← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

قَدْ نَبُلَ الشَّاكِرُ فِي شُكْرِهِ ... وَتارِكُ الشُّكْرِ قَدِ انْحَطَّا مَنْ قَصُرَتْ نعمتُه دُونَه ... فليَلُمِ التقصيرَ والفَرْطَا وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن نوف البكالي قال: مر نفر من بني إسرائيل على أيوب ﵇، فقالوا: ما أصابه ما أصابَه إلا بذنب عظيم أصابه. قال: فسمعها أيوب فقال عند ذلك: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣]، قال: وكان قبل ذلك لا يدعو (١). وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان لأيوب ﵇ أخوان، فأتياه ذات يوم فوجدا ريحًا، فقالا: لو كان الله علم من أيوب خيرًا ما بلغ به كل هذا. وفي رواية: لو كان لأيوب عند الله خير ما بلغ به كل هذا. قال: فما سمع شيئًا كان أشد عليه من ذلك، فقال: اللهم إن كنت تعلم أني لا أبيت شبعان وأنا أعلم مكان جائع فصدقني، قال: فصدق وهما يسمعان. ثم قال: اللهم إن كنت تعلم أني لم ألبس قميصًا قط وأنا أعلم مكان عار فصدقني، قال: فصدق وهما يسمعان. ثم خر ساجدًا ثم قال: اللهم إني لا أرفع رأسي حتى تكشف ما بي.

стр. 2977

قال: فكشف الله ما به (١). فعد أيوب ﵇ كلام الناس فيه أشد مما ابتلي به من السقم، وفقد الولد والمال. وأقول: [من السريع] وَأَشَدُّ مِنْ سُقْمٍ وَمِنْ فاقَة ... وَمِنْ بَلِيَّاتٍ لِمَنْبُوْذِ قَوْلُ خِلٍّ أَيُّ ذَنْبٍ أَتى ... أَو اسْتَحَقَّ الْعَبْدُ ما أُوْذِي اللَّوْمُ لِلْحُرِّ كَوَقْعِ الْقَنا ... وَمَوْتُ ذِي اللَّوْمِ كَفالُوْذِ * فائِدَةٌ أُخْرَى: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أنه سئل: ما كان شريعة أيوب ﵇؟ قال: التوحيد وصلاح ذات البين، وإذا أراد أحدهم حاجة إلى الله خر ساجدًا ثم طلب حاجته. قيل: فما كان ماله؟ قال: كان له ثلاثة آلاف فدان، مع كل فدان عبد، مع كل عبد وليدة، مع كل وليدة أتان وأربع عشرة ألف شاة، ولم يبت ليلة له ضيف وراء بابه ولم يأكل طعامًا إلا ومعه مسكين (٢).

стр. 2978

قلت: خطر لي أن البلاء إنما كان يكثر في الأمم الماضية ويعظم - ما لا تراه بحمد الله تعالى هذه الأمة - بسبب قلة تكاليفهم، وأن هذه الأمة لما كثرت تكاليفها وتشعبت شريعتها وهم يسمعون ويطيعون خف بلاؤها، فلم تعم بعذاب ولم تصب بجهد البلاء إلا من تعرض له بترك الطاعات، وكانت بلاياها رحمة وكفارة وتمحيصًا، ولا يقاربها تكاليف بني إسرائيل وإن كثرت، بل ما كان أكثر تكاليفهم إلا عقوبة لهم حيث كانوا يؤمرون ويبخلون، فيخالفون ويتعنتون، فشدد عليهم كما قال رسول الله ﷺ : "شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِم" (١). * تَنْبِيهانِ: الأَوَّلُ: يستحق أن يلحق بالشيطان ويوصف بالتشبه به، فكما فعله بأيوب ﵇ من سقى أحدًا سمًا أو سحر أحدًا حتى سقم أو أخذه الرعاف، أو سحر امرأة حتى أخذها النزيف، أو نحو ذلك؛ وكل هذه من الكبائر. التَّنْبِيهُ الثَّانِي: علم مما رويناه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قصة أيوب ﵇: أن الشيطان أخذ تابوتًا وقعد في الطريق

стр. 2979

يتطبب حتى مرت عليه امرأة أيوب ﵇ أن من أعمال إبليس اللعين القعود على الطريق لغير حاجة، بل لمجرد العبث بالناس، والسخرية بهم، والأذية لهم، وهذا حال من يقعد الآن على أبواب بيوت القهوات في عصرنا هذا، وهو عمل شيطاني كما علمت. وقد روى الشيخان، وغيرهما عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُم وَالْجُلُوْسَ عَلَى الطُّرُقَاتِ، فَإِنْ أَبَيْتُمْ إلَّا الْمَجَالِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيْقَ حَقَّهَا؛ غَضَّ الْبَصَرِ، وَكَفَّ الأَذَى، وَرَدَّ السَّلامِ، وَالأَمْرَ بِالْمَعْرُوْفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ" (١). وعُلم أن من أخلاقه التطبب بغير علم، والتشبع بما لم يملك. وقد روى أبو داود، وابن السني، وأبو نعيم كلاهما في "الطب"، والحاكم وصححه، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ" (٢). وروى مسلم عن عائشة، وهو والإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود عن أختها أسماء بنت أبي بكر ﵃ أن النبي ﷺ قال: "الْمُتَشَبعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ كَلابِسِ ثَوْبَيْ زُوْرٍ" (٣).

стр. 2980

٩٠ - ومن أخلاق اللعين: الظلم والجور والعسف كما يدل عليه فعله بأيوب ﵇ . ومن ثم شبَّه الحسنُ الحجاجَ بالشيطان فيما رواه أبو نعيم من طريق الطبراني عن ابن شوذب عن الحسن رحمه الله تعالى قال: دعا الحجاج أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، فقال له: ما أعظمُ عقوبةٍ عاقب بها النبي ﷺ ؟ فحدثه بالذين قطع النبي ﷺ أيديهم وأرجلهم، وسمل أعينهم، ولم يحسمهم، وألقاهم بالحرة، ولم يطعمهم ولم يسقهم حتى ماتوا. قال الحجاج: أين هؤلاء الذين يعيبون علينا والنبي ﷺ قد عاقب بهذا؟ فبلغ ذلك الحسن فقال: إن أنسًا حميق؛ يعمد إلى شيطان يلتهب فيحدثه بهذا (١). وإنما فعل ﷺ بأولئك ما فعل لأنهم كانوا مرتدين، وفعلوا ذلك الذي فعل بهم برعاء إبل الصدقة لما بعثهم ﷺ إلى الإبل ليشربوا من ألبانها وأبوالها لداء كان بهم، ثم نهى ﷺ عن المُثلة. وظهر بذلك أن احتجاج الحجاج بالحديث غير صحيح، وكان

