عَشْرًا، فَذَلِكَ خَمْسُوْنَ وَمئةٌ بِاللِّسَانِ، وَألفٌ وَخَمْسُ مئَةٍ فِيْ الْمِيْزَانِ، وَيُكَبّرُ أَرْبَعاً وَثَلاثِيْنَ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ، وَيَحْمَدُ ثَلاثاً وَثَلاثِيْنَ، ويُسَبِّحُ ثَلاثاً وَثَلاثِيْنَ، فَّذلِكَ مِئة بِاللِّسَانِ، وَألْفٌ فِيْ الْمِيْزَانِ".
قال: فلقد رأيت رسول الله ﷺ يعقدها بيده.
قالوا: يا رسول الله! كيف هما يسير، ومن يعمل بهما قليل؟
قال: "يَأْتِيْ أَحَدَكُم - يَعْنِي: الشَّيْطَان - فِي مَنَامِهِ فَيُنَوِّمَهُ قَبْلَ أَنْ يَقُوْلَهَا" (١).
وروى الإمام أحمد، والشيخان، وغيرهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إِذَا هُوَ نَامَ ثَلاثَ عُقَدٍ، يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ مَكَانها: عَلَيْكَ لَيْلٌ طَويْلٌ فَارْقُدْ؛ فَإِن اسْتَيْقَظَ وَذَكَرَ اللهَ تَعَالَى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ، فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا، فَأَصْبَحَ نشَيْطًا طَيِّبَ النَّفْسِ، وإلاَّ أَصْبَحَ خَبِيْثَ النَّفْسِ كَسْلانَ" (٢).
ورواه ابن خزيمة من حديث جابر - رضي الله تعالى عنه - وزاد
стр. 3012
فيه في رواية: "فَحُلُّوْا عُقَدَ الشَّيْطَانِ وَلَوْ بِرَكْعَةِ" (١).
وروى الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: ذكر عند النبي ﷺ رجل نام ليلة حتى أصبح فقال: "ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِيْ أُذُنيَهِ - أَو قَالَ: فِيْ أُذُنِهِ -" (٢).
أراد بذلك أن الشيطان قد بلغ من استيلائه عليه وتنويمه إياه عن طاعة الله تعالى ما لو بال في أذنيه لما أحس به أو استذله كاستذلال من بال في أذنيه.
وروى الترمذي عن عبد الله بن ثابت، عن أبيه، عن جده - واسم جده دينار رضي الله تعالى عنه: - أن النبي ﷺ قال: "الْعُطَاسُ وَالنُّعَاسُ وَالتَّثَاؤُبُ فِيْ الصَّلاةِ، وَالْحَيْضُ وَالْقَيْءُ وَالرُّعَافُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٣).
وروى عبد الرزاق بسند صحيح عن علي ﵁ أنه قال: سبع من الشيطان: الرعاف، والقيء، وشدة العطاس، والتثاؤب، والنعاس عند الموعظة، والنجوى (٤).
стр. 3013
وروى ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلاً - رحمه الله تعالى - قال: قال رسول الله ﷺ : "النَّوْمُ وَالنُّعَاسُ فِيْ الْجُمُعَةِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِذَا نعَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيتَحَوَّلْ" (١).
وروى عبد الرزاق عن عمرو بن دينار رحمه الله تعالى قال: كان يقال: إذا نعس الرجل في يوم الجمعة والإمام يخطب فإنه مجلس الشيطان، فليتحول عنه (٢).
وروى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: النعاس عند القتال أمنة من الله تعالى، والنعاس في الصلاة من الشيطان (٣). متأولاً بذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ثابت البناني عن أبي ثامر - وكان عابداً - قال: فرأى في المنام كأن رجلين أو ملكين أحدهما عند رأسه والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه للذي عند رجليه: إن الصلاة قبل النوم تُرضي الرحمن وتسخط الشيطان، وقال الذي عند رجليه: إن النوم قبل الصلاة يسخط الرحمن ويرضي الشيطان (٤).
стр. 3014
* فائِدَةٌ لَها مُناسَبةٌ تامَّة بِهَذا الْمَحَلِّ:
قد علم من حديث أبي هريرة ﵁ وحديث ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - المتقدمين: أن نوم جميع الليل مما يعجب الشيطان من العبد الطائع، ومن ثم كره العلماء أن يخلو الليل من القيام.
وقال رسول الله ﷺ : "نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ - يعني: ابن عمر رضي الله تعالى عنهما - لَوْ كَانَ يَقُوْمُ مِنَ اللَّيْلِ". رواه الشيخان من حديث حفصة بنت عمر ﵄ (١).
وروى أبو يعلى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "صَلِّ مِنَ اللَّيْلِ نِصْفَهُ، ثُلُثَهُ، رُبُعَهُ، فواقَ حَلْبِ (٢) ناَقَةٍ، فواقَ حَلْبِ شَاةٍ" (٣).
وروى أبو الوليد بن مغيث في كتاب "الصلاة" عن إياس بن معاوية - رحمه الله تعالى - مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "لا بُدَّ مِنْ صَلاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ حَلْبَ نَاقَةٍ، وَلَوْ حَلْبَ شَاةٍ" (٤).
وروى محمد بن نصر في كتاب "الصلاة" أيضاً، والطبراني في
стр. 3015
"الكبير" عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ بِصَلاةِ اللَّيْلِ وَلَوْ رَكْعَةً وَاحِدَةً" (١).
وروى ابن أبي شيبة، ومحمد بن نصر، والبيهقي في "الشعب" عن الحسن - رضي الله تعالى عنه - مرسلاً قال: قال رسول الله ﷺ : "صَلُّوا مِنَ اللَّيْلِ، صَلُّوا وَلَوْ أَرْبَعًا، صَلُّوا وَلَوْ رَكْعَتَيْنِ، مَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تُعْرَفُ لَهُمْ صَلاة إِلاَّ نَادَاهُمْ مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الْبَيْتِ! قُوْمُوْا لِصَلاتِكُمْ" (٢).
وهذا المنادي أقرب ما يكون ملكاً من الملائكة ﵈، ولا يلزم من ندائه أن يسمع كل من في البيت، فقد يكشف لبعضهم فيسمعه، وقد لا يسمعه أحد.
ونظير هذا حديث أنس المتقدم في التشبه بالملائكة: أن لله ملكاً ينادي عند كل صلاة: يا بني آدم! قوموا إلى نيرانكم التي أوقدتموها على أنفسكم فأطفئوها (٣).
стр. 3016
وفائدة هذا النداء حصول الاستيقاظ وإن لم يفهم النائم النداء.
ومثل ذلك قد يتفق في الحس بحيث ينادي بعض الإنس نائماً منهم ويذهب، فينتبه النائم ولا يعرف من ناداه.
وقد سمعت في بعض الليالي منادياً ينادي فاستيقظت، فلم أر أحداً.
