← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.

стр. 3046

من العلوم العقلية والنقلية، ولقد خلطوا بذلك بين الخاثر والزباد، ولم يفرقوا بين غَي ورشاد، ولم يلذ لهم إلا خطاب أبناء فنِّهم في خطبة بَنات أفكارهم لتحصيل هذا المراد، ولو كان فيهم من دعاهم إلى ما تجول فيه بنات أفكار الأخيار من وصال أبكار المعاني الجاذبة لقلوب الأبرار إلى دار القرار، وزجرهم عما هم فيه من الغي، وقال: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ﴾ [هود: ٧٨] لقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾ [هود: ٧٩]، ولو كان فيهم شعيب لجادلوه ليستميلوه إلى ما تشعبت بهم فيه شعب الترديد، ولقال لهم: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩]. كم نتقلب في عصر خؤون ليس لنا فيه مساعدون؛ فإنا لة وإنا إليه راجعون. ١٢٩ - ومن أخلاق الشيطان اللعين: محبة سماع ما كان من هذا القبيل من الأشعار . فقد روى الطبراني بإسناد حسن، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ رَاكِبٍ يَخْلُو فِيْ مَسِيْرهِ بِاللهِ وَذِكْرِه إِلاَّ رَدِفَهُ مَلَكٌ، وَلا يَخْلُو بِشِعْرٍ وَنَحْوِهِ إِلا رَدِفَهُ شَيْطَانٌ" (١). وتقدم في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أن إبليس قال

стр. 3047

لله تعالى: اجعل لي قرآناً، قال: الشعر. وهذا محمول على الشعر المكروه والمحرم دون المستحسن والمباح كالأشعار المشتملة على ذكر الله تعالى، أو مدح نبيه ﷺ أو الأنبياء ﵈، أو الصحابة، أو العلماء، أو بيان حكم شرعي، أو حكمة مرعية، وكالحداء. وقد علمت مما سبق أن الشعر كلام؛ فحسَنه كحسنه، وقبيحُه كقبيحِه، كما في الحديث (١)، وما كان منه قبيحا فهو قرآن الشيطان. وحكي عن الفراء قال: أنشدني صبي من الأعراب أرجوزة أعجبتني، فقلت: لمن هذه؛ فقال: لي، فأنكرته، فأنشدني ارتجَالاً: [من الرجز] إِنِّي وإنْ كُنْتُ صَغِيْرَ السِّنِّ ... وَكانَ فِيْ الْعَيْنِ نُبُوٌ عَنِّي فَإِنَّ شَيْطانِي أَمِيْرُ الْجِنِّ ... يَذْهَبُ بِي فِي الشِّعْر كُلَّ فَنِّ (٢) وقد تقدم الشعر الذي أنشده الشيطان على أبي قبيس يحرض

стр. 3048

المشركين به على قتال رسول الله ﷺ ، وفيه إشارة إلى أنه من أفعال الشياطين وأخلاقهم إنشاء الشعر المذموم. وقال ابن كثير: قال نظام الملك: لقد رأيت ليلة في المنام إبليس فقلت: ويحك! خلقك الله وأمرك بالسجود [مشافهة] فلم تفعل، [وأنا لم يأمرني بالسجود له مشافهة] وأنا أسجد له كل يوم مرات، فأنشأ يقول: [من المنسرح] مَنْ لَمْ يَكُنْ لِلْوِصالِ أَهْلاً ... فَكُلُّ إِحْسانِهِ ذُنُوبُ (١) قلت: وهذا الشعر - كان كان لا يخلو من عبرة - فإن الشيطان - لعنه الله - أنشده طاعناً على الحضرة الإلهية - تقدست - وذلك لأنه أشار إلى تسمية امتناعه من السجود إحساناً، وهو من أقبح السيئات. وقلت: [من المتقارب] لَقَد ضَلَّ مَنْ يَزْعُمُ السُّوءَ حُسْناً ... وَيَجْعَلُ مِنْ جَهْلِهِ الظُّلْمَ عَدْلاً وَمَنْ كانَ طَوْعاً لِمَوْلاهُ فِيما ... أَرادَ كَفَتْهُ الإِطاعَةُ فَضْلاً ١٣٠ - ومنهَا: كثرة الكلام، والتشدق به، والتعمق فيه، والبيان كل البيان . روى ابن باكويه في "الألقاب" عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِقِلَّةِ الْكَلامِ، لا يَسْتَهْوِيَنَكُمُ الشَّيْطَانُ؛ فَإِنَّ تَشْقِيْقَ

стр. 3049

الْكَلامِ مِنْ شَقَائِقِ (١) الشَّيْطَانِ" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن عبد الملك بن عمير رحمه الله تعالى قال: قام رجل يتكلم بين يدي النبي ﷺ حتى أزبد شدقاه، فقال النبي ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَشَقَائِقَ (٣) الْكَلامِ؛ فَإِنَّ شَقَائِقَ الْكَلامِ مِنْ شَقَائِقِ الشَّيْطَانِ" (٤). وروى الطبراني في "الأوسط" عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ الْبَيَانَ كُلَّ الْبَيَانِ شُعْبةٌ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٥). ١٣١ - ومنها: الصمت عن ذكر الله تعالى في محله، وعن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من غير ضرر يلحقه . قال الأستاذ أبو القاسم القشيري: سمعت الأستاذ أبا علي الدقاق

стр. 3050

يقول: من سكت عن الحق فهو شيطان أخرس (١). والسكوت عن المنكر من غير خوف ضرر مِنْ أوجب الأمور للعقوبة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٨، ٧٩]. قال ابن زيد في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [المائدة: ٧٨]: ماذا كانت معصيتهم؟ قال: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩]. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٢). وروى الخطيب في "رواة مالك" من طريق أبي سلمة، عن أبيه ﵁، عن النبي ﷺ قال: "وَالَّذِيْ نفسُ مُحَمَّدِ بِيَدهِ لَيَخْرُجَنَّ مِنْ أُمَّتِي نَاسٌ مِنْ قُبُوْرِهِمْ فِي صُوْرَةِ الْقِرَدةِ وَالْخَنَازيرِ بِمَا داهَنُوا أَهْلَ الْمَعَاصِي، وَكَفُّوْا عَنْ نَهْيِهِم وَهُمْ يَسْتَطِيْعُوْنَ" (٣). وروى أبو الشيخ عن أبي عمرو بن جاس: أن ابن الزبير رضي الله تعالى عنهما قال لكعب: هل لله من علامة في العباد إذا سخط؟