стр. 2981

ينبغي لأنس رضي الله تعالى عنه أن يحدثه بذنبهم، وأن ذلك كان قصاصهم، بل كان الأولى الإعراض عن هذا الحديث ولا يحدث به الحجاج أصلًا، ومن ثم عاب الحسن عليه ذلك، واعتذر عنه بالغفلة التي عبر عنها بالحماقة. وحاصله أن أنسًا رضي الله تعالى عنه لسلامة فطرته عزب عنه أن الحجاج إنما سأله ليحتج بحديثه على جوره وظلمه، وكان هذا السؤال وما رتبه على جوابه من جملة شيطانيَّةِ الحجاج، ألا ترى أن احتجاجه من قبيل احتجاج إبليس على إبائه عن السجود بما احتج به؟ ٩١ - ومن أخلاق الشيطان لعنه الله تعالى: السعي في أذى المسلم والسعاية به، والمعاونة عليه في باطل . روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاءت فأرة فأخذت تجر الفتيلة، فجاءت بها فألقتها بين يدي رسول الله ﷺ على الخمرة التي كان قاعدًا عليها، فاحترق منها مثل موضع درهم، فقال: "إِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذهِ عَلَى هَذَا فتحْرِقَكُمْ" (١). ٩٢ - ومنها: التزوير كما تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في تزوير الشيطان على سليمان ﵇ علم السحر . ومن تزويراته التحلُّم بما لم يره، والكذب في المنام.

стр. 2982

فقد حكى بعض العلماء أن إبليس لما عرض لإبراهيم ﵇ ليثبطه عن ذبح ولده ظهر له في صورة شيخ كبير وهو يبكي ويحثو التراب على رأسه، فقال له إبراهيم ﵇: ما خطبك يا هذا؟ فقال له: كان لي ولد قد علق بقلبي حبه، فأتاني آت في منامي وقال لي: إن ربك يأمرك أن تذبح ولدك، فلما ذبحته عرض لي الشيطان وقال لي: أنا الذي غريتك حتى ذبحت ولدك، ولم يكن ذاك من قبل ربك. قال: فأنا الآن أقرع سني ندمًا لما فعلت بولدي، وقد ركبتني الأحزان وصرت كما ترى. فعلم إبراهيم ﵇ أنه الشيطان، فحصبه ومضى إلى أمر الله تعالى. وقد روى ابن ماجه، والترمذي وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله: "مَنْ تَحَلَّمَ كَاذِبًا كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيْرَتَيْنِ، وَلَيْسَ عَاقِدًا بَيْنَهُمَا" (١). ٩٣ - ومنها: تغليط العلماء، والتزوير عليهم، ونسبة الاعتقاد السيئ إليهم . قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ

стр. 2983

الله آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢) لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٣) وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهَادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الحج: ٥٢ - ٥٤]. ٩٤ - ومنها: التزوير على ولاية القضاء والحكم، والحكم بين الناس بالباطل؛ وذلك كله من الكبائر . روى الحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله : ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]؛ قال: هو الشيطان الذي كان على كرسيه يقضي بين الناس أربعين يومًا. قال: وكان لسليمان ﵇ جارية يقال لها: جرادة، وكان بين بعض أهلها وبين قومه خصومة، فقضى بينهم بالحق إلا أنه ود أن الحق لأهلها، فأوحى الله تعالى إليه: أن سيصيبك بلاء (١). وروي أن سليمان ﵇ كان ملكه في خاتمه، وكان نقشه: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وكان يكره أن يدخل الخلاء والخاتم في يده، وكان يدع الخاتم عند بعض نسائه - قيل: كان اسمها أمينة، وقيل: جرادة - فإذا خرج أخذ الخاتم، فتركه عندها ذات يوم، فجاء في غيبته شيطان على صورته، فطلب الخاتم من المرأة، فدفعته إليه، فجلس على كرسي سليمان أربعين يومًا يحكم بين الناس، ولم يسلط

стр. 2984

على نساء سليمان ولا على فراشه، فأنكرت بنو إسرائيل أحكامه وأقضيته، ففزع منهم الشيطان وخافهم، فطار من الكرسي وألقى الخاتم في البحر، وكان من أمر سليمان ﵇ أن عاد إلى طلب الخاتم، فقالت المرأة: إن سليمان أخذه، فقال: أنا سليمان، فأنكروه وطردوه، فجاء يلتمس رزقه من البحر، ففتح عليه بسمكتين، فقعد ناحية ليصلح شأنهما، فشق بطن الواحدة فإذا هي التقطت الخاتم، فوجده في جوفها، فأخذه وسجد لله تعالى، وعادت إليه هيبته وملكه بإذن الله تعالى (١). ٩٥ - ومنها: استحلال الحرام وتحريم الحلال . وقد فسر بذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ [البقرة: ١٦٨] كما تقدم. وروى الحاكم وصححه، عن مسروق قال: أتى عبد الله - يعني: ابن مسعود رضي الله تعالى عنه - بضرع، فقال للقوم: ادنوا، فأخذوا يطعمون، وكان رجل منهم في ناحية فقال عبد الله: ادن. فقال: إني لا أريده. فقال عبد الله: لِمَ؟ قال: لأني قد حرمت الضرع. فقال عبد الله: هذا من خطوات الشيطان.

стр. 2985

قال عبد الله: قال الله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧]؛ ادنُ وكُلْ وكَفر عن يمينك؛ فإن هذا من خطوات الشيطان (١). وللشيخ عبد القادر الكيلاني رضي الله تعالى عنه مع الشيطان قصة في هذا الباب ستأتي. ٩٦ - ومنها: أكل الحرام . أما ترى أنه يستبيح طعام من لم يذكر اسم الله عليه فيأكله كما في الحديث. ومن اللطائف: ما رواه أبو الحسن بن جهضم في كتاب "بهجة الأسرار" عن بشر الحافي رحمه الله تعالى قال: إذا تعبد الشاب يقول إبليس لأعوانه: انظروا من أين مطعمه؛ فإن كان مطعمه مطعم سوء قال: دعوه ولا تشتغلوا به، يجهد وينصب، فقد كفاكم نفسه (٢). ٩٧ - ومنها: غضب أثواب الناس وأمتعتهم؛ وهو من الكبائر . روى ابن عساكر عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الشَّيَاطِيْنُ يَسْتَمْتِعُوْنَ بِثيَابِكُم، فَإِذَا نزَعَ أَحَدُكُمْ ثَوْبَهُ فَلْيَطْوِهَا حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْهَا أَنْفَاسُهَا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَلْبِسُ ثَوْبًا مَطْوِيًّا" (٣).