وقد علم بذلك أن إيقاظ النائمين للصلاة من أخلاق الملائكة ﵈ كما أن تنويم المصلين من أخلاق الشياطين اللئام.
ومن المجربات للاستيقاظ متى شاء العبد: ما ذكره الثعلبي في "تفسيره" عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رجلًا قال له: إني أهم أن أقوم ساعة من الليل فيغلبني النوم.
فقال: إذا أردت أن تقوم أي ساعة شئت من الليل فاقرأ إذا أخذت مضجعك: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ [الكهف: ١٠٩] الآية؛ فإن الله يوقظك متى شئت من الليل (١).
وقال الدارمي في "مسنده": أنبأ محمد بن كثير عن الأوزاعي، عن عبدة، عن رَزين قال: من قرأ آخر سورة الكهف لساعة من الليل قامها؛ قال عبدة: فجربناه فوجدناه كذلك (٢).
وروى ابن الضِّريس في "فضائل القرآن" عن إسماعيل بن أبي
стр. 3017
رافع - رحمه الله تعالى - بلاغاً عن النبي ﷺ : أن من قرأ الخمس آيات من خاتمة سورة الكهف حين يأخذ مضجعه من فراشه حُفظ، وبعث من أي الليل شاء (١).
وأفادني بعض مشايخي أنه يقال بعد القراءة: يا ملائكة ربي! أيقظوني في وقت كذا.
قلت: هذا لا بأس به، لكن الذي يظهر أنه ليس شرط، بل يكفيه أن يحضر في قلبه الساعة التي يريد القيام فيها حال قراءة الآية، وهكذا جربته فرأيته صحيحاً.
وروى الإمام أبو سعد أحمد بن محمد الماليني في "أربعين الصوفية"، وابن الجوزي في كتاب "ترجمة معروف الكرخي رضي الله تعالى عنه"؛ كلاهما عن معروف قال: ثنا بكر بن خنيس: قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ : "مَنْ قالَ عِنْدَ مَنَامِهِ: اللَّهُمَّ لا تُؤْمِنَّا مَكْرَكَ، وَلا تُنْسِنَا ذِكْرَكَ، وَلا تَهْتِكْ عَنَّا سِتْرَكَ، وَلا تَجْعَلْنَا مِنَ الْغَافِلِيْنَ، اللَّهُمَّ ابْعَثْنَا فِيْ أَحَبِّ السَّاعَاتِ إِلَيْكَ حَتَّى نَذْكُرَكَ فَتَذْكُرَناَ، وَنسأَلَكَ فَتُعْطِيَنَا، وَنَدْعُوْكَ فَتَسْتَجِيْبَ لَنَا، وَنَسْتَغْفِرَكَ فَتَغْفِرَ لَنَا إِلاَّ بَعَثَ اللهُ تَعَالَى مَلَكًا فِيْ أَحَبِّ السَّاعَاتِ إِلَيْهِ فَيُوْقظُهُ، فَإِنْ قَامَ وإِلاَّ صَعِدَ الْمَلَكُ فَيَعْبُدُ اللهَ فِيْ السَّمَاءِ، ويُعْرُجُ إِلَيْهِ مَلَكٌ آخَرُ فَيُوْقِظُهُ، فَإِنْ قَامَ وإِلاَّ صَعِدَ الْمَلَكُ فَقَامَ مَعَ
стр. 3018
صَاحِبِهِ، فَإِنْ قَامَ بَعْدَ ذَلِكَ وَدَعَا اسْتُجِيْبَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَقُمْ كَتَبَ اللهُ تَعَالَى لَهُ ثَوَابَ أُوْلَئِكَ مِنَ الْمَلائِكةِ" (١).
* تنبِيْهٌ:
إذا أنعم الله على العبد بإيقاظه في ساعة من الليل فلينهض إلى الوضوء والصلاة لقوله ﷺ : "فَحُلُّوْا عُقَدَ الشَّيْطَانِ وَلَوْ بِرَكْعَةٍ" (٢)، فإن أبى إلا العود إلى النوم فلا أقل من أن يذكر الله تعالى ولو بتهليلة أو تسبيحة، ﴿فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ﴾ [البقرة: ٢٦٥].
ولا بأس بالجهر بالذكر أو بالقرآن، وهو أفضل وأبلغ ليكون أشد في طرد الشيطان، ولا بتسميع يحذر فيه لكن من غير مبالغة في الجهر.
روى الإمام أحمد ورجاله ثقات عن علي رضي الله تعالى عنه قال: كان أبو بكر - رضي الله تعالى عنه - يخافت بصوته إذا قرأ، وكان عمر - رضي الله تعالى عنه - يجهر بقراءته، وكان عمار - رضي الله تعالى عنه - إذا قرأ يأخذ من هذه السورة وهذه، فذكر للنبي ﷺ ، فقال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: "لِمَ تُخَافِتُ بِقِرَاءَتِكَ؟ "
قال: إني لأسمع من أناجي.
وقال لعمر رضي الله تعالى عنه: "لِمَ تَجْهَرُ بِقِرَاءَتِكَ؟ "
стр. 3019
قال: أفزع الشيطان، وأوقظ الوسنان.
وقال لعمار رضي الله تعالى عنه: "لِمَ تأْخُذُ مِنْ هَذِهِ السُّوْرَةِ وَهَذِهِ؟ "
قال: أتسمعني أخلط فيه ما ليس منه؟
قال: "لا".
قال: فكله طيب (١).
وروى أبو داود، والترمذي عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال لأبي بكر رضي الله تعالى عنه: "إنيْ مَرَرْتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقَرَأُ وَأَنْتَ تَخْفِضُ مِنْ صَوْتك؟ "
فقال: إني أسمعت من ناجيت.
قالَ: "ارْفَعْ قَلَيلاً".
وقال لعمرَ رضي الله تعالى عنه: "إِنّيْ مَرَرتُ بِكَ وَأَنْتَ تَقرَأُ وَأَنْتَ تَرْفَعُ صَوْتَكَ؟ "
فقال: إني أوقِظُ الوَسنَانَ وَأَطْرد الشَّيطانَ.
قالَ: "اخْفِضْ قَلَيْلاً" (٢).
стр. 3020
وروى أبو داود نحوه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - إلا أنه لم يذكر قوله لأبي بكر: "اِرْفَعْ قَلِيْلاً"، ولا قوله لعمر: "اخْفِضْ قَليلاً".
زاد: "وَقَدْ سَمِعْتُكَ يَا بِلالُ تَقْرَأُ مِنْ هَذِهِ السُّوْرَةِ وَمِنْ هَذهِ السُّوْرَةِ؟ "
قال: كلام طيب يجمعه الله بعضه إلى بعض.
فقال النبي ﷺ : "كُلُّكُمْ قَدْ أَصَابَ" (١).