стр. 3051

قال: نعم، يذلهم فلا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر (١). وفي القرآن: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: ٧٨] الآية. ولعل من تكلم بالسوء وفي السوء، وأمر بالسوء، وسكت عن الخير وعن الأمر بالخير والنهي عن السوء شيطانٌ رجيم مستكملٌ لكل شر عظيم. ١٣٢ - ومنها: الغناء، والنَّوح والصياح، وحضور تلك المجالس، واستماع ذلك والأمر به . وأول من ناخ وغنَّى إبليس. وروى ابن أبي الدنيا في "المكائد" عن عبد الملك بن عمير رحمه الله تعالى قال: لما أهبط الله تعالى آدم ﵇ وإبليس - لعنه الله تعالى - ناح إبليس حتى بكى آدم، ثم حدا حتى ضحك (٢). وفي "ذم الملاهي" عن عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّمَا نُهِيْتُ عَنُ صَوْتَيْنِ أَحْمقَيْنِ فَاجِرَيْنِ: صَوْتٍ عِنْدَ نِعْمَةٍ؛ لَهْوٍ وَلَعبٍ، وَمَزَامِيرِ شَيْطَانٍ، وَصَوْب عِنْدَ مُصِيْبَيةٍ؛ خَمْشِ وُجُوهٍ، وَشَقِّ جُيُوْبٍ، وَرَنَّةِ شَيْطَانٍ" (٣).

стр. 3052

وفيه عن أبي أمامة رضى الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَا رَفَعَ أَحَدٌ صَوْتَهُ بِغِنَاءٍ إِلاَّ بَعَثَ اللهُ إِلَيْهِ شَيْطَانينِ يَجْلُسَانِ عَلَى منْكبَيْهِ يَضْرِبَانِ بِأَيْدِيهِما عَلَى صَدْره حَتَّى يُمْسِكَ" (١). والمعنى: أن الشيطانين يستحثان المغني على الغناء بأيديهما إلى أن يمسك عن الغناء. وروى ابن سعد في "طبقاته" عن محارب بن دثار رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال عن امرأة رنَّت: "فَعَلْتِ فِعْلَ الشَّيْطَانِ حِيْنَ أُهْبِطَ إِلَى الأَرْضِ؛ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ يَرِنُّ، وَإِنَّهٌ لَيْسَ مِنَّا مَنْ حَلَقَ وَلا مَنْ خَرَقَ وَلا مَنْ سَلَقَ" (٢). وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما فتح النبي ﷺ مكة - شرفها الله تعالى - رنَّ إبليس رنة اجتمعت إليه ذريته، فقال: ايئسوا أن ترتد أمة محمد ﷺ إلى الشرك بعد يومهم هذا، ولكن افتنوهم في دينهم، وأفشوا فيهم النوح والشعر (٣). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال:

стр. 3053

إن إبليس رنَّ أربع رنات، حين لعن، وحين أهبط من الجنة، وحين بعث محمد ﵁، وحين نزلت فاتحة الكتاب، قال: ونزلت بالمدينة (١). وروى ابن أبي الدنيا عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه بجارية تغني فقال: لو ترك الشيطان أحداً ترك هذه (٢). وروى مسلم عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: لما مات أبو سلمة - رضي الله تعالى عنه - قلت: غريبة وفي أرض غربة، لأبكينه بكاءً يتحدث عنه، فكنت قد تهيأت للبكاء عليه إذا أقبلت امرأة من الصعيد تريد أن تسعدني (٣)، فاستقبلها رسول الله ﷺ فقال: "أتُرِيْدِيْنَ أَنْ تُدْخِلِي الشَّيْطَانَ بَيْتًا أَخْرَجَهُ اللهُ مِنْهُ - مرتين - " فكففت عن البكاء، فلم أبك (٤). والظاهر أنها أرادت أن تبكي بكاء مقروناً بالنوح ونحوه من عمل الجاهلية، فأشار إليه قولها: "لأَبْكِيَنَّهُ بُكَاءً يُتَحَدَّثُ عَنْهُ، فَكُنْتُ قَدْ تَهَيَّأتُ لِلْبُكَاءِ"، أو البكاء الطبيعي لا يحتاج إلى تهيؤ ولا إلى إسعاد، وهو غير منهي عنه.

стр. 3054

وقد روى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﵁ قال في حديث: "دَعْهُنَّ يَبْكِيْنَ وَإِيَّاهُنَّ وَنَعِيْقَ الشَّيْطَانِ؛ إِنَّةُ مَهْمَا كَانَ مِنَ الْعَيْنِ وَالْقَلْبِ فَمِنَ اللهِ، وَمَهْمَا كَانَ مِنَ الْيَدِ وَاللِّسَانِ فَمِنَ الشَّيْطَانِ" (١). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن بكير بن عبد الله بن الأشج رضي الله تعالى عنه - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "الْبُكَاءُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَالصُّرَاخُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" عن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: صوتان قبيحان فاحشان؛ صوت عند نعمة إن حدثت، وصوت عند مصيبة إن نزلت، ذكر الله المؤمنين فقال: ﴿وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾، وجعلتم في أموالكم حقاً معلومًا للمغنية عند النعمة، وللنائحة عند المصيبة؛ يتزوج منكم المتزوج فتحملون نساءكم، معهنَّ هذه الصنوج والمعازف، ويقول الرجل منكم لامرأته: تحفلي تحفلي، تحملي، ويحملها على حصان، وويسير معها عِلجان معهما قصيا شيطان، ومعهما من لعنة الله تعالى ورسوله ﷺ ما يعود ذلك على زوجها وذوي قرابتها؛ فإن رسول الله ﷺ لعن مخنثي الرجال ومذكرات النساء، وكان حذيفة

