← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

أَنْ يَرْفَعَ بِهِمَا الصَّوْتَ" (١). وإنما قيدنا العطاس بالشدة إشارة إلى أن لا تعارض بين ذلك وبين حديث البخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْعُطَاسُ مِنَ اللهِ، وَالتَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٢). وروى البيهقي في "سننه" عنه قال: كان رسول الله ﷺ يكره العطسة الشديدة (٣). والمعنى في ذلك أن شدة العطاس فيه ما في التثاؤب من اعوجاج الخلقة عن اعتدال الهيئة، ولذلك استحب للعاطس أن يميل برأسه ويخمر وجهه ليستر تلك الحالة الخارجة عن الاعتدال، كما استحب للمتثاوب أن يكظمه على كل حال. وروى البخاري، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "التَّثَاؤُبُ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَثَاوَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ

стр. 3082

مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمُ إِذَا قَالَ: هَاه، ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ" (١). * تنبِيهٌ: لكون التثاؤب من الشيطان كان النبي ﷺ وسائر الأنبياء ﵈ محفوظين منه. روى ابن أبي شيبة، والبخاري في "التاريخ" عن يزيد بن الأصم - مرسلاً - قال: ما تثاوب ﷺ في صلاة قط (٢). وروى ابن أبي شيبة عن مسلمة بن عبد الملك بن مروان رحمه الله تعالى قال: ما تثاوب نبي قط (٣). وهذا نظير حفظ الأنبياء ﵈ من الاحتلام. * فائِدةٌ: روى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَصْدَقُ الْحَدِيْثِ مَا عُطِسَ عِنْدَهُ" (٤). وهو وأبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 3083

رسول الله ﷺ : "مَنْ حَدَّثَ بِحَدِيْثٍ فَعُطِسَ عِنْدَهُ فَهُوَ حَقٌّ" (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْعُطَاسُ عِنْدَ الدُّعَاءِ شَاهِدُ صِدْقٍ". ١٥٢ - ومنها: تلهية العاطس عن الحمد، واستحباب تركه . وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: عطس رجل عند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال: أشهب، فقال ابن عمر: أشهب اسم شيطان وضعه إبليس بين العطسة والحمد ليترك (٢). ١٥٣ - ومنها: الضحك من ابن آدم إذا صدر منه ما هو من ضروريات البشرية من نعاس، أو عطاس، أو تثاؤب، أو ضراط، أو غير ذلك . ومن الأدلة على ذلك: قوله ﷺ في حديث التثاؤب المتقدم: "فَإِنَّ أَحَدَكُم إِذَا قَالَ هَاه، ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ" (٣). وقد نهى رسول الله ﷺ عن الضحك من الضرطة كما رواه الطبراني، وغيره (٤).

стр. 3084

١٥٤ - ومنها: وضع الثوب على الأنف . روى الطبراني في "معجمه الكبير"، و"الأوسط" عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصَلِّيَنَّ أَحَدُكُمْ وَثَوْبُهُ عَلَى أنفِهِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ حَظُّ الشَّيْطَانِ" (١). قلت: ولعل المعنى فيه أن وضع الثوب على الأنف ربما أدى إلى تقديره وتوسيخه، ومن هنا قال النبي ﷺ : "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ كَفَّيْهِ عَلَى وَجْهِهِ وَلْيخْفِضْ صَوْتَهُ" كما صححه الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢). فأمر بوضع الكفين على الوجه دون الثوب لئلا يتقذر، وتنظيف اليد أقرب من تنظيف الثوب مع أنهما آلة لذلك وغيره. والحكمة في وضع الكفين على الوجه وخفض الصوت: أن العطاس ربما غيَّر سَمْتَ الوجه فيظهر منه للحاضرين كالمثلة، فذلك يستره ويمنعه. وأيضا فإنه يتناثر من الأنف ما يقذر الثياب والفراش، وربما وصل منه شيء إلى الجليس، ففي وضع الكفين على الوجه منع ذلك.

стр. 3085

١٥٥ - ومنها: تسمية العشاء عتمة . روى ابن أبي شيبة عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: قلت لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: من أول من سماها العتمة؟ قال: الشيطان (١). ١٥٦ - ومنها: أكل الميتة في غير حالة الاضطرار؛ وهو من أشد الحرام . روى الإمام أحمد، والشيخان عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: صبح رسول الله ﷺ خيبر وقد خرجوا بالمَسَاحي، فلما نظروا إليه قالوا: محمد والخميس؟ فقال ﷺ : "اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نزَلْنَا سَاحَةَ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرينَ". فأصبنا حمراً خارجة من القرية فاطبخنا، فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ وَرَسُوْلَهُ يَنْهَاكُمْ عَنْ لُحُوْمِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ؛ فَإنَّهَا رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ" (٢). ١٥٧ - ومنها: ترك التسمية على الطعام والشراب، وعند الدخول إلى الأماكن، وعند الخروج منها، وفي سائر الأمور المهمة، وأكل

стр. 3086

وشرب ما لم يذكر اسم الله عليه. روى مسلم، والأربعة عن جابر رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُوْلهِ قَالَ الشَّيْطَانُ - يَعْنِي: لِجُنُوْدهِ -: لا مَبِيْتَ لَكُمْ وَلا عَشَاءَ، وإذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُوْلهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيْتَ وَالْعَشَاء" (١). ولهُ في الباب حديث آخر أخرجه ابن عدي - وتقدم -، وفي الباب أحاديث كثيرة. وقد تقدم أيضا: أن الرجل إذا جامع أهله ولم يسم جامع معه الشيطان، وأنزل معه. وروى ابن السني عن دويد بن نافع القرشي ﵀ مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ ادَّهْنَ وَلَمْ يُسَمِّ أدَّهْنَ مَعَهُ سَبْعُوْنَ شَيْطَاناً" (٢). ومن شأن المؤمن ذكر الله تعالى على كل حال، وذكر اسمه على كل أمر ذي بال؛ لقوله ﷺ : "كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لا يُبْتَدَأُ بِاسْمِ اللهِ فَهُوَ أَجْذَمُ". رواه أبو داود، وغيره من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٣).