قلت: ولعلهما واقعتان، وإنما أراد النبي ﷺ بقوله في حديث أبي قتادة لأبي بكر رضي الله تعالى عنهما: "ارْفَعْ قَلِيْلاً"، وقوله لعمر رضي الله تعالى عنه: "اِخْفِضْ قَلِيْلاً" مع شهادته لهما بأن فعل كل منهما صواب كما في حديث أبي هريرة ﵁؛ ليخرجهما بذلك عن إرادتهما إلى إرادة الله تعالى ورسوله ﷺ ، كما نبه على ذلك السهروردي في "عوارفه" رحمه الله تعالى.
ويستحب لمن له ورد من قيام أو تلاوة أن لا يدعه كما روى الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمرو - رضي الله تعالى عنهما؛ أن النبي ﷺ قال له: "يَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْروٍ! لا تَكُنْ مِثْلَ فُلانٍ؛ كَانَ يَقُوْمُ مِنَ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ" (٢)، فنهى عن التشبه
стр. 3021
بمن ترك عادته من قيام الليل.
١١٣ - ومن أعمال الشيطان وأخلاقه: افتتاح المجالس والأمور وختمهَا بالشر، ومحبة ذلك من غيره .
روى ابن السني، والحاكم عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ وَآوَى إِلَى فِرَاشِهِ ابْتَدَرَهُ مَلَكُهُ وَشَيْطَانُهُ، فَيَقُوْلُ شَيْطَانُهُ: اخْتِمْ بِشَرِّ، وَيَقُوْلُ الْمَلَكُ: اخْتِمْ بِخَيْرٍ؛ فَإِنْ ذَكَرَ اللهَ وَحَمِدَهُ طَرَدَ الْمَلَكُ الشَّيْطَانَ وَبَاتَ يَكْلَؤُهُ، اِنْ هُوَ انتُبَهَ مِنْ مَنَامِهِ ابْتَدَرَهُ مَلَكُهُ وَشَيْطَانُهُ، فَيَقُوْلُ لَهُ الشَّيْطَانُ: افْتَحْ بِشَرٍّ، ويَقُوْلُ الْمَلَكُ: افْتَحْ بِخَيْرٍ؛ فَإِنْ هُوَ قالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ رَدَّ إِلَيَّ نَفْسِيْ بَعْدَ مَوْيهَا وَلَمْ يُمِتْهَا فِيْ مَنَامِهَا، الْحَمْدُ للهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ أَنْ تَزُوْلا وَلَئِنْ زَالتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيْمًا غَفُوْرًا، وَقَالَ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي يُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الأَرْضِ إِلاَّ بِإِذْنِهِ إِنَّ اللهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوْفٌ رَحِيْمٌ، فَإِن خَرَّ مِنْ فِرَاشِهِ فَمَاتَ كَانَ شَهِيْدًا، وإنْ قَامَ لِيُصَلِّيَ صَلَّى [في فضائل] " (١).
وإنما أحب الشيطان من ابن آدم أن يفتح بالشر لأن المجالس والأمور إذا تكدرت من أوائلها قل أن يصفو أثانيها، وهذا فيه مراد الشيطان وقرة عينه، وأحب أن يختم بالشر لأن الأعمال بالخواتيم.
стр. 3022
١١٤ - ومن أخلاقه لعنه الله: بغض العلماء والصالحين .
روى الترمذي، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "فَقِيْهٌ وَاحِدٌ أَشَدُّ عَلَى الشَّيْطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ" (١).
ونحوه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢).
وقد جاء بيان وجه شدة الفقيه على الشيطان فيما رواه الأصبهاني في "الترغيب" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما عن النبي ﷺ قال: "فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ سَبْعُوْنَ دَرَجَةَ، بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ حَضْرُ الْفَرَسِ - أَيْ: عَدْوُهُ - سَبْعِيْنَ عَامًا، وذلك لأن الشيطان يضع البدعَة للناس فيبصرها العالم فينهى عنها، والعابد مقبل على عبادته لا يتوجه لها ولا يعرفها" (٣).
وروى الديلمي عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ شَيْءِ أَقْطَعُ لِظَهْرِ إِبْلِيْسَ مِنْ عَالِمِ يَخْرُجُ فِيْ قَبِيْلَةِ" (٤).
стр. 3023
وروى ابن أبي الدنيا في "المكائد" عن علي بن عاصم، عن بعض البصريين قال: كان عالم وعابد متواخيين في الله تعالى، فقالت الشياطين: إنا لا نقدر على أن نفرق بينهما، فقال إبليس: أنا لهما، فجلس بطريق إذ أقبل العابد حتى إذا دنا من إبليس قام إليه في مثال شيخ كبير بين عينيه أثر السجود فقال للعابد: إنه قد جمال في صدري شيء أحببت أن أسألك عنه.
قال له العابد: سل؛ فإن يكن عندي علم أخبرتك.
فقال له إبليس: هل يستطيع الله أن يجعل السماوات والأرض والجبال والشجر والماء في بيضة من غير أن يزيد في البيضة شيئاً، ومن غير أن ينقص من هذا شيئاً؟
فقال له العابد: من غير أن ينقص من هذا شيئاً، ومن غير أن يزيد في هذا شيئاً؟ ! - كالمتعجب -، ووقف العابد.
فقال له إبليس: امض، ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما هذا فقد أهلكته، جعلته شاكاً في الله.
ثم جلس على طريق العالم فإذا هو مقبل حتى دَنا من إبليس قام إليه، فقال له: يا عبد الله! قد جمال في صدري شيء أحببت أن أسألك عنه.
قال له العالم: سل؛ فإن يكن عندي علم أخبرتك.
فقال له إبليس ما قاله للعابد، فقال له العالم: نعم.
قال: فرد عليه إبليس كالمنكر من غير أن يزيد في هذا شيئاً.
стр. 3024
فقال العالم: نعم - بالانتهار - أما سمعت قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢].
فقال إبليس لأصحابه: من هذا أُتِيْتم (١).
قلت: وبلغني في مثل هذه الحكاية أنه جاء في وقت القائلة إلى بيت العابد، فسأله فشككه في وقته، وجاء إلى العالم فطرق عليه الباب، فقال العالم: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، مَنِ الطارق في هذا الوقت؟ وقد قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيَاطِيْنَ لا تَقِيْلُ"، ففر الشيطان حين سمع ذكر الله تعالى، فلم يثبت، وقال: قد علم أني شيطان.