стр. 3055

- رضي الله تعالى عنه - يحدث عن رسول الله ﷺ : "لا يَتَشَبَّهِ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ وَلا الْمَرْأةُ الرَّجُلِ"، وأنتم تخرجون النِّساء في ثياب الرِّجال والرِّجال في ثياب النِّساء، ثم يمر بها على المساجد والمجالس فيقال: من هذه؛ فيقال: امرأة فلان بن فلان، ومرة تنسب إلى زوجها، ومرة إلى أبيها؛ لا برَّ ولا تقوى، ولا غيرةَ ولا حَياءَ، فيقال: ما هذه الجموع؟ فيقال: رجل لم يكن له زوجة فأفاده الله زوجة، فاستقبل نعمة الله تعالى بما ترون من الشّكر. هذا في هذه النِّعمة؛ فإن كانت المصيبة فإن مات منكم الميت وعليه دين، وعنده الأمانة، ويوصي بالوصية، فيأتي الشَّيطان أهله فيقول لأهله وورثته: والله لا ننفذ تركته، ولا نؤدِّي أمانته، ولا نمضي وصيَّته حتى تبدؤوا بحقي في ماله قبل كل حق، فيشترون ثياباً جدداً، ثم تشق عمداً، يجيئون بها بيضاً ثم تصبغ سوداً، ثمَّ يمدُّها أحيمق سرادقاً في داره، فيأتون بأمة مستأجرة تبكي بغير شجوهم، وتبيع عبرتها بدراهمهم، تفتن أحياءهم في دورهم، وتؤذي موتاهم في قبورهم، تمنعهم أجرهم في الآخرة بما يعطونها من الأجرة في الدُّنيا، وما عسى أن تقولَ النَّائحة؟ تقول: ؛ لها النَّاس! آمركم بما نهاكمُ اللهُ عنه، وأنهاكم عمَّا أمركم اللهُ به، ألا إنَّ الله أمركم بالصَّبر فأنا أنهاكم أن تصبروا، ألا إنَّ اللهَ نهاكم عن الجزع فأنا آمركم أنْ تجزعوا، فيقال: اعرفوا لها حقَّها، فيبرد لها الشَّراب، وتكسى الثِّياب، وتحمل على الدَّواب؛ إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، ما كنت أرى

стр. 3056

أن أخلف في أمَّة يكون هذا فيهم (١). قلت: وما ذكره الحسن في المأثم وضده ليس مجموعه المنكر، بل كل أفراده منكرات، وتختلف عوائد البلاد في ذلك، ففي بعضها يفعل ذلك كله ويزاد عليه إما بالهيئة التي ذكرها الحسن وهي عادة أهل العراق، ومن ثم طلع قرن الشيطان، وإمَّا على هيئة أخرى كما أخبرنا عن أهل مصر وفيها باض الشيطان وفرخ، وفي بعض البلاد يفعل بعض ما ذكره. وقد تجاوز الناس إلى أشياء لم تكن في الزمن الأول. فمما ضموه إلى ذلك في المأثم قطع أغصان عظيمة من الأشجار، وتعليق الخرق من الحرير وغيره فيها بين يدي الجنائز، وشد سرج الدابة منكَّساً، واستئجار نساء أهل الذمة للنوح، وربما قلن ما يوافق عقائدهن المردودة. وممَّا ضموه إلى ما ذكره في الأفراح والولائم أنواع السخرية، وتشبه الرجال بالنساء، وإلباس العروس ملابس الرجال، وتحميلها السلاح، وإلباسها زي المُرْدِ، وما يقع في الولائم والمجامع من تزيين المُرْدِ الحسان، وإلباسهم زي النسوان، وأمرهم بإدارة القهوة على

стр. 3057

الرجال كما يدار الخمر، وغير ذلك؛ وكل هذه أخلاق شيطانية فاعلها متعرض بها للمقت والخذلان. ١٣٣ - ومنها: الزفن لهواً ولعباً، وهو الرقص . روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الزهد" عن الحريري: أنَّ يحيى بن زكريا ﵉ سأل ربه أن يريه إبليس في صورته، فرآه وعلى رأسه خطاطيف، وفي حجزته أكوزة معلقة، وفي قدميه أجراس، فقال يحيى ﵇: ما هذا الذي على رأسك؟ قال: أختطف به قلوب العباد. قال: فما هذا الذي في حجزتك؟ قال: فيها الشهوات. قال: فما هذه الأجراس؟ قال: إذا طرب ابن آدم زفنت بها حوله. قال: فمتى أقرب ما تكون من ابن آدم؟ قال: إذا شبع. قال يحيى ﵇: لا جرم؛ إني لا شبعت من طعام حتى ألقى الله . ١٣٤ - ومنها: اتخاذ آلات اللهو وسماعها . ولا يباح منها في مذهب الشافعي - رضي الله تعالى عنه - إلا الدف لعرس ونحوه، وطبل الجهاد والحجيج خالياً عن المزمار

стр. 3058

العراقي والصنج، وسواء في الدف كان بجلاجل أم لا، [لا] يباح. وقاس على ذلك الشيخ شمس الدين أبو حامد الصفدي، والشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون، والوالد طبول الصمادية. وأما اليراع فصحح الرافعي إباحته، والنووي تبعاً للبغوي تحريمه، وعليه الفتوى (١). وذكر الثعلبي في "العرائس": أن إبليس - لعنه الله تعالى - حسد داود ﵇ على تلاوته وحسن لغوته، فأقبل على شياطينه وعفاريته فقال: ألا ترون ما دهاكم من داود؟ فقالوا: مرنا بما شئت. فقال: إنه لا يصد عن تلاوة داود إلا ما يضاده في الحانة. فهيأ لهم المزامير، والأعواد، والأوتار، والملاهي على ألحان داود ﵇، وأمر شياطينه أن يتفرقوا بها في بني إسرائيل، فلما سمع سفهاء بني إسرائيل لذلك مالوا إليها. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الملاهي" عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾؛ قال: بالمزامير ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]؛ قال: كل راكب ركب في معصية الله فهو في خيل إبليس، وكل رجل سبقت في معصية الله فهي