стр. 3087

وروى الطبراني بسند صحيح، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن شيطان المؤمن يلقى شيطان الكافر فيرى شيطان المؤمن شاحباً أغبر مهزولاً، فيقول له شيطان الكافر: ما لك قد هلكت؟ فيقول شيطان المؤمن: لا والله لا أصل معه إلى شيء؛ إذا طَعِمَ ذكر اسم الله، وإذا شرب ذكر اسم الله، وإذا دخل بيته ذكر اسم الله. فيقول الآخر: آكل من طعامه، وأشرب من شرابه، وأنام على فراشه. فهذا ساحَّ، وهذا مهزول (١). الشاحب - بالشين المعجمة، والحاء المهملة بعدها موحدة -: المتغير اللون لجوع، أو هزال. والساح - بالسين المهملة، والحاء المهملة المشددة -: هو السمين المنتهي في السمن. ١٥٨ - ومنها: تناول المآكل الخبيثة، والميل إليها . روى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الثُّوْمُ وَالْبَصَلُ وَالْكُرَّاثُ مِنْ سُكِّ إِبْلِيْسَ" (٢). والسك - بضم السين المهملة -: نوع من الطيب؛ أي: من طيبه.

стр. 3088

ومن هنا علم أن استعمال التُّتُن (١) خلق شيطاني، وهو مضر مخدر للبدن، فينبغي أن يحرم، والاستكثار منه حرام بلا شك، ولا ضرورة في استعماله، وما يخيله الشيطان إلى مستعمليه من الضرورة غلط منهم، والدخان من حيث هو مضر باتفاق الأطباء. ١٥٩ - ومنها: الأكل بالشمال والشرب بالشمال، والأخذ والأعطاء بها . فينبغي للإنسان أن يخالف الشيطان في ذلك كله فيفعله باليمين إلا أن يتعذر عليه ذلك. روى مسلم، والترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "لا يَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِشِمالِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُلُ بشِمالِهِ وَيشْرَبُ بِشِمالِهِ" (٢). وروى ابن ماجه بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لِيَأْكُلْ أَحَدُكُمْ بِيَمِيْنِهِ وَيشْرَبْ بِيَمِيْنِهِ، وَلْيَأْخُذْ بِيَمِيْنِهِ وَلْيُعْطِ بِيَمِيْنِهِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ وَيشْرَبُ بِشِمَالِهِ، وَيأْخُذ بِشِمَالِهِ وَيُعْطِيْ بِشِمَالِهِ" (٣). * تنبِيْهٌ: فعل هذه الأمور بالشمال صرَّح أكثر العلماء أنه مكروه.

стр. 3089

وقال أهل الظاهر: إنه حرام. وقال القاضي أبو بكر بن العربي من المالكية: إنه مكروه، بل يأثم فاعله؛ فإن كل فعل ينسب إلى الشيطان فهو حرام شر لا خير فيه ولا جائز، انتهى (١). قلت: والذي يظهر لي التحريم إذا فُعل ذلك مصادمة للأمر الشرعي لحديث سلمة بن الأكوع ﵁: أن رجلاً أكل عند رسول الله ﷺ بشماله، فقال: "كُلْ بِيَمِيْنِكِ"، فقال: لا أستطيع، فقال: "لا اسْتَطَعْتَ، ما منعهُ إلا الكِبْرُ". قال: فما رفعها بعد إلى فيه. رواه مسلم (٢). وأين هذا من جَرْهد - رضي الله تعالى عنه - حين أتى النبي ﷺ وبين يديه طعام، فأدنى جرهد يده الشمال ليأكل وكانت اليمين مصابة، فنفث عليها رسول الله ﷺ ، فما شكا حتى مات. رواه الطبراني (٣). وروى هو والإمام أحمد - ورجاله ثقات - عن عبد الله بن محمد ابن عبد الله بن زيد، عن امرأة منهم قالت: دخل علي رسول الله ﷺ وأنا آكل بشمالي - وكنت امرأة عسرى - فضرب بيده فسقطت اللقمة،

стр. 3090

فقال: "لا تأكُلِيْ بِشِمَالِكِ وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَكِ يَمِيْناً"، أو قال: "قَدْ أَطْلَقَ اللهُ يَمِيْنَكِ"؛ قالت: فتحولت شمالي يمينا، فما أكلت بها بعد (١). وهذه معجزات للنبي ﷺ . * تنبِيْهٌ آخَرُ: ذكر الشيخ برهان الدين الناجي في "قلائد العقيان فيما يورث الفقر والنسيان": أن مما يورث النسيان الأكل بالشمال. وقد روى ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لا تأكلوا بشمالكم ولا تشربوا بشمالكم؛ فإن آدم ﵇ أكل بشماله فأورثه ذلك النسيان (٢). أي: أكل بشماله مرة أو مرات؛ فإن حمل أكثر أحواله على الكمال أولى. ويحتمل أن ذلك لم يكن مكروها في شريعته، وإنما كان ترك أدب. ١٦٠ - ومنها: الأكل مع من يأكل بشماله والشرب مع من يشرب بشماله، وعدم إنكار ذلك عليه . روى الإمام أحمد، والطبراني - وسنده حسن - عن عائشة رضي

стр. 3091

الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ أَكَلَ بِشِمَالِهِ أَكَلَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ، وَمَنْ شَرِبَ بِشِمَالِهِ شَرِبَ مَعَهُ الشَّيْطَانُ" (١). وفيه إشارة إلى أن الشيطان يستبيح طعام من يفعل ذلك وشرابه كما يستبيح طعام من لم يذكر اسم الله عليه وشرابه. ولو قيل: إن الشيطان يستبيح طعام من يخل بأدب من آداب الطعام والشراب لم يبعُد. ١٦١ - ومنها: الأكل بأصبع واحدة أو بأصبعين، والسنة الأكل بالثلاث . روى ابن النجار في "تاريخه"، وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الأَكْلُ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ أَكْلُ الشَّيْطَانِ، وَبِاثْنتَيْنِ أَكْلُ الْجَبَابِرَةِ، وَبِالثَّلاثِ أَكْلُ الأَنْبِيَاءِ ﵈" (٢). وروى الطبراني في "الكبير" بإسناد حسن، عن ابن عباس - رضي

стр. 3092

الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ حائطاً لبعض الأنصار فجعل يتناول من الرطب، ويأكل ويمشي، وأنا معه؛ قال: فالتفت إلي فقال: "يَا ابْنَ عَبَّاس! لا تأْكُلْ بِأُصْبُعَيْنِ؛ فَإِنَّهَا أُكْلَةُ الشَّيْطَانِ، وَكُلْ بِثَلاثِ أَصَابعَ" (١). * فائِدَةٌ: في هذا الحديث دليل على أنه لا كراهة في أكل الماشي، ولكن الجلوس للطعام أولى إلا التنقل ونحوه، كما لو كان الإنسان في عمل يحتاج إلى التردد، أو في تنزه في فَلاة أو بستان، أو في مسير فلا بأس بالأكل ماشياً. ١٦٢ - ومنها: الأكل من جوانب القصعة، والامتناع من الأكل مما يليه . وهو السنة إلا أن يكون فاكهة. روى الطبراني بسند فيه ضعف، عن جعفر بن عبد الله قال: رآني الحكم الغفاري - رضي الله تعالى عنه - وأنا آكل وأنا غلام من هاهنا وهاهنا، فقال: يا بني! لا تأكل هكذا، هكذا يأكل الشيطان؛ إن رسول الله ﷺ كان إذا وضع يده في القصعة أو في الإناء لم تجاوز