وينسب للإمام محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة - رضي الله تعالى عَنهما - مضمناً للحديث المتقدم: [من الطويل]
تَعَلَّمْ فَإِنَّ الْعِلْمَ زَيْنٌ لأَهْلِه ... وَفَضْلٌ وَعُنْوان لأَهْلِ الْمَحامِد
وَكُنْ مُسْتَفِيْداً كُلَّ يَوْمٍ زِيادَةً ... مِنَ الْعِلْمِ وَاسْبَحْ فِي بِحارِ الْفَوائِدِ
تَفَقَّهْ فَإِنَّ الْفِقْهَ أَفْضلُ قائِدٍ ... إِلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَأَعْدَلُ قاصِد
стр. 3025
هُوَ الْعَلَمُ الْهادْي إِلَى سُنَنِ الْهُدى ... هُوَ الْحِصْنُ يُنْجِي مِنْ جَمِيْعِ الشَّدائِدِ
وإِنَّ فَقِيْها واحِداً مُتَوَرِّعاً ... أَشَدُّ عَلى الشَّيْطانِ مِنْ ألْفِ عابِد
١١٥ - ومن أخلاقه لعنه الله تعالى: تطويل أمل العالم حتى يدع العمل معتذراً عنه بطلب العلم، وهذا من جملة أغلاط العلماء .
وإنما يحمد الأمل من العالم إذا كان باعثاً له على الاستزادة من العلم من غير أن يشتغل عن فرض العمل ومهمه.
روى الخطيب في "الجامع" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَيسبعَنَّكُم بِالْعِلْمِ".
قالوا: كيف يسبعنا يا رسول الله؟
قال: "لا يَزَالُ الْعَبْدُ لِلْعِلْمِ طَالِبًا وَلِلْعَمَلِ كَارِهًا حَتَّى يَأْتِيَهِ الْمَوْتُ" (١).
وفي لفظ آخر: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يسبعكُمْ بِالْعِلْمِ".
فقيل: يا رسول الله! وكيف ذلك؟
قال: "يَقُوْلُ: اطْلُبِ الْعِلْمَ وَلا تَعْمَلْ حَتَّى تَعْلَمَ، فَلا يَزَالُ فِيْ
стр. 3026
الْعِلْمِ قَائِلاً وَلِلْعَمَلِ مُسَوِّفًا حَتَّى يَمُوْتَ وَمَا عَمِلَ" (١).
وما أحسن قول بعضهم: [من المتقارب]
إِذا كُنْتُمُ تَطْلُبُونَ الْحَدِيْثَ ... نَهاراً وَفِي لَيْلِكُمْ تدْرُسُونَ
فَقَد صارَ عُمْرُكُمُ ضائِعاً ... مَتَى تَعْمَلُونَ بِما تَعْلَمُونَ
وقوله في الحديث: "لَيَسْبَعَنَّكُمْ" - بفتح الموحدة - وكذلك قوله: "سبعكم" - هو بالسين المهملة، والباء الموحدة، والعين المهملة - من قولهم: سبع الذئب الشاة: إذا أكلها، وسبعت البقرة: إذا أكل السبع ولدها، ومضارعه: يسبَع - بفتح الموحدة -.
ووقع لبعض العلماء تصحيف اللفظ الثاني: "ربما سبقكم" فاشتبهت عليه العين المهملة بالقاف، وهو غلط فاحذره.
١١٦ - ومنها: الفرح بموت العلماء العاملين، والفقهاء الزاهدين، والصلحاء العابدين، ولكن فرحه بموت العلماء والفقهاء أشد، وهذا مِنْ لازم بغضهم .
قال أبو جعفر محمد بن علي الباقر ﵁: والله لموت عالم أحب إلى إبليس من موت سبعين عابداً. رواه أبو نعيم (٢).
وسبب ذلك أن العلماء والفقهاء المتقين يوضحون للناس الطرق
стр. 3027
إلى الخير، ويرشدونهم وينصحونهم من غير ميل، والشيطان إنما يريد من الناس غيهم وضلالهم عن الخير وغشهم، ومن ثم يغتم لموت علماء الضلالة، ويفرح ببقاء أهل الهوى، ويسر بكثرة المتعبدين من أهل الجهل، ويحب أن يظهر أهل الباطل على أهل الحق، وأهل الهوى على أهل الهدى، وكل هذه أخلاق شيطانية قبح الله المتشبه به فيها.
١١٧ - ومنها: إطالة الأمل للعاصي حتى يسوف بالتوبة والطاعة، وللغني حتى يسوف بالحج، والصدقة، والإنفاق في وجوه الخير .
وهذا كما يقول بعض الفسقة لمن يراه مصراً على الصلاة حريصاً على النسك: أنت الآن في أول عمرك ونحو ذلك؛ وهو خلق شيطاني.
وفي بعض الكتب: إن (سَوْفَ) جندٌ من جنود إبليس. رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "قصر الأمل" (١).
وروى الديلمي عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّسْوِيْفُ شِعَارُ الشَّيْطَانِ يُلْقِيْهِ فِيْ قُلُوْبِ الْمُؤْمِنِيْنَ" (٢).
стр. 3028
وله عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إيَّاكُمْ وَالتَّسْوِيفَ بِالتَّوْبَةِ، إِيَّاكَ وَالْغرَّةَ بِحِلْمِ اللهِ عَلَيْكَ" (١).
وقد قلت في المعنى: [من مجزوء الرمل]
لا تَقُلْ سَوْفَ أَتُوْبُ ... فَعَسَى خَطْبٌ يَنُوْبُ
إِنَّ تَسْوِيْفَكَ هَذا ... يا أَخِي إِثْمٌ وَحُوبُ
١١٨ - ومنها: تنديم العبد على ما فات .
روى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِيَّاكُمْ وَاللَّوْ؛ فَإِنَّ اللَّوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ" (٢).
والمراد بعمل الشيطان الذي يفتحه لو: الشرك والغفلة عن القضاء والقدر، وذلك كقول القائل: لو فعلت كذا ما كان كذا.
ومنه قول المنافقين عن إخوانهم الذين قتلوا في سبيل الله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآية.
وقال الشيخ رضي الدين جدي رضي الله تعالى عنه: [من مجزوء الرجز]
إيَّاكَ لَوْ فَلا تَقُلْ .... فِي حادِث لَوْ كانَ لَيْتَ
وَلَيْت لا تَنْطِقْ بِها ... فَقَلَّما يَنْفَعُ لَيْتَ
стр. 3029
١١٩ - ومنها: تعيير المؤمن بذنبه، أو شيء أصيب به في الدنيا من فقر أو مرض أو غيرهما .
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: قال داود ﵇: إلهي! أصبح الشيطان عدوك اليوم يعيرني؛ يقول: يا داود! أين كان ربك منك حين واقعت الخطيئة (١)؟
١٢٠ - ومنها: إظهار الشماتة بالمؤمن .
وحقيقة الشماتة السُّرور عند مصيبة المشموت به.
قال أبو عبد الله الحكيم الترمذي رحمه الله تعالى: إنَّ آدم ﵇ لما أهبط إلى الأرض شمت به العدو؛ يعني: إبليس. نقله القرطبي في تفسير سورة الأعراف (٢).
