم الغيب من غير علم مع ما فيه من الكفر القبيح، والشرك الصريح.
قال في "الكشاف": والكَهَنة والمنجمون بهذه المثابة، وهو ظاهر (١).
قلت: وعوَّض الله تعالى أهل الإسلام بالاستخارة والاستشارة عن الاستقسام بالأزلام.
ومعنى قوله تعالى في الآية السابقة: ﴿رِجْسٌ﴾ [المائدة: ٩٠]، قال ابن عباس: سخط (٢).
وقال غيره: قذر تعافه العقول.
ومن هنا استدل العلماء على نجاسة الخمر (٣).
قال القرطبي: ومعنى قوله: ﴿مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠]؛ أي: يحمله عليه [ويزينه].
وقيل: هو الذي كان عمل مبادئ هذه الأمور لنفسه حتى اقتدي به، انتهى (٤).
стр. 2918
* تَنْبِيهانِ:
الأَوَّلُ: كان الاستقسام بالأزلام مختصًا بالرجال.
قال سلمة بن وهرام: سألت طاوس ﵀ عن الأزلام فقال: كانوا في الجاهلية لهم قداح يضربونها؛ قِدح معلم يتطيرون به، فإذا ضربوا بها حين يريد أحدهم الحاجة فخرج ذلك القِدح لم يخرج لحاجته، فإن خرج غيره خرج لحاجته.
قال: وكانت المرأة إذا أرادت الحاجة لها لم تضرب بتلك القداح، فذلك قول الشاعر: [من الطويل]
إِذا حدَّدَتْ أُنْثى لأَمْر خِمارِها ... أَتَتْهُ وَلَمْ تَضْرِبْ لَهُ بِالْمَقاسِمِ
رواه أبو الشيخ (١).
ولم يكن امتناع النساء عن الاستقسام إيمانًا منهن وتسليمًا، وإنما كان من باب الهجوم على الشر والطيش لغلبة الهوى، وكلا حالتي الرجال والنساء في الجاهلية كان على غير صواب متابعة للشيطان.
ومقتضى الإسلام ترك الاستقسام مع التروي في الأمور، والامتحان فيها، والاستشارة لها من الرجال والنساء جميعًا دون الهجوم على الأمور والعجلة فيها ما لم يكن من أعمال الآخرة.
التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: ليس من الاستقسام بالأزلام القرعة الشرعية في مسألة الإقراع بين المماليك في العتق وغيرها من مسائل القرعة كما
стр. 2919
قال به الشافعي رحمه الله تعالى وغيره؛ لأن استعمال القرعة مبني على الأحاديث الصحيحة، ويفرق بينه وبين الاستقسام بأن العتق مثلًا حكم شرعي، وكان خروج القرعة عَلَمًا على تحقيق ما مضى من حكم العتق بخلاف الاستقسام؛ فإنه استخراج لأمر مستقبل.
وكذلك ليس من الاستقسام التفاؤل بالفأل الحسن بخلاف التطير؛ فإن النبي ﷺ كان يعجبه الفأل الحسن، ويكره الطيرة كما رواه ابن ماجه عن أبي هريرة، والحاكم وصححه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها (١).
وروي مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا طِيَرَةَ، وَخَيْرُهَا الْفَأْلُ".
قيل: يا رسول الله! ما الفأل؟
قال: "الكَلِمَةُ الصَّالِحَةُ يَسْمَعُهَا أَحَدُكُم" (٢).
قال أبو سليمان الخطابي رحمه الله تعالى: الفرق بين الفأل والطيرة إنما هو من قبيل الاتكال على الله تعالى وحسن الظن بالله، والطيرة إنما هي من طريق الاتكال على شيء سواه.
стр. 2920
وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وأبو داود عن قبيصة رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "العيَافَةُ وَالطِّيَرَةُ وَالطَّرْقُ مِنَ الْجِبْتِ" (١).
قال عكرمة رحمه الله تعالى: الجبت هو الشيطان بالحبشية. رواه
عبد بن حميد، بل رواه هو وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢).
ومعنى الحديث: أن هذه الثلاثة من تسويل الشيطان؛ أي: من أعماله.
قال ابن فارس: الطرق: الضرب بالحصى، وهو جنس من التكهن (٣).
وقال أبو داود: الطرق: الزجر، والعيافة: الخط؛ يعني: التنجيم (٤).
ونقل البغوي عن ابن سيرين رحمه الله تعالى: أن الطارق هو الكاهن (٥).
