وما أرفع مقام هذا الرجل لو كان له في زماننا وجود.
وعلى ذلك درج السلف الصالحون كما روى الدينوري عن صالح المري رحمه الله تعالى قال: قام رجل من العُبَّاد إلى يزيد بن المهلب، فقال: والله إنك أيها الأمير ما استدمت تتابع النعم بمثل اصطناع المعروف، ولا كايدت إبليس بمثل إضمار النصيحة لمن ولاك الله أمره، فإذا كنت كذلك أصلح الله لك ما تخشى فساده، وجمع لك ما تخشى شتاته، وإني والله أيها الأمير لأحب صلاحك، والذي يصل إلي من ذلك أكثر (١).
٧٦ - ومنها: حضور مجالس الغضب والخصومات التي لا خير فيها .
روى الإمام أحمد، والطبراني ورجالهما ثقات، عن عطية السعدي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا اسْتَشَاطَ السُّلْطَانُ تَسَلَّطَ الشَّيْطَانُ" (٢).
وروى البغوي في "شرح السنة" بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا سب أبا بكر رضي الله تعالى عنه عند النبي ﷺ والنبي ﷺ جالس لا يقول شيئًا فلما سكت ذهب أبو بكر
стр. 2942
رضي الله تعالى عنه يتكلم، فقام رسول الله ﷺ واتبعه أبو بكر، فقال: يا رسول الله! كان يسبني وأنت جالس، فلما ذهبت أتكلم قمت؟
قال: "إِنَّ الْمَلَكَ كانَ يَرُدُّ عَنْكَ، فَلَمَّا تَكَلَّمْتَ ذَهَبَ الْمَلَكُ وَوَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَجْلِسَ" (١).
وفي رواية البيهقي في "الشعب": فقال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: أوَجَدْت عليَّ يا رسول الله؟
فقال رسول الله ﷺ : "نزَلَ مَلَكٌ مِنَ السَّمَاءِ لِيُكَذِّبَهُ بِمَا قالَ لَكَ، فَلَمَّا انتصَرْتَ وَقَعَ الشَّيْطَانُ، فَلَم كُنْ لأَجْلِسَ إِذْ وَقَعَ الشَّيْطَانُ" (٢).
٧٧ - ومنها: الدخول على الملوك والسلاطين والأمراء بغير ضرورة، والتأويل في ذلك، والإشارة بذلك .
روى أبو القاسم البغوي - وهو غير أبي محمد البغوي المذكور قريبًا، وهو صاحب "التفسير"، و"شرح السنة"، والفقيه المشهور أحد أصحاب الشافعي، وهذا المحدث متقدم عليه وهو صاحب "المعجم" - وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَكُوْنُ قَوْمٌ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِي يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ وَيَتَفَقَّهُونَ فِيْ الدُّنْيَا، يَأْتِيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُوْلُ لَهُمْ: لَوْ أَتَيْتُمُ السُّلْطَانَ فَأَصْلَحَ مِنْ دُنْيَاكُمْ وَاعْتَزَلْتُمُوهُمْ
стр. 2943
بِدِيْنِكُمْ، وَلا يَكُوْنُ ذَلِكَ؛ كَمَا لا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إلَّا الشَّوْكُ، كَذَلِكَ لا يُجْتَنَى مِن قُرْبِهِم إلَّا الْخَطَايَا" (١).
وقلت في "أرجوزتي" التي نظمت فيها "ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين" للحافظ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى: [من الرجز]
وَمَنْ يَقُلْ نَأْتِي إِلى الْعُمَّال ... نُصِيْبُ دُنْياهُمْ بِالاعْتِزالِ
بِدِيْننا عَنْهُمْ فَهَذا لا يَكُوْنْ ... غَيْرَ الْخَطايا مِنْهُمُ لا يَجْتَنُوْنْ
إِذْ لَيْسَ غَيْرَ الشِّرْكِ وَالْفَسادِ ... يُقْطَفُ يا هَذا مِنَ الْقَتادِ
وَإِنَّما مَنْشَأ هَذا الْهاجِسِ ... مِنْ هَوَسِ الشَّيْطانِ وَالْوَساوِسِ
٧٨ - ومنها: دلالة أعداء المسلمين على عوراتهم، والسعي في أذيتهم؛ وكل ذلك من الكبائر .
روى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت فأرة فأخذت تجرُّ الفتيلة، فذهبت الجارية تزجرها، فقال نبي الله ﷺ : "دَعِيهَا"، فجاءت بها فألقتها على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فأحرقت منها مثل موضع الدرهم، فقال رسول الله ﷺ : "إِذَا نِمْتُم فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُم؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ على هَذَا فَيُحْرِقَكُم" (٢).
стр. 2944
وذكر الثعلبي، وغيره عن كعب رحمه الله تعالى: أن زكريا ﵇ لما بلغه أن ابنه يحيى ﵇ قتل ولَّى هاربًا حتى أتى بستانًا من بساتين بيت المقدس، وقد بعث الملك الذي قتل يحيى في طلب زكريا رجالاً من قومه، فمر زكريا بشجرة فنادته: يا نبي الله! هلم إليَّ، فلمَّا أتاها انفرجت له، فدخل زكريا في وسطها، فانطلق إبليس - لعنه الله - فأخذ بطرف ردائه فأخرجه من الشجرة، ثم استقبل إبليس الطلب، وقال لهم: إن زكريا ﵇ دخل في هذه الشجرة، فلم يصدقوه، فأراهم طرف الرداء خارجًا من الشجرة، فذهبوا عنه مسرعين، ثم عادوا إليه بالمنشار، فركبوا المنشار على أصل الشجرة ونشروه في وسطها (١).
وروى ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ ليلة أسرى به رأى زكريا في السماء فسلم عليه، فقال: "اأَبَا يَحْيَى! أَخْبِرْنِي عَنْ قَتْلِكَ كَيْفَ كَانَ، وَلِمَ قَتَلَكَ بَنُو إِسْرَائِيْلَ؟ "
قال: يا محمد! إن يحيى كان خير أهل زمانه، وكان أجملهم وأصبحهم وجهًا، وكان كما قال الله تعالى: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ [آل عمران: ٣٩]، وكان لا يحتاج إلى النساء، فهويته امرأة ملك بني إسرائيل وكانت بغيًا، فأرسلت إليه، وعصمه الله، وامتنع وأبى عليها، وأجمعت على قتل يحيى ﵇، ولهم عيد يجتمعون في كل عام، وكانت سنة الملك أن يوعد ولا يخلف ولا يكذب، فخرج
стр. 2945
الملك إلى العيد فقامت امرأته فشيعته - وكان بها معجبًا ولم تفعله فيما مضى - فلما أن شيعته قال الملك: سليني فما تسأليني شيئًا إلا أعطيتك، قالت: أريد دم يحيى بن زكريا ﵉.
قال لها: سليني غيره.
قالت: هو ذاك.