وروى أبو عيسى الترمذي عن واثلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأَخِيْكَ فَيَرْحَمَهُ اللهُ وَيَبْتَلِيَكَ" (٣).
وفي معناه قال أبو العتاهية: [من مجزوء الكامل]
وَلُرُبَّما انْقَلَبَ الشُّما ... تُ فَحَلَّ بِالْقَوْمِ الشُّمُت (٤)
стр. 3030
وقلت: [من المتقارب]
أَتَشْمَتُ بِالْمُؤْمِنِ الْمُسْلِمِ ... فَترْجِعَ بِالْخِزْيِ وَالْمَأْثَمِ
وَيرْحَمَهُ اللهُ سُبْحانهُ ... وَتُبْلى بِذاك وَلَمْ تُرْحَمِ
فَإِنْ رُمْتَ مِصْداقَ ذا فَاعْتَبِرْ ... شَماتَةَ إِبْلِيْسَ فِي آدَمِ
فَزادَ دُحُوراً وَآدَمْ سَمَتْ ... بِهِ الْمَكْرُماتُ بِلا سُلَّمِ
وَإِصْرارُ إِبْلِيْسَ أَسْلَمَهُ فِي الـ ... ـحَضِيْضِ إِلى النَّار وَالْمَغْرَمِ
وَما نالَ آدَمُ بِالإسْتِكا ... نَةِ إِلَّا الْحُصولَ عَلى الْمَغْنَمِ
١٢١ - ومنهَا: الوقاحة، وقلة الأدب، وعدم الحياء من الله تعالى، ومن خلقه .
وفي قوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [ص: ٧٦] الآية، وقوله: ﴿أأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾ [الإسراء: ٦١] من ذلك ما لا يخفى.
وقد روى أبو الحسن بن جهضم عن الجنيد رحمه الله تعالى قال: رأيت إبليس في السوق عرياناً ولا يستحيي من الناس، فقال: يا أبا القاسم! وهل بقي على وجه الأرض أحد يستحى منه، من كان يستحيي منه فَتَحْتَ الترابِ أَكَلَهُم الثَّرى (١).
١٢٢ - ومنها: الاستهزاء بالناس والسخرية بهم، ولا سيما أهل العلم والولاية؛ وهو من أشد الحرام .
روى الخطابي في "غريبه" عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى
стр. 3031
قال: أول من لبس القباء سليمان بن داود ﵉، فكان إذا أدخل رأسه في الثياب كَنَصت الشياطين (١).
ومعنى كنصت - مشدداً، ومخففاً -: حركت أنوفها استهزاء به.
١٢٣ - ومنها: الوسوسة، وهي أشد أعمال الشيطان .
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤) الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦)﴾ [الناس: ١ - ٦].
جعل بعض المفسرين من ﴿الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ بياناً للناس من قوله: ﴿فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾، ويلزم على ذلك أن يسمى الجن ناساً.
والمحققون أن قوله: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ بيان لقوله: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾.
حَكى الأستاذ أبو القاسم القشيري عن أبي الهيثم السجزي: أن بعضهم كان يثبت الوسواس من الإنسان كالوسوسة من الشيطان.
وبيان ذلك أن الوسواس أو الوسوسة في الأصل: هو الصوت الخفي والحركة، ومنه وسواس الحلي، ثم استعير لما ينزغه الشيطان في القلب ويلقيه في الصدر من الغرور والأماني والتهويلات.
قال عروة بن رُويم كما تقدم: إن عيسى بن مريم ﵉ دعا ربه ﵁ أن يريه موضع الشيطان من ابن آدم، فجلى له فإذا رأسه
стр. 3032
رأس الحية واضعاً رأسه على ثمرة القلب فمنَّاه وحدثه (١).
وقد قدمنا أيضاً عن بعض المكاشفين أنه وجده في سورة ضفدع.
وقال مقاتل رحمه الله تعالى: إنه في سورة خنزير يجري في جسد العبد مجرى الدم في صورة العروق (٢).
قلت: ورأيته في المنام مرة في صورة خنزير، ومرات في صورة كلب، وكنت لا أقاتله إلا بالذكر وآية الكرسي فيذوب منها.
وحاصل وسواس الشيطان يرجع إلى قصد إيذاء من يوسوس إليه؛ إمَّا بتحريش بينه وبين أحد من خلق الله تعالى.
وإما بإفساد عبادته عليه.
وإما بإفساد ولده، أو زوجه، أو خادمه، أو جاره، أو رفيقه عليه.
وإما بتخريب بيته، أو بإفساد بدنه أو ماله.
وكل فعل فعله الإنسان بإنسان مثله أو قول قاله له فأدى إلى ذلك أو إلى شيء منه فهو في معنى الوسواس، وفاعله شيطان في صورة إنسان.
واعلم أن التوسوس مذموم، وهو إما ناشئ عن جهل أو عن قلة عقل، وقد جاء الشرع بدفع الوسواس عن الإنسان في الأحوال المذكورة، ففي الحديث: "إِذَا ظَنَنتمْ فَلا تحققوا". رواه ابن ماجه (٣).
стр. 3033
وهذا يدفع الوسواس عنك فيما لو نقل لك عن أخيك، أو توهمت منه ما تعلم منه خلافه، وفيما لو توهمت من أهلك وأنت تعلم منها خلافه.
ونهى رسول الله ﷺ أن تطلب عورات النِّساء. رواه مسلم.
وهذا يدفع عنك الوسواس في أهلك مهما علمت منهم الصيانة.
وكان رسول الله ﷺ إذا توضأ أخذ كفاً من ماء فنضح به فرجه. رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما (١).
وفيه دفع الوسواس فيما قد يجده الإنسان في ثوبه من الرشاش.
وأمر رسول الله ﷺ من ظن الحدث أن لا يخرج من المسجد حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً، وعرفنا أن ذلك من الشيطان كما تقدم.
وقال ﷺ : "إِنَّ لِلْوُضُوْءِ شَيْطَاناً يُقَالُ لَهُ الْوَلْهَانُ؛ فَاتَّقُوْا وَسْوَاسَ الْمَاءٍ". رواه الترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن أُبَي رضي الله تعالى عنه (٢).
стр. 3034
وروى ابن أبي شيبة، والثعلبي عن إبراهيم؛ يعني: النخعي رحمه الله تعالى قال: أول ما يبدأ الوسواس من قبل الوضوء (١).
وروى مسلم عن عثمان بن [أبي] العاص أنه قال: يا رسول الله! حال الشيطان بيني وبين صلاتي وقراءتي.
فقال: "ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ: خَنْزَب، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْهُ، وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلاثاً" (٢).
وخنرب: بمعجمة مفتوحة، ونون ساكنة، وزاي مفتوحة، وموحدة.
وقال عبد الله بن الزبير ﵁: إنَّ الشيطان يأتي الإنسان من قبل الوضوء، والشعر، والظفر (٣).