стр. 3093

أصابعه موضع كفه (١). وفي "الصحيح": "كُلْ مِمَّا يَلِيْكَ" (٢). ١٦٣ - ومنها: الأنفة عن مؤاكلة اليتيم . روى الطبراني في "الأوسط"، والأصبهاني في "الترغيب" عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَا قَعَدَ يَتِيْم مَعَ قَوْمٍ عَلَى قَصْعَتِهِمْ فَيَقْرَبُ قَصْعَتَهُمْ شَيْطَانٌ" (٣). وفي لفظ أخرجه الأصبهاني، وابن النجار في "تاريخه": "مَا أكَلَ يتيْمٌ مَعَ قَوْمٍ فِي صَحْفَتِهِمْ فَيَقْرَبُ صَحْفَتَهُمُ الشَّيْطَانُ" (٤). إسناده ضعيف لكن لا يبلغ رتبة الوضع" وإن أورده ابن الجوزي في "الموضوعات" (٥). قلت: وله وجهان: الأول: ما ذكرته أن بُعْدَ الشيطان عن القصعة التي عليها اليتيم

стр. 3094

إنما هو أنفة من مؤاكلته، واحتقار له. والثاني: أن يكون سبب بعده أن القصعة التي يأكل عليها اليتيم تنزل فيها البركة والرحمة، والشيطان ليس من أهلها. ١٦٤ - ومنها: الأكل في الظلمة ما لم يضطر إليه . فينبغي للإنسان أن لا يأكل في الظلمة ما أمكنه النور؛ فإنه من عمل الشيطان لا يدري حال الطعام، فلعل فيه شيء، أو وقع فيه شيء يضر أو مستقذر. روى أبو نعيم عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أنه قال في كلام له: ولا تأكل في الظلمة؛ فإن الشيطان يأكل في الظلمة (١). ١٦٥ - ومنها: الأكل والشرب من الإناء الذي يبيت مكشوفاً . روى عبد الرزاق عن منصور، عن أبي جعفر عن زادان ﵀ قال: إذا بات الإناء مكشوفاً ليس عليه غطاء بصق فيه إبليس، أو تفل فيه إبليس. قال منصور: فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: أو شرب منه (٢). ورواه ابن أبي شيبة عن محمد بن أبي جعفر، عن عبد الرحمن ابن يزيد، عن زادان قال: إذا بات إناء مكشوفاً تفل فيه إبليس، فذكرت ذلك لإبراهيم، فقال: أو شرب منه (٣).

стр. 3095

وفيه أن من أعمال الخبيث تقذير الطعام، والبصق فيه إيذاء لآكليه. ١٦٦ - ومنها: عَبُّ الماء في نَفَس واحد . وقد ورد أنه يورث الكُبَاد (١). وروى ابن أبي شيبة، والبيهقي عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: لا تشربوا نفسا واحداً؛ فإنه شرب الشيطان (٢). وروى البيهقي عن ابن شهاب - وهو الزهري رحمه الله تعالى - مرسلاً قال: نهى رسول الله ﷺ عن العب نفساً واحداً، وقال: "ذَلِكَ شُرْبُ الشَّيْطَانِ" (٣). ١٦٧ - ومنها: الشرب من ثُلمة القدح ومن ناحية أذنه . روى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ نهى عن الشرب من ثُلمة القدح، وأن ينفخ في الشراب (٤). وروى الطبراني بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى

стр. 3096

عنه قال: نهي أن يشرب من كسر القدح (١). وله بإسناد صحيح - أيضا - عن ابن عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم قالا: يكره أن يشرب من ثُلمة القدح، وأُذُنِ القدح (٢). قال ابن الحاج في "المدخل": وينبغي له أن لا يشرب من ناحية أُذن الكُوز لما ورد أن الشيطان يشرب منها، انتهى (٣). وذكر الشيخ شمس الدين العلقمي المصري - وهو أحد رفقاء الوالد وتلاميذه - في "حاشية الجامع الصغير" أنه ورد في الحديث أن موضع كسر القدح مقعد الشيطان، وهو من ايذاء الشيطان وملاعبه، انتهى. قلت: والذي رأيته في الحديث عن عمرو بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول ﷺ : "لا تَشْرَبُوا مِنَ الثُّلْمَةِ الَّتِيْ تَكُوْنُ فِيْ القدحِ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَشْرَبُ منْهَا". رواه أبو نعيم (٤).

стр. 3097

١٦٨ - ومنها: الشرب قائماً . روى الإمام أحمد - ورجاله ثقات - والبزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : أنه رأى رجلاً يشرب قائماً فقال له: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَشْرَبَ مَعَكَ الْهِرُّ؟ " قال: لا. قال: "فَإِنَّهُ قَدْ شَرِبَ مَعَكَ مَنْ هُوَ شَر مِنْهُ؛ الشَّيْطَانُ" (١). واعلم أن الشرب والشارب قائم ثبت عن النبي ﷺ فعله والنهي عنه؛ فالأول دليل الجواز، والثاني محمول على الكراهة كما حرره النو وي، وغيره (٢). وللحافظ أبي الفضل ابن حجر العسقلاني، ونرويه عن الوالد، عن مشايخه، عنه: [من المتقارب] إِذا رُمْتَ تَشْرَبْ فَاقْعُدْ تَفُزْ ... بِسُنَّةِ صَفْوَةِ أَهْلِ الْحِجازِ وَقَدْ صَحَّحُوا شُرْبَهُ قائِماً ... وَلَكِنَّهُ لِبَيانِ الْجَوازِ ١٦٩ - ومنها: إتيان البهائم؛ وهو من أخبث الحرام . روى الثعلبي في "العرائس" عن محمد بن إسحاق قال: بلغني أن إبليس تزوج الحية التي دخل في جوفها حين ظلم آدم على آدم السلام، فمنها ذريته.