قال: هو لك، فبعثت جلاوزتها إلى يحيى وهو فى محرابه يصلي وأنا إلى جانبه، فذبح في طست، وحمل رأسه ودمه إليها.
فقال النبي ﷺ : "فَمَا بَلَغَ مَنْ صَبَرَكَ؟ " قال: ما انفتلت من صلاتي، فلما حمل رأسه إليها وضع بين يديها، فلما أمسوا خسف الله بالملك وأهل بيته وحشمه، فلما أصبحوا قالت بنو إسرائيل: غضب الله لزكريا، فتعالوا حتى نغضب لملكنا فنقتل زكرياء، فخرجوا في طلبي ليقتلوني فجاءني النذير، فهربت منهم وإبليس أمامهم يدلهم عليَّ، فلما أني تخوفت أن لا أعجزهم عرضت لي شجرة فنادتني: إليَّ، إليَّ، وانصدعت، فدخلت فيها، وجاء إبليس حتى أخذ بطرف ردائي، والتأمت الشجرة وبقي طرف ردائي خارجًا من الشجرة، وجاء بنو إسرائيل، فقال إبليس: أما رأيتموه دخل هذه الشجرة؟ هذا طرف ردائه، دخلها بسحره.
فقالوا: نحرق هذه الشجرة.
فقال إبليس: شقوه بالمنشار شقاً.
قال: فشققت مع الشجرة بالمنشار.
стр. 2946
فقال له النبي ﷺ : "يا زَكَرِيَاءُ! هَلْ وَجَدْتَ لَهُ ألَمًا أَوْ وَجَعًا؟ "
قال: إنما وجدت ذلك الشجرة، جعل الله روحي فيها (١).
٧٩ - ومنها: تثبيت أعداء المسلمين على قتالهم واستثارتهم لذلك .
ثم من شأن اللعين خذلان أوليائه وعدم ثباته معهم، والجبن والفرار.
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الأنفال: ٤٨]
وقال تعالى: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ [الفرقان: ٢٩].
قال القاضي ناصر الدين البيضاوي: يواليه حتى يؤديه إلى الهلاك، ثم يتركه ولا ينفعه (٢).
قلت: وهكذا فعل الشيطان بقريش في وقعة بدر كما في الآية التي تقدمت.
وروى البيهقي عن ابن عباس ﵁ قال: أمد الله تعالى نبيه ﷺ يعني: يوم بدر - بألف من الملائكة ﵈ فكان جبريل في
стр. 2947
خمس مئة من الملائكة مجنبة، وميكائيل في خمس مئة من الملائكة مجنبة، وجاء إبليس في جند من الشياطين ومعه راية في صورة رجال من بني مدلج، والشيطان في صورة سراقة بن مالك بن جعشم، فقال الشيطان: ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٤٨]، فلما اختلف القوم قال أبو جهل: اللهم أولانا بالحق فانصره، ورفع رسول الله ﷺ يديه فقال: "يَا رَبِّ! إِنَّكَ إِن تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ فَلَنْ تُعْبَدَ فِيْ الأَرْضِ أَبَدًا".
فقال جبريل ﵇: خذ قبضة من تراب، فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركين أحد إلا أصاب عينيه وفمه، فولوا مدبرين، فأقبل جبريل ﵇ إلى إبليس لعنه الله، فلما رآه إبليس كانت يده في يد رجل من المشركين، فانتزع إبليس يده، ثم ولى مدبرًا وشيعتُه، فقال الرجل: يا سراقة! ألم تزعم أنك جار لنا؟ قال: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ [الأنفال: ٤٨] (١).
وقال الكلبي رحمه الله تعالى: لما التقوا كان إبليس في صف المشركين على صورة سراقة آخذًا بيد الحارث بن هشام، فنكص على عقبيه، فقال له الحارث: أفرارًا من غير قتال؟ وجعل يمسكه، فدفع في صدره وانطلق، وانهزم الناس، فلما قدموا مكة قالوا: هزم الناس سراقة، فبلغ ذلك سراقة فقال: بلغني أنكم تقولون: إني هزمت الناس؛ فو الله ما شعرت بمسيركم حتى بلغتني هزيمتكم، فقالوا:
стр. 2948
ما أتيتنا يوم كذا؟ فحلف لهم، فلما أسلموا علموا أن ذلك كان الشيطان (١).
وقال حسان بن ثابت في ذلك رضي الله تعالى عنه: [من البسيط]
سِرْنا وَسارُوا إِلى بَدْرٍ لِحَيْنِهِمُ ... لَوْ يَعْلَمُوْنَ يَقِيْنَ الأَمْرِ ما سارُوا
دَلاَّهُمُ بِغُرُورٍ ثُمَّ أَسْلَمَهُمْ ... إِنَّ الْخَبِيْثَ لِمَنْ والاهُ غَرَّارُ
وَقالَ إِنِّي لَكُمْ جارٌ فَأَوْرَدَهُمْ ... شَرَّ الْمَوارِدِ فِيْهِ الْخِزْيُ وَالْعارُ
ثُمَّ الْتَقَيْنا فَوَلَّوْا عَنْ سَراتِهِمُ ... مِنْ مُنْجِدِيْنَ وَمِنْهُمْ فِرْقَةٌ غارُوا
وروى أبو نعيم في "دلائل النبوة" عن ابن عباس ﵄ قال: هتف هاتف من الجن على أبي قبيس بمكة فقال: [من الخفيف]
قَبَّحَ اللهُ رَأْيَ كَعْبِ بْنِ فِهْرٍ ... ما أَرَقَّ الْعُقُولَ وَالأَحْلامِ
دِيْنُها أَنَّها يُعَنَّفُ فِيْها ... دِيْنُ آبائِها الْحُماةِ الْكِرام
حالَفَ الْجِنَّ جِنَّ بُصْرى عَلَيْكُمْ ... وَرِجالَ النَّخِيْل وَالآكام
يُوْشِكُ الْخَيْلُ أَنْ تَرْوها تَهادى ... تَقْتُلُ الْقَوْمَ فِي الْبِلادِ الْحرام
هَلْ كَرِيْمٌ مِنْكُمُ لَهُ نَفْسُ حُـ ... رٍّ ماجِدِ الْوالِدَيْنِ وَالأَقْوام
ضاوِيًا حَرْبَةً تَكُوْنُ نكَالاً ... وَرَواحًا مِنْ كُرْبَةٍ وَاغْتِمام
стр. 2949
فأصبح هذا الحديث قد شاع بمكة، وأصبح المشركون يتناشدونه بينهم، وهموا بالمؤمنين، فقال رسول الله ﷺ : "هَذَا شَيْطَانٌ يُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الأَوْثَانِ يُقَالُ لَهُ مسعرٌ، وَاللهُ يُخْزِيهِ".