وقال الشعبي رحمه الله تعالى: إن للشيطان بزقة؛ يعني: بلة طرف الإحليل (٤). رواهما ابن أبي شيبة.
وقال مجاهد: لأَنْ أُصلِّي وقد خرج مني شيء أحب إلي من أطيع الشيطان (٥).
وروى ابن المنذر عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: الوسواس
стр. 3035
محله على فؤاد الإنسان، وعينه، وفي ذكره، ومحله من المرأة عينها، وفي فرجها إذا أقبلت، وفي دبرها إذا أدبرت؛ هذه مجالسه (١).
وعن ابن جريج - رحمه الله تعالى - في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ [الناس: ٦]؛ قال: هما وسواسان؛ فوسواس من الجنة، ووسواس من نفس الإنسان، فهو قوله: ﴿وَالنَّاسِ﴾ (٢).
وروى ابن أبي الدنيا عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى قال: إن الوسواس له باب في صدر ابن آدم يوسوس منه (٣).
وروى الحافظ أبو بكر بن أبي داود في كتاب "ذم الوسوسة" عن معاوية بن أبي طلحة رضي الله تعالى عنه قال: كان من دعاء النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ عَمِّرْ قَلْبِي مِن وَسْوَاسِ ذِكْرِكَ، وَاطْرُدْ عَنِّي وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ" (٤).
والمراد بوسواس ذكر الله: تردده في الخاطر، ومروره في الهاجس كما قال القائل: [من البسيط]
وَاللهِ ما طَلَعَتْ شَمْسٌ وَلا رَبَتْ ... إِلاَّ وَأَنت مُنى قَلْبِي وَوَسْواسِي (٥)
стр. 3036
* تنبِيْهٌ:
روى عبد الرزاق عن شعبة مولى ابن عباس: أن المسور بن مخرمة رضي الله تعالى عنه قال لابن عباس ﵁: هل لك في عبيد بن عمير - رحمه الله تعالى - إذا سمع النداء خرج فتوضأ؟
فقال ابن عباس: هكذا يصنع الشيطان؛ إذا جاء فأخبروني.
فلما جاء أخبروه، فقال: ما حملك على ما تصنع؟
فقال: إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦].
فقال ابن عباس: ليس هكذا، إذا توضأت فأنت طاهر ما لم تحدث؛ هكذا يصنع الشيطان (١).
أي: هكذا يصنع بالإنسان يوسوس له حتى يرى الأمر على خلاف ما هو عليه، ولا يريد أن الوضوء لكل صلاة من صنع الشيطان لأن اللعين لا يتوضأ ولا يصلي على وجه التعبد، بل قد يفعل ما هو على صورة العبادة لأجل التغرير والاستزلال؛ قبحه الله تعالى.
١٢٤ - ومن أخلاق الشيطان وأعمَاله: الشعوثة بغير نية صالحة ولا قصد جميل .
روى أبو داود، والنسائي، وابن حبان بإسناد جيد، عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً دخل على النبي ﷺ ثائر الرأس أشعث اللحية
стр. 3037
فقال: "أَمَا كَانَ لِهَذَا دُهنٌ يُسَكِّنُ شَعْرَه؟ " ثم قال: "يَدْخُلُ أَحَدُكُمْ كَأَنَّهُ شَيْطَانٌ؟ " (١).
١٢٥ - ومنها: ترك السواك وكراهيته من غيره .
روى الدارقطني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: في السواك عشر خصال: مرضاة للرب، ومسخطة للشيطان، مفرحة للملائكة، جيد للثة، ويذهب بالحَفر، ويجلو البصر، ويطيب الفم، ويقل البلغم، وهو من السنة، ويزيد في الحسنات (٢).
فأمَّا ما يقال: إن من وضع سواكه قبل أن يغسله أخذه الشيطان فتسوك به؛ فإن كان هذا ثابتاً فإن استياك الشيطان من باب تقذير السواك على صاحبه وعبثه به لا من باب التنظف والعمل بالسنة.
والظاهر أنَّ ما ذكرناه في السواك لا يختص به، بل كذلك سائر خصال الفطرة المتقدمة لا يفعلها الشيطان أصلاً ولا يحبها، فمن أعرض
стр. 3038
عنها فقد وافق الشيطان، كما أن من حافظ عليها كان موافقاً للأنبياء ﵈ كما تقدم - محببا إلى الملائكة ﵈، وكذلك سائر التنظيفات.
وقد روى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يزيد رحمه الله تعالى قال: إن للشيطان قارورة فيها مفوح، فإذا قاموا إلى الصلاة أنشقهموها فأمروا عند ذلك بالاستنشاق (١).
وله عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: إذا توضأت ابدأ بأصابعك فخللها؛ فإنه كان يقال: هو مقيل الشيطان (٢).
وروى عبد الرزاق، والطبراني في "الكبير" عن أبي أيوب رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله * قال: "حَبَّذا المُتَخَلِّلونَ مِنْ أُمَّتِي".
قيل: من المتخللون يا رسول الله؟
قال: "الْمُتَخَلِّلوْنَ بِالْوُضُوْءِ، وَالْمُتَخَلِّلُوْنَ بِالطَّعَامِ؛ أَمَّا تَخْلِيْلُ الْوُضُوْءِ فَالْمَضْمَضَةُ وَالاسْتِنْشَاقُ وَبَيْنَ الأَصَابعِ، وَأَمَّا تَخْلِيْلُ الطَّعَامِ مِنَ الطَّعَامِ إِنَّهُ لَيْسَ شَيْء أَشَدَّ عَلَى الْمَلَكَيْنِ مِنْ أَنْ يَرَيَا بَيْنَ أَسْنَانِ صَاحِبِهَا طَعَامًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّيْ" (٣).
стр. 3039
وإنما كان ذلك أشد شيء على الملكين - يعني: الحافظين على ابن آدم أعماله - لأن فمه محل إقامتهما كما في حديث معاذ ﷺ : أنَّ الله تعالى لطف الملكين الحافظين حتى أجلسهما على الناجذين، وجعل لسانه قلمهما، وريقه مدادهما. رواه الديلمي (١).
وكان من حق الملكين أن لا يكونا حيث يكون القذر كسائر الملائكة ﵈؛ فإنهم يتأذون بما يتأذى به بنو آدم كما في الحديث السابق في محله، ولكنهما ملزمان بالحفظ والمراقبة عليه وخصوصأ في لسانه؛ فإنه أسرع الأعضاء حركة، ودليلها الثاني بعد القلب، فلزم إقامتهما لذلك بالفم، واحتملا أذية القذر خشية من التفريط، ولذلك كان السواك مفرحة للملائكة ﵈.