وروى الطبراني، عن عمران بن الحصين ﵄: أن النبي ﷺ قال:
стр. 2921
"لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ أَوْ تُطُيِّرَ لَهُ، وَلا مَنْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ" (١).
وتقدم في حديث أبي أمامة أن الكهنة رسل الشيطان.
ولقد جمع الله تعالى بين الشيطان والكاهن في قوله تعالى في أهل الكتاب: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١].
ففي أثر ابن عباس المتقدم: الجبت: اسم الشيطان بالحبشية، والطاغوت: كهان العرب.
وقال قتادة رحمه الله تعالى: كنا نحدث أن الجبت شيطان، والطاغوت الكاهن (٢).
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: الجبت: كعب بن الأشرف، والطاغوت: الشيطان كان في صورة إنسان (٣). رواهما ابن جرير.
وروى هو وسعيد بن منصور، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، ورسته في "كتاب الإيمان" عن عمر بن الخطاب رضي الله
стр. 2922
تعالى عنه قال: الجبت: الساحر، والطاغوت: الشيطان (١).
والطاغوت مبالغة في الطاغي، وهو لائق بالشيطان والكاهن والساحر، إلا أنه في الشيطان أظهر.
ثم إن الكهنة والسحرة يلحقون بالشياطين لاجتماعهم في الصنعة، واتفاقهم في الحرفة.
وروى أبو الشيخ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: الكهنة هم شياطين الإنس (٢).
٦٧ - ومن أعمال الشياطين لعنهم الله: عمل السحر، وعِلْمُه وتَعَلُّمِهِ وَتعليمِه، وهي منه .
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: ١٠٢].
وروى عبد الرزاق، والبيهقي في "الشعب" عن قتادة رحمه الله تعالى قال: لما أهبط إبليس قال: أي رب! لقد لعنته فما عمله؟
قال: السحر.
قال: فما قرآنه؟
стр. 2923
قال: الشعر.
قال: فما كتابه؟
قال: الوشم.
قال: فما طعامه؟
قال: كل ميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه.
قال: فما شرابه؟
قال: كل مسكر.
قال: فأين مسكنه؟
قال: الحمام.
قال: فأين مجلسه؟
قال: الأسواق.
قال: فما صوته؟
قال: المزمار.
قال: فما مصائده؟
قال: النساء (١).
قال الخطابي: السحر من عمل الشيطان يفعله في الإنسان بنفثه ونفخه، وهمزه ووسوسته، ويتلقاه بتعليمه إياه ومعونته عليه، فإذا
стр. 2924
تلقاه عنه استعمله في غيره بالقول والنفث في العُقَد، انتهى (١).
وروى النسائي، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان آصف كاتب سليمان ﵇ وكان يعلم الاسم الأعظم، وكان يكتب كل شيء بأمر سليمان ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات أخرجته الشياطين فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا، وقالوا: هذا الذي كان سليمان يعمل به، فأكفره جهال الناس وسبوه، ووقف علماؤهم، فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل الله تعالى على محمد ﷺ : ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية (٢).
وفي هذا دليل على أن التزوير على العلماء والنقل عنهم خلاف ما قالوه ورأوه خُلُقٌ شيطاني.
روى سعيد بن منصور، والمفسرون، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ أنه قال: إن الشياطين كانوا يسترقون السمع، وكان أحدهم يجيء بكلمة حق قد سمعها فيكذب معها سبعين كذبة، فيشربها قلوب الناس، فأطلع الله تعالى على ذلك سليمان بن داود ﵉، فأخذها ودفنها تحت الكرسي، فلما مات سليمان ﵇ قام شيطان بالطريق قال: ألا أدلكم على كنز سليمان الذي لا كنز لأحد مثل كنزه الممتنع؟
стр. 2925
قالوا: نعم.
فأخرجوه فإذا هو سحر، فتناسخها الأمم.
قال: فأنزل الله تعالى عذر سليمان فيما قالوا إنه السحر: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية (١).
٦٨ - ومنها: النشرة .
روى البزار ورجاله رجال الصحيح، عن الحسن قال: سئل أنس ابن مالك رضي الله تعالى عنه عن النشرة، فقال: ذكر لي أن رسول الله ﷺ سئل عنها فقال: "هِيَ مِنَ الشَّيْطانِ" (٢).
وقال البغوي: روي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن النشرة، فقال: "هِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ" (٣).
قال: والنشرة ضرب من الرقية يعالج بها من كان يظن أن به مس الجن؛ سميت النشرة لأنه ينشر بها عنه ما خامره من الداء؛ يعني: في زعمهم.
стр. 2926
قال: وكرهها غير واحد؛ منهم إبراهيم.