فمكثوا ثلاثة أيام فإذا هاتف على الجبل: [من الرجز]
نَحْنُ قَتَلْنا مسْعَرا ... لَمَّا طَغَى وَاْسَتْكَبَرا
وَسَفَّهَ الْحَقَّ وَسَنَّ الْمُنْكَرا ... قَنَّعْتُهُ سَيفًا حَروفًا مُبْتَرا
لشتمه نبِيَّنا الْمُطَهَّرا
فقال رسول الله ﷺ : "ذَلِكُمْ عِفْرِيْتٌ يُقَالُ لَهُ: سَمْحِجُ، سَمَّيْتُهُ: عَبْدَ اللهِ؛ آمَنَ بِي، وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ فِيْ طَلَبِهِ مُنْذُ أَيَّامٍ" (١).
٨٠ - ومن أعمال الرجيم: تخبيب الولد على أبيه، والعبد على سيده، والمرأة على سيدها، والرجل على زوجته؛ وكل ذلك حرام .
روى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ خَبَّبَ زَوْجَةَ امْرِئٍ أَوْ مَمْلُوْكَهُ فَلَيْسَ مِنَّا" (٢).
وقال الله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢].
стр. 2950
وفي "صحيح مسلم" عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ، ثُمَّ يَبْعَثُ سَرَايَاهُ؛ فَأَقْرَبُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ فِتْنَةً، يَجِيْءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُوْلُ: مَا زِلْتُ بِفُلانٍ حَتَّى تَرَكْتُهُ وَهُوَ يَقُوْلُ كَذَا وَكَذَا، فَيَقُوْلُ إِبْلِيْسُ: لا وَاللهِ مَا صَنَعْتَ شَيْئًا، وَيَجِيْءُ أَحَدُهُمْ فَيَقُوْلُ: مَا تَرَكْتُهُ حَتَّى فَرَّقْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، فَيُقَرِّبُهُ وُيدْنِيْهِ، وَيلْتَزِمُهُ وَيقُوْلُ: نَعَمْ أَنْتَ" (١).
روى أبو الفرج الأصبهاني في "الأغاني" عن عمرو بن دينار رحمه الله تعالى قال: قال الحسن بن علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه وعن أبيه - لذريح أبي قيس: أحل لك أن فرقت بين قيس ولبنى؟ أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: ما أبالي أفرقت بين الرجل وامرأته، أم مشيت إليهما بالسيف (٢).
وروى المفسرون، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب" عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى: أنه قال لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ألا أخبرك عن إسحاق؟
قال: بلى.
قال: أري إبراهيم أن يذبح إسحاق ﵉ فقال الشيطان: والله لئن لم أفتن عند هذه آل إبراهيم لا أفتن أحدًا منهم أبدًا، فتمثل لهم الشيطان رجلًا يعرفونه، فأقبل حتى إذا خرج إبرهيم
стр. 2951
بإسحاق ﵉ ليذبحه دخل على سارة، فقال لها: أين أصبح إبراهيم غاديًا بإسحاق؟
قالت: لبعض حاجته.
قال: لا والله.
قالت: فلِمَ غدا؟
قال: ليذبحه.
قالت: لم يكن ليذبح ابنه.
قال: بلى والله.
قالت سارة: فلِمَ يذبحه؟
قال: زعم أن ربه أمره بذلك.
قالت: قد أحسن أن يطيع ربه إن كان أمره بذلك.
فخرج الشيطان فأدرك إسحاق وهو يمشي على إثر أبيه، فقال: أين أصبح أبوك غاديًا؟
قال: لبعض حاجته.
قال: لا والله، بل غدا بك ليذبحك.
قال: ما كان ليذبحني.
قال: بلى.
قال: لِمَ؟
قال: زعم أن الله أمره بذلك.
стр. 2952
قال إسحاق ﵇: فو الله لئن أمره ليطيعنه.
فتركه الشيطان، وأسرع إلى إبراهيم ﵇، فقال: أين أصبحت غاديًا بابنك؟
قال: لبعض حاجتي.
قال: لا والله، ما غدوت به إلا لتذبحه.
قال: ولِمَ أذبحه؟
قال: زعمت أن الله أمرك بذلك.
قال: فوالله لئن كان الله أمرني لأفعلن.
قال: فتركه ويئس أن يطاع.
فلما أخذ إبراهيم إسحاق ﵉ ليذبحه، وسلم إسحاق، عافاه الله وفداه بذبح عظيم، فقال: قم أيْ بنيَّ؛ فإن الله قد أعفاك، فأوحى الله تعالى إلى إسحاق: إني قد أعطيتك دعوة أستجيب لك فيها.
قال: فإني أدعوك أن تستجيب لي: أيما عبد لقيك من الأولين والآخرين لا يشرك بك شيئًا فأدخله الجنة (١).
قلت: وهذا أحد القولين أن الذبيح إسحاق، والثاني أنه
стр. 2953
إسماعيل ﵉.
ولكل من القولين أدلة تدل على صحته، ولا يبعد أن يكون الامتحان وقع لإبراهيم ﵇ في ولديه ولهما في قصتين، وهذا أحسن ما يقال (١).
٨١ - ومن أعمال الرجيم وأخلاقه: مصادقة من أصر على مصارمة أخيه المسلم وهجره بغير حق، ورد التحية على من لم يستحقها .
روى الإمام أحمد - ورجاله رجال الصحيح - وأبو يعلى، والطبراني عن هشام بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ مُسْلِمًا فَوْقَ ثَلاثِ لَيَالٍ؛ فَإِنَّهُمَا ناَكِبَانِ عَنِ الْحَقِّ مَا دَامَا عَلَى صرَامِهِمَا، وَأَوَّلُهُمَا فَيْئًا - أَي: رُجُوْعًا - إِلَى الْمُصَافَاةِ يَكُوْنُ سَبْقُهُ بِالْفَيْءِ كَفَّارَةً لَهُ وَإِنْ سَلَّمَ فَلَمْ يَقْبَلْ، وَرَدَّ عَلَيْهِ سَلامَهُ رَدَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ، وَرَدَّ عَلَى الآخَرِ الشَّيْطَانُ، وَإِنْ مَاتَا عَلَى صرَامِهِمَا لَمْ يَدْخُلا الْجَنَّةَ جَمِيْعًا أَبَدًا" (٢).
стр. 2954
٨٢ - ومنها: التجسس والاستماع إلى حديث قوم يكرهون سماعه .
روى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الْمَلائِكَةَ ﵈ تَنْزِلُ فِيْ الْعَنَانِ - وَهُوَ السَّحَابُ - فَتَذْكُرُ الأَمْرَ قُضِيَ فِي السَّمَاءِ، فَتَسْتَرِقُ الشَّيَاطِيْنُ السَّمْعَ فَتَسْمَعُهُ، فَتُوْحِيْهِ إِلَى الْكُهِّانِ، فَيَكْذِبُوْنَ مَعَهَا مِئَةَ كَذْبَةٍ مِن عِنْدِ أَنْفُسِهِم" (١).
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ؛ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيْثِ، وَلا تَجَسَّسُوا، وَلا تَنَافَسُوا، وَلا تَحَاسَدُوا، وَلا تَبَاغَضُوا، وَكُوْنُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا" (٢).