стр. 3098

وقد قدمنا لك أن اللعين أخس من أن يكون له نكاح بعقد، ولا يتحقق العقد على الهامَّة والبهيمة، فأراد ابن إسحاق بتزوج إبليس بالحية اقترانه بها وانضيافه إليها. وقد تقدم الكلام على عداوة الحية لآدم ﵇. ١٧٠ - ومنها: استحباب كشف العورة . قال الله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ [الأعراف: ٢٠]. وإنما يستحب الشيطان كشف عورة ابن آدم لغير ضرورة؛ لأن الملائكة لا تحضر حيث تكشف العورات، كما تقدم. وروى ابن أبي شيبة عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فقال: إني نذرت أن أقوم على قعيقعان عريانا إلى الليل، فقال: أراد الشيطان أن يبدي عورتك، وأن يضحك الناس بك؛ البس ثيابك، وصلِّ عند الحِجْر ركعتين (١). ١٧١ - ومنها: استحباب أن يكون الإنسان ضُحَكَةً للناس يسخرون به؛ لأثر ابن عباس المذكور . وهذا من أخلاق الشياطين بلا شبهة؛ ألا ترى أن الأضحوكة يأثم بإضحاكه الناس، ويرتكب العظائم ليضحكهم، ومن يحضره ليضحك منه يقره على السخرية والغيبة، والرفث والمنكرات،

стр. 3099

وكل ذلك محبوب للشيطان ومطلوب له، وكل ذلك من إضلاله واستزلاله. والحاصل أن الضُّحَكَةَ والمجتمعين عليه للضحك كلهم متشبهون بالشياطين. وقد روى أبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي عن بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "وَيْلٌ لِلَّذِيْ يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضْحِكَ بِهِ الْقَوْمَ، وَيْلٌ لَهُ، وَيْلٌ لَهُ" (١). وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ لا يُرِيْدُ بِهَا بَأْسًا لِيُضْحِكَ بِهَا القَوْمَ، وإنَّهُ لَيَقَعُ بِهَا أَبْعَدَ مِنَ السَّمَاءِ" (٢). ١٧٢ - ومنها: الجماع بحضور أحد من الناس، وإفشاء أحد الزوجين سر الآخر . روى الطبراني بإسناد حسن، عن أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "عَسَى رَجُلٌ يُحَدِّثُ بِمَا يَكُوْنُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِهِ، أَوْ عَسَى امْرَأة تُحَدِّثُ بِمَا يَكُوْنُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ زَوْجِهَا، فَلا تَفْعَلُوا؛

стр. 3100

فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ مَثَلُ شَيْطَانٍ لَقِيَ شَيَطَانةً فِيْ ظَهْرِ الطَّرِيْقِ فَغَشِيَهَا وَالنَاسُ يَنْظُرُوْنَ" (١). أشار بذلك إلى أن من تحدث من الزوجين بما أسره الآخر إليه من الإفضاء ولوازمه كان كمن فعل ذلك بمحضر من الناس، وهو حرام، وذلك كله من أفعال الشياطين. ١٧٣ - ومنها: النظر إلى ما لا يحل له من امرأة أجنبية، أو غلام أمرد جميل، والفتنة به أشد من الفتنة بالمرأة، كما علمتَ . قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧]، ومن الآية يؤخذ أن نظره لعله من قبيل الاختلاس وخائنة الأعين، فمن أوهم أن لا يرى وهو ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه تشبَّه بالشيطان في خائنة الأعين. وروى الترمذي وصححه، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمَرأَةُ عَوْرَةٌ، فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ" (٢)؛ أي: نظرها وتراءى إليها؛ يقال: استشرف الشيء إذا رفع رأسه ينظر إليه، وبسط كفه فوق حاجبه كالمستظل من الشمس.

стр. 3101

١٧٤ - ومنها: حمل الإنسان على النظر الحرام . روى الحاكم وصححه، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "النَّظَرُ سَهْمٌ مَسْمُوْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيْسَ، مَنْ تَرَكَهُ خَوْفًا مِنَ اللهِ تَعَالَى، أَعْطَاهُ اللهُ إِيْمَاناً يَجِدُ حَلاوَتَهُ فِيْ قَلْبِهِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "البكاء" عن السُّدِّي قال: إن الشيطان أتى داود ﵇ في المحراب في صورة حمامة من ذهب لها جناحان من لؤلؤ حتى وقع على باب المحراب، فنظر إليها داود، فطارت حتى أشرف على تلك المرأة وهي في البستان تغتسل، فلما رأته أرخت شعرها فجللها، فسأل عنها، فأخبر أن زوجها غازٍ، فبعث داود ﵇ إلى أمير ذلك الجيش أن ابعث أوريا في وجه كذا، فبعثه ففتح عليه، فكتب: ابعثه إلى التابوت - وكان من بعثه إلى ذلك الوجه قتل ولم يرجع - فقتل؛ أي: فتزوج داود المرأة من بعده (٢). ١٧٥ - ومنها: كراهته لطول عمر ابن آدم لئلا يزداد خيراً دون من لا يزداد إلا شراً؛ فإنه يحب طول عمره محبة لمعصية الله تعالى، وحزنه إذا بلغ ابن آدم زمان الربيع وزمان بلوغ الثمار وجَدادها حسداً وبغياً . روى النسائي، وابن ماجه، وأبو يعلى، والحاكم وصححه، عن

стр. 3102

عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "كُلُوْا الْبَلَحَ بِالتَّمْرِ، كُلِ الْخَلِقَ بالْجَدِيْدِ؛ فَإنَّ الشَّيْطَانَ إِذَا رَآهُ غَضِبَ وَقَالَ: عَاشَ ابْنُ آدَمَ حَتَّى أَكَلَ الْخَلِقَ بِالْجَدِيْدِ" (١). ومقتضى حال الشيطان في الحديث عن النبي ﷺ : "خَيْرُ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ، وَشَرُّهُمْ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ" (٢) أن يكون الأول ممقوت الشيطان، والثاني محبوبه لأنه شبيه به، والشكل إلى الشكل أَمْيل، ولأنه لا يحب أن يكون بعده أحد بخير وإن تساوى هو والخلق في الشر. وهذا أيضا خلق شيطاني من تلبَّس به تخلق بأخلاق الشيطان؛ فافهم! ١٧٦ - ومنها: كراهية حصول الشهادة لابن آدم . قال الثعلبي في "العرائس": روي أن رجلاً كان يلعن إبليس في كل يوم مئة ألف لعنة، فبينما هو ذات يوم نائم تحت جدار إذ أتاه