стр. 3059

من رجل إبليس (١). وفيه عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: أنه كتب إلى مؤدب ولده: خذهم بالجفاء؛ فهو أمضى لإقدامهم، وترك الصبحة؛ فإن عادتها تكسب الغفلة، وقلة الضحك؛ فإن كثرته تميت القلب، وليكن أول ما يعتقدون من أدبك بغض الملاهي الذي بَدْؤها من الشيطان وعاقبتها سخط الرحمن، وإنه بلغني عن الثقات من أهل العلم أن حضور المعازف واستماع الأغاني واللهج بها، ينبت النفاق في القلب كما ينبت العشبَ الماء، وليفتتح كل غلام منه بحزبه من القرآن يتثبت في قراءته، فإذا فرغ منه تناول قوسه ونبله وخرج إلى الغرض حافياً قدر (٢) سبعة أرشاق، ثم انصرف إلى القائلة؛ فإن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - كان يقول: قيلوا؛ فإن الشياطين لا تقيل (٣). قلت: هذا الأثر من لطائف الفوائد، وطرائف الفرائد. وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْجَرَسُ مَزَامِيْرُ الشَّيْطَانِ" (٤). وروى أبو داود عن عامر بن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهم: أن مولاة لهم ذهبت بابنة الزبير إلى عمر بن الخطاب - رضي الله

стр. 3060

تعالى عنه - وفي رجلها أجراس، فقطعها عمر - رضي الله تعالى عنه - ثم قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ مَعَ كُلِّ جَرَسٍ شَيْطَاناً" (١). * تنبِيْهٌ: لما كان الركب الذي يصحبه جرس أو المجلس الذي فيه جرس، أو صورة، أو دف، أو غير ذلك من آلات اللهو محل الشياطين تنزهت الملائكة ﵈ عن هذه الأماكن. فروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رُفْقَةً فِيْهَا كَلْبٌ وَلا جَرَسٌ" (٢). وروى أبو داود عن بنانة مولاة عبد الرحمن بن حبان الأنصاري، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: بينما هي عندها إذ دخل عليها بجارية وعليها جلاجل يصوتن، فقالت: لا تدخلنَّها علي إلا أن تقطعوا بجلاجلها، وقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ جَرَسٌ" (٣). وروى الإمام أحمد، والأئمة الستة إلا أبا داود عن أبي طلحة

стр. 3061

رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تَدْخُلُ الْمَلائِكَةُ بَيْتًا فِيْهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ" (١). وروى ابن أبي شيبة عن شريح: أنه سمع صوت دف فقال: إن الملائكة ﵈ لا يدخلون بيتاً فيه دف (٢). وروى هو وابن أبي الدنيا عن عمران بن مسلم قال: قال لي خيثمة: أما سمعت سويداً يقول: لا تدخل الملائكة بيتاً فيه دف (٣)؟ * فائِدَةٌ: روى عبد الله بن المبارك في "الزهد والرقائق"، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، وأبو نعيم في "الحلية"، والأصبهاني في "الترغيب"، وغيرهم عن محمد بن المنكدر رحمه الله تعالى قال: يقال يوم القيامة: أين الذين كانوا ينزهون أنفسهم وأسماعهم عن اللهو ومرابض الشيطان؛ اجعلوهم في رياض المسك، ثم يقول للملائكة: أسمعوهم حمدي وثناء عليَّ، وأخبروهم أن لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٤).

стр. 3062

وروى الدينوري عن مجاهد نحوه (١). وروى الثعلبي في "تفسيره"، والأصبهاني في "الترغيب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل: يا رسول الله! إني رجل حبب إلي الصوت، فهل في الجنة صوت حسن؟ قال: "إِيْ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، إِنَّ اللهَ لَيُوْحِي إِلَى شَجَرَةٍ فِي الجَنَّةِ أَنْ أَسْمِعِي عِبَادِيَ الَّذِيْنَ اشْتَغَلُوْا بِعِبَادَتِي وَذِكْرِي عَنْ عَزْفِ الْبَرَابِطِ (٢) وَالْمَزَامِيْرِ، فَتَرْفَعُ صَوْتاً لَمْ تَسْمَعِ الْخَلائِقُ مِثْلَهُ قَطُّ مِنْ تَسْبِيْح الرَّبِّ وَتَقْدِيْسِهِ" (٣). وروى ابن أبي الدنيا، والضياء في "المختارة" بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: في الجنة شجرة على ساق قدر ما يسير الراكب المُجد في ظلها مئة عام، فيخرج أهل الجنة أهل الغرف وغيرهم فيتحدثون في ظلها، فليشتهي بعضهم ويذكر لهو الدنيا، فيرسل الله - تعالى - ريحاً من مسك، فتحرك تلك الشجرة بكل لهو كان في الدنيا (٤).

стр. 3063

وروى الثعلبي عن الأوزاعي رحمه الله تعالى قال: ليس أحد من خلق الله تعالى أحسن صوتاً من إسرافيل ﵇ فإذا أخذ في السماع قطع على أهل سبع سماوات صلاتهم وتسبيحهم (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد"، والبيهقي عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: يقام داود ﵇ عند ساق العرش، فيقول الله تعالى: يا داود! مجِّدني بذلك الصوت الحسن الرخيم الذي كنت تمجدني به في الدنيا، فيقول: كيف وقد سلبتنيه؟ فيقول: إني سأرده عليك اليوم، فيندفع داود بصوت يستفرغ نعيم أهل الجنة (٢). وروى الطبراني، والبيهقي عن أبي أمامة - رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ عَبْدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ إِلاَّ يَجْلِسُ عِنْدَ رَأْسِهِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ اثْنتَانِ مِنَ الْحُوْرِ الْعِيْنِ يُغَنِّيَانِهِ بِأَحْسَنِ صَوْتٍ سَمِعَهُ الأنْسُ وَالْجِنُّ، لَيْسَ بِمِزْمَارِ الشَّيْطَانِ وَلَكِنْ بِتَحْمِيْدِ اللهِ وَتَقْدِيْسِهِ" (٣). وروى هنَّاد بن السَّري عن يحيى بن أبي كثير ﵀

