قال: فتفكر العابد فيما قال له، فقال: صدق الشيخ، لست بنبي فيلزمني قطع هذه الشجرة، ولا أمرني الله تعالى أن أقطعها فأكون قد عصيت بتركها، وماذا يضر الموحِّدين من عبادتها، وهذا الذي ذكره أكثر منفعة.
قال: فعاهده على الوفاء بذلك، فحلف له، ورجع العابد إلى متعبده فبات، فلما أصبح رأى دينارين عند رأسه، وكذلك رأى في الغد، ثم أصبح في اليوم الثالث وما بعده ولم ير عند رأسه، فغضب، فأخذ الفأس على عاتقه وقصد الشجرة، فاستقبله إبليس في صورة الشيخ، فقال له: إلى أين؟
قال: أقطع تلك الشجرة.
قال: ما أنت بقادر على ذلك.
فتناوله العابد ليفعل به كما فعل أول مرة، فقال إبليس: هيهات! فأخذه وصرعه، فإذا هو كالعصفور بين رجليه، وقعد إبليس على صدره، وقال: لتنتهين عن قطع هذه الشجرة أو لأذبحنك، فنظر العابد فإذا لا طاقة له به، فقال: يا هذا! غلبتني فخلِّ عني، وأخبرني بأمرك.
قال: إنك غلبتني أول مرة لأنك غضبت لله فلم أقدر عليك، وهذه المرة غضبت لنفسك فصرعتك (١).
١٨٧ - قلت: وفي هذا الأمر إشارة إلى أن من أعمال الشيطان الرجيم: الرشوة على منع الحق ، وهي تُعْوِرُ عينَ الحكيم، وتطمس
стр. 3117
قلب العليم، وهي من أشد ما يحيل القلوب ويحولها عن الحق، وقد فشا الرشا الآن في الناس فأعمتهم عن الحق، وقرت لهم عين الشيطان؛ لا أقر الله عينه ولا أعين الراشين والمرتشين.
وليكن هذا آخر ما نذكره من أخلاق الشيطان.
واعلم أن مقصود الشيطان من كل أحد أن يكون شيطاناً مثله ليكون معه في النار كما قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦].
فأول ما يهون عليه صغائر الذنوب ومحقرها عنده، ويصغر عقابها في رأيه حتى يرتكبها، ثم يوسوس إليه بالتأويلات في ارتكابها مرة بعد أخرى حتى يُصِرَّ، ثم يستدرجه إلى ارتكاب الكبائر حتى ينزع عنه ثوب الحياء، ثم يلقي القسوة في قلبه حتى يكون صَلداً جُلموداً، ثم شيطاناً مَريداً.
كما روى الإمام الحافظ أبو القاسم زاهر بن طاهر في "خماسياته"، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ مَا يَنْزِعُ اللهُ تَعالَى مِنَ الْعَبْدِ الْحَيَاءُ، فَيَصِيْرُ مَقَّاتاً مُمقتًا، ثُمَّ يَنْزِعُ مِنْهُ الأَمَانة فَيَصِيْرُ خَائِنًا مخوناً، ثُمَّ يَنْزِعُ مِنْهُ الرَّحْمَةَ فَيَصِيْرُ فَظًّا غَلِيْظًا، وَيخْلَعُ دِيْنَ الإِسْلامِ مِنْ بَيْنِ عَيْنَيْهِ فَيَصِيْرُ شَيْطَاناً مَرِيْدًا، لَعِيْنا مَلْعُوْنًا مُلَعَّناً" (١).
стр. 3118
واعلم أن الصادق المصدوق رسول الله ﷺ قد أخبر أن من أمارات الساعة أن ينزع من الناس الخشوع والحياء والأمانة، وأخبر في هذا الحديث أن انتزاع هذه الأخلاق الكريمة من المرء تزيد الشيطنة والتمرد، فإذا نزعت هذه الأمور من الناس فإن أمرهم يؤول إلى أن يكونوا شياطين لتقوم عليهم الساعة؛ فمن الشياطين هم شرار الخلق، ولا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق.