وحكي عن الحسن أنه قال: النشرة من السحر.
وقال سعيد بن المسيب: لا بأس بها (١).
٦٩ - ومنها: سائر أنواع الرقى إلا الرقية بذكر الله تعالى وما يعرف معناه مما يسوغ، وكذلك الإشارة بالرقية إلا ما ذكر .
روى أبو داود، وغيره عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجته فأراد أن يدخل المنزل تنحنح وبزق ليعلمنا أن يهجم منا على شيء يكرهه، وإنه جاء ذات يوم وعندي عجوز ترقى من الحموة، قالت: فلما جاء عبد الله تنحنح قالت: فأدخلتها تحت السرير، قالت: فجاء حتى جلس معي على السرير فرأى في عنقي خيطًا، فقال: ما هذا الخيط؟
فقلت: خيط رقى رقية.
قالت: فأخذه فقطعه، ثم قال: أنتم آلَ عبد الله أغنياءُ عن الشرك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتِّوَلَةَ شِرْكٌ".
فقلت له: فلم تقول هكذا؟ لقد كانت عيني تقذف، وكنت أختلف إلى فلان اليهودي فإذا رقاها سكنت.
فقال عبد الله: إن ذلك عمل الشيطان، كان ينخسها بيده فإذا رقى فيها كف عنها، إنما يكفيك أن تقولي كما كان رسول الله ﷺ أن يقول:
стр. 2927
"أَذْهِبِ البَأْسَ رَبَّ النَّاسِ، وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي، لا شِفَاءَ إِلَّا شِفَاؤُكَ شِفاءً لا يُغَادِرُ سَقَمًا" (١).
قال البغوي: والمنهي عنه من الرقى ما كان فيه شرك، أو كان يذكر مردة الشياطين، أو ما كان منها بغير لسان العرب لا يدري ما هو، وأما ما كان بالقرآن أو بذكر الله تعالى فإنه جائز مستحب، انتهى (٢).
والتمائم - جمع تميمة -: خرزات كانت العرب تعلقها على أولادها، ويزعمون أنها تدفع العين عنهم.
وقال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: كل شيء يعلق على صغير أو كبير - أي: ليدفع بلاء، أو يرد قضاء - فهو تميمة.
لكن قال عطاء: لا يعد من التمائم ما يكتب من القرآن (٣).
والتولة - بكسر التاء -: ضرب من السحر، وهو ما يحبب المرأة إلى زوجها، وإنما كان مذمومًا لأنه من باب الاعتماد على غير الله تعالى، فإن كان فيه صد له عن زوجته الأخرى كان أشد لأنه مع كونه سحرًا إضرار وتفريق بين الزوجين، فإن كان تحببًا لامرأة أجنبية أو لأمرد جميل للتوصل إلى الفاحشة فإنه أشد؛ لأنه قيادة، مع كونه سحرًا، وعمل السحر مطلقا حرام، فإن انضم إليه حرام آخر باء بتعاطيه بإثمهما.
стр. 2928
وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ عَقَدَ عُقْدَةً ثُمَّ نَفَثَ فِيْهَا فَقَد سَحَرَ، وَمَنْ سَحَرَ فقد أَشْرَكَ، وَمَنْ تَعَلَّقَ شَيْئًا فَقَد وُكِلَ إِلَيْهِ" (١).
وروى عبد الرزاق عن صفوان بن سليم - مرسلًا - قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَعَلَّمَ شَيْئًا مِنَ السِّحْرِ - قَلِيْلًا أَوْ كَثِيْرًا - كانَ آخِرَ عَهْدِهِ مِنَ اللهِ" (٢).
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تفسير النفث: هو خلط السحر بالرقى.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: هو الرقى في عقد الخيط. رواهما ابن جرير (٣).
وكأنه إنما كان سحرًا لأنه جمع بين رقية وفعل، والسحر فعل الساحر أو فعل مع أقوال يعتادونها ويعتقدونها مؤثرة في جلب الأزول وتسخير الشياطين.