стр. 3064

تعالى - في قوله تعالى: ﴿فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ﴾ [الروم: ١٥]؛ قال: السماع (١). وهذا الفصل الذي ذكرته هنا في سماع أهل الجنة فصل عزيز لطيف، وقد علمت أنه يكون ثواباً لأهلها وجزاء لتنزيه أسماعهم عن مزامير الشيطان واتباع الهوى في السماعات الدنيوية اللهوية، وكذلك سائر نعيم الجنة إنما هو جزاء عن نهي النفس عن الهوى، ومنعها منه في لباس وطعام وشراب، وغير ذلك. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾ [الحاقة: ٢٤]. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِمَنْ يَرَى (٣٦) فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٥ - ٤١]؟ ١٣٥ - ومن أخلاق الشيطان: كراهية الديك والتحرُّج عن سماع صوته، ولاسيما الأبيض . والسبب في ذلك أن الديك يوقظ للصلاة ويدعو إليها في أوقاتها كالمؤذن، ويذكر الله تعالى، وكان مذكراً لآدم ﵇ وأنيساً له، وصديقًا لمحمد ﷺ ، وهو على سورة بعض الملائكة، ولا يصيح

стр. 3065

حتى يرى ملكاً، وصوته من أحب الأصوات إلى الله تعالى. وذلك كله قاصم لظهر الشيطان، مُرغِم لأنفه، ولذلك كان عدواً للشيطان الرجيم. روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه بإسناد جيد، عن زيد ابن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تَسُبُّوْا الدِّيْكَ؛ فَإِنَّهُ يُوْقِظُ لِلصَّلاةِ" (١). وروى أبو الشيخ في كتاب "العظمة" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن ديكاً صرّح عند رسول الله ﷺ فسبَّه رجل ولعنه، فقال رسول الله ﷺ : "لا تَلْعَنْهُ وَلا تَسُبَّهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلاةِ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الدِّيْكُ يُؤَذِّنُ بِالصَّلاةِ، مَنِ اتَّخَذَ دِيْكاً أَبْيَضَ حُفِظَ مِنْ ثَلاثةٍ؛ مِنْ شَرِّ كُلِّ شَيْطَانٍ، وَسَاحِرٍ، وَكَاهِنٍ" (٣). وروى أبو نعيم في "فضل الديك (٤) " عن عائشة رضي الله تعالى

стр. 3066

عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "صَوْتُ الدِّيْكِ صَلاتُهُ، وَضَرْبُهُ [بجناحيه] رُكُوْعُهُ وَسُجُوْدُهُ"، ثم تلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] (١). وروى الثعلبي في "تفسيره" عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الدِّيْكُ إِذَا صَاحَ قَالَ: اذْكُرُوْا اللهَ يَا غَافِلِيْنَ" (٢). وذكر في "العرائس" عن وهب - رحمه الله تعالى - أن آدم ﵇ قال: يا رب! شغلت بطلب الرزق والمعيشة عن التسبيح والعبادة، ولست أعرف ساعات التسبيح من أيام الدنيا. فأهبط الله تعالى له ديكاً، وأسمعه أصوات الملائكة بالتسبيح، وكان الديك إذا سمع أصوات الملائكة بالتسبيح في السماء سبَّح في الأرض، فيسبح آدم إذا سمع صوت الديك، فكان آدم ﵇ أول من اتخذ الديك لأوقات العبادة. وروى أبو القاسم البغوي عن خالد بن معدان - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "الدِّيْكُ الأَبْيَضُ صَدِيْقِي وَعَدُوُّ عَدُوِّ اللهِ؛ يَحْرُسُ

стр. 3067

دَارَ صَاحِبهِ وَسَبع آدُرٍ" (١)، وله شواهد. واعترض ابن حجر على ابن الجوزي في عده في الموضوعات؛ قال: ولم يتبين لي الحكم على هذا المتن بالوضع (٢). وروى الطبراني، وأبو الشيخ، وغيرهما عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ للهِ دِيْكًا أَبْيَضَ جَنَاحَاهُ مُوشَّيَانِ بِالزَّبَرْجَدِ وَالْيَاقُوْتِ وَاللُّؤْلُؤِ، جَنَاحٌ لَهُ بِالْمَشْرِقِ وَجَنَاحٌ لَهُ بِالْمَغْرِبِ، وَرَأْسُهُ مَثْنِيٌّ تَحْتَ الْعَرْشِ وَقَوَائِمُهُ فِيْ الْهَوَاءِ - وفي رواية: فِي الأَرْضِ السُّفْلَى - يُؤَذِّنُ فِي كُلِّ سَحَرٍ، فَإِذَا كَانَ فِي السَّحَرِ الأَعْلَى خَفَقَ بِجَنَاحَيهِ، ثُمَّ قالَ: سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّنَا لا غَيْرُهُ، فَيسْمَعُ تِلْكَ الصَيْحَةَ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَأْهْلُ الأَرْضِ إِلاَّ الثَّقَلينِ الْجِنُّ وَالإِنْسُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُجِيمهُ ديوْكُ أَهْلِ الأَرْضِ، فَإِذَا كانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ قالَ اللهُ تَعَالَى: ضُمَّ جَنَاحَكَ، وَغُضَّ صَوْتَكَ، فَيَعْلَمُ أَهْلُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّ السَّاعَةَ قَدْ اقْتَرَبَتْ" (٣). وروى الأئمة الستة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى

стр. 3068

عنه: أن النبي ﵁ قال: "إَذَا سَمِعْتُمْ صِيَاحَ الدِّيْكِ فَاسْألوْا اللهَ مِنْ فَضْلِهِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ مَلَكًا، وَإِذَا سَمِعْتُمْ نهاقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوْا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَاناً" (١). وروى الديلمي عن أم محمد بنت زيد بن ثابت ﵂ وعن أبيها قالت: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثَةُ أَصْوَاتِ يُحِبُّهَا اللهُ؛ صَوْتُ الدِّيَكَةِ، وَصَوْتُ الَّذِيْ يَقْرَأُ الْقُرْانَ، وَصَوْتُ الْمُسْتَغْفِرِيْنَ بِالأَسْحَارِ" (٢). ١٣٦ - ومن أخلاق الشيطان: الاستماع إلى نهيق الحمار ونباح الكلب، وحمل الحمير على النهيق كما يفعل بعضر الجهلة من التصويت بصوت إذا سمعه الحمار نهق . قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٩] وقال رسول الله ﷺ في حديث أبي هريرة المذكور آنفاً: "وَإِذَا سَمِعْتُمْ نهاقَ الْحِمَارِ فَتَعَوَّذُوْا بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَاناً" (٣). وقال ﷺ : "إِذَا سَمِعْتُمْ نبُاحَ الْكَلْبِ وَنهِيْقَ الْحِمَارِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوْا بِالّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ؛ فَإِنهنَّ يَرَيْنَ مَا لا تَرُوْنَ". الحديث رواه