وقد روى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَجِيْءُ أَقْوَامٌ فِيْ آخِرِ الزَّمَانِ وُجُوْهُهُمْ وُجُوْهُ الآدَمِيِّيْنَ، وَقُلُوْبُهُمْ قُلُوْبُ الشيَاطِيْنِ، لا يَنْزِعُوْنَ عَنْ قَبِيْحِ؛ إِنْ تَابَعْتَهُمْ وارَبوْكَ، وإِنْ تَوَاريتَ عَنْهُمُ اغْتابُوْكَ، وإنْ حَدَّثُوْكَ كَذبُوْكَ، وإِنِ ائتمَنْتَهُمْ خَانُوْكَ، صَبِئهُمْ عَارِمٌ، وَشَابُّهُمْ شَاطِرٌ، وَشَيْخُهُمْ لا يَأْمُرُ بِمَعْرُوْفٍ وَلا يَنْهَى عَنْ مُنْكَرٍ، الاعْتِزَازُ بِهِمْ ذُلٌّ، وَطَلَبُ مَا فِيْ أَيْدِيْهِمْ فَقْرٌ، الْحَكِيْمُ فِيْهِمْ حَيْرَانُ، وَالآمِرُ فِيْهِمْ بِالْمَعْرُوْفِ مُتَّهَم، وَالْمُؤْمِنُ فِيْهِمْ مُسْتَضْعَفٌ، وَالْفَاسِقُ فِيْهِمْ مُشَرَّفٌ، السُّنَّةُ فِيْهِمْ بِدْعَة، وَالْبِدْعَةُ فيْهِمْ سُنَّة، فَعِنْدَ ذَلِكَ يُسَلِّطُ اللهُ تَعَالَى عَلَيْهِمْ شِرَارَهُمْ، وَيَدْعُو خِيَارُهُم فَلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ" (١).
وقوله: "إِنْ تابَعْتَهُمْ واربوكَ" - بالراء، والموحدة -: من المواربة، وهي المداهاة والمحاتلة والتوريب.
وهذا التفسير أخرجه المفسرون عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة، ومجاهد (١).
وروى ابن سعد في "طبقاته" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "سَتَكُونُ أَئِمَّةٌ لَا يَهْتَدُونَ بِهَدْيِي، وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي، وَسَتَكُونُ رِجَالٌ قُلُوبُهُمْ قُلُوبُ الشَّيَاطِينِ فِي صُوْرَةِ إِنسان".
قال حذيفة: كيف أصنع إن أدركني ذلك؟
قال: "اسْمَعْ لِلأَمِيْرِ الأَعْظَمِ وإنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ" (٢).
وروى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تُشَارِكُهُمُ الشَّيَاطِيْنُ فِيْ أَوْلادِهِمْ".
قيل: وكائنٌ ذلك يا رسول الله ﷺ ؟
قال: "نعمْ".
قالوا: وكيف نعرف أولادنا من أولادهم؟
قال: "بِقِلَّةِ الْحَيَاءِ وَقِلَّةِ الرَّحْمَةِ" (٣).
стр. 3121
فَصْلٌ
واعلم أنه لا سبيل للشيطان عليك إلا من قبل نفسك وهواك، فمهما لم تَتْبع هوى نفسك أنقذك الله من الشيطان.
ومن ثم قال مالك بن دينار: مَنْ غَلَب شهوات نفسه فذلك يَفْرَقُ الشيطان من ظله؛ كما رواه ابن الجوزي في كتاب "ذم الهوى" (١).
ومهما اتبعت هواك أخذك الشيطان بنفسك ودخل عليك بك.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
ولا شك أنَّ من ضلَّ عن سبيل الله وقع في أحد طرق الشيطان، كما بيَّناه لك فيما تقدم.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: ٥٠].
ومن ثم قال بعض العارفين: شيطانك نفسك؛ فإذا أفنيتها فلا
стр. 3122
شيطان لك، أو لا مدخل للشيطان عليك إلا بها.
وصدقَ؛ فإن الشيطان لو كان له مدخل على الإنسان من غير جهة نفسه لم يضره دخوله؛ لأن العبد لا يؤاخذ بذنب غيره ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]، ولذلك قال الله تعالى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]، ولم يقل: منك وممن أغويت؛ إشارة إلى أنَّ استحقاقهم للعذاب إنما هو سبب اتباعهم للشيطان واقترافهم للعصيان، لا بسبب الإغواء، بدليل أنه لو تجرد الإغواء عن التبعية منهم فإنه لا يضرهم، ولذلك يقول لهم يوم القيامة: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [إبراهيم: ٢٢].