стр. 3103

شخص فأيقظه، وقال: قم؛ فإن هذا الجدار يريد أن يسقط، فقام الرجل وإذا الجدار قد سقط، فقال الرجل: من أنت؟ قال: أنا إبليس. فقال الرجل: وكيف هذا وأنا ألعنك في كل يوم مئة ألف لعنة؟ قال إبليس: إنما عملت هذا لما علمت فيه من الأجر لأن محل الشهداء عند الله عظيم، فخشيت أن تكون منهم فتنال من الله ما ينالون. ١٧٧ - ومنها: الإشارة بالتداوي بالخمر والمحرمات . ذكر الثعلبي في "العرائس" أن إبليس عرض ذات يوم لرحمة زوجة أيوب ﵇ وهو في زي طبيب، فقال لها: يا أمة الله! ما يكون منك هذا المبتلى؟ قالت: بعلي. قال: أنا رجل حكيم قدمت إلى هذه البلاد، فلما رأيته عرفت داءه، ودواؤه عندي، وإني ماض في بعض أشغالي وأعود إليه، فمريه أن يشرب قدحا من الخمرة فإن فيه الشفاء، فأتت رحمة مسرعة إلى أيوب ﵇، وقالت له ذلك، فقال: ويلك! ذلك الشيطان أتاك ليفتنني عن ديني. وهذا لعله يدل على أن تحريم الخمر كان من شريعة أيوب، أو أن الأنبياء ﵈ وإن حلت في شريعة بعضهم كانت محرمة عليهم، أو كانوا يتنزهون عنها لأنها تخامر العقل فتحول بينهم وبين

стр. 3104

تلقي الوحي وتبليغه (١). روى مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه: أن سويد بن طارق - رضي الله تعالى عنه - سأل رسول الله ﷺ عن الخمر يجعل في الدواء، فقال: "إِنَّهَا دَاءٌ، وَلَيْسَتْ بِالدَّوَاءِ" (٢). وروى أبو داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الدَّاءَ وَالدَّوَاءَ، وَجَعَلَ لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاء؛ فَتَدَاوَوْا، وَلا تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ" (٣). وروى البخاري عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم (٤). ورواه الطبراني، وابن حبان عن أم سلمة ﵂ مرفوعا إلى النبي ﷺ (٥). وقالت عائشة: من تداوى بخمر فلا شفاه الله (٦).

стр. 3105

١٧٨ - ومنها: الإشارة بترك تغسيل الميت غير الشهيد في المعركة . قيل: لمَّا وُضع رسول الله ﷺ على المغتسل هتف بهم هاتف من وراء البيت: لا تغسلوا محمداً؛ فإنه طاهر مطهر. قال علي رضي الله تعالى عنه: فوقع في قلبي من ذلك شيء، فقلت: ويلك! من أنت؟ فإن النبي ﷺ أمرنا أن نغسله، وهذه سنة. وإذا بهاتف آخر يهتف بأعلى صوته: غسلوه؛ فإن الهاتف الأول كان إبليس، حسد محمد ﷺ أن يدخل قبره مغسلاً. قيل له: فمن أنت؟ قال: أنا الخضر. نقله الثعلبي في "العرائس". ١٧٩ - ومنها: الرغبة في سكنى بلاد الأشرار، ومحال الفتن، والفرار من مساكن الأخيار، ومحالِّ إقامة السنن وظهور شعائر الإسلام، وحفظ حرمات الملك العلاَّم . روى البخاري عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيْ شَامِنَا، اللَّهُمَّ بَارِكْ لَنَا فِيْ يَمَنِنَا - قالها مِراراً -"، فلمَّا كان في الثَّالثة أو الرَّابعة قالوا: يا رسول الله! وفي عراقنا (١)؟ قال: "بِهَا الزَّلازِلُ وَالفِتَنُ، وَبِهَا يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّيْطَانِ" (٢).

стр. 3106

وروى الطبراني - قال صاحب "مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام": وإسناده قوي - أن النبي ﷺ قال: "دَخَلَ إِبْلِيْسُ الْعِرَاقَ فَقَضَى فِيْهِ حَاجَتَهُ، ثُمَّ دَخَلَ الشَّامَ فَطَرَدُوْهُ، ثُمَّ دَخَلَ مِصْرَ فَبَاضَ فِيْهَا وَفَرَّخَ وَبَسَطَ عَبْقَرِيَّتَهُ" (١)؛ أي: بساطه. وروى الإمام أبو عثمان الصابوني - وذكره عنه ابن رجب في "لطائفه" - أن رجلاً كان أسيراً ببلاد الروم فهرب من بعض الحصون، فقال: كنت أسير بالليل وأكمن بالنهار، فبينا أنا ذات ليلة أمشي بين جبال وأشجار فراعني ذلك، فإذا راكب بعير فازددت رعباً، وذاك أنه لا يكون ببلاد الروم بعير، فقلت: سبحان الله! في بلاد الروم راكب بعير، إنَّ هذا لعجب، فلما انتهى إليَّ قلت: يا عبد الله! من أنت؟ قال: لا تسأل. فآليت عليه، فقال: هو إبليس، وهذا وجهي من عرفات، وافقتهم عشية اليوم، اطلع الله عليهم فنزلت عليهم الرحمة ووهب بعضهم لبعض، فدخلني الهم والحزن والكآبة، وهذا وجهي إلى قسطنطينية، أفرح بها، أسمع الشرك بالله والادعاء أنَّ لله ولداً. فقلت: أعوذ بالله منك، فلما قلت هذه الكلمات لم أر أحداً.

стр. 3107

واعلم أن الشياطين لا تتقيد بمكان دون مكان، ولا ببلد دون بلد، بل هي حيث ترى بُغيتها من إضلال العباد، وربما قصدت الأماكن الخالية والمحال المنقطعة رجاء أن تظفر بآدمي تضله أو تؤذيه، ومهما أيست من موضع لعمارته بذكر أو طاعة فربما تحولت منه إلى غيره من محال الفتن وأماكن الشرور رغبة في تحصيل ما ترجوه من الخلق. أمَّا استقرار الشيطان وذريته فروى ابن أبي حاتم، والحاكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الأَرَضِينَ بَيْنَ كُلِّ أَرْضٍ وَالَّتِيْ تَلِيْهَا خَمْسُ مِئَةِ عَامٍ، فَالْعُليَا مِنْهَا عَلَى ظَهْرِ حُوْتٍ قَدْ الْتَقَى طَرَفَاهُ فِي السَّمَاءِ، وَالْحُوْتُ عَلَى صَخْرَةٍ، وَالصَّخْرَةُ بِيَدِ الْمَلَكِ، وَالثَّانِيَةُ مَسجَنُ الرِّيْحِ، وَالثَّالِثَةُ فِيْهَا حِجَارَةُ جَهَنَّمَ، وَالرَّابِعَةُ فِيْهَا كِبْرِيتُ جَهَنَّمَ، وَالْخَامِسَةُ فِيْهَا حَيَّاتُ جَهَنَّمَ، وَالسَّادِسَةُ فِيْهَا عَقَارِبُ جَهَنَّمَ، وَالسَّابِعَةُ فِيْهَا سَقَرٌ، وَفِيْهَا إِبْلِيْسُ مُصَفَّدٌ بِالْحَدِيْدِ يَدٌ أَمَامَهُ وَيَدٌ خَلْفَهُ، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُسَلِّطَهُ لِمَا شَاءَ أَطْلَقَهُ" (١). وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد ﵁ أن رسول الله ﷺ : قال لابن صياد: "ما تَرى؟ " قال: أرى عرشا على البحر وحوله الحيات.