وروى البزار ورواته ثقات، عن علي رضي الله تعالى عنه: أنه أمر بالسواك قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا تَسَوَّكَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَامَ الْمَلَكُ خَلْفَهُ فَيَسْمَعُ لِقِرَاءَتِهِ فَيَدْنُوْ مِنْهُ - أَو كَلمةً نَحوَهَا - حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيْهِ، فَمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيْهِ شَيْء مِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ صَارَ فِي جَوْفِ الْمَلَكِ؛ فَطَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ لِلْقُرآنِ" (٢).
стр. 3040
فإذا علمت أن الملائكة تتنزه عن محال القذر، تعين عليك أن تبالغ في النظافة؛ فتصحبك الملائكة فتفر عنك الشياطين، ومهما أقمت على قذر في بدنك أو ثوبك أو محلك فقد استدعيت الشياطين ورضيت بمفارقة الملائكة المقربين إلا الحافظين من الكرام الكاتبين.
وكذلك لا تدخل الملائكة بيتا فيه شيء من مألوفات الشياطين كالتصاوير، والأجراس، والنحاسات، والروائح الكريهة.
وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن عن عبد الله بن يزيد رضي الله تعالى عنه قال: لا ينقع بول في طست في البيت؛ فإن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه بول مستنقع، ولا تبولن في مغتسلك (١).
والحكمة في النهي عن البول في المغتسل واستنقاع البول كراهية البيت مفارقة الملائكة (٢)، وإذا فارقته الملائكة جاء الشيطان إليه ووسوس، فربما أطاعه في وسوسَته، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "لا يَبُوْلَنَّ أَحَدُكُمْ فِيْ مُسْتَحَمِّهِ ثُمَّ يتَوَضَّأَ فِيْهِ؛ فَإِنَّ عَامَّةَ الْوَسْوَاسِ مِنْهُ". رواه الإمام أحمد، وأصحاب "السنن"، وصححه ابن حبان،
стр. 3041
والحاكم، عن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه (١).
وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنّه قيل لرسول الله ﷺ : لقد أبطأ عنك جبريل ﵇؟
فقال: "وَلِمَ لا يُبَطئُ عَنِّي وَأَنْتُم لا تَستَنُّوْنَ، وَلا تُقَلَّمُوْنَ أَظْفَارَكُمْ، وَلا تَقُصُّوْنَ شَوَارِبَكُمْ، وَلا تُنَقُّون رَوَاجِبَكُمْ" (٢).
وروى الطبراني في "الأوسط" بسند جيد، عن جابر ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذه الْخُضْرَاوَاتِ؛ الْفُوْمِ، وَالْبَصَلِ، وَالْكُرَّاثِ، وَالْفِجْلِ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تتَأَذَّى مِمَّا يتّأذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ" (٣).
وقد ذكرنا هذا الحديث في التشبه بالملائكة من رواية مسلم، وليس فيه ذكر الفجل.
стр. 3042
وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي غالب، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه - قال: لا أحسب إلا رفعه - قال: الثوم والبصل والكراث من سَكِّ (١) إبليس (٢).
١٢٦ - ومن أخلاق اللعين: كراهية الرخصة والمنع منها؛ وهو خلاف ما يحبه الله تعالى من العبد .
روى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يُحبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصَهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ" (٣).
وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، وواثلة بن الأسقع، وأبي أمامة، وأنتس رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُقْبَلَ رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ الْعَبْدُ مَغْفِرَةَ رَبِّهِ" (٤).
وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى قال: مسح أصحاب النبي ﷺ على الخفين؛ فمن ترك ذلك رغبة عنه فإنما
стр. 3043
هو من الشيطان (١).
ومن هنا قال العلماء: من وجد في نفسه كراهة الرخص فأخذه بالرخصة أفضل من أخذه بالعزيمة، ومهما أخذ بالرخصة فلا بد أن لا يفضي به الأخذ بها إلى تتبُّع الرخص بأن يأخذ بالأهون من كل مذهب؛ فإن هذا حرام، وهو من خطوات الشيطان.
وقد تكلم شيخ الإسلام الجد في كتاب "الجوهر الفريد" على آداب كل رخصة يحتاج إلى الأخذ بها السائر إلى الله تعالى في طريقه، وبيَّنها أحسن البيان، وقد أوضحت كلامه في "منبر التوحيد".
١٢٧ - ومنها: تثبيط الناس عن التبكير إلى الجمعة .
روى الإمام أحمد، وأبو داود عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ غَدَتِ الشَّيَاطِيْنُ بِرَايَاتِهَا إِلَى الأَسْوَاقِ، فَيَرْمُوْنَ النَّاسَ بِالتَّرَابِيْثِ أَوْ بِالرَّبَائِثِ، وَيُثْبِطُوْنهمْ عَنِ الْجُمُعَةِ، وَتَغْدُوا الْمَلائِكَةُ فَتَجْلِسُ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِد". الحديث (٢).
والترابيث جمع تربيثة - بالتاء المثناة فوق، فالراء، فالموحدة، فالمثناة تحت، فالمثلثة -: المرة من التربيث، وهو التثبيط.
стр. 3044
والربائث جمع ربيثة - بالراء، فالموحدة، فالتحتانية، فالمثلثة -: الأمر الذي يثبط به عن الشيء.
١٢٨ - ومنها: كراهية شهر الصوم، وترك الصيام فيه لغير عذرة وكلاهما حرام .
روى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَانَ فتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ، وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِيْنُ" (١).
واعلم أن من كره رمضان لمشقة جوع وامتناع عن شهوة - ولاسيما إن كانت حراماً - فهو أشبه الناس بالشياطين المغلولة في رمضان، ومن حسَّن ذلك له ورضيه منه فهو شريكه، كما قال النبي ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا رَضِيَ هَدْيَ الرَّجُلِ وَعَمَلِهِ فَهُوَ مِثْلُهُ". رواه الطبراني من حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه (٢).
ومن ذلك ما وقع للصلاح الصفدي في "شرح لامية المعجم" - عفا الله عنه - من استحسان قول [ابن] بسام: [من البسيط]
стр. 3045
قَدْ قَرَّبَ اللهُ مِنَّا كُلَّ ما شَسَعا ... كَأَنِّنَي بِهِلالِ الْفِطْرِ قَدْ طَلَعا
فَخُذْ لِلَهْوِكَ فِي شَوَّالَ أُهْبَتَهُ ... فَإِنَّ شَهْرَكَ فِي الْواواتِ قَد وَقَعا
قلت: والله لقد أساء، وجرَّأ الفسقة هو وأمثاله على أمور.