٨٣ - ومنها: إيقاع الناس في التهمة وسوء الظن فيمن لا يساء به الظن .
روى الشيخان عن صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ معتكفًا فأتيته أزوره ليلًا، فحدثته، ثم قمت فانقلبت، فقام معي ليقلبني، وكان مسكنها في دار أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، فمر رجلان من الأنصار، فلما رأيا النبي ﷺ أسرعا، فقال النبي ﷺ : "عَلَى رِسْلِكُمَا؛ إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ".
стр. 2955
فقالا: سبحان الله يا رسول الله!
قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِن ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيْتُ أَنْ يَقْذِفَ فِيْ قُلُوْبِكُمَا سُوْءًا - أو قال: شَيْئًا -" (١).
٨٤ - ومنها: إساءة الظن بالله تعالى، وبأوليائه ومن لا يساء به الظن .
فإن إبليس لما عرض الله تعالى على الملائكة أنه يريد أن يجعل في الأرض خليفة ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] , فيروى أن الذي قال ذلك هو إبليس (٢)، فأساء الظن بربه أن يخلق ما لا حكمة في خلقه، وبآدم حيث ظن فيه الإفساد.
وقال إبليس لآدم وحواء: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠] الآية، فأساء الظن بربه.
فتلك كلها أخلاق شيطانية.
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢].
وروى البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَسَاءَ بِأَخِيْهِ الظَّنَّ فَقَدْ أَسَاءَ بِرَبِه ؛ إِنَّ اللهَ تَعَالَى
стр. 2956
يَقُوْلُ: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ﴾ [الحجرات: ١٢] " (١).
وفي "أدبه المفرد" عن أبي العالية رحمه الله تعالى قال: كنا نؤمر أن نختم على الخادم ونكيل ونعد؛ كراهية أن يتعودوا خلق سوء أو يظن أحدنا ظن سوء (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لا تظنن بكلمة خرجت من أخيك سوءًا وأنت تجد لها في الخير محملًا (٣).
٨٥ - ومنها: حمل الإنسان على الأشر والبطر، والفخر والخيلاء، والكبر واتباع الهوى .
روى ابن عساكر عن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ لِلشَّيْطَانِ مَصَالِي (٤) وَفُخُوْخًا، وَمِنْ مَصَالِيْهِ وَفُخُوْخِهِ البَطَرُ بِنِعَمِ اللهِ، وَالْفَخْرُ بِعَطَاءِ اللهِ، وَالْكِبْرُ عَلَى عِبَادِ اللهِ، وَاتِّبَاعُ الْهَوَى فِي
стр. 2957
غَيْرِ ذَاتِ اللهِ" (١).
٨٦ - ومنها: تمنية الإنسان بما لا يليق به، أو ما يليق به ولا يستطيعه خصوصًا من أمور الدنيا .
قال الله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ﴾ [النساء: ١٢٠].
روى الطبراني بإسناد رجاله رجال الصحيح، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إذا ركب الرجل الدابة فلم يذكر الله ردفه الشيطان، فقال له: تغَنَّ، فإن لم يحسن قال له: تمَنَّ (٢).
٨٧ - ومنها: تحزين المؤمن، وإدخال الهم والغم عليه .
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [المجادلة: ١٠].
وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُوْنَ الثَّالِثِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ" (٣).
стр. 2958
ورويا والإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كُنْتُمْ ثَلاثَةً فَلا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُوْنَ الآخَرِ حَتَّى تَخْتَلِطُوا بالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ" (١).
وروى ابن ماجه عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الرُّؤْيَا ثَلاثَةٌ: مِنْهَا تَهَاوِيْلٌ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيُحْزِنَ ابْنَ آدَمَ، وَمِنْهَا مَا يُهِمُّ الرَّجُلُ فِيْ يَقظَتِهِ، وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِيْنَ جُزْءًا مِنَ النّبُوَّةِ" (٢).
وروى الشيخان، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا تَقَارَبَ الزَّمَانُ لَمْ تَكَدْ رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ تَكْذِبُ، وَأَصْدَقُهُمْ رُؤيًا أَصْدَقُهُمْ حَدِيْثًا.
وَالرُّؤْيَا ثَلاثَةٌ: رُؤْيَا بُشْرَى مِنَ الله .
وَرُؤْيَا بِمَا يُحَدِّثُ بِهِ الرَّجُلُ نَفْسَهُ؛ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَه فَلا يُحَدِّثْ بِهِ، وَلْيَقُمْ وَلْيُصَلِّ.
وَرُؤيًا مِنْ تَحْزِيْنِ الشَّيْطَانِ" (٣).
стр. 2959
ويؤخذ من هذا الحديث: أن تبشير المؤمن خلق رباني، وتحزينه خلق شيطاني؛ وهو ظاهر.
وروى الستة عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الرّؤيا مِنَ اللهِ، وَالْحُلُمُ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ لِيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا؛ فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ" (١).
وروى الإمام أحمد، والبخاري، والترمذي عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤيَا يُحِبُّهَا فَلْيَحْمَدِ اللهَ عَلَيْهَا وَلْيُحَدِّثْ بِهَا، وَإِذَا رَأَى غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَكْرَهُ فَإِنَّمَا هِيَ مِنَ الشَّيْطَانِ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ شَرِّهَا وَلا يَذْكُرْهَا لأَحَدٍ؛ فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ" (٢).
وروى مسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه، وابن أبي شيبة عن الزبير رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا رَأَى أَحَدُكُمُ الرُّؤْيَا يَكْرَهُهَا فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثًا، وَلْيَسْتَعِذ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ ثَلاثًا, وَلْيَتَحَوَّلْ عَنْ جَنْبِهِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ" (٣).
стр. 2960
روى ابن السني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا رَأَى أَحَدٌ مِنْكُم رُؤْيًا يَكْرَهُهَا فَلْيَتْفلْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ وَسَيَّئَاتِ الأَحْلامِ؛ فَإِنَّهَا لا تَكُوْنُ شَيْئًا" (١).
وروى مسلم عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنَ اللهِ، وَالرُّؤْيَا السُّوْءُ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا فَكَرِهَ مِنْهَا شَيْئًا فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ، وَلْيَتَعَوَّذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهَا لا تَضُرُّهُ، وَلا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا، فَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيُبْشِرْ بِهَا، وَلا يُخْبِرْ بِهَا إلَّا مَنْ يُحِبُّ" (٢)؛ أي: من كان حبيبًا له أو محبًا له؛ فإنه إذا كان غير صفة المحبة حسده على تلك الرؤيا، أو احتقره منها، أو تهكم بها عليه، أو نسبه إلى الكذب.
وروى الترمذي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُقَصَّ الرُّؤْيَا إلَّا عَلَى عَالِمٍ أَوْ نَاصِحٍ" (٣).