* تَنْبِيْهٌ:
لا ينبغي أن يغتر بما يتفق من مصادفة فعل السحرة والكهان لما في النفس، كأن يكون من عادة المرء أن لا يعيش له ولد، فيعلق التميمة على
стр. 2929
بعض أولاده فيعيش، أو يكون به ألم فيرقى بما لا يجوز الرقية به فيسكن، أو يكون من عادة المرأة أن لا تحمل، أو من عادتها أن تجهض الجنين فيعلق عليها تميمة فتحمل أو يتماسك حملها، أو يكون الشيطان مفسدًا بين المرأة وبعلها فإذا عملت لها التِّولة تركها؛ فإن ذلك من عمل الشيطان كما قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
ولا بِدْع أن ينخس الشيطان موضع الألم فإذا رقي ترك النخس، أو يعتري الشيطان الجنين فيجهضه فإذا علق على الحامل ترك جنينها، أو يفسد النطفة في رحم المرأة فلا تنعقد فإذا علق عليها تركها بعد ذلك خصوصًا إذا ترك الزوجان التسمية والتعوذ عند الجماع.
وفي الحديث عن [حَمْنَة] بنت جحش رضي الله تعالى عنها ما يشهد لذلك، حيث قال لها النبي ﷺ : "إِنَّمَا هَذِهِ - يَعْنِي: الاسْتِحَاضَةَ - رَكْضَةٌ مِن رَكَضَاتِ الشَّيْطَانِ" وحديثها في "مسند الإمام أحمد"، والسنن الأربعة (١).
وهذا من أفعال الشيطان يشبه ما رواه الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمَّا حَمَلَت حَوَّاءُ طافَ بِهَا إِبْلِيسُ، فَكَانَ لا يَعِيْشُ لَهَا وَلَدٌ، فَقالَ: سَمِّيهِ عَبْدَ الْحَرْثِ فَإِنَّهُ يَعِيْشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَرثِ
стр. 2930
فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْي الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ" (١).
وروى البزار، والطبراني في "الكبير" عن معاوية بن قرة، عن أبيه رضي الله تعالى عنهما قال: ذهبت لأسلم حين بعث النبي ﷺ ، فأردت أن أدخل معي رجلين أو ثلاثة في الإسلام، فأتيت الماء حيث مجتمع الناس فإذا أنا براعي القرية الذي يرعى أغنامهم، فقال: لا أرعى لكم أغنامكم.
قالوا: لِمَ؟
قال: يجيء الذئب كل ليلة فيأخذ شاة، وصنمنا هذا قائم لا يضر ولا ينفع، ولا يغير ولا ينكر.
قال: فرجعوا وأنا أرجو أن يسلموا، فلما أصبحنا جاء الراعي يشتد يقول لهم: البشرى قد جيء بالذئب فهو بين يدي الغنم مقموطًا، فذهبت معهم.
وفي رواية البزار: ألا ترون الذئب مربوطًا بين يدي الغنم بغير وثاق، فجاؤوا وجئنا معهم إلى الصنم، فقبلوه وسجدوا له، وقالوا: هكذا فاصنع.
قال: فدخلت على النبي ﷺ فحدثته بهذا الحديث، فقال: "عَبَثَ بِهِمُ الشَّيْطَانُ".
стр. 2931
وفي رواية البزار: "يَتَلَعَّبُ بِهِمُ الشَّيْطَانُ " (١).
٧٠ - ومن أعمال الشيطان: تصوير ما فيه روح، والأمر بذلك؛ وهو من الكبائر .
روى أبو الشيخ في كتاب "العظمة"، والثعلبي عن محمد بن كعب القرظي رحمه اللهّ تعالى قال: كان لآدم ﵇ خمسة بنين؛ ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وكانوا عُبَّادًا، فمات رجل منهم فحزنوا عليه حزنًا شديدًا، فجاءهم الشيطان فقال: هل لكم في أن أصور لكم في قبلتكم مثله؛ إذا نظرتم إليه ذكرتموه؟
فقالوا: نكره أن نجعل في قبلتنا شيئًا نصلي إليه.
قال: فاجعلوه في مؤخر المسجد.
قالوا: نعم.
فصور لهم، ثم مات آخَرُ فصوره لهم، قال: فتنقصت الأشياء كما تنتقصون اليوم، وأقاموا على ذلك ما شاء الله، ثم تركوا عبادة الله ، فأتاهم الشيطان فقال: ما لكم لا تعبدون شيئًا؟
قالوا: من نعبد؟
قال: هؤلاء آلهتكم وآلهة آبائكم، ألا ترون أنها مصورة في مصلاكم؟
стр. 2932
قال: فعبدوها من دون الله تعالى حتى بعث الله تعالى نوحًا ﵇ فدعاهم إلى عبادة الله ، فقالوا: ﴿لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢٣] (١).
وروى عبد بن حميد عن أبي جعفر بن يزيد بن المهلب رحمه الله تعالى قال: كان ود رجلًا مسلمًا، وكان محببًا في قومه، فلما مات عسكروا حول قبره في أرض بابل، وجزعوا عليه، فلما رأى إبليس جزعهم عليه تشبه في صورة إنسان، ثم قال: أرى جزعكم على هذا فهل لكم أن أصور لكم مثله فيكون في ناديكم، فتذكرونه به؟
قالوا: نعم.