стр. 3108

فقال رسول الله ﷺ ﷺ : "رَأَى عَرْشَ إِبْلِيْسَ" (١). وروى ابن أبي الدنيا عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : "عَرْشُ الشَّيْطَانِ عَلَى الْبَحْرِ وَيبْعَثُ سَرَايَاهُ؟ فَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ أَعْظَمُهُمْ فِتْنَةً" (٢). وروى الطبراني بإسناد جيد، عن أبي ريحانة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ إِبْلِيْسَ يَضَعُ عَرْشَهُ عَلَى الْبَحْرِ فَيتَشَبَّهُ بِاللهِ ، وَدُوْنه الْحُجُبُ، فَيَنْدِبُ جُنُوْدَهُ فَيَقُوْلُ: مَنْ لِفُلانٍ الآدَمِيِّ؟ فَيقُوْمُ اثْنَانِ فَيقُوْلُ: قد أَجَّلْتُكُمَا سَنَةً، فَإِنْ أَغْويتُمَاهُ وَضعْتُ عَنْكُمَا الْبَعْثَ، وإِلاَّ صَلَّبْتكُمَا". قال: فكان يقال لأبي ريحانة: لقد صلب فيك كثير (٣). وقال الشيخ عبد القادر الكيلاني رحمه الله تعالى: اشتد علي الحر في بعض أسفاري يوما حتى كدت أن أموت عطشًا، فأظلتني سحابة سوداء، وهبَّ عليَّ منها هواء بارد حتى دار ريقي في فمي، وإذا بصوت يناديني منها: يا عبد القادر! أنا ربك، وقد أحللت لك ما حرمت عليك. قال: فقلت له: كذبت، بل أنت الشيطان.

стр. 3109

قال: فتمزقت تلك السحابة، وسمعت من ورائي قائلاً يقول: يا عبد القادر! نجوت مني بفقهك في دينك، لقد فَتنتُ بهذه الحيلة قبلك سبعين رجلاً. وقيل للشيخ عبد القادر: كيف عرفت أنه الشيطان؟ قال: لما قال لي: أحللت لك، عرفته؛ لأنه بعد رسول الله ﷺ لا تحليل ولا تحريم. ١٨٠ - ومن أخلاق الشيطان: الجبن والوهن . روى البيهقي في "سننه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "تَحْرِيْكُ الأُصْبُعِ فِيْ الصَّلاةِ مَذْعَرَة لِلشَّيْطَانِ" (١). ومن هنا سمي خناساً من: خنس عنه، يخنِس، ويخنُس، خنساً وخنوساً: إذا تأخر كانخنس، وذلك إذا ذكر الله العبد انخنس عن القلب جبناً وفزعاً من الذكر، فإذا ترك العبد الذكر التقم قلبه الشيطانُ. ١٨١ - ومنها: الغباوة، وطلب ما لا يمكن حصوله، والإلقاء باليد إلى التهلكة من غير فائدة معتبرة . روى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: والذي نفسي بيده ما طلعت شمس قط حتى ينخسها سبعون ألف ملك، فيقولون لها: اطلعي اطلعي، فتقول: لا أطلع على قوم يعبدوني من دون الله،

стр. 3110

فيأتيها ملك وتستقل لضياء بني آدم، فيأتيها الشيطان يريد أن يصدها عن الطلوع فتطلع بين قرنيه، فيحرقه الله تحتها، وذلك قول رسول الله ﷺ : "مَا طَلَعَتْ إِلاَّ بَيْنَ قَرْني شَيْطَانٍ" (١). وَمَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ قَط إِلاَّ خَرَّتْ للهِ سَاجِدَةً، فَيَأْتِيْهَا شَيْطَان يُرِيْدُ أَنْ يَصُدَّهَا عَنِ السُّجُوْدِ، فتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنيهِ، فَيُحْرِقُهُ اللهُ تَحْتَهَا، وذلك قول رسول الله ﷺ : "وَلا غَرَبَتْ إِلاَّ بَيْنَ قَرْني شَيْطَانٍ" (٢). ١٨٢ - ومنها: أن يُسترضى فلا يرضى لما علمت سابقاً أنه رأس اللؤماء والخبثاء . قال الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه: من استرضي فلم يرض فهو شيطان، ومن استغضب ولم يغضب فهو حمار (٣). ١٨٣ - ومنها: أن يستغضب فلا يغضب لا كرماً ولا حلماً، ولكن وقاحة أو بَلادة . روى أبو نعيم عن الأوزاعي قال: حدثني حسان - يعني: ابن

стр. 3111

عطية - قال: إن العبد إذا لعن الشيطان ضحك، فقال: إنَّك تلعن ملعَّناً، وإنما يُخذل إن تُعُوِّذ بالله منه (١). ١٨٤ - ومنها: اعتقاد أن له حولاً وقوة . روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والطبراني، وصححه الحاكم وغيره، عن أبي المليح بن سلامة، عن أبيه قال: كنت رديف رسول الله ﷺ ، فعتر بعيرنا، فقلت: تعس الشيطان. فقال رسول الله ﷺ . "لا تَقُلْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ؛ فَإِنَّهُ يَعْظُمُ حَتَّى يَصِيْرَ مِثْلَ الْبَيْتِ، وَيقُوْلُ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ، وَلَكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللهِ؛ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَصِيْرَ مِثْلَ الذِّبَابِ" (٢). ١٨٥ - ومنها: الإصرار على المعصية، كما تقدمت الإشارة إليه أول الباب .

стр. 3112

روى ابن أبي الدنيا: أن إبليس قال: يا رب! أعفني من السجود لآدم أعبدْك عبادة ما عبدكها أحد من خلقك. فقال الله تعالى: إنما أطاع من حيث عصيت. وقد قدمنا عن حجة الإسلام أنه ذكر أثراً: أنَّ إبليس استشفع بموسى ﵇ أن يتوب، فدعا موسى ربه، فقال الله تعالى له: قد قضيت حاجتك؛ فليسجد لقبر آدم على آدم السلام. فلمَّا قال ذلك لإبليس استكبر وغضب، وقال: أنا لم أسجد له حياً، أأسجد له ميتاً؟ رواه ابن أبي الدنيا بلفظه المتقدم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (١). وروى ابن أبي الدنيا في "المكائد" أيضاً عن أبي العالية رحمه الله تعالى قال: لما رست السفينة رأى نوح ﵇ إبليس على الكوثل، فقال نوح ﵇: أهلكت الناس غرقوا من أجلك. قال: فما تأمرني؟ قال: تتوب. قال: وهل لي من توبة؟ ادع ربك. قال: فدعا نوح ﵇ ربه، فأوحى الله تعالى إليه أن توبته أن يسجد لقبر آدم.