стр. 2986

وروى ابن أبي الدنيا في "مكائد الشيطان" عن قيس بن أبي حازم قال: ما من فراش يكون في بيت مفروشًا لا ينام عليه أحد إلا نام عليه الشيطان (١). ٩٨ - ومنها: السرقة؛ وهي كبيرة . وروى الطبراني في "الكبير" عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُرْسِلُوا الإِبِلَ هَمْلًا، صرُّوْهَا صَرًّا؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَرْضَعُهَا" (٢). وروى هو والبيهقي، وأبو نعيم - ورجال سنده موثقون - عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: ضم رسول الله ﷺ إليَّ تمر الصدقة فجعلته في غرفة لي، وكنت أجد فيه كل يوم نقصانًا، فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال لي: "هُوَ عَمَلُ الشَّيْطَانِ فَارْصدْهُ"، فرصدته ليلاً، فلما ذهب هوي الليل أقبل على صورة الفيل، فلما انتهى إلى الباب دخل من خلل الباب على غير صورته، فدنا من التمر فجعل يلتقمه، فشددت علي ثيابي فتوسطته، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، يا عدو الله! وثبت إلى تمر الصدقة فأخذته وكانوا أحق به منك؟ لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، فعاهدني أن

стр. 2987

لا يعود، فغدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فقال: "إِنَّهُ عَائدٌ"، فرصدته الثانية والثالثة فصنع بي مثل ذلك، فقلت: يا عدو الله! عاهدتني مرتين وهذه الثالثة، فقال: إني ذو عيال، وما أتيتك إلا من نصيبين، ولو أصبت شيئاً دونه ما أتيتك، ولقد كنا في مدينتكم هذه حتى بعث صاحبكم، فلما نزلت عليه آيتان نفرنا منهما فوقعنا بنصيبين، ولا يقرآن في بيت إلا لم يلج فيه شيطان ثلاثاً، فإن خليت سبيلي علمتكهما، قلت: نعم، قال: آية الكرسي، وآخر سورة البقرة: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها. قال: فخليت سبيله، ثم غدوت إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "صَدَقَ وَهُوَ كَذُوْبٌ" (١). ولأبي هريرة رضي الله تعالى عنه قصة مثل هذه القصة في حفظه لزكاة رمضان، وليس فيها ذكر آخر البقرة، وهي في "صحيح البخاري"، وغيره، وستأتي قريباً. وفي الحديث دليل على أن من أخلاق الشيطان نقضَ العهود وكثرةَ الكذب، وهما من أخلاق المنافقين، وكيف لا وهو رأسهم. ٩٩ - ومنها: الاعتذار بكثرة العيال وغلبة الدَّين عن الدخول في الحرام والشبهات . وإذا كان المتشبه بالشيطان في ذلك كاذباً في دعوى الدَّين

стр. 2988

والحاجة كان أقبح. والاعتذار بمثل ذلك من أهل العلم والديانة أسمج، وهو دليل أنهم ممكور بهم، ولا يخلص من هذا المكر إلا من عصمه الله تعالى بقوة الإيمان وحسن التوكل، ولذلك حذره الأكابر حتى قال بشر الحافي ﵁: لو كنت أعول ديكاً خشيت أن أصبح شرطياً على جسر بغداد (١). ولا تكاد في هذه الأزمنة تجد سالماً من هذه المحنة؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. روى البخاري، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: وكَّلني رسول الله ﷺ بحفظ زكاة رمضان، فأتاني آت فجعل يحثو من الطعام، فأخذته فقلت: لأرفعنك إلى رسول الله ﷺ ، قال: إني محتاج، وعليَّ دينٌ وعيال، ولي حاجة شديدة، فخليت عنه، فأصبحت فقال النبي ﷺ : "مَا فَعَلَ أَسِيْرُكَ الْبَارِحَةَ؟ " قال: قلت: يا رسول الله! شكا حاجة شديدة وعيالاً، فرحمته فخليت سبيله. قال: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُوْدُ".

стр. 2989

فذكر الحديث في عوده ثلاث مرات، وقوله في الثانية: دعني أكلمْك كلمات ينفعك الله بهن. قلت: ما هن؟ قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: ٢٥٥] حتى تختم الآية؛ فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربك شيطان حتى تصبح. وذكر الحديث، وفيه قول النبي ﷺ لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "أَمَا إِنَّهُ قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوْبٌ؛ تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مُنْذُ ثَلاثِ لَيَالٍ أَبَا هُرَيْرَةَ؟ " قال: لا، قال: "ذَاكَ الشَّيْطَانُ" (١). وفي قوله ﷺ : "قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُوْدُ" إشارةٌ إلى أن الشيطان كان كاذباً في دعوى الدَّين والحاجة، وهذا لا شك أنه خلق شيطاني، والاعتذار به في تناول الحرام أقبح كما يعتذر القضاة والولاة والشّرَط عن تولية ذلك بكثرة العيال، ثم هم يتمرسون في محصول ذلك والاستكثار منه تمرس البعير بالشجرة، ويتوسعون في السُّحت توسع البَطِر في مال أبيه. وفي قوله ﷺ في آخر الحديث: "قَدْ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوْبٌ" تقريرٌ لما أجراه الله تعالى على لسان الشيطان لأبي هريرة من بيان فضل قراءة آية الكرسي كل ليلة، وفرار الشيطان منها، وحفظ قارئها ورعايته.

стр. 2990

وفي الحديث إشارة إلى أن الحكمة قد يتكلم بها غير الحكيم، والصدق قد يجري على لسان الكذوب، وأن الحق يذعن له وإن جاء من غير أهله. ١٠٠ - ومن أخلاق الشيطان قبحه الله: منع فضل الماء عن ابن السبيل؛ وهو كبيرة أيضاً . روى أبو الشيخ في كتاب "العظمة"، وأبو نعيم في "الدلائل" عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقال لعمار: "انْطَلِقْ فَاسْتَقِ لَنا مِنَ الْماء"، فانطلق فعرض له شيطان في صورة عبد أسود، فحال بينه وبين الماء، فصرعه عمار، فقال: دعني وأخلي بينك وبين الماء، ففعل، ثم أبى فأخذه عمار رضي الله تعالى عنه الثانية فصرعه، فقال: دعني وأخلي بينك وبين الماء، ففعل، ثم أبى فأخذه عمار رضي الله تعالى عنه الثالثة، فصرعه، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنَ عَمَّارٍ وَبَيْنَ الْمَاءِ فِيْ صُوْرَةِ عَبْدٍ أَسْوَدَ، وإنَ اللهَ أَظْفَرَ عَمَّارًا بِهِ". قال علي رضي الله تعالى عنه: فتلقينا عماراً رضي الله تعالى عنه، فأخبرناه يقول رسول الله ﷺ ، فقال: أنا والله لو شعرت أنه شيطان لقتلته (١). وروى أبو نعيم، والبيهقي وصححه، عن عمار رضي الله تعالى