وما أحسنه لو قال: [من البسيط]
قَرَّبَ اللهُ مِنَّا كُلَّ ما شَسَعا ... كَأَنَّنَي بِهِلالِ الصَّوْمِ قَدْ طَلَعا
فَخُذْ لِجِدِّكِ فِي تَقْواكَ أُهْبَتَهُ ... فَإِنَّ شَعْبانَ فِي الْواواتِ قَدْ وَقَعا
وأقبح من مقالته المذكورة قول الآخر: [من الوافر]
إِذا الْعِشْرُونَ مِنْ شَعْبانَ وافَتْ ... فَواصِلْ شُرْبَ لَيْلِكَ بِالنَّهارِ
وَلا تَشْرَبْ بِأَقْداحٍ صِغارٍ ... فَإِنَّ الْوَقْتَ ضاقَ عَنِ الصِّغارِ (١)
وهذا وأمثاله - وإن فهم منه بعض أهل الإشارات معاني لطيفة (٢)، واستثاروا منه حالات شريفة - فإنه بالنسبة إلى عامة الناس من وحي الشيطان.
وقد خاض جماعة من الشعراء وأهل الإنشاء من ذلك في أودية مَسْبعة، وأشفوا بسبب مزاحمة البلغاء على المهالك من غير منفعة.
ولعل هذا وأمثاله من المحسِّنات اللفظية غايةَ مقصود أهل الزمان
стр. 3046
من العلوم العقلية والنقلية، ولقد خلطوا بذلك بين الخاثر والزباد، ولم يفرقوا بين غَي ورشاد، ولم يلذ لهم إلا خطاب أبناء فنِّهم في خطبة بَنات أفكارهم لتحصيل هذا المراد، ولو كان فيهم من دعاهم إلى ما تجول فيه بنات أفكار الأخيار من وصال أبكار المعاني الجاذبة لقلوب الأبرار إلى دار القرار، وزجرهم عما هم فيه من الغي، وقال: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] لقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]، ولو كان فيهم شعيب لجادلوه ليستميلوه إلى ما تشعبت بهم فيه شعب الترديد، ولقال لهم: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].
كم نتقلب في عصر خؤون ليس لنا فيه مساعدون؛ فإنا لة وإنا إليه راجعون.
١٢٩ - ومن أخلاق الشيطان اللعين: محبة سماع ما كان من هذا القبيل من الأشعار .
فقد روى الطبراني بإسناد حسن، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ رَاكِبٍ يَخْلُو فِيْ مَسِيْرهِ بِاللهِ وَذِكْرِه إِلاَّ رَدِفَهُ مَلَكٌ، وَلا يَخْلُو بِشِعْرٍ وَنَحْوِهِ إِلا رَدِفَهُ شَيْطَانٌ" (١).
وتقدم في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن إبليس قال
стр. 3047
لله تعالى: اجعل لي قرآناً، قال: الشعر.
وهذا محمول على الشعر المكروه والمحرم دون المستحسن والمباح كالأشعار المشتملة على ذكر الله تعالى، أو مدح نبيه ﷺ أو الأنبياء ﵈، أو الصحابة، أو العلماء، أو بيان حكم شرعي، أو حكمة مرعية، وكالحداء.
وقد علمت مما سبق أن الشعر كلام؛ فحسَنه كحسنه، وقبيحُه كقبيحِه، كما في الحديث (١)، وما كان منه قبيحا فهو قرآن الشيطان.
وحكي عن الفراء قال: أنشدني صبي من الأعراب أرجوزة أعجبتني، فقلت: لمن هذه؛ فقال: لي، فأنكرته، فأنشدني ارتجَالاً: [من الرجز]
إِنِّي وإنْ كُنْتُ صَغِيْرَ السِّنِّ ... وَكانَ فِيْ الْعَيْنِ نُبُوٌ عَنِّي
فَإِنَّ شَيْطانِي أَمِيْرُ الْجِنِّ ... يَذْهَبُ بِي فِي الشِّعْر كُلَّ فَنِّ (٢)
وقد تقدم الشعر الذي أنشده الشيطان على أبي قبيس يحرض
стр. 3048
المشركين به على قتال رسول الله ﷺ ، وفيه إشارة إلى أنه من أفعال الشياطين وأخلاقهم إنشاء الشعر المذموم.
وقال ابن كثير: قال نظام الملك: لقد رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت: ويحك! خلقك الله وأمرك بالسجود [مشافهة] فلم تفعل، [وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة] وأنا أسجد له كل يوم مرات، فأنشأ يقول: [من المنسرح]
مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوِصالِ أَهْلاً ... فَكُلُّ إِحْسانِهِ ذُنُوبُ (١)
قلت: وهذا الشعر - كان كان لا يخلو من عبرة - فإن الشيطان - لعنه الله - أنشده طاعناً على الحضرة الإلهية - تقدست - وذلك لأنه أشار إلى تسمية امتناعه من السجود إحساناً، وهو من أقبح السيئات.
وقلت: [من المتقارب]
لَقَد ضَلَّ مَنْ يَزْعُمُ السُّوءَ حُسْناً ... وَيَجْعَلُ مِنْ جَهْلِهِ الظُّلْمَ عَدْلاً
وَمَنْ كانَ طَوْعاً لِمَوْلاهُ فِيما ... أَرادَ كَفَتْهُ الإِطاعَةُ فَضْلاً
١٣٠ - ومنهَا: كثرة الكلام، والتشدق به، والتعمق فيه، والبيان كل البيان .
روى ابن باكويه في "الألقاب" عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِقِلَّةِ الْكَلامِ، لا يَسْتَهْوِيَنَكُمُ الشَّيْطَانُ؛ فَإِنَّ تَشْقِيْقَ
стр. 3049
الْكَلامِ مِنْ شَقَائِقِ (١) الشَّيْطَانِ" (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الملك بن عمير رحمه الله تعالى قال: قام رجل يتكلم بين يدي النبي ﷺ حتى أزبد شدقاه، فقال النبي ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَشَقَائِقَ (٣) الْكَلامِ؛ فَإِنَّ شَقَائِقَ الْكَلامِ مِنْ شَقَائِقِ الشَّيْطَانِ" (٤).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الْبَيَانَ كُلَّ الْبَيَانِ شُعْبةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٥).
١٣١ - ومنها: الصمت عن ذكر الله تعالى في محله، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ضرر يلحقه .
قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق
стр. 3050
يقول: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس (١).
والسكوت عن المنكر من غير خوف ضرر مِنْ أوجب الأمور للعقوبة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩].
قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]: ماذا كانت معصيتهم؟ قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩]. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٢).
وروى الخطيب في "رواة مالك" من طريق أبي سلمة، عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: "وَالَّذِيْ نفسُ مُحَمَّدِ بِيَدهِ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ أُمَّتِي نَاسٌ مِنْ قُبُوْرِهِمْ فِي صُوْرَةِ الْقِرَدةِ وَالْخَنَازيرِ بِمَا داهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي، وَكَفُّوْا عَنْ نَهْيِهِم وَهُمْ يَسْتَطِيْعُوْنَ" (٣).
وروى أبو الشيخ عن أبي عمرو بن جاس: أن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال لكعب: هل لله من علامة في العباد إذا سخط؟