فصور لهم مثله، فوضعوه في ناديهم وجعلوا يذكرونه، فلما رأى ما بهم من ذكره قال لهم: هل لكم أن أجعل لكم في منزل كل رجل منكم تمثالًا مثله، فيكون في بيته فيذكر به؟
قال: وأدرك أبناؤهم، فجعلوا يرون ما يصنعون به، وتناسلوا، ودرس أمر ذكرهم إياه حتى اتخذوه إلهًا يعبدونه من دون الله.
قال: وكان أول ما عبد غير الله في الأرض ودًّا الصنمَ الذي سموا بود (٢).
стр. 2933
وروى البخاري، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب:
أمَّا ود فكانت لكلب بدُومة الجندل.
وأما سواع فكانت لهذيل.
وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف عند سبأ.
وأما يعوق فكانت لهمذان.
وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع؛ أسماء رجال صالحين من قوم نوح ﵇، فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصابًا ويسمونها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلك أولئك ونسخ العلم عبدت (١).
٧١ - ومن أخلاق الشيطان: إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس، والنميمة، وإتيان هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ [المائدة: ٩١].
وقال تعالى: ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ﴾ [الإسراء: ٥٣]؛ أي: يفسد ويحرش بينهم.
وروى الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطانَ قَد يَئِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ،
стр. 2934
وَلَكِن فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُم" (١)؛ أي: ولكن طمع في التحريش بينهم، وهو إيقاع الخصومة والخشونة بينهم.
* تَنْبِيهانِ:
الأَوَّلُ: قال الله تعالى حكاية عن يوسف ﵇: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠].
قال القرطبي: نسب ذنبهم إلى الشيطان تكرمة لهم (٢).
قلت: وهذا من لطائف الفهم، ولا يلزم منه أن لا يكون للشيطان ذنب، بل هو نزغ بينهم حقيقة، وهم ساغ فيهم نزغ الشيطان حتى كادوا ليوسف وذلك قبل أن يكونوا أنبياء.
ويدل عليه قول يعقوب ﵇: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥].
فذنب الشيطان النزغ بينهم، وذنبهم قبول نزغه وكيدهم لأخيهم، فلم يذكر يوسف لأبيه بحضرة إخوته حين وقع الصفاء بينهم ذنبهم، وإنما ذكر نزغ الشيطان بينهم وسكت عما صدر من إخوته في حقه؛ تكرمًا منه؛ لأن ذكر الجفاء في وقت الصفاء عين الجفاء.
стр. 2935
التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"
عن عون رحمه الله تعالى قال: ما اجتمع رجلان فتفرقا حتى يعقد الشيطان في قلب كل واحد عقدة؛ فإن لقي أخاه فسلم عليه انحلت العقدة، وإلا كانت كما هي (١).
قلت: مثل ذلك لا يقال من قبل الرأي، فهو محمول على أن عونًا بلغه ذلك عن نبينا ﷺ أو عن غيره من الأنبياء ﵈.
ثم العقدة عبارة عما يقع في قلب أحدهما من نظره فيما يبدو من حال الآخر، فإن كلًّا منهما يرى الآخر إما فوقه فيحسده، أو دونه فيحتقره ويرى نفسه فوقه، ويراه إما في طاعة وخير فينقبض ويتمنى أن لو كان أخلَّ بشيء من كمالها أو أدبها، وإما في معصية وشر فينسرَّ لذلك لما يراه من كمال نفسه بالنسبة إلى نقص الآخر.
ولو كان أحدهما حسن الاعتقاد في الآخر فقد يغلو في اعتقاده وينزله فوق منزلته، وقد يعتقد من هو [فوقه] دونه، ولو فرض أنه سلم من ذلك لم يسلم من التصنع له ومراءاته.
ومن ثم كان يرى بعضهم العزلة حتى عن الأخيار.
وهذه العقدة يتولد منها خواطر السوء والغيبة وغيرها من الأمور التي هي غير مرضية، فإذا لقي أحدهما صاحبه فسلم عليه انحلت تلك العقدة، وذهبت تلك الخواطر وتلاشت الغيبة وما تولد منها، وتحقق
стр. 2936
كل منهما بحال الآخر، فذهب اعتقاد السوء، وسلم كل واحد من الإطراء على الآخر، ومن هنا شرع السلام عند اللقاء، والمصافحة، والسؤال عن حال الإخوان؛ فافهم!