стр. 3069

الإمام أحمد، وغيره، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن جابر (١). وله في الباب حديث آخر أخرجه ابن عدي، وتقدم. ١٣٧ - ومنها: إشلاء الكلاب ونحوها على الناس . ذكر القرطبي في تفسير سورة الأعراف عن الحكيم الترمذي: أن آدم ﵇ لمَّا أهبط إلى الأرض ذهب إبليس إلى السباع فأشلاها على آدم ﵇، وكان الكلب من أشدها كَلَباً عليه، فنزل جبريل ﵇ بالعصا التي صرفت إلى موسى ﵇ بمَدْين، وجعلها آية له إلى فرعون وملئه، وجعل فيها سلطاناً عظيماً، وكانت من آس الجنة، فأعطاها آدم يومئذ ليطرد بها السباع عن نفسه، وأمره - فيما روي - أن يدنو من الكلب فمات الفؤاد منه بسلطان العصا، وأَلِفَ به وبولده إلى يومنا هذا، وصار حارساً من حرَّاس ولده، وإذا أدب وعلم الاصطياد تأدب وقبل التعليم، وذلك قوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤] (٢). ١٣٨ - ومنهَا: اللعب بالحَمَام الطيارة . روى أبو داود - وإسناده صحيح - عن أبي هريرة، وابن ماجه عنه، وعن أنس، وعن عائشة رضي الله تعالى عنهم: أن النبي ﷺ رأى

стр. 3070

شخصاً يتبع حمامة فقال: "شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانةً" (١). ١٣٩ - ومنها: لباس الحُمرة والملونات . روى الطبراني عن رجل من بني سليم قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَةَ؛ فَإِنَّهَا أَحبُّ الزِّيْنَةِ إِلَى الشَّيْطَانِ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن الحسن رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "الْحُمْرَةُ زينَةُ الشَّيْطَانِ" (٣). وروى هو وابن عدي، والحاكم في كتاب "الكنى"، وابن قانع في "معجم الصحابة" عن رافع بن يزيد الثقفي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ الْحُمْرَةَ؛ فَإِيَّاكُمْ وَالْحُمْرَ وَكُلَّ ثَوْبٍ ذِي شُهْرَةٍ" (٤). وقال ابن جهضم: حدثني أحمد بن عبد السلام قال: سمعت أبا

стр. 3071

سليمان المغربي: ما أحب أن أرى على أصحابنا الملونات. فقيل له: لِم؟ فقال: لأني رأيت إبليس عليه الملونات، وبينا أنا قائم أصلي يوم جمعة رأيته قد دخل المسجد بيده باقة ريحان، فمر بين الصفوف يشمه واحداً واحداً إلى أن قرب مني، فلما دنا مني نظرت إليه بقرب فتأملت مَنْ شَمَّ ريحانه، فمن كان قائما جلس ومن كان جالساً نعس. ١٤٠ - ومنها: تشبيك الأصابع في أمكنةٍ وأوقاتٍ تُطلب فيها الطاعة وحضور القلب عبثاً وتلهياً عن ذكر الله تعالى . وروى الإمام أحمد بإسناد حسن، عن مولى لأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما قال: بينما أنا مع أبي سعيد وهو مع رسول الله ﷺ ، فإذا رجل جالس في وسط المجلس محتبياً مشبكاً أصابعه بعضها في بعض، فأشار إليه رسول الله ﷺ ، فلم يفطن الرجل لإشارة رسول الله ﷺ ، فالتفت إلى أبي سعيد فقال: "إِذَا كانَ أَحَدُكُم فِي الْمَجْلِسِ فَلا يُشْبِكَنَّ؛ فَإِنَّ التَّشْبِيْكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَإِنَّ أَحَدَكُمْ لا يَزَالُ فِيْ صَلاةٍ مَا كَانَ فِيْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْهُ" (١). وهذا الحديث فيه إشارة إلى كراهية التشبيك بين الأصابع في

стр. 3072

المسجد (١) - سواء كان في صلاة، أو لا - وكذلك لو خرج إلى المسجد وهو في الطريق كما جزم به البغوي في التحقيق؛ لما رواه أبو داود، وغيره عن كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ وُضُوْءَهُ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلا يُشْبِّكَنَّ بَيْنَ أَصَابِعِهِ؛ فَإِنَّهُ فِي صَلاةٍ" (٢). قال الحافظ العراقي: الحكمة في النهي عن التشبيك في الصلاة أو في المسجد إمَّا لما فيه من العبث، أو لما فيه من التشبه بالشيطان، أو لدلالة الشيطان على ذلك كما في حديث مولى أبي سعيد رضي الله تعالى عنهما، انتهى (٣).

стр. 3073

ولا يعارض ما ذكرناه حديثَ "الصحيحين": "الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤمِنِ كَالْبُنْيَانِ"، وشبك بين أصابعه (١)؛ لأنه ﷺ منزه عن التلهي والعبث، وإنما أراد تمثيل تعاضد المؤمنين بعضهم ببعض بالبنيان المتعاضد، ثم حكى التعاضد بيديه ﷺ ليجمع بين القول والفعل؛ فافهم! ومثل هذا العرض لا شبهة في جوازه بل في استحبابه؛ فاعلم. ١٤١ - ومنها: رفع البصر إلى السماء في محل يطلب قيه الخضوع والاتِّضاع . ومن هنا كره رفع البصر إلى السماء في الصلاة. فأما رفع البصر للتفكر في خلق السماء والاعتبار، فليس من هذا القبيل، بل هو مطلب مستحب. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤]. روى ابن أبي حاتم عن رجاء بن أبي سلمة رحمه الله تعالى قال: أهبط آدم ﵇ يديه على ركبتيه مطأطئاً رأسه، وأهبط إبليس مشبكاً بين أصابعه رافعاً رأسه إلى السماء (٢). ١٤٢ - ومنها: الاختصار؛ بمعنى وضع اليد على الخاصرة . قال الترمذي بعد أن أسند حديث أبي هريرة ﵁ وهو في بقية