وروى ابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اعْتَبِرُوْهَا - يَعْنِي: الرُّؤْيَا - بِأَسْمَائِهَا وَكَنُّوهَا بِكُنَاهَا؛ فَإِنَّ الرُّؤْيَا لأَوَّلِ عَابِرٍ" (٤).
стр. 2961
وروى هو وأبو داود عن أبي رزين رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "الرُّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ يُفَسَّرْ؛ فَإِذَا عُبِرَتْ وَقَعَتْ".
قال: وأحسبه قال: "لا تَقُصَّهَا إلاَّ عَلَى وَادٍّ، أَوْ ذِي رَأْيٍ" (١).
هكذا وجدت لفظ الحديث، واشتهر بلفظ: "الرُّؤْيَا عَلَى جَنَاحِ طَائِرٍ، مَتَى قُصَّتْ وَقَعَتْ".
والظاهر أن له أصلًا بهذا اللفظ؛ لأن شيخ الإسلام والدي رضي الله تعالى عنه - وكان إمام الحديث في عصره - عنده بهذا اللفظ، فقال: [من مجزوء الرجز]
رُؤْيا الْمَنامِ مِثْلَما ... لَنا النَّبِيُّ قَدْ نَعَتْ
عَلى جَناحِ طائِرٍ ... فَحَيْثُ قُصَّتْ وَقَعَتْ
وقد استوفينا هنا أكثر آداب الرؤيا، ولذلك أوردت هذه الأحاديث فيها، ولها مناسبة تامة بهذا المحل.
* فائِدَةٌ:
روى القاضي أبو الفرج المعافى بن زكريا في كتاب "الجليس والأنيس" عن أبي الأصبع قال: كان رجل من همذان في الكوفة يذكر بعبادة، فلزم بيته وترك الناس، فكان لا يخرج من بيته إلا لصلاة
стр. 2962
مكتوبة، أو حق يلزمه لا يجد منه بدًا، وكان صديقا للربيع بن خُثيم، وكانا لا يأتيان أحدًا إلا أحدهما لصاحبه، وكان الهمذاني لا ينام من الليل إلا قليلًا، فنام ساعته التي كان ينام فيها، فأتاه آتٍ في منامه فمغثه مغثًا شديدًا، ثم قال له: ائت الربيع بن خُثيم فقل له: إنك من أهل النار، ثم تنحى، فانتبه الهمذاني، فتعاظمه ذلك، وقال الربيع بن خُثيم: فلم يأته وأبطأ عنه، قال: ثم أتاه في الليلة الأخرى وهو نائم فمغثه مغثًا، فقال له: ألم أقل لك أن تأتي الربيع بن خُثيم وتقول له: إنك من أهل النار، لئن لم تفعل لأفعلن بك، ثم تنحى عنه، فانتبه الهمذاني وقد تعاظم ذلك، وقال الربيع بن خُثيم: فلم يأته، فجاءه في الليلة الثالثة وفعل به كذلك، فلما أصبح ورأى الربيع أنه قد أبطأ عنه أتاه، فدخل عليه فسلم عليه، فرآه متثاقلًا عنه، فقال: يا أخي! ما لك؟ أخبرني، فأخبره بما لقي تلك الليالي الثلاث وبما أمره، قال: فقال الربيع: إنا لله وإنا إليه راجعون، يا أخي! إنما هذا الشيطان فأعيذك بالله ونفسي من الشيطان، وتفل الربيع عن يساره ثلاث تفلات، وتعوذ بالله من الشيطان، ثم رجع إلى منزله، فلما كانت الليلة المقبلة نام الهمذاني في ساعته التي كان ينام فيها وقد قرأ بعض البقرة مما سمع من الربيع، فإذا هو قد أتاه آت في منامه بيده ساجور كلب أسود في وجه الكلب ثلاث جراحات، قال له: أتدري ما أنا؟
قال: لا.
قال: فهل تدري ما هذا الكلب؟
قال: لا.
стр. 2963
قال: هذا الشيطان الذي دخل بينك وبين الربيع بن خُثيم، قد وكلت بكما وبهذا إلى أن تموتا لا يفلت من هذا الساجور.
تدري ما هذه الجراحات التي بوجه الكلب؟
قال: لا.
قال: تفلات الربيع بن خُثيم على يساره.
قال: فانتبه الهمذاني فلما أصبح غدا على الربيع فأخبره بما رأى، فحمد الله تعالى، فقال: قد أخبرتك أنه من عمل الشيطان (١).
قلت: إنما فهم الربيع أنه الشيطان من تحزينه للهمذاني بسبب ما قال له عن أخيه.
وفي الحديث السابق: أن من الرؤيا تهاويل من الشيطان ليحزن ابن آدم، فاستظهر الربيع أمره بالعلم، وإن شئت فقل: هو من باب الكرامة والكشف.
وفي هذه القصة أن من أفعال الشيطان إدخال الحزن والغيظ على العبد الصالح، والتفريق بين المتواخيين بأي ممكن، وإزالة المؤمن عن حسن الاعتقاد في الصالحين، والكذب على الله، والخوض في علم الغيب.
стр. 2964
٨٨ - ومن أعماله قبحه الله: تخويف المؤمن وازعاجه وترويعه؛ وكل ذلك حرام .
وقد قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَوَّعَ مُؤْمِنًا لَمْ يُؤَمِّنِ اللهُ رَوْعَتَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ سَعَى بِمُؤْمِنٍ أَقَامَهُ اللهُ مَقَامَ ذُلٍّ وَخِزيٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ". رواه البيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه (١).
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥].
قيل: أصله: يخوفكم من أوليائه، ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ﴾ (٢).
ومقتضى الآية: أن الإنسان مهما راعه من قبل الشيطان أو من قبل أولياء الشيطان فلا يلتفت إليه؛ فإنه لا يضره، بل يتمثل عظمة الله تعالى وسطوته ليمنعه الخوف من الله تعالى من طاعة الشيطان وطاعة أوليائه ليذهب عنه خوفه منهم، فلا يحمل ذلك على طاعتهم.
وأيضًا فإن العبد إذا خاف من الله تعالى خاف منه الشيطان
стр. 2965
وأولياؤه؛ لما رواه العقيلي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا خَافَ الْعَبْدُ اللهَ أَخَافَ اللهُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ، وَإِذَا لَمْ يَخَفِ الْعَبْدُ اللهَ أَخَافَهُ اللهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ" (١).
وروى أبو الشيخ بن حيان بإسناد ضعيف، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ خَافَ اللهَ خَافَهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَمَنْ خَافَ غَيْرَ اللهِ خَافَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (٢).
وبمقتضى هذين الحديثين فمن خاف الله تعالى فلا يخاف الشيطان؛ أي: ولا يخاف بطشه ولا ضرره؛ نعم يخاف أن يسلطه الله عليه، فمن خاف من تسلط الشيطان عنه لم يخف في الحقيقة إلا من الله تعالى؛ [لأنه] لا يتسلط إلا بتسليطه كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [المجادلة: ١٠].