стр. 3113

فقال له نوح ﵇: قد جعلت لك توبة. قال: وما هي؟ قال: تسجد لقبر آدم. قال: أنا لم أسجد له حياً، فكيف أسجد له ميتاً؟ (١) وروى ابن المنذر في "تفسيره" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن نوحاً لما ركب السفينة أتاه إبليس، فقال له نوح ﵇: من أنت؟ قال: أنا إبليس. قال: فما جاء بك؟ قال: جئت لتسأل لي ربي هل لي من توبة؟ فأوحى الله تعالى إليه أن توبته أن يأتي قبر آدم ﵇، فيسجد له. قال: أنا لم أسجد له حياً، أسجد له ميتاً؟ قال: فاستكبر، وكان من الكافرين (٢). ١٨٦ - ومنها: القعود على طريق المخلصين ليمنعهم من الإخلاص . وبه فسر قوله تعالى: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ [الأعراف: ١٦]

стр. 3114

وعباد الله متى صدقوا في الإخلاص، ورسخوا في مقامه تسوَّروا منه بسُوره المشار إليه بقوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ [الحجر: ٤٠]، وقُرِئَ بكسر اللام وفتحها (١)، فمن استخلصه الله تعالى من يدي عدوه الشيطان بإقراره في مقام الإخلاص فقد نجا من الشيطان. واعلم أنه لا يهتم بإضلال أحد ما يهتم بإضلال من توجَّه إلى جهة الإخلاص. قال الإمام أبو طالب المكي في "قوت القلوب": وقد حدثونا في الإسرائيليات: أن عابداً كان يعبد الله ﵎ دهراً طويلاً، فجاءه قوم فقالوا: إنَّ هاهنا قوما يعبدون شجرة من دون الله تعالى، فغضب لذلك، فأخذ فأسه على عاتقه وقصد الشجرة ليقطعها، فاستقبله إبليس في صورة شيخ، فقال: أين تريد رحمك الله تعالى؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله تعالى. قال: وما أنت وذاك؟ تركت عبادتك والاشتغال بنفسك، وتفرغت لغير ذلك؟ فقال: إنَّ هذا من عبادتي. قال: فإني لا أتركك تقطعها. قال: فقاتله، فأخذه العابد فطرحه إلى الأرض، وقعد إلى صدره.

стр. 3115

فقال له إبليس: أفلتني حتى أكلمك. فقام عنه، فقال له إبليس: يا هذا! إن الله ﵎ قد أسقط عنك هذا ولم يفرضه عليك، أنبيٌّ أنت؟ قال: لا. قال: فلا عليك بمن كان يعبدها، فلو اشتغلت بعبادتك وتركتها، فإن لله في أرضه أنبياء لو شاء لبعثهم إلى أهلها وأمرهم بقطعها. قال العابد: لا بد لي من قطعها. قال: فنابذه إبليس القتال، فغلبه العابد، فأخذه وصرعه، وقعد على صدره. فلمَّا رأى إبليس أنه لا طاقة له به ولا سلطان له عليه قال: يا هذا! هل لك في أمر هو خير لك وأنفع من هذا الأمر التي جئت بطلبه؟ قال: وما هو؟ قال: أنت رجل فقير لا شيء لك، إنما أنت كَلٌّ على الناس. قال: نعم. قال: فارجع عن هذا الأمر ولك والله عليَّ أن أجعل عند رأسك في كل ليلة دينارين، إذا أصبحت أخذتهما وصنعت بهما ما شئت، وأنفقت على نفسك وعيالك، وتصدقت على إخوانك، فيكون ذلك أفضل وأنفع للمسلمين من قطع الشجرة التي يغرس مكانها، ولا يضرهم قطعها شيئاً، ولا ينفع إخوانك المؤمنين قطْعك لها.

стр. 3116

قال: فتفكر العابد فيما قال له، فقال: صدق الشيخ، لست بنبي فيلزمني قطع هذه الشجرة، ولا أمرني الله تعالى أن أقطعها فأكون قد عصيت بتركها، وماذا يضر الموحِّدين من عبادتها، وهذا الذي ذكره أكثر منفعة. قال: فعاهده على الوفاء بذلك، فحلف له، ورجع العابد إلى متعبده فبات، فلما أصبح رأى دينارين عند رأسه، وكذلك رأى في الغد، ثم أصبح في اليوم الثالث وما بعده ولم ير عند رأسه، فغضب، فأخذ الفأس على عاتقه وقصد الشجرة، فاستقبله إبليس في صورة الشيخ، فقال له: إلى أين؟ قال: أقطع تلك الشجرة. قال: ما أنت بقادر على ذلك. فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة، فقال إبليس: هيهات! فأخذه وصرعه، فإذا هو كالعصفور بين رجليه، وقعد إبليس على صدره، وقال: لتنتهين عن قطع هذه الشجرة أو لأذبحنك، فنظر العابد فإذا لا طاقة له به، فقال: يا هذا! غلبتني فخلِّ عني، وأخبرني بأمرك. قال: إنك غلبتني أول مرة لأنك غضبت لله فلم أقدر عليك، وهذه المرة غضبت لنفسك فصرعتك (١). ١٨٧ - قلت: وفي هذا الأمر إشارة إلى أن من أعمال الشيطان الرجيم: الرشوة على منع الحق ، وهي تُعْوِرُ عينَ الحكيم، وتطمس

стр. 3117

قلب العليم، وهي من أشد ما يحيل القلوب ويحولها عن الحق، وقد فشا الرشا الآن في الناس فأعمتهم عن الحق، وقرت لهم عين الشيطان؛ لا أقر الله عينه ولا أعين الراشين والمرتشين. وليكن هذا آخر ما نذكره من أخلاق الشيطان. واعلم أن مقصود الشيطان من كل أحد أن يكون شيطاناً مثله ليكون معه في النار كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. فأول ما يهون عليه صغائر الذنوب ومحقرها عنده، ويصغر عقابها في رأيه حتى يرتكبها، ثم يوسوس إليه بالتأويلات في ارتكابها مرة بعد أخرى حتى يُصِرَّ، ثم يستدرجه إلى ارتكاب الكبائر حتى ينزع عنه ثوب الحياء، ثم يلقي القسوة في قلبه حتى يكون صَلداً جُلموداً، ثم شيطاناً مَريداً. كما روى الإمام الحافظ أبو القاسم زاهر بن طاهر في "خماسياته"، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ مَا يَنْزِعُ اللهُ تَعالَى مِنَ الْعَبْدِ الْحَيَاءُ، فَيَصِيْرُ مَقَّاتاً مُمقتًا، ثُمَّ يَنْزِعُ مِنْهُ الأَمَانة فَيَصِيْرُ خَائِنًا مخوناً، ثُمَّ يَنْزِعُ مِنْهُ الرَّحْمَةَ فَيَصِيْرُ فَظًّا غَلِيْظًا، وَيخْلَعُ دِيْنَ الإِسْلامِ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ فَيَصِيْرُ شَيْطَاناً مَرِيْدًا، لَعِيْنا مَلْعُوْنًا مُلَعَّناً" (١).