стр. 2991

عنه قال: أرسلني النبي ﷺ إلى بئر، فلقيت الشيطان في صورة الإنس، فقاتلني، فصرعته، ثم جعلت أدقه بفهر معي، فقال النبي ﷺ : "لَقِيَ عَمَّارٌ الشَّيْطَانَ فَقَاتَلَهُ". قال: فما عدا أن رجعت فأخبرته، فقال: "ذَاكَ الشَّيْطَانُ" (١). وفي "صحيح البخاري" عن علقمة ﵀ قال: قدمت الشام فقلت: من هاهنا؟ قالوا: أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه. قال: أفيكم الذي أجاره الله تعالى من الشيطان على لسان نبيه ﷺ ؟ يعني: عماراً رضي الله تعالى عنه (٢). فهذا تلميح من أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه بالعصمة المذكورة هنا. ١٠١ - ومنها: قطع الطريق، وإضلال المسافرين في طاعة الله تعالى . قال الله تعالى - حكاية عن الشيطان -: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]. قيل: إنه طريق مكة يقعد الشيطان عليها ليمنع الناس منها؛

стр. 2992

نقله في "الإحياء" (١). قلت: أخرجه عبد بن حميد عن ابن عباس، وأبو الشيخ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم (٢). وروى أبو القاسم البغوي عن أنس، والطبراني عن ابن عباس ﵃ قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لإِبْلِيْسَ مَرَدَةً مِنَ الشَّيَاطِيْنَ يَقُوْلُ لَهُم: عَلَيْكُمْ بِالْحُجَّاجِ وَالْمُجَاهِدِيْنَ؛ فَأَضَلُّوْهُمْ عَنِ السَّبِيْلِ" (٣). وروى ابن أبي حاتم، وابن المنذر عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: ما من رفقة تخرج إلى مكة إلا جهز معهم إبليس مثل عددهم (٤). ١٠٢ - ومنها: السفر وحده أو مع ثان . روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "الرَّاكِبُ

стр. 2993

شَيْطَانٌ، وَالرَّاكِبَانِ شَيْطَاناَنِ، وَالثَّلاثَةُ رَكْبٌ" (١). قال الخطابي: معناه - والله تعالى أعلم -: أن التفرد والذهاب وحده في الأرض من فعل الشيطان، أو هو شيء يحمله عليه الشيطان، فقيل على هذا: إن فاعله شيطان (٢). وذكر الحافظ زين الدين العراقي في هذا الحديث احتمالين: الأول: أن يكون المراد أن الراكب وحده أو مع آخر يقرب الشيطان منه، فأطلق عليه اسم الشيطان لقربه منه. والثاني: أن المراد تشبيهه بالشيطان؛ لأن عادة الشياطين الانفراد في الأماكن الخالية كالأودية والحشوش ونحو ذلك. قلت: والثاني أقرب، ولهذا بعينه جاء النهي أن ينام الإنسان في بيت وحده. * تَنْبِيْهٌ: يكره سفر الاثنين وحدهما لهذا الحديث، وسفر الواحد وحده أشد كراهية، وإنما تزول الكراهة بالثالث لقوله ﵁: "وَالثَّلاثَةُ رَكْبٌ". وإنما كره سفر الاثنين وحدهما لأنه يلزم منه الوحدة التي هي أصل الكراهة؛ فإن المسافر لا بد له من حال انبعاث لطلب ماء أو

стр. 2994

قوت، أو قضاء حاجة، فيبقى الثاني وحده، فإذا كانوا وذهب أحدهم في حاجة بقي الاثنان مجتمعين. ومع ذلك فلا بد في الثلاثة من نقص إذ أحدهم ينفرد بمفارقة الباقيين، فلذلك قال النبي ﷺ : "خَيْرُ الرُّفَقَاءِ أَرْبَعةٌ". رواه ابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه (١). وهو عند الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما - مرفوعاً - بلفظ: "خَيْرُ الأَصْحَابِ أَرْبَعةٌ" (٢). ١٠٣ - ومنها: تلبية الجاهلية؛ وهي كفر صراح . روى البزار - ورجاله رجال الصحيح - عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان الناس بعد إسماعيل ﵇ على الإسلام، وكان الشيطان يحدث الناس بالشيء يريد أن يردهم عن الإسلام حتى أدخل عليهم في التلبية: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك. قال: فما زال حتى أخرجهم إلى الشرك (٣).

стр. 2995

وقد قيل في قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]: إنه نزل في هذه التلبية. ١٠٤ - ومنها: استيطان الشيطان الأمكن المستقذرة كالكُنَف، والحمامات، والمزابل، والحانات - بالمهملة - وفي معناها بيوت القهوة المتخذة من البن - وإن كانت القهوة في نفسها مباحة - فإن بيوتها مأوى الشياطين . روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي في كتاب "العلل"، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه، عن زيد بن أرقم رضي الله تعالى عنه قال: إن هذه الحشوش محتضرة؛ فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث (١). والحشوش - بضم المهملة - جمع حش - بفتحها -: وهو البستان، ثم أطلق على محل قضاء الحاجة لأنهم كانوا يقضون الحاجة قبل أن تبنى المناضح. والخُبث: ذكران الشياطين، جمع خبيث. والخبائث: إناثها، جمع خبيثة. قال ابن سيد الناس في "شرح الترمذي": ومعنى محتضرة في

стр. 2996

قوله: "إن هذه الحشوش": يأوي إليها الشياطين (١). وروى ابن عدي في "الكامل" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُم إِلَى حُجْرَته لِيَدْخُلَ فَلْيُسَمِّ الله؛ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ قَرِيْنُهُ مِنَ الشَّيَاطِيْنِ الَّذِي مَعَهُ وَلا يَدْخُلُ، فَإِذَا دَخَلْتُم فَسَلِّمُوا؛ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ سَاكِنُهُ مَعَهُمْ، وإِذَا وُضعَ الطَّعَامُ فَسَمُّوا؛ فَإِنَّكم تَدْحرُونَ الْخَبِيْثَ إِبْلِيْسَ عَنْ أَرْزَاقِكُمْ وَلا يُشْرِكَكُمْ فِيْهَا، وإِذَا ارْتَحَلْتُمْ دَابَّة فَسَفُوا اللهَ حِيْنَ تَضَعُوْنَ أَوَّلَ حِلْسٍ؛ فَإِنَّ كَلَّ دَابَّةٍ مُقْتَعِدَةٌ، وإِنَّكمْ إِذَا سَمَّيْتُمْ حَطَّمْتُموهُ عَنْ ظُهُورِهِ، وَإِذَا نَسِيْتُمْ ذَلِكَ شَرِكَكُمْ فِي مَرَاكِبكُمْ، وَلا تَبِيتُوا مندِيلَ الْغَمْرِ - أَي: الزَّفر - مَعَكُم فِيْ الْبَيْتِ؛ فَإِنَّهُ مَبِيْتُ الشَّيْطَانِ وَمَضْجَعُهُ، وَلا تَتْرُكُوا القُمَامَةَ مُمْسِيةَ إِذَا وُضِعَت فِيْ جَانِبِ الْحُجْرَةِ؛ فَإِنَّهَا مَقْعَدُ الشَّيْطَانِ، وَلا تَسْكُنُوا بُيُوتاً غَيْرَ مُغْلَقَةٍ، وَلا تَفْتَرِشُوا الْوَلايَا الَّتِي تُفْضِي الى ظُهُوْرِ الدَّوَابِّ، وَلا تَبِيْتُوا عَلَى سَطْحٍ لَيْسَ بِمَحْجُورٍ، وإذَا سَمِعْتُمْ نبِيْحَ الْكِلابِ أَوْ نهِيْقَ الْحِمَارِ فَاسْتَعِيْذُوا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهمَا لا يَرَيَانِ الشَّيْطَانَ إِلاَّ نَبَحَ الْكَلْبُ وَنَهقَ الْحِمَارُ" (٢). وروى الخطيب، وابن عساكر عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "خَلِّلُوا لِحَاكُم، وَقُصُّوا أَظْفَارَكُم؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي

стр. 2997

مَا بَيْنَ اللَّحْمِ وَالظُّفْرِ" (١). وإنما كان ما بين اللحم والظفر مجرى الشيطان لاستقذاره في الغالب، ومن ثم ندب قلم الأظفار لما في ذلك من إجلاء الشيطان عن هذه المواضع وإخلائها منه. ١٠٥ - ومنها: إطالة المكث في الحمام لغير ضرورة، بل لمجرد التلهي والبطالة، وهو مضر من جهة الطب . وتقدم في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن الشيطان قال لله تعالى: اجعل لي بيتاً، قال: الحمام (٢). وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ إِبْلِيْسُ لِرَبِّهِ : يَا رَبِّ! أَهْبَطْتَ آدَمَ ﵇ وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّهُ سَيَكُوْنُ كِتَابٌ وَرُسُلٌ، فَمَا كِتَابُهُمْ وَرُسُلُهُم؟ قالَ: رُسُلُهُمْ الْمَلائِكَةُ، وَالنَّبِيُّوْنَ مِنْهُمْ، وَكتبهُمْ التَّوْرَاةُ وَالإِنْجِيْلُ وَالزَّبُوْرُ وَالْفُرْقَانُ. قالَ: فَمَا كِتَابِي؟ قالَ: كِتَابُكَ الْوَشْمُ، وَقُرْآنُكَ الشِّعْرُ، وَرُسُلُكَ الْكَهَنَةُ، وَطَعَامُكَ مَا لا يُذْكَرُ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ، وَشَرَابُكَ كُلُّ مُسْكِرٍ، وَحَدِيْثكَ الْكَذِبُ،

стр. 2998

وَبَيْتُكَ الْحَمَّامُ، وَمَصَائِدُكَ النسَاءُ، وَمُؤَذنُكَ الْمِزْمَارُ، وَمَسْجِدُكَ الأَسْوَاقُ" (١). ١٠٦ - ومنها: القعود في الأسواق لغير غرض صحيح . وقد جعل الله تعالى السوق مسجد إبليس بشهادة حديث ابن عباس، وأبي أمامة رضي الله تعالى عنهم. ومعنى كونه مسجد إبليس: أنه يسجد فيها للشيطان كما يسجد المخلصون لله تعالى في المساجد. والمراد بالسجود هنا كمال الانقياد، وذلك لأن السوق يطاع فيها الشيطان بالكذب واليمين الكاذبة، والغش والخديعة، واللغط، ولذلك يكون أكثر مكث الشيطان في الأسواق كما أن أكثر مكث الملائكة في المساجد، فمن لازم المسجد فجلساؤه الملائكة ﵈، ومن لازم السوق فقد جالس الشياطين. وإن شئت قلت: من دخل المسجد للطاعة فقد زار الله تعالى ونال جواره، ومن دخل السوق لغير حاجة فقد زار الشيطان وصار جاره. فقد روى الحسن بن محمد الخلال في كتاب "فضل المساجد" بإسناد جيد، عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 2999

رسول الله ﷺ : "إِذَا تَوَضَّأَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ زَائِرٌ اللهَ ؛ وَحَقٌّ عَلَى الْمَزُوْرِ أَنْ يُكْرِمَ زَائِرَهُ" (١). وروى أبو نعيم بإسناد ضعيف، عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ قال: "يَقُوْلُ اللهُ ﵁ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ جِيْرَانِي؟ فتقُوْلُ الْمَلَائِكَةُ ﵈: مَنْ هَذَا الَّذِي يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُجَاوِرَكَ؟ فَيَقُوْلُ: أَيْنَ قُرَّاءُ الْقُرآنِ وَعُمَّارُ الْمَسَاجِدِ؟ " (٢). * تنبِيهانِ: الأَوَّلُ: كما يحضر الشيطان السوق يحضر كل موضع يقع فيه البيع والمعاملة رجاءَ أن يقع فيه عقد باطل، أو كذب أو غش، أو غبن لأحد المتعاقدين، فيشمت ويفرح بخطيئة ابن آدم. وروى الترمذي وصححه، عن قيس بن أبي غرزة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ونحن نُسمَّى السماسرة فقال: "يا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ الشَّيْطانَ وَالإِثْمَ يَحْضُرانِ الْبَيع، فَشَوِّبُوا بَيْعَكُمْ بالصَّدَقَةِ" (٣).

стр. 3000

ومن هنا جاء النهي عن البيع في المسجد. وروى الترمذي، والحاكم وصححاه، عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَبِيع أَوْ يَبْتَاعُ فِيْ الْمَسْجِدِ فَقُوْلُوْا: لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارتَكَ، وإذَا رَأَيْتُمْ مَنْ يَنْشُدُ فِيْهِ ضَالَّةً فَقُولُوا: لا رَدَّ اللهُ عَلَيْكَ" (١). التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: بيت القهوة مأوى الشيطان لأنه سوق في معنى البيت، أو بيت في معنى السوق، بل هو أقبح الأسواق؛ لأن اللغط والمعاصي التي تصدر فيه أكثر مما يصدر في غيره من الأسواق، ولأنه محل مستقذر، ويدخل إليه بالرجل اليسرى ويخرج منه باليمنى، وقد علمت أن كل محل مستقذر فهو مأوى الشيطان، واستقذاره من جهة المنكرات المتتابعة من إدارة القهوة البنية كما تدار القهوة المسكرة، ولذلك تنقلب محرمة بعد ما كانت مباحة، ومن الإصرار على النظر إلى المرد المتبعلين بأحسن من تبعل النساء، وعلى غمز أيديهم وأعضائهم، وطلب زمزمة الفناجين منهم، وأكل الحشيشة والأفيون وجوزة الطيب وغير ذلك من المسكرات والمخدرات، والإكباب على ضرب آلات اللهو واستماعها، واللعب بالنرد والطاب وغيرهما، واللغو والرفث، والخوض في الباطل، والغيبة والنميمة، والكذب