стр. 3074

الكتب الستة: إن النبي ﷺ نهى أن يصلي الرجل مختصراً (١): ويروى أن إبليس إذا مشى مشى مختصراً، انتهى (٢). وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أَنَّهُ كره التخصر في الصلاة أَنَّ إبليس أُهبِطَ مختصراً (٣). وروى عبد الرزاق عن مجاهد رضي الله تعالى عنه قال: وضع اليد في الخاصرة استراحة أهل النار. قال: وقال في حديث آخر: إنها مشية الشيطان (٤). وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنه قال: إذا قام أحدكم إلى صلاة فلا يجعل يده في خاصرته؛ فين الشيطان يحضر ذلك (٥). وقيل: إن سبب الكراهة أنه من فعل اليهود، كما سيأتي. وروى ابن أبي شيبة عن خالد بن معدان رحمه الله تعالى: أن عائشة - رضي الله تعالى عنها - رأت رجلاً واضعاً يده على خاصرته،

стр. 3075

فقالت: هكذا أهل النار في النار (١). وعن مجاهد أنه قال: وضع اليدين على الحقو استراحة أهل النار (٢). وسبق من رواية عبد الرزاق بلفظ آخر. ١٤٣ - ومنها: التبختر في المشية، والمبالغة في الإسراع بها . بل ينبغي للمؤمن أن يكون منتصباً في مشيته كما قال الله تعالى حكاية عن لقمان: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩]، فلا تبالغ في التماوت ولا تمش متشبهاً كالمخنثين، ولا تشتد في العَدْو فتكون متشبهاً بالشيطان فيهما. وقد روي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه رأى رجلاً يخطر في مشيته فقال: إن للشياطين إخواناً (٣). وقال القرطبي في تفسير الآية: القصد ما بين الإسراع والبطء؛ أي: لا يدب دَبيب المتماوتين، ولا يثب وثب الشياطين. انتهى (٤). ١٤٤ - ومنها: العسف بالدابة، وعدم الرفق بها والمبادرة إلى راحتها في المنازل . روى الدارقطني في "الأفراد" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه

стр. 3076

قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا رَكِبْتُمْ هَذهِ الدَّوَابَّ فَأَعْطُوْهَا حَظَّهَا مِنَ الْمَنَازِلِ، وَلا تَكُوْنُوْا عَلَيْهَا شَيَاطِيْنَ" (١). ١٤٥ - ومنها: المشي في نعل واحدة . فقد صح النهي عنه، وهو مكروه. قال القاضي أبو بكر بن العربي رحمه الله تعالى: والسبب في ذلك ما قيل: إنها مشية الشيطان (٢). وحكى النووي - رحمه الله تعالى - عن العلماء أن سبب ذلك أنه تشويه، ومُثْلَة، ومخالف للوقار، ولأن المنتعلة تفسير أرفع من الأخرى فتتغير مشيته، وربما كان سبباً للعثار (٣). قلت: والتشويه ومخالفة الوقار من جملة أوصاف الشيطان لعنه الله تعالى. ثم رأيت في "الفردوس" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال له: "يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! لا تَمْشِ فِيْ نَعْلٍ وَاحِدةٍ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَمْشِي فِي نَعْلِ وَاحِدةٍ" (٤). ١٤٦ - ومنها: اشتمال الصَّمَّاء . قال الثعلبي: أهبط إبليس إلى الأرض مشتملَ الصماء، أعورَ،

стр. 3077

في إحدى رجليه فعل (١). وروى أبو داود عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ نهى عن الصماء والاحتباء في ثوب واحد (٢). واشتمال الصماء: أن تجلل جسدك بثوبك بأن يرد الكساء من قبل يمينه على يده اليسرى وعاتقه الأيسر، ثم يرده ثانية من خلف على يده اليمنى وعاتقه الأيمن، فيغطيهما جميعاً؛ هذا ما في "الصحاح". وذكر أبو عبيد أن الفقهاء يقولون: هو أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره، ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه، فيبدو منه فرجه (٣). قال النووي في "الروضة": ويكره أن يشتمل الصماء، وأن يشتمل اشتمال اليهود: فالصماء أن يجلل يديه بالثوب ثم يرفع طرفيه على عاتقه الأيسر. واشتمال اليهود كذلك إلا أنه لا يرفع طرفيه. وقيل: هما بمعنى، والمراد بهما الثاني، انتهى (٤).

стр. 3078

وإنما كُرها للنهي عنهما، ولأنَّه إذا أتاه من يتوقاه لا يمكنه إخراج يديه بسرعة، فإذا أخرج يده فربما انكشفت عورته. وفي "النهاية" تفسير الصماء بما فسر به في "الروضة" اشتمال اليهود، فإنه ذكر أنه التجلل بالثوب وإسباله من غير أن يرفع طرفه، لأنه يسد على يديه ورجليه المنافذ كلها كالصخرة الصماء التي ليس فيها خرق (١). ١٤٧ - ومنها: الاقعاء . روى ابن أبي شيبة عن علي رضي الله تعالى عنه: أنه كره الإقعاء في الصلاة، وقال: عقبة الشيطان (٢). وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وغيرهما، وصححه البغوي في "شرح السنة"، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النبي ﷺ ينهى عن عقبة الشيطان (٣)؛ يعني: الإقعاء. قال البغوي: تفسير أصحاب الحديث في عقبة الشيطان وفي الإقعاء واحد: وهو أن يضع ألييه على عقبيه، ويقعد مستوفزاً غير مطمئن إلى الأرض، انتهى (٤).