٧٢ - ومنها: اعتياد الشر والأذى .
فلا ينبغي للإنسان أن يتعود أذية الناس حتى يخافوا من شره، ويتوقوا أذيته كما يتوقون من أذية الشيطان ويتعوذون منه، وقد أمر الله تعالى بالتعوذ من شيطان الإنس، وهو المتشبه بالشيطان في الشره والتمرد، فقال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ [الناس: ١] إلى آخر السورة.
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الغيبة" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ يُخَافُ إِسَاءَتُه (١)، أَوْ يُخَافُ شَرُّهُ" (٢).
وروى أبو يعلى عنه، والإمام أحمد، والترمذي عن أبي هريرة
стр. 2937
قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُكُمْ مَن يُرْجَى خَيْرُهُ وُيؤْمَنُ شَرُّهُ، وَشَرُّكُم مَنْ لا يُرْجَى خَيْرُهُ وَلا يُؤْمَنُ شَرُّهُ" (١).
٧٣ - ومنها: التشاتم والتساب .
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن عياض بن حمار رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْمُسْتَبَّانِ شَيْطانانِ يَتَهاتَرانِ وَيَتَكاذَبانِ" (٢).
وإنما سميا شيطانين لتشبههما بالشيطان في السب والهتر، وهو تمزيق العرض والوقوع فيه، فإذا سكت أحدهما عن ذلك لم يكن شيطانًا.
وقد قلت: [من السريع]
يا أَيُّها السَّبَّابُ ما أَنْتَ فِي ... سَبِّكَ لِلْمُسْلِمِ إِنْسانُ
بَلْ أَنْتَ شَيْطانٌ وَإِنْ زادَ فِي ... جَوابِكَ المسَّبُّ فَشَيْطانُ
* فائِدَةٌ:
روى البيهقي في "الشعب" عن أبي عمرو بن العلاء ﵀
стр. 2938
تعالى قال: ما تشاتم رجلان قط إلا غلب ألأمهما (١).
٧٤ - ومنها: عدم المبالاة بما قال، وما قيل له .
روى الخلال عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة أنه قال: كان يقال: من لم يبال ما قال وما قيل له فهو ولد شيطان (٢).
بل روى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن عمرو بن شويفع، عن أبيه، عن جده شويفع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ﷺ : "مَنْ لَمْ يَسْتَحْيِ مِمَّا قالَ أَو قِيْلَ فَهُوَ لِغَيْرِ رشدة (٣)، حَمَلَت بِهِ أُمُّهُ عَلى غَيْرِ طُهْرٍ" (٤).
قلت: ومن هنا ذهب الحياء من الناس إلا قليلًا نادرًا لكثرة
الحلف بالطلاق، ثم الرجوع إلى الزوجة بعد البينونة بغير مراجعة صحيحة، أو بعد الطلقات الثلاث، أو من غير سؤال عما وقع منه، فكانت أكثر أولادهم لغير رشدة، فغلبت عليهم الوقاحة، فلا يبالون ما قالوا وما قيل لهم من صغرهم إلى كبرهم.
وسئل بعض العلماء عن السفلة فقال: الذي لا يبالي ما قال
стр. 2939
ولا ما قيل له (١).
٧٥ - ومنها: حضور مجالس أهل الجور من القضاة والولاة .
روى مسلم عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: قلت: يا رسول الله! إنا كنا بشرٍ فجاء الله بخير فنحن فيه، فهل وراء ذلك الخير شر؟
قال: "نَعَمْ".
قلت: كيف؟
قال: "يَكُوْنُ بَعْدِي أَئِمَّةٌ لا يَهْتَدُونَ بِهُدايَ، وَلا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَيَقُوْمُ فِيْهِم رِجَالٌ قُلُوْبُهُم قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِيْ جُثمانِ إِنْسٍ".
قلت: كيف أصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟
قال: "تَسْمَعُ وَتُطِيع لِلأَمِيْرِ؛ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ فَاسْمَعْ وَأَطِعْ" (٢).
وهذا الحديث نص في أن أتباع الولاة الظلمة متشبهون بالشياطين، توافقت قلوبهم وقلوبهم.
والولاة الآن والقضاة لا يكادون ينفكون عن الظلم، وجلساؤهم موافقون لهم، ومن خالفهم أو أنكر عليهم فهو مطرود عنهم.