روى ابن المبارك في "الزهد والرقائق"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والطبراني، وغيرهم بسند ضعيف، عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - في حديث الشفاعة: أن الكفار يقولون يوم القيامة: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فمن يشفع لنا؟
فيقولون: ما هو غير إبليس هو الذي أضلنا، فيأتونه فيقولون: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم فقم أنت فاشفع لنا؛ فإنك قد أضللتنا.
فيقوم، فيثور من مجلسه أنتن من ريحٍ شمَّها أحدٌ، ويقول عند ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ﴾
стр. 3123
الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٢٢]. (١).
وروى ابن المبارك في "رقائقه" عن يزيد بن قسيط رحمه الله تعالى قال: كانت الأنبياء يكون لهم مساجد خارجة من قراهم، فإذا أراد أحدهم شيئاً خرج فصلى في مسجده ما كتب الله له، ثم يسأل ما بدا له، فبينا نبي في مسجده إذ جاء عدو الله حتى جلس بينه وبين القبلة، فقال النبي ﷺ : أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؛ فكان ذلك ثلاث مرات.
فقال له عدو الله: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟
فقال له النبي ﵇: أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟
فأخذ كل منهما على صاحبه، فقال النبي ﷺ ﵇: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
قال عدو الله: لقد سمعت هذا قبل أن تولد.
قال النبي: يقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]؛ فإني والله ما أحسست بك قط إلا استعذت بالله منك.
قال عدو الله: صدقت بهذا تنجو مني.
قال النبي ﷺ : فأخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم؟
стр. 3124
قال: آخذه عند الغضب، وعند الهوى (١).
واعلم أن الإنسان مهما كان عقله حاكمًا على مدينة إنسانيته، مَلَكَ نفسه عند الغضب والهوى فنجا من الشيطان، وإلا فإن استرسل به غضبه وتابع هواه تابع شيطانه - شاء ذلك أم كره - فمخالفة الشيطان لا تتم إلا بمخالفة النفس، ومهما خالفت النفس فقد خالفت الشيطان، ولذلك قدم البوصيري الأمر بمخالفة النفس على الأمر بمخالفة الشيطان في قوله: [من البسيط]
وَخالِفِ النَّفْسَ وَالشَّيْطانَ وَاعْصِهِما ... وإِنْ هُما مَحَّضاكَ النُّصْحَ فَاتَّهِمِ
وَلا تُطِعْ مِنْهُما خَصْمًا وَلا حَكَماً ... فَأَنْتَ تَعْرِفُ كَيْدَ الْخَصْمِ وَالْحَكَمِ
وأنشد حجة الإسلام الغزالي في "منهاج العابدين": [من البسيط]
إِيَّاكَ نَفْسَكَ لا تَأْمَنْ غَوائِلَها ... فَالنَّفْسُ أَخْبَثُ مِنْ سَبْعِيْنَ شَيْطانا
واعلم أنَّ النفس لا تكون نفسًا مذمومة إلا باتباع الهوى، فبه تكون أمَّارة بالسوء، ومسؤولة، ومطوعة.
وإنما أطلق جماعةٌ من العلماء والعارفون من الصوفية في مقام
стр. 3125
الذم والتحذير منها على الموصوفة بذلك، وما زال الصالحون على اتهام نفوسهم لهذه الأوصاف، وإنما كان الغالب عليهم الخير؛ لئلا يستحسنوا من أوصافها شيئاً فتميل إليه فتعبد نفسها من دون الله تعالى.
وقد تكلمنا على النفس والتحذير منها في "منبر التوحيد" ما ليس عليه مزيد.