وهذا الخوف من جمل الخوف من الله تعالى الذي يدفع الخوف من الشيطان عن الإنسان.
والحاصل أنك مهما خفت أن يسلط الله عليك الشيطان فقد كفيته؛ فإن ذلك يدعوك إلى الاستعاذة بالله تعالى منه، كما قال الله تعالى:
стр. 2966
﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
ومهما خفت من الشيطان لذاته فهو لوهن في خوفك من الله تعالى وفي إيمانك؛ لأن الله تعالى شجعك، وعرفك أن الخوف منه يدفع عنك الخوف من الشيطان لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٧٥]؛ لأن الضمير يعود إلى الشيطان وأوليائه معًا، وهو أحسن من أن يعود إلى الأولياء فحسب.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: كنت ألقى من رزية (١) الغول والشياطين بلاء وأرى خيالًا، فسألت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: اجترئ على ما رأيت، ولا تفْرَقْ منه؛ فإنه يفرق منك كما تفرق منه، ولا تكن أجبن السوادين.
قال مجاهد: فرأيته، فشددت عليه بعصا حتى سمعت وقعته (٢).
وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى: إذا أحس أحدكم بالشيطان فلينظر إلى الأرض، وليتعوذ - أي: بالله تعالى - منه (٣). رواهما ابن أبي شيبة.
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في كتاب "الزهد والرقائق"، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان رجل عابد من السياح أراده الشيطان من قبل الشهوة والرغبة
стр. 2967
والغضب، فلم يستطع له شيئًا، فتمثل له بحية وهو يصلي، فالتوى بقدميه وجسده حتى طلع عند رأسه، فلم يلتفت من صلاته ولا استأخر منها، فلما أراد أن يسجد التوى في موضع سجوده، فلما وضع رأسه للسجود فتح فاه ليلتقم رأسه، فجعل يفرك لحيته يستمكن من الأرض بسجدته، فقال له الشيطان: إني أنا صاحبك الذي كنت أخوفك وأتيتك من قبل الشهوة والرغبة والغضب، وأنا الذي كنت أتمثل لك بالسباع أو بالحية فلم أستطع لك شيئًا، وقد بدا لي أن أصادقك ولا أريد ضلالتك بعد اليوم.
فقال له: لا يومَ خوفتني بحمد الله خفتك، ولا لي اليوم حاجة في مصادقتك.
قال: سلني عما شئت أخبرْك.
قال: وما عسيت أن أسألك عنه؟
قال: لا تسألني عن مالك ما فعل بعدك؟
قال: لو أردت ذلك لم أفارقه.
قال: فلا تسألني عن أهلك من مات منهم بعدك؟
قال: أنا ميت بعدهم أو قبلهم.
قال: فلا تسألني عما أضل به بني آدم؟
قال: بلى.
стр. 2968
قال: فأخبرني ما أوثق في نفسك أن تضلهم به؟
قال: ثلاثة أخلاق من لم يستطع بشيء منها غلبنا الشح والحدة والسكر؛ فإن الرجل إذا كان شحيحًا قلَّلنا ماله في عينه، ورغبناه في أموال الناس، فإذا كان حديدًا أدرناه بيننا كما يتداول الصبيان الكورة (١)، ولو كان يحيي الموتى بدعوته لم نيأس منه فإنما نبني ونهدمه بما نكمله (٢)، وإذا سكر اقتدناه كما يقتاد من أخذ العنز بأذنها حيث يشاء (٣).
وقد حكي عن الشيخ عبد القادر الكيلاني نظير هذه القصة في تصور الشيطان له في صورة الحية وهو في الصلاة، وفي قصته: إن الشيطان قال له: فتنت بذلك قبلك سبعين صدِّيقًا، وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.
وأشرت إلى الثلاثة الأخلاق المشار إليها في أثر وهب بقولي: [من السريع]
بِالشُّحِّ وَالْحِدَّةِ وَالسُّكْرِ ... يَسْتَمْكِنُ الشَّيْطانُ فِيْ الْمَكْرِ
فَمَنْ خَلا مِنْها فَشَيْطانُهُ ... فِي غايَةِ الذِّلَّةِ وَالْقَهْرِ
стр. 2969
لَيْسَ لَهُ فِي خَمْرِهِ طاقَة ... وَلا عَلَيْهِ الدَّهْرَ يَسْتَجْرِي
بِأَحْسَنِ الأَخْلاقِ مِنْهُ احْتَجِزْ ... وَاشْهَرْ عَلَيْهِ عُدَّةَ الذِّكْرِ
دارَتْ عَلى الشَّيْطانِ مِنْ ذِكْرِ مَنْ ... عَلا اسْمُهُ قاصِمَةُ الظَّهْرِ
٨٩ - ومن أعمال اللعين وأخلاقه: إيذاء المؤمن في بدنه وأهله وولده وماله، والتصرف في ملك الغير بغير إذنه خصوصًا بالإتلاف والإفساد، وقسوة القلب على خلق الله تعالى، وعدم الرحمة والشفقة .
وكل هذه الأخلاق شيطانية، وقد نهى الله تعالى عنها، وأرشد إلى أضدادها.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
الآية نص في أن الشيطان يتخبط الإنسان، وهو مذهب أهل السنة.
وذهب المعتزلة إلى إنكار ذلك، وتأولوا الآية بأنَّ الكلام فيها جار على اعتقادهم أن الشيطان يمس.
وهذا التأويل مكابرة في منطوق الآية.
وتخبط الإنسان ومسه إيذاء له في جسده، وفكره، وقلبه، وعقله، وحواسه.
وروى ابن سعد في "طبقاته"، والبيهقي في "الدلائل" عن عائشة
стр. 2970
رضي الله تعالى عنها: أنه قيل للنبي ﷺ تعني: في مرضه -: إنا نتخوف أن يكون بك ذات الجنب.
قال: "إِنَّهَا مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمَا كَانَ اللهُ لِيُسَلَّطَهُ عَلَيَّ" (١).
وروى ابن سعد عنها أيضا قال: دخلت أم بشر بن البراء ﵂ على رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه وهو محموم فمسته، فقالت: ما وجدت مثل وعك عليك على أحد.
فقال: "كَمَا يُضَاعَفُ لَنَا الأَجْرُ كَذَلِكَ يُضَاعَفُ عَلَيْنَا الْبَلاءُ، مَا يَقُوْلُ النَّاسُ؟ "
قالت: يزعمون أن بك ذات الجنب.
قال: "مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَهَا عَلَيَّ، إِنَّمَا هِيَ هَمْزَةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَكِنَّهُ مِنَ الأكْلَةِ الَّتِي أَكَلْتُ أَنَا وَابْنُكِ يَوْمَ خَيْبَرَ، مَا زَالَ يُصِيْبُنِي مِنْهَا عداءٌ حَتَّىْ كَانَ هَذَا أَوَانَ انْقِطَاعِ أَبْهَرِي".
فمات رسول الله ﷺ شهيدًا (٢).