стр. 3079

وسيأتي ذكر الإقعاء في التشبه بالبهائم والسباع. ١٤٨ - ومنها: القعود بين الظل والشمس . وروى الإمام أحمد بسند حسن، عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: - أن النبي ﷺ قال: "بينَ الظِّلِّ والشَّمسِ مَجْلِسُ الشَّيْطَانِ" (١). وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: حرف الظل مقعد الشيطان (٢). وقال عبيد بن عمير رحمه الله تعالى: حد الظل والشمس مقاعد الشيطان (٣). وقال سعيد بن المسيب: حرف الظل مقيل الشيطان (٤). روى هذه الآثار ابن أبي شيبة. ١٤٩ - ومنها: الانبطاح على الوجه . وهو مكروه للرجل كما يكره الاستلقاء للمرأة. وروى أبو نعيم في "الحلية" عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: كنت من أهل الصفة، وكنَّا إذا أمسينا حضرنا باب رسول الله ﷺ ، فيأمر كل رجل فينصرف برجل، فيبقى من يبقى من أهل الصفة عشرة أو أكثر

стр. 3080

أو أقل، فيأتي النبي ﷺ فنتعشَّى معه، فإذا فرغنا قال رسول الله ﷺ : "نَامُوا فِيْ الْمَسْجِد". قال: فمر رسول الله ﷺ وأنا نائم على وجهي، فغمزني برجله، وقال: "يَا جُنْدُبُ! مَا هَذهِ الضَّجْعَةُ؟ فَإِنَّهَا ضَجْعَةُ الشَّيْطَانِ" (١). قال العلماء: نوم الإنسان منبطحاً نوم الشياطين، ومضطجعاً على الشمال نوم السلاطين، وعلى اليمين نوم العلماء والصالحين، ومستلقياً نوم الأنبياء والمرسلين، فيتفكرون في خلق السماوات والأرضين. ١٥٠ - ومنها: ضحك القهقهة، واستدعاؤها من غيره . وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْقَهْقَهَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَالتَّبَسُمُ مِنَ اللهِ تَعَالَى" (٢). ١٥١ - ومنها: استحباب رفع الصَّوت بالجُشاء والعطاس، وفتح الفم بالتثاؤب . روى البيهقي في "الشعب" عن واثلة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذَا تَجَشَّأَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَطَسَ فَلا يَرْفَعَنَّ بِهِمَا الصَّوْتَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يُحِبُّ

стр. 3081

أَنْ يَرْفَعَ بِهِمَا الصَّوْتَ" (١). وإنما قيدنا العطاس بالشدة إشارة إلى أن لا تعارض بين ذلك وبين حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْعُطَاسُ مِنَ اللهِ، وَالتَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٢). وروى البيهقي في "سننه" عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكره العطسة الشديدة (٣). والمعنى في ذلك أن شدة العطاس فيه ما في التثاؤب من اعوجاج الخلقة عن اعتدال الهيئة، ولذلك استحب للعاطس أن يميل برأسه ويخمر وجهه ليستر تلك الحالة الخارجة عن الاعتدال، كما استحب للمتثاوب أن يكظمه على كل حال. وروى البخاري، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ

стр. 3082

مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمُ إِذَا قَالَ: هَاه، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ" (١). * تنبِيهٌ: لكون التثاؤب من الشيطان كان النبي ﷺ وسائر الأنبياء ﵈ محفوظين منه. روى ابن أبي شيبة، والبخاري في "التاريخ" عن يزيد بن الأصم - مرسلاً - قال: ما تثاوب ﷺ في صلاة قط (٢). وروى ابن أبي شيبة عن مسلمة بن عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى قال: ما تثاوب نبي قط (٣). وهذا نظير حفظ الأنبياء ﵈ من الاحتلام. * فائِدةٌ: روى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَصْدَقُ الْحَدِيْثِ مَا عُطِسَ عِنْدَهُ" (٤). وهو وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 3083

رسول الله ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيْثٍ فَعُطِسَ عِنْدَهُ فَهُوَ حَقٌّ" (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْعُطَاسُ عِنْدَ الدُّعَاءِ شَاهِدُ صِدْقٍ". ١٥٢ - ومنها: تلهية العاطس عن الحمد، واستحباب تركه . وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: عطس رجل عند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال: أشهب، فقال ابن عمر: أشهب اسم شيطان وضعه إبليس بين العطسة والحمد ليترك (٢). ١٥٣ - ومنها: الضحك من ابن آدم إذا صدر منه ما هو من ضروريات البشرية من نعاس، أو عطاس، أو تثاؤب، أو ضراط، أو غير ذلك . ومن الأدلة على ذلك: قوله ﷺ في حديث التثاؤب المتقدم: "فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا قَالَ هَاه، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ" (٣). وقد نهى رسول الله ﷺ عن الضحك من الضرطة كما رواه الطبراني، وغيره (٤).

стр. 3084

١٥٤ - ومنها: وضع الثوب على الأنف . روى الطبراني في "معجمه الكبير"، و"الأوسط" عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَثَوْبُهُ عَلَى أنفِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ حَظُّ الشَّيْطَانِ" (١). قلت: ولعل المعنى فيه أن وضع الثوب على الأنف ربما أدى إلى تقديره وتوسيخه، ومن هنا قال النبي ﷺ : "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَلْيخْفِضْ صَوْتَهُ" كما صححه الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢). فأمر بوضع الكفين على الوجه دون الثوب لئلا يتقذر، وتنظيف اليد أقرب من تنظيف الثوب مع أنهما آلة لذلك وغيره. والحكمة في وضع الكفين على الوجه وخفض الصوت: أن العطاس ربما غيَّر سَمْتَ الوجه فيظهر منه للحاضرين كالمثلة، فذلك يستره ويمنعه. وأيضا فإنه يتناثر من الأنف ما يقذر الثياب والفراش، وربما وصل منه شيء إلى الجليس، ففي وضع الكفين على الوجه منع ذلك.

стр. 3085

١٥٥ - ومنها: تسمية العشاء عتمة . روى ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: قلت لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: من أول من سماها العتمة؟ قال: الشيطان (١). ١٥٦ - ومنها: أكل الميتة في غير حالة الاضطرار؛ وهو من أشد الحرام . روى الإمام أحمد، والشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: صبح رسول الله ﷺ خيبر وقد خرجوا بالمَسَاحي، فلما نظروا إليه قالوا: محمد والخميس؟ فقال ﷺ : "اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نزَلْنَا سَاحَةَ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرينَ". فأصبنا حمراً خارجة من القرية فاطبخنا، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُوْمِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ" (٢). ١٥٧ - ومنها: ترك التسمية على الطعام والشراب، وعند الدخول إلى الأماكن، وعند الخروج منها، وفي سائر الأمور المهمة، وأكل
следующие страницы →