стр. 3001

والأكاذيب، والمضحكات، والمواعدة على السوء، وغير ذلك مما لا يشك مسلم في أنه من أعظم الحرام إلا أن يكون مغموراً في الجهل. وقد أجبت عن سؤال صورته: [من الخفيف] أيَّها الْفاضِلُ الَّذِي جَمَعَ الْعِلْ ... ـمَ وَحازَ التُّقَى فَأَصْبَحَ قُدْوَة أَفْتِنا أَنْتَ هَلْ تَقُوْلُ حَلالٌ ... أَمْ حَرامٌ عَلَى الْوَرَى شُرْبُ قَهْوَة فقلت: [من الخفيف] أيَّها السَّائِلُ الَّذِي جاءَ يَرْجُو ... عِنْدَنا أَنْ نبُيْحَهُ شُرْبَ قَهْوَة قَهْوَةُ الْبُنِّ لا تَكُوْنُ حَراماً ... إِنَّها لا تُفِيْدُ فِي النَّفْسِ نَشْوَة غَيْرَ أَنَّ الَّذِي يجَيءُ بُيُوتاً ... هِيَ فِيها تُدارُ عادِمُ نَخْوَة إِذْ يَرَى الْمُرْدَ وَالْمَعازِفَ وَالنَّرْ ... دَ وَكُلٌّ يَلْهُو وَيتْبَعُ لَهْوَه ثُمَّ لَمْ يَقْوَ أَنْ يُغَيِّرَ نُكْراً ... خَشْيَةَ أَنْ يُعَدَّ ذَلِكَ هَفْوَة إِذْ يَقْتَحِمُوْنَ الإِهانَةَ وَالسُّو ... ءَ وَيَجْفُونَهُ بِأَعْظَمِ جَفْوَة أَوْ يُحَلِّي شَيْطانُه لِهَواهُ ... لَهْوَهُ فِي تِلْكَ الْبُيُوتِ وَلَغْوَه مُعْرِضاً عَنْ رَشادِهِ وَتُقاهُ ... سالِياً عَنْ صَلاتِهِ أَيَّ سَلْوَة كُلُّ هَذا مُخالِفٌ لِطَرِيْقٍ ... خَطَّهُ المُصْطَفَى وَعَرَّجَ نَحْوَه فَاجْتَنِبْهُ وَدَعْ طَوائِفَ تَدْعُو ... كَ إِلَيْهِ وَلَوْ بِآكَدِ دَعْوَة لا تُطِعْهُمْ وَلَو رَضُوا مِنْكَ ... فَتُطِيع الرَّجِيْمَ فِي كُلِّ خَطْوَة

стр. 3002

وإِذا شِئْتَ شُرْبَ قَهْوَةِ بُنٍّ ... حَسْوَةً قَدْ أَرَدْتَ أَوْ أَلْفَ حَسْوَة فَلْيَكُنْ ذاكَ وَسْطَ بَيْتِكَ مَهْما ... لَمْ تَشُبْ صَفْوَها بِمُوْجِبِ صَبْوَه قالَهُ ابْنُ الْغَزِّيِّ نَجْمُ بْنُ بَدرٍ ... يَرْتَجِي مِنْ ربِّ الْبَرِيَّةِ عَفْوَه ١٠٧ - ومن أخلاق الشيطان وأعمالة: التبكير إلى الأسواق، والتأخر في الانصراف منها . وقد تقرر لك أن بيوت القهوة من أخبث الأسواق. روى ابن ماجه، والطبراني في "الكبير" عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ غَدَا إِلَى صَلاةِ الصُّبْحِ غَدَا بِرَايَةِ الإِيْمَانِ، وَمَنْ غَدَا إِلَى السُّوْقِ غَدَا بِرَاية إِبْلِيْسَ" (١). وروى الطبراني عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يَدْخُلُ إِلَى السُّوْقِ، وَلا آخِرَ مَنْ يَخْرُجُ مِنْهَا؛ فَفِيْهَا بَاضَ الشَّيْطَانُ وَفَرَّخ" (٢). وفي رواية: "فَإِنَّهَا مَعْرَكَةُ الشَّيْطَانِ". أو قال: "مَرْبضُ الشَّيْطَانِ، وَبِهَا يَنْصِبُ رَايَتَهُ" (٣).

стр. 3003

وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الشَّيَاطِيْنَ تَنْحَدِرُ بِرَايَاتِهَا إِلَى الأَسْوَاقِ، فَيَدْخُلُونَ مَعَ أَوَّلِ دَاخِلٍ وَيَخْرُجُوْنَ مَعَ آخِرِ خَارِجٍ" (١). وقال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: لا تكن أول داخل في السوق ولا آخر خارج؛ فإنها رياض الشيطان وفُرَجُه (٢). وقال هو ومعاذ رضي الله تعالى عنهما: إن إبليس يقول لولده زَلْنبور: سِرْ بكتابك فأت أصحاب الأسواق؛ زَيِّنِ الكذب والحلف، والخديعة والمكر والخيانة، وكن مع أول داخل وآخر خارج (٣). وروى أبو نعيم في كتاب "حرمة المساجد" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَحَبُّ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ الْمَسَاجِدُ، وَأَحَبُّ أَهْلِهَا أَوَّلُهُم دُخُوْلاً وَآخِرُهُمْ خُرُوْجاً، وَأَبْغَضُ البِقَاعِ إِلَى اللهِ الأَسْوَاقُ، وَأَبْغَضُ أَهْلِهَا إِلَى اللهِ أَوُّلُهُمْ دُخُوْلاً وَآخِرُهُمْ خُرُوْجًا" (٤).

стр. 3004

* تنبِيهٌ: لو بكَّر العبد إلى السوق أو تأخر فيها بقصد قضاء حاجة مسلم أو بقصد إرغام الشيطان بالذكر من غير أن يلزم من ذلك فوت صلاة عن أول وقتها أو فوت جماعة، كان ذلك حسناً لأن الأعمال بالنيات، وأصل دخول السوق على الإباحة، فإذا اقترن بالنية كان طاعة. وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الذكر" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه قال: اغدوا بنا إلى السوق، ولنذكر الله ﵁؛ فإن إبليس قد غدا ونصب رايته، ووضع كرسيه وبث ذريته. قال: فإذا غدا الرجل إلى السوق فليقل: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيى ويميت وهو على كل شيء قدير؛ فإن له بكل كلمة من هذه الكلمات حسنة تكتب، وخطيئة تمحى، ودرجة ترفع، وعدل رقبة من بني إسماعيل، وشجرة تغرس، ورضوان من الله أكبر، ذلك هو الفوز العظيم. وروى هو والترمذي، والحاكم عن عمر رضي الله تعالى عنه، وابن ماجه، والحاكم عن ابنه رضي الله تعالى عنه؛ كلاهما عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ قَالَ فِيْ سُوْقٍ مِنَ الأَسْوَاقِ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيْكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيى ويُمِيْتُ وَهُوَ حَيٌّ لا يَمُوْتُ، بِيَدهِ الخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْر، كتَبَ اللهُ لَهُ أَلفَ أَلفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ ألْفِ

стр. 3005

سَيِّئةٍ، وبُنيَ لَهُ بَيتٌ فِي الْجَنَّةِ" (١). ورواه ابن السني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلفظ: "مَنْ قالَ حِيْنَ يَدْخُلُ السُّوْقَ"، وزاد فيه بعد قوله: "وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ": "لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَاللهُ أَكبَرُ، وَسُبْحَانَ اللهِ وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ". ثم قال: "كَتَبَ اللهُ لَهُ ألفَيْ ألفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ ألفَيْ ألفِ سَيِّئَةٍ، وَبُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ" (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن أبي رفاعة رضي الله تعالى عنه: أنه كان يأتي السوق يقول: أريد أن أذكر الله حيث لا يذكر (٣). ١٠٨ - ومن أخلاق الشيطان: ترك القيلولة؛ وهي النوم وسط النهار، وهي مستحبة لقيام الليل . روى الطبراني في "الأوسط"، والبزار، وأبو نعيم في "الطب" عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "قِيْلُوا؛ فَإِنَّ الشَّيَاطِيْنَ لا تَقِيْلُ " (٤).