وقد تقدم أن رسول الله ﷺ قال لحمنة بنت جحش رضي الله تعالى عنها في الاستحاضة: "إِنَّها رَكْضَةٌ مِنَ الشَّيْطانِ" (٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ
стр. 2971
﴿بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾ [ص: ٤١]؛ أي: تعب وألم، كما قال البيضاوي (١).
وقال صاحب "القاموس": النصب - وبضمة وبضمتين -: الداء والبلاء (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: عرج الشيطان فقال: أي رب! سلطني على أيوب ﵇.
قال: قد سلطتك على ماله وولده، ولم أسلطك على جسده.
قال: فنزل فجمع جنوده، فقال: إني سلطت على أيوب فأروني سلطانكم.
قال: فصاروا نيرانًا، ثم صاروا ماء، وبينما هم بالمغرب إذ هم بالمشرق، فأرسل طائفة إلى زرعه، وطائفة إلى إبله، وطائفة إلى بقره، وطائفة إلى غنمه، وقال: اعلموا أنه لا يعتصم منكم إلا بمعرفة، فأتوه بالمصائب بعضها على بعض.
قال: فجاء صاحب الزرع فقال: يا أيوب! ألم تر إلى ربك أرسل على زَرْعَك نارًا فأحرقه؟ فحمد الله.
وجاء راعي الإبل فقال: يا أيوب! ألم تر ربك أرسل إلى إبلك عدوًا فذهب بها؟
وجاء راعي البقر فقال مثل ذلك، وجاء صاحب الغنم فقال مثل
стр. 2972
ذلك، وتفرد هو لبنيه فجمعهم في بيت أكبرهم، فبينما هم يأكلون ويشربون، فجمع أركان البيت فهدم عليهم البيت، قال: فجاء إلى أيوب ﵇ في هيئة الغلام وفي أذنه قرطان، قال: يا أيوب! ألم تر إلى بنيك اجتمعوا في بيت أكبرهم يأكلون ويشربون فبينما هم كذلك إذ جاءت ريح فأخذت بأركان البيت فألقته عليهم؟ فلو رأيتهم حين اختلطت دماؤهم ولحومهم بطعامهم وشرابهم!
فقال له أيوب: فأين كنت أنت؟
قال: كنت معهم.
قال: وكيف انفلتت؟
قال: انفلت.
قال: أنت الشيطان.
قال ﵇: أنا الآن مثل يوم خرجت من بطن أمي، فقام فحلق رأسه، ثم قام يصلي، فأنَّ الشيطان أنَّهُ سمعها أهل السماوات وأهل الأرض، ثم عرج فقال: أي رب! قد اعتصم، وإني لا أستطيعه إلاَّ بتسليطك؛ فسلطني عليه.
قال: قد سلطتك على جسده، ولم أسلطك على قلبه.
قال: فنزل فنفخ تحت قدمه، فقرح من قرنه إلى قدمه حتى بدا حجاب بطنه، وألقى عليه الرماد، قال: فقالت امرأته ذات يوم: يا أيوب! قد والله نزل بي من الجهد والفاقة ما بعت قرنًا من قروني برغيف فأطعمتك، فادع ربك فليشفك.
стр. 2973
قال: ويحك! كنا في النعماء سبعين عامًا، فاصبري حتى نكون في الضراء سبعين عامًا.
قال: وكان ذلك البلاء سبع سنين.
قال: وقعد الشيطان في الطريق فأخذ تابوتًا يتطبب، فأتته امرأة أيوب فقالت: يا عبد الله! إن هاهنا إنسانًا مبتلى فهل لك أن تداويه؟
قال: إن شاء الله فعلت على أن يقول لي كلمة واحدة إذا برأ؛ يقول: أنت شفيتني.
قال: فأتته فقالت: يا أيوب! إن هاهنا رجلًا يزعم أنه يداويك على أنك تقول كلمة واحدة: أنت شفيتني.
قال: ويلك! ذلك الشيطان، لله علي إن شفاني الله تعالى أن أجلدك مئة جلدة، فبينما هم كذلك إذ جاء جبريل ﵇، فأخذ بيده فقال: قم، فقام فقال له: اركض برجلك، فركض برجله، فنبعت عين، فقال: اشرب، فشرب، قال: يقول الله : ﴿هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾ [ص: ٤٢].
ثم ألبسه حلة من الجنة، وجاءت امرأته فقالت: يا عبد الله! أين المبتلى الذي كان هاهنا، لعل الذئاب ذهبت به أو الكلاب.
قال: ويحك! أنا أيوب، قد رد الله إلي نفسي.
قال: فقالت يا عبد الله! اتق الله ، ولا تسخر بي.
قال: ويحك! أنا أيوب.
стр. 2974
قال: ورد اله إليه ماله وولده عيانًا، ومثلهم معهم، وأمطر عليه جرادًا من ذهب، قال: فجعل يأخذ الجراد بيده ثم يجعله في ثوبه، وينشر أثناءه، فيأخذ فيجعله فيه، فأوحى الله إليه: يا أيوب! أما شبعت؟
قال أيوب ﵇: من ذا الذي يشبع من فضلك ورحمتك؟ قال: فاخذ ضِغثًا بيده فجلدها، قال: وكان الضغث مئة شمراخ، فجلدها به جلدة واحدة (١).
* فائِدَةٌ:
قال الثعلبي في "تفسيره": واختلفوا في سبب ابتلاء أيوب ﵇، فقال وهب: استعان رجل أيوب ﵇ على ظالم يدرأه عنه فلم يمنعه عنه، فابتلي.
وروى حبان عن الكلبي: أن أيوب ﵇ كان يغزو ملكًا كافرًا، وكانت مواشي أيوب في ناحية ذلك الملك، فداهنه فلم يغزه، فابتلي.
وقيل: كان أيوب ﵇ كثير المال فأعجبه ماله، فابتلي، انتهى (٢).
قلت: والقولان الأخيران بعيدان عن حال الأنبياء ﵈؛
стр. 2975
لأن المداهنة والعجب كبيرتان، والأنبياء ﵈ معصومون.
وروى الإمامُ ابنُ الإمامِ عبدُ الله بن أحمد في "زوائد الزهد" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: لما أصاب أيوب الذي أصابه أرسل إلى أصحابه فقال: أتدرون لأي شيء أصابني هذا؟
قالوا: أما نحن فلم يظهر لنا منك شيء نعرفه إلا أن تكون أسررت شيئًا لم يكن لنا به علم.
فقاموا من عنده، فذهبوا فلقوا إنسانًا يتكلم في العلم، فقال: لأي شيء دعاكم نبي الله؟ فأخبروه، قال: فأنا أخبره بما أصابه هذا، فأتاه فسأله، فقال: إنك شربت شربة لم تحمد الله عليها، ولم تشكر النعمة، ولعلك استظللت في ظل ولم تشكر النعمة (١).