ولقد قلت: [من الخفيف]
стр. 2940
جُلَساءُ الْقُضاةِ وَالْحُكَّامِ ... بِنِفاقٍ فِي النَّقْضِ وَالإِبْرامِ
هُمْ شَياطِيْنُ فِي الْقُلُوْبِ وَإِنْ كا ... نُوا أُناسًا فِي الشَّكْلِ وَالأَجْسامِ
فَتَجَنَّبْ عَنْ عِشْرَةِ الْقَوْمِ إلَّا ... لاضْطِرارٍ فِي عِشْرَةِ الأَقْوامِ
وَأَطِعْ ما اسْتَطَعْتَ وَاصْبِرْ لِظُلْمٍ ... فِي زَمانٍ مُسْتَحْكِمِ الإِظْلامِ
إِنَّما الصَّبْرُ لَوْ تَعَرَّفْتَ خَيْرٌ ... مِنْ نُزُولِ الْبَلاءِ وَالآثامِ
وروى الترمذي وقال: حسن، وابن ماجه، والبيهقي، وصححه ابن حبان، عن ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ -قال: "إِنَّ اللهَ تَعالَى مَعَ الْقاضِي ما لَمْ يَجُرْ، فَإِذا جارَ تَخَلَّى اللهُ عَنْهُ، وَلَزِمَهُ الشَّيْطَانُ".
وفي رواية: "فَإِذَا جَارَ تَبَرَّأَ اللهُ مِنْهُ، وَأَلْزَمَهُ الشَّيْطَانَ" (١).
فجليس القاضي الجائر على جوره راضيًا به شيطان، فكيف بمن يعاونه على جوره ويفتح له أبواب الظلم، ويحسِّن له أكل أموال الناس [بالباطل]، واستدلاء أموالهم إليه.
وأقول: إن من كان الآن على ضد ذلك في معاشرة القضاة والولاة لأشبه الناس بالملائكة.
وقد سبقت إشارة إلى ذلك في التشبه بالملائكة ﵈.
стр. 2941
وما أرفع مقام هذا الرجل لو كان له في زماننا وجود.
وعلى ذلك درج السلف الصالحون كما روى الدينوري عن صالح المري رحمه الله تعالى قال: قام رجل من العُبَّاد إلى يزيد بن المهلب، فقال: والله إنك أيها الأمير ما استدمت تتابع النعم بمثل اصطناع المعروف، ولا كايدت إبليس بمثل إضمار النصيحة لمن ولاك الله أمره، فإذا كنت كذلك أصلح الله لك ما تخشى فساده، وجمع لك ما تخشى شتاته، وإني والله أيها الأمير لأحب صلاحك، والذي يصل إلي من ذلك أكثر (١).
٧٦ - ومنها: حضور مجالس الغضب والخصومات التي لا خير فيها .
روى الإمام أحمد، والطبراني ورجالهما ثقات، عن عطية السعدي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا اسْتَشَاطَ السُّلْطَانُ تَسَلَّطَ الشَّيْطَانُ" (٢).
وروى البغوي في "شرح السنة" بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا سب أبا بكر رضي الله تعالى عنه عند النبي ﷺ والنبي ﷺ جالس لا يقول شيئًا فلما سكت ذهب أبو بكر
стр. 2942
رضي الله تعالى عنه يتكلم، فقام رسول الله ﷺ واتبعه أبو بكر، فقال: يا رسول الله! كان يسبني وأنت جالس، فلما ذهبت أتكلم قمت؟
قال: "إِنَّ الْمَلَكَ كانَ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتَ ذَهَبَ الْمَلَكُ وَوَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْلِسَ" (١).
وفي رواية البيهقي في "الشعب": فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أوَجَدْت عليَّ يا رسول الله؟
فقال رسول الله ﷺ : "نزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ لِيُكَذِّبَهُ بِمَا قالَ لَكَ، فَلَمَّا انتصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَم كُنْ لأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ" (٢).
٧٧ - ومنها: الدخول على الملوك والسلاطين والأمراء بغير ضرورة، والتأويل في ذلك، والإشارة بذلك .
روى أبو القاسم البغوي - وهو غير أبي محمد البغوي المذكور قريبًا، وهو صاحب "التفسير"، و"شرح السنة"، والفقيه المشهور أحد أصحاب الشافعي، وهذا المحدث متقدم عليه وهو صاحب "المعجم" - وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَكُوْنُ قَوْمٌ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ وَيَتَفَقَّهُونَ فِيْ الدُّنْيَا، يَأْتِيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُوْلُ لَهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمُ السُّلْطَانَ فَأَصْلَحَ مِنْ دُنْيَاكُمْ وَاعْتَزَلْتُمُوهُمْ
стр. 2943
بِدِيْنِكُمْ، وَلا يَكُوْنُ ذَلِكَ؛ كَمَا لا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إلَّا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لا يُجْتَنَى مِن قُرْبِهِم إلَّا الْخَطَايَا" (١).