стр. 3006

وروى ابن أبي شيبة، ومحمد بن نصر في كتاب "الصلاة" عن مجاهد قال: بلغ عمر رضي الله تعالى عنه أن عاملاً له لا يقيل، فكتب إليه: أما بعد: فَقِلْ؛ فين الشيطان لا يقيل. قال مجاهد: إن الشياطين لا يقيلون (١). وقال الحسن رضي الله تعالى عنه: إذا دخل السوق وسمع لغطهم ولغوهم يقول: أظن ليل هؤلاء ليل سوءة فإنهم لا يقيلون (٢). ١٠٩ - ومنها: الانتشار من غروب الشمس إلى أن تذهب فحمة العشا - أي: ظلمتها - من غير ضرورة . روى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُرْسِلُوْا فَوَاشِيَكُمْ وَصِبْيَانكُمْ إِذَا غَابَتْ الشَّمْسُ حَتَّى تَذهبَ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ" (٣). وروى هؤلاء، والبخاري، والنسائي عنه أيضاً قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَ جُنْحُ اللَّيْلِ وَأَمْسَيْتُمْ فَكُفُّوا صِبْيَانكُم؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْتَشِرُ حِينئذٍ، فَإِذَا ذهبَ ساعَةٌ مِنَ اللَّيْلِ فَخَفوْهُمْ، وَأَغْلِقُوا

стр. 3007

الأَبْوَابَ، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لا يَفْتَحُ بَابَا مُغْلَقًا، وَأَوْكُوا قِرَبَكُم، وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ، وَخَمِّرُوا آنِيَتكُم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللهِ وَلَوْ أَنْ تَعْرِضُوا عَلَيْهَا شَيْئاً" (١). والفواشي في الحديث الأول - بالفاء -: جمع فاشية، وأراد كل شيء منتشر من المال كالإبل، والغنم، وسائر البهائم وغيرها لأنها تفشوا؛ أي: تنتشر في الأرض. وجنح الليل - بضم الجيم، وكسرها -: ظلامه. وفي رواية: "إذا استجنح الليل"؛ أي: أظلم. ١١٠ - ومنها: السهر في غير فائدة . روى ابن أبي الدنيا في "المكائد"، والسمعاني في "تاريخه" عن سلام بن مسكين قال: قال رجل للحسن رحمه الله تعالى: يا أبا سعيد! أينام إبليس؟ قال: فتبسم، قال: لو نام إبليس لوجدنا راحة (٢). وروى ابن السني، والحاكم عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا أَوَى إِلَى فِرَاشِهِ ابْتَدَرَهُ مَلكٌ وَشَيْطَانٌ، فَقَالَ الْمَلَكُ: اللَّهُمَّ اخْتِمْ بِخَيْرٍ، وَقَالَ الشَّيْطَانُ: اخْتِمْ بِشَرٍّ؛ فَإِنْ ذَكَرَ اللهَ

стр. 3008

تَعَالَى ثُمَّ ناَمَ بَاتَ الْمَلَكُ يَكْلَؤُهُ" (١)؛ أي: يحرسه ويحفظه. وأمَّا قوله ﷺ : "إِذَا اسْتَيقَظَ أَحَدُكُم مِنْ مَنَامِهِ فتوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيْتُ عَلَى خَيَاشِيْمِهِ" كما رواه الشيخان (٢) عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، فلا يلزم من بيات الشيطان على الخياشيم أن ينام؛ فإن معنى بات: حل في المساء - سواء نام، أم لا - بل إنما يبيت الشيطان على الخياشيم ليكون قريباً من الفم حتى متى استيقظ ابن آدم فعسى أن يلقنه ما فيه شر. ويؤيده ما في الحديث (٣) أنه: "إذا استيقظ قال الملك: افتح [بخير، وقال الشيطان: افتح] بشر". ١١١ - ومنها: تسهير أهل المعصية والغفلة، وكراهية نومهم . روى ابن أبي الدنيا في "المكائد" عن فضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: ما من شيء أبغض إلى إبليس من أن يرى ابن آدم نائماً، يقول: متى يقوم هذا حتى يعصي الله تعالى. وهذا محمول على إرادة من عادته الغفلة والمعصية بدليلٍ ما. * تنبِيْهٌ: قد يريد الشيطان تسهير أهل الطاعة بأن يحسن لهم الحديث

стр. 3009

والسمر أول الليل ليغلبهم النوم عن القيام آخر الليل، أو ليغلب عليهم حتى يخرج وقت صلاة الفجر كما هو حال كثير من الناس ممن غلب عليهم حب الدنيا ونسوا الآخرة. قال حميد رحمه الله تعالى: أطلنا الحديث ذات ليلة ثم دخلنا على أنس رضي الله تعالى عنه، فقال: أطلتم الحديث البارحة؟ أما إن حديث أول الليل يضر بآخره. رواه ابن أبي شيبة (١). ومن هنا كره الشافعي رحمه الله تعالى وغيره الحديث بعد صلاة العشاء إلا في خير للنهي؛ عن ذلك (٢). ١١٢ - ومنها: تنويم أهل الطاعة عن الطاعة . روى ابن أبي الدنيا في "المكائد"، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن سمرة بن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ للشَّيْطَانِ كُحْلاً وَلَعُوْقًا؛ فَإِذا كَحَّلَ الإِنْسَانُ مِنْ كُحْلِهِ نَامَتْ عَيْنَاهُ عَنِ الذِّكْرِ، وإِذَا أَلْعَقَهُ مِنْ لَعُوْقهِ دَرَبَ لِسَانهُ بِالشَّرِّ" (٣). وروى البيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ للشَّيْطَانِ كُحْلًا وَلَعُوْقًا وَنشُوْقًا؛ أَمَّا لَعُوْقُهُ فَالْكَذِبُ، وَأَمَّا نشُوْقُهُ