قلت: وفي هذا إشارة إلى أن شكر النعمة يحفظها من التغير والتحول، بل ينميها ويزكيها، والإعراض عن الشكر - ولو عن قليل النعم - تعرض لزوالها والابتلاء فيها.
وقلت في المعنى: [من السريع]
لا تَحْتَقِرْ أَصْغَرَ ما تُعْطَى ... فَتَتْرُكَ الشُّكْرَ عَلى الْمُعْطَى
مَنْ يَشْكُر اللهَ فَقَدْ قَيَّدَ ... النَّعْماءَ وَاسْتَوْثَقَها رَبْطا
هَلاَّ شَكَرْتَ اللهَ مَنْ يَقْبِضُ الـ ... أَرْزاقَ أَوْ يَبْسُطُها بَسْطا
стр. 2976
قَدْ نَبُلَ الشَّاكِرُ فِي شُكْرِهِ ... وَتارِكُ الشُّكْرِ قَدِ انْحَطَّا
مَنْ قَصُرَتْ نعمتُه دُونَه ... فليَلُمِ التقصيرَ والفَرْطَا
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن نوف البكالي قال: مر نفر من بني إسرائيل على أيوب ﵇، فقالوا: ما أصابه ما أصابَه إلا بذنب عظيم أصابه.
قال: فسمعها أيوب فقال عند ذلك: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، قال: وكان قبل ذلك لا يدعو (١).
وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب ﵇ أخوان، فأتياه ذات يوم فوجدا ريحًا، فقالا: لو كان الله علم من أيوب خيرًا ما بلغ به كل هذا.
وفي رواية: لو كان لأيوب عند الله خير ما بلغ به كل هذا.
قال: فما سمع شيئًا كان أشد عليه من ذلك، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لا أبيت شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، قال: فصدق وهما يسمعان.
ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصًا قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني، قال: فصدق وهما يسمعان.
ثم خر ساجدًا ثم قال: اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي.
стр. 2977
قال: فكشف الله ما به (١).
فعد أيوب ﵇ كلام الناس فيه أشد مما ابتلي به من السقم، وفقد الولد والمال.
وأقول: [من السريع]
وَأَشَدُّ مِنْ سُقْمٍ وَمِنْ فاقَة ... وَمِنْ بَلِيَّاتٍ لِمَنْبُوْذِ
قَوْلُ خِلٍّ أَيُّ ذَنْبٍ أَتى ... أَو اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ ما أُوْذِي
اللَّوْمُ لِلْحُرِّ كَوَقْعِ الْقَنا ... وَمَوْتُ ذِي اللَّوْمِ كَفالُوْذِ
* فائِدَةٌ أُخْرَى:
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أنه سئل: ما كان شريعة أيوب ﵇؟
قال: التوحيد وصلاح ذات البين، وإذا أراد أحدهم حاجة إلى الله خر ساجدًا ثم طلب حاجته.
قيل: فما كان ماله؟
قال: كان له ثلاثة آلاف فدان، مع كل فدان عبد، مع كل عبد وليدة، مع كل وليدة أتان وأربع عشرة ألف شاة، ولم يبت ليلة له ضيف وراء بابه ولم يأكل طعامًا إلا ومعه مسكين (٢).
стр. 2978
قلت: خطر لي أن البلاء إنما كان يكثر في الأمم الماضية ويعظم - ما لا تراه بحمد الله تعالى هذه الأمة - بسبب قلة تكاليفهم، وأن هذه الأمة لما كثرت تكاليفها وتشعبت شريعتها وهم يسمعون ويطيعون خف بلاؤها، فلم تعم بعذاب ولم تصب بجهد البلاء إلا من تعرض له بترك الطاعات، وكانت بلاياها رحمة وكفارة وتمحيصًا، ولا يقاربها تكاليف بني إسرائيل وإن كثرت، بل ما كان أكثر تكاليفهم إلا عقوبة لهم حيث كانوا يؤمرون ويبخلون، فيخالفون ويتعنتون، فشدد عليهم كما قال رسول الله ﷺ : "شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِم" (١).
* تَنْبِيهانِ:
الأَوَّلُ: يستحق أن يلحق بالشيطان ويوصف بالتشبه به، فكما فعله بأيوب ﵇ من سقى أحدًا سمًا أو سحر أحدًا حتى سقم أو أخذه الرعاف، أو سحر امرأة حتى أخذها النزيف، أو نحو ذلك؛ وكل هذه من الكبائر.
التَّنْبِيهُ الثَّانِي: علم مما رويناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة أيوب ﵇: أن الشيطان أخذ تابوتًا وقعد في الطريق
стр. 2979
يتطبب حتى مرت عليه امرأة أيوب ﵇ أن من أعمال إبليس اللعين القعود على الطريق لغير حاجة، بل لمجرد العبث بالناس، والسخرية بهم، والأذية لهم، وهذا حال من يقعد الآن على أبواب بيوت القهوات في عصرنا هذا، وهو عمل شيطاني كما علمت.
وقد روى الشيخان، وغيرهما عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُم وَالْجُلُوْسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ إلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيْقَ حَقَّهَا؛ غَضَّ الْبَصَرِ، وَكَفَّ الأَذَى، وَرَدَّ السَّلامِ، وَالأَمْرَ بِالْمَعْرُوْفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (١).
وعُلم أن من أخلاقه التطبب بغير علم، والتشبع بما لم يملك.
وقد روى أبو داود، وابن السني، وأبو نعيم كلاهما في "الطب"، والحاكم وصححه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ" (٢).
وروى مسلم عن عائشة، وهو والإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود عن أختها أسماء بنت أبي بكر ﵃ أن النبي ﷺ قال: "الْمُتَشَبعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُوْرٍ" (٣).
стр. 2980
٩٠ - ومن أخلاق اللعين: الظلم والجور والعسف كما يدل عليه فعله بأيوب ﵇ .
ومن ثم شبَّه الحسنُ الحجاجَ بالشيطان فيما رواه أبو نعيم من طريق الطبراني عن ابن شوذب عن الحسن رحمه الله تعالى قال: دعا الحجاج أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال له: ما أعظمُ عقوبةٍ عاقب بها النبي ﷺ ؟ فحدثه بالذين قطع النبي ﷺ أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ولم يحسمهم، وألقاهم بالحرة، ولم يطعمهم ولم يسقهم حتى ماتوا.
قال الحجاج: أين هؤلاء الذين يعيبون علينا والنبي ﷺ قد عاقب
بهذا؟
فبلغ ذلك الحسن فقال: إن أنسًا حميق؛ يعمد إلى شيطان يلتهب فيحدثه بهذا (١).
وإنما فعل ﷺ بأولئك ما فعل لأنهم كانوا مرتدين، وفعلوا ذلك الذي فعل بهم برعاء إبل الصدقة لما بعثهم ﷺ إلى الإبل ليشربوا من ألبانها وأبوالها لداء كان بهم، ثم نهى ﷺ عن المُثلة.
وظهر بذلك أن احتجاج الحجاج بالحديث غير صحيح، وكان