وقلت في "أرجوزتي" التي نظمت فيها "ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين" للحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: [من الرجز]
وَمَنْ يَقُلْ نَأْتِي إِلى الْعُمَّال ... نُصِيْبُ دُنْياهُمْ بِالاعْتِزالِ
بِدِيْننا عَنْهُمْ فَهَذا لا يَكُوْنْ ... غَيْرَ الْخَطايا مِنْهُمُ لا يَجْتَنُوْنْ
إِذْ لَيْسَ غَيْرَ الشِّرْكِ وَالْفَسادِ ... يُقْطَفُ يا هَذا مِنَ الْقَتادِ
وَإِنَّما مَنْشَأ هَذا الْهاجِسِ ... مِنْ هَوَسِ الشَّيْطانِ وَالْوَساوِسِ
٧٨ - ومنها: دلالة أعداء المسلمين على عوراتهم، والسعي في أذيتهم؛ وكل ذلك من الكبائر .
روى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت فأرة فأخذت تجرُّ الفتيلة، فذهبت الجارية تزجرها، فقال نبي الله ﷺ : "دَعِيهَا"، فجاءت بها فألقتها على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال رسول الله ﷺ : "إِذَا نِمْتُم فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُم؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ على هَذَا فَيُحْرِقَكُم" (٢).
стр. 2944
وذكر الثعلبي، وغيره عن كعب رحمه الله تعالى: أن زكريا ﵇ لما بلغه أن ابنه يحيى ﵇ قتل ولَّى هاربًا حتى أتى بستانًا من بساتين بيت المقدس، وقد بعث الملك الذي قتل يحيى في طلب زكريا رجالاً من قومه، فمر زكريا بشجرة فنادته: يا نبي الله! هلم إليَّ، فلمَّا أتاها انفرجت له، فدخل زكريا في وسطها، فانطلق إبليس - لعنه الله - فأخذ بطرف ردائه فأخرجه من الشجرة، ثم استقبل إبليس الطلب، وقال لهم: إن زكريا ﵇ دخل في هذه الشجرة، فلم يصدقوه، فأراهم طرف الرداء خارجًا من الشجرة، فذهبوا عنه مسرعين، ثم عادوا إليه بالمنشار، فركبوا المنشار على أصل الشجرة ونشروه في وسطها (١).
وروى ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ ليلة أسرى به رأى زكريا في السماء فسلم عليه، فقال: "اأَبَا يَحْيَى! أَخْبِرْنِي عَنْ قَتْلِكَ كَيْفَ كَانَ، وَلِمَ قَتَلَكَ بَنُو إِسْرَائِيْلَ؟ "
قال: يا محمد! إن يحيى كان خير أهل زمانه، وكان أجملهم وأصبحهم وجهًا، وكان كما قال الله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، وكان لا يحتاج إلى النساء، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغيًا، فأرسلت إليه، وعصمه الله، وامتنع وأبى عليها، وأجمعت على قتل يحيى ﵇، ولهم عيد يجتمعون في كل عام، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب، فخرج
стр. 2945
الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته - وكان بها معجبًا ولم تفعله فيما مضى - فلما أن شيعته قال الملك: سليني فما تسأليني شيئًا إلا أعطيتك، قالت: أريد دم يحيى بن زكريا ﵉.
قال لها: سليني غيره.
قالت: هو ذاك.
قال: هو لك، فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو فى محرابه يصلي وأنا إلى جانبه، فذبح في طست، وحمل رأسه ودمه إليها.
فقال النبي ﷺ : "فَمَا بَلَغَ مَنْ صَبَرَكَ؟ " قال: ما انفتلت من صلاتي، فلما حمل رأسه إليها وضع بين يديها، فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل: غضب الله لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكرياء، فخرجوا في طلبي ليقتلوني فجاءني النذير، فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم عليَّ، فلما أني تخوفت أن لا أعجزهم عرضت لي شجرة فنادتني: إليَّ، إليَّ، وانصدعت، فدخلت فيها، وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي، والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجًا من الشجرة، وجاء بنو إسرائيل، فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة؟ هذا طرف ردائه، دخلها بسحره.
فقالوا: نحرق هذه الشجرة.
فقال إبليس: شقوه بالمنشار شقاً.
قال: فشققت مع الشجرة بالمنشار.