стр. 3010

فَالْغَضَبُ، وَأَمَّا كُحْلُهُ فَالنَّوْمُ" (١). والمعنى: أنه يلقن ابن آدم بالكذب، ويستثير منه الغضب، ويستجلب منه النوم. وقال ابن العماد فيما قرأته بخطه نقلاً عن شيخه البلقيني: شيطان النوم يسمى الوسنان، يأتي الإنسان فينومه كما ينوم الصغير. قال: وإنما ينومه عن الطاعة، فأما عن المعاصي فلا، انتهى. وروى الطبراني في "الكبير" عن جندب رضي الله تعالى عنه قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ سفراً فأتاه قوم، فقالوا: سهرنا عن الصلاة فلم نصل حتى طلعت الشمس. فقال رسول الله ﷺ : "تَوَضَّؤُوا وَصَلُّوا". ثم قال: "إِنَّ هَذَا لَيْسَ بِالسَّهَرِ، إِنَّ هَذَا مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِذَا أَخَذَ أَحَدُكُمْ مَضْجَعَهُ فَلْيقُلْ: بِسْمِ اللهِ، أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ" (٢). وروى أبو داود، والنسائي - وصححه النووي - عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال: "خصْلَتَانِ - أَو خلَّتانِ - لا يُحَافِظُ عَلَيْهِمَا عَبدٌ مُسْلِم إِلاَّ دَخَلَ الجَنَّةَ، وَهُمَا يَسِيْرَانِ، وَمَنْ يَعْمَلُ بِهِمَا قَلِيْلٌ؛ يُسَبِّحُ اللهَ تَعَالَى فِيْ دُبُرِ كُل صَلاةٍ عَشْرًا، ويَحْمَدُ عَشْرًا، ويُكَبِّرُ

стр. 3011

عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسُوْنَ وَمئةٌ بِاللِّسَانِ، وَألفٌ وَخَمْسُ مئَةٍ فِيْ الْمِيْزَانِ، وَيُكَبّرُ أَرْبَعاً وَثَلاثِيْنَ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، وَيَحْمَدُ ثَلاثاً وَثَلاثِيْنَ، ويُسَبِّحُ ثَلاثاً وَثَلاثِيْنَ، فَّذلِكَ مِئة بِاللِّسَانِ، وَألْفٌ فِيْ الْمِيْزَانِ". قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده. قالوا: يا رسول الله! كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟ قال: "يَأْتِيْ أَحَدَكُم - يَعْنِي: الشَّيْطَان - فِي مَنَامِهِ فَيُنَوِّمَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُوْلَهَا" (١). وروى الإمام أحمد، والشيخان، وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ مَكَانها: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويْلٌ فَارْقُدْ؛ فَإِن اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نشَيْطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وإلاَّ أَصْبَحَ خَبِيْثَ النَّفْسِ كَسْلانَ" (٢). ورواه ابن خزيمة من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - وزاد

стр. 3012

فيه في رواية: "فَحُلُّوْا عُقَدَ الشَّيْطَانِ وَلَوْ بِرَكْعَةِ" (١). وروى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح فقال: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِيْ أُذُنيَهِ - أَو قَالَ: فِيْ أُذُنِهِ -" (٢). أراد بذلك أن الشيطان قد بلغ من استيلائه عليه وتنويمه إياه عن طاعة الله تعالى ما لو بال في أذنيه لما أحس به أو استذله كاستذلال من بال في أذنيه. وروى الترمذي عن عبد الله بن ثابت، عن أبيه، عن جده - واسم جده دينار رضي الله تعالى عنه: - أن النبي ﷺ قال: "الْعُطَاسُ وَالنُّعَاسُ وَالتَّثَاؤُبُ فِيْ الصَّلاةِ، وَالْحَيْضُ وَالْقَيْءُ وَالرُّعَافُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٣). وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن علي ﵁ أنه قال: سبع من الشيطان: الرعاف، والقيء، وشدة العطاس، والتثاؤب، والنعاس عند الموعظة، والنجوى (٤).

стр. 3013

وروى ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلاً - رحمه الله تعالى - قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّوْمُ وَالنُّعَاسُ فِيْ الْجُمُعَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِذَا نعَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيتَحَوَّلْ" (١). وروى عبد الرزاق عن عمرو بن دينار رحمه الله تعالى قال: كان يقال: إذا نعس الرجل في يوم الجمعة والإمام يخطب فإنه مجلس الشيطان، فليتحول عنه (٢). وروى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: النعاس عند القتال أمنة من الله تعالى، والنعاس في الصلاة من الشيطان (٣). متأولاً بذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ثابت البناني عن أبي ثامر - وكان عابداً - قال: فرأى في المنام كأن رجلين أو ملكين أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه للذي عند رجليه: إن الصلاة قبل النوم تُرضي الرحمن وتسخط الشيطان، وقال الذي عند رجليه: إن النوم قبل الصلاة يسخط الرحمن ويرضي الشيطان (٤).

стр. 3014

* فائِدَةٌ لَها مُناسَبةٌ تامَّة بِهَذا الْمَحَلِّ: قد علم من حديث أبي هريرة ﵁ وحديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - المتقدمين: أن نوم جميع الليل مما يعجب الشيطان من العبد الطائع، ومن ثم كره العلماء أن يخلو الليل من القيام. وقال رسول الله ﷺ : "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ - يعني: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - لَوْ كَانَ يَقُوْمُ مِنَ اللَّيْلِ". رواه الشيخان من حديث حفصة بنت عمر ﵄ (١). وروى أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "صَلِّ مِنَ اللَّيْلِ نِصْفَهُ، ثُلُثَهُ، رُبُعَهُ، فواقَ حَلْبِ (٢) ناَقَةٍ، فواقَ حَلْبِ شَاةٍ" (٣). وروى أبو الوليد بن مغيث في كتاب "الصلاة" عن إياس بن معاوية - رحمه الله تعالى - مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "لا بُدَّ مِنْ صَلاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ حَلْبَ نَاقَةٍ، وَلَوْ حَلْبَ شَاةٍ" (٤). وروى محمد بن نصر في كتاب "الصلاة" أيضاً، والطبراني في

стр. 3015

"الكبير" عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ رَكْعَةً وَاحِدَةً" (١). وروى ابن أبي شيبة، ومحمد بن نصر، والبيهقي في "الشعب" عن الحسن - رضي الله تعالى عنه - مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "صَلُّوا مِنَ اللَّيْلِ، صَلُّوا وَلَوْ أَرْبَعًا، صَلُّوا وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ، مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تُعْرَفُ لَهُمْ صَلاة إِلاَّ نَادَاهُمْ مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْبَيْتِ! قُوْمُوْا لِصَلاتِكُمْ" (٢). وهذا المنادي أقرب ما يكون ملكاً من الملائكة ﵈، ولا يلزم من ندائه أن يسمع كل من في البيت، فقد يكشف لبعضهم فيسمعه، وقد لا يسمعه أحد. ونظير هذا حديث أنس المتقدم في التشبه بالملائكة: أن لله ملكاً ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم! قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم فأطفئوها (٣).
следующие страницы →