стр. 3118

واعلم أن الصادق المصدوق رسول الله ﷺ قد أخبر أن من أمارات الساعة أن ينزع من الناس الخشوع والحياء والأمانة، وأخبر في هذا الحديث أن انتزاع هذه الأخلاق الكريمة من المرء تزيد الشيطنة والتمرد، فإذا نزعت هذه الأمور من الناس فإن أمرهم يؤول إلى أن يكونوا شياطين لتقوم عليهم الساعة؛ فمن الشياطين هم شرار الخلق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق. وقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَجِيْءُ أَقْوَامٌ فِيْ آخِرِ الزَّمَانِ وُجُوْهُهُمْ وُجُوْهُ الآدَمِيِّيْنَ، وَقُلُوْبُهُمْ قُلُوْبُ الشيَاطِيْنِ، لا يَنْزِعُوْنَ عَنْ قَبِيْحِ؛ إِنْ تَابَعْتَهُمْ وارَبوْكَ، وإِنْ تَوَاريتَ عَنْهُمُ اغْتابُوْكَ، وإنْ حَدَّثُوْكَ كَذبُوْكَ، وإِنِ ائتمَنْتَهُمْ خَانُوْكَ، صَبِئهُمْ عَارِمٌ، وَشَابُّهُمْ شَاطِرٌ، وَشَيْخُهُمْ لا يَأْمُرُ بِمَعْرُوْفٍ وَلا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، الاعْتِزَازُ بِهِمْ ذُلٌّ، وَطَلَبُ مَا فِيْ أَيْدِيْهِمْ فَقْرٌ، الْحَكِيْمُ فِيْهِمْ حَيْرَانُ، وَالآمِرُ فِيْهِمْ بِالْمَعْرُوْفِ مُتَّهَم، وَالْمُؤْمِنُ فِيْهِمْ مُسْتَضْعَفٌ، وَالْفَاسِقُ فِيْهِمْ مُشَرَّفٌ، السُّنَّةُ فِيْهِمْ بِدْعَة، وَالْبِدْعَةُ فيْهِمْ سُنَّة، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُسَلِّطُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ، وَيَدْعُو خِيَارُهُم فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ" (١). وقوله: "إِنْ تابَعْتَهُمْ واربوكَ" - بالراء، والموحدة -: من المواربة، وهي المداهاة والمحاتلة والتوريب.

стр. 3119

وقد يراد بالمواربة معناه: أن توري عن الشيء بالمعارضات المباحات. والعارم: من عرم الصبي علينا: أشر، أو: مرح، أو: بطر، أو: فسد. والشاطر: الذي أعيى أهله خبثاً، وقد شَطرَ - كنَصَر وكَرُمَ - شطارةً فيهما. وأخرج الأصبهاني هذا الحديث في "الترغيب"، ولفظه: "يَكُوْنُ فِيْ آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَكْثَرُ وُجُوْهِهِمْ وُجُوْهُ الآدَمِيِّينَ، وَقُلُوْبُهُمْ قُلُوْبُ الشَّيَاطِيْنِ، أَمْثَالُ الذِّئَابِ الضَّوَارِي، لَيْسَ فِي قُلُوْبِهِم شَيْءٌ مِنَ الرَّحْمَةِ، سَفَّاكِيْنَ لِلدِّمَاءِ، لا يَرْعَوُنَّ عَنْ قَبِيْحٍ، إِنْ تَابَعْتَهُمْ وارَبُوْكَ، وإِنْ تَوَاريتَ عَنْهُمُ اغْتَابُوْكَ، وإِنْ حَدَّثُوْكَ كَذَبُوْكَ، وإِنِ ائتمَنْتَهُمْ خَانُوْكَ، صَبِيُّهُمْ عَارِمٌ، وَشَابُّهُمْ شَاطِرٌ، وَشَيْخُهُمْ لا يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوْفِ وَلا يَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، الاعْتِزَازُ بِهِمْ ذُلٌّ، وَطَلَبُ مَا فِيْ أَيْدِيْهِمْ فَقْرٌ، الْحَكِيْمُ فِيْهِمْ غَاوٍ، وَالآمِرُ فِيْهِمْ بِالْمَعْرُوْفِ مُتَّهَمٌ، وَالْمُؤْمِنُ فِيْهِمْ مُسْتَضْعَفٌ، وَالسُّنَّةُ فِيْهِمْ بِدْعَةٌ، وَالْبِدْعَةُ فِيْهِمْ سُنَّة، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُسَلِّطُ اللهُ عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ، فَيَدْعُو خِيَارُهُمْ فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ". وأخرجه الخطيب بنحوه من حديث ابن عباس، وقال: "وذُو الأَمْرِ فِيْهِمْ غَاوٍ" موضعَ قوله: "الْحَكِيْمُ فِيْهِمْ غَاوٍ" (١). والغاوي: الضال، أو الشيطان؛ ففي "القاموس": ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]؛ أي: الشياطين (٢).

стр. 3120

وهذا التفسير أخرجه المفسرون عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ومجاهد (١). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَتَكُونُ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي صُوْرَةِ إِنسان". قال حذيفة: كيف أصنع إن أدركني ذلك؟ قال: "اسْمَعْ لِلأَمِيْرِ الأَعْظَمِ وإنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ" (٢). وروى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تُشَارِكُهُمُ الشَّيَاطِيْنُ فِيْ أَوْلادِهِمْ". قيل: وكائنٌ ذلك يا رسول الله ﷺ ؟ قال: "نعمْ". قالوا: وكيف نعرف أولادنا من أولادهم؟ قال: "بِقِلَّةِ الْحَيَاءِ وَقِلَّةِ الرَّحْمَةِ" (٣).
следующие страницы →