وقد أحببت أن أورد في هذا المقام قصيدة حافلة رأيتها بخط بعض العلماء منسوبة إلى الإمام الغزالي حجة الإسلام رضي الله تعالى عنه، وهي غريبة في هذا الباب هي: [من المنسرح]
مَا بَال نَفسِي تُطيلُ شَكواها ... إِلَى الورى وَهِي ترتجي الله
تعُدُّ إصلاحها شِكايتَها ... ذَاك الَّذِي رَابَها وَأَرداها
لَو أَنَّهَا من مليكها اقْتَرَبت ... وَأَخْلَصتْ وِدَّها لأدْناها
لَكِنَّهَا آثرت بريَّتَه ... عَلَيْهِ جهلًا بِهِ فَأَقصاها
أَفقَرَها لِلوَرَى وَلَو لَجَأَت ... إلَيهِ مِن دُونهم لأَغناها
لَو فَوَّضت أمرهَا لِخَالقها ... وَصحَّحت صِدقهَا وتُكلاها
عوضهَا من همُومها فَرَجًا ... وَلم يَدعهَا لِطُول غَيَّاها
تُسخِّطُه فِي رضَى بَرِيَّتِهِ ... تَبًّا لَهَا مَا أجل بلواها
لَو أَنَّهَا للعباد مُسخِطةٌ ... مُرضيةٌ لِرَبِّهَا لأَرضاها
стр. 3126
لدي نفس أحب أنعتها ... لتعلموا نعتها وأسماها
فاسمع صفاتي لَهَا لَعَلَّك أَن ... تفهم ذَا اللب سر مَعْنَاهَا
تسْعَى إِلَى اللَّهْو وَهُوَ غايتها ... يَا وَيْلَهَا مَا أضلَّ مسعاها
أَزْجُرُها وَهِي لِي مُخَالفَةٌ ... كأنني لست من أوداها
قد ظلمتني بِسوء عشرتها ... وَلم تدع لي تقوى وَلَا جاها
كَثِيرَة اللَّهْو فِي مجالسها ... قَليلَة الذِّكر فِي مُصلاها
قَليلَة الشُّكْر عِنْد نعمتها ... ضَعِيفَة الصَّبْر عِنْد بلواها
كثيرة المَنِّ في مواعدها ... كذوبة في جميع دعواها
بصيرة بالهوى وفتنتها ... عمية عن أمور أخراها
نشيطة عند وقت لذتها ... كسْلانَةٌ عند وقت ذكراها
نَوَّامة العين عن عِبادَةِ مَنْ ... أتقن تصويرها وسواها
عظيمة المَّن والثَّناءِ لمن ... رفع مقدارها وأطرافها
مطيلة الذم بالقبيح لمن ... عرفها قدرها وخطواها
ذاكرة للورى مساويهم ... ناسية ما جنته كفَّاها
كم بين نفسي ونفس فَتًى ... طهَّرها بالتُّقى وزكَّاها
أقامها في الدجى على قدم ... فانهملت بالدموع عيناها
إذا اشتهت شهوة توعَّدَها ... خوف معبودها فسوَّاها
стр. 3127
ذاكرة للإله شاكرةً ... مخلصة سرَّها ونَجْواها
شرفها رَبهَا وكرمها ... وَمن مياه الْيَقِين روَّاها
سمت اليه بِحسن سيرتها ... ثمَّ صفا ودُّها فصافاها
تِلْكَ الَّتِي إِن دعت بحاجتها ... أجابها مسرعا ولبَّاها
ليست كنفس لديَّ عاصية ... ويلٌ لما قد جنت وويلاها
كيف إلى ربها تنيب وقد ... زلَّت لشيطانها فأغواها
لو تعرف الله حق معرفة ... لصححت برها وتقواها
لَكِنَّما جَهْلُها بِخالِقِها ... أَغْفَلَها رُشْدها وَألهاها
صِرْتُ مَعَ النَّفْسِ فِي مُجاهَدَةٍ ... تَأْمُرُنِي بِالْهَوى وَأَنْهاهَا
أَصْرَعُها تَارَةً وَتَصْرَعُنِي ... لَكِنْ لَها السَّبْقُ عِنْدَ لُقْياها
عَدَوَّة لا أُطِيْقُ أُبْغِضُها ... يا لَيْتَنِي أَسْتَطِيع أَنْساها
أَحْسِبُها إِنْ أَبَتْ مُوافَقَتِي ... خاسِرَةً دِيْنَها وَدُنْياهَا
يا رَبِّ عَجِّلْ لَها بِتَوْبَتِها ... وَاغْسِلْ بِما الْتَقَى خَطاياها
إِنْ تَكُ يا سَيِّدِي مُعَذِّبَها ... مَنْ ذا الَّذِي يُرْتَجَى لِرُحْماها (١)
- روى الديلمي - قال الحافظ زين الدين العراقي، وإسناده جيد - عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ اللهُ
стр. 3128
بِعَبْدِهِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَاعِظًا مِنْ قَلْبِهِ يَأْمُرُهُ وَيَنْهَاهُ" (١).
وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: كنَّا نتحدث أن العبد إذا أراد الله به خيراً جعل له زاجراً من نفسه يأمره بالخير وينهاه عن المنكر (٢).
وقال بعض العارفين: من لم يكن له من نفسه واعظ لم تنفعه المواعظ.
وقال أبو مدين رحمه الله تعالى: كل قلب ليس له واعظ من نفسه فهو خراب.
وروى الحكيم الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: " أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ، وَعَصَمَهُ مِنَ الشَّيْطَانِ: مَنْ مَلَكَ نَفْسَهُ حِيْنَ يَرْغَبُ، وَيرْهَبُ، وَحِيْنَ يَشْتَهِي، وَحِيْنَ يَغْضَبُ" (٣).
واعلم أن الشهوات في هذه الدنيا مؤذِنةٌ بما في الجنة من الملاذِّ والنعيم ليرغب فيها ويتطلب، وفاتنةٌ لمن أبعده الله تعالى حتى يخرج من دار القرب - أعني: الجنة - بطريق، ويحاد به عنها بحجة بينة، ولله الحجة البالغة.
стр. 3129
فمن فهم هذا المعنى فمهما عرضت له شهوة من الدنيا اعتبر ما في الجنة من نوعها مع النزاهة والدوام، ثم تناول منها ما يزيل عنه ضرورة البشرية، وأمسك عن الاسترسال خشية من الفتنة والهلاك؛ إذ من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أخذ حتفه وهو لا يشعر - كما في الحديث المتقدم - واستحضر الخوف من أن يحال بينه وبين الشهوة في دار الآخرة بسبب الاسترسال في تناولها في الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [سبأ: ٥٤].
وقد روى النسائي، والحاكم وصححه على شرطهما، عن عقبة ابن عامر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ كان يمنع أهله الحلية والحرير، ويقول: "إِنْ كُنتمْ تُحِبُّوْنَ حِلْيَةَ الْجَنَّةِ وَحَرِيْرَهَا فَلا تَلْبَسُوهُمَا فِي الدُنْيَا" (١).
وصحح على شرطهما أيضاً عن صفوان بن عبد الله بن صفوان قال: استأذن سعد - رضي الله تعالى عنه - على ابن عامر، وتحته مرافق من حرير، فأمر بها فرفعت، فدخل عليه وعليه مطرف من خز، فقال له: استأذنت وتحتي مرافق من حرير، فأمرت بها فرفعت.
فقال: نِعْمَ الرجل أنت يا ابن عامر، إن لم تكن ممن قال الله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]، والله لأن اضطجع
стр. 3130
على جمر الغضا أحب إليَّ من أن أضطجع عليها (١).
وروى الإمام مالك رحمه الله تعالى عن يحيى بن سعيد: أن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنهما جاء (٢) ومعه حامل لحم، فقال عمر: أما يريد أحدكم أن يطوي بطنه لجاره وابن عمه؟ فأين تذهب عنكم هذه الآية ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠] (٣)؟
وهذه الآية - وإن كانت في الكفار - فقد يخشى ما فيها على المنهمكين في الطيبات من المسلمين كما فهمه عمر وسعد رضي الله تعالى عنهما بأن يسترسلوا في الشهوات المباحة، بحيث إنه كلما أجاب نفسه إلى واحدة دعته إلى أخرى، فيصير إلى أنه لا يمكنه عصيان نفسه في هوى، وينسد عنه باب العبادة التي ثوابها طيبات الجنة، وينفتح له باب المعصية التي عقابها حرمان الطيبات، والنزول من الدرجات إلى الدركات، فلا يبعد أن يقال له والعياذ بالله: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ [الأحقاف: ٢٠].
وقد نبَّهَ على ذلك الحليمي في "منهاجه"، وغيره (٤).
وروى ابن أبي حاتم في "تفسير" عن أبي الأشعث رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇ أن القلوب
стр. 3131
المعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة (١).
وقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].
قال ابن مسعود ﵁ في الآية: ليس إضاعتها تركها؛ قد يضيع الإنسان الشيء ولا يتركه، ولكن إضاعتها إذا لم يصلها لوقتها. أخرجه عبد بن حميد (٢).
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "سَيَهْلَكُ مِنْ أُمَّتِي أَهْلُ الْكِتَابِ وَاللّيْنِ".
قلت: يا رسول الله ﷺ ! ما أهل الكتاب؟
قال: "قَوْمٌ يَتَعَلَّمُوْنَ الْكِتَابَ يُجَادِلُوْنَ بِهِ الَّذِيْنَ آمَنُوْا".
قلت: وما أهل اللين؟
قال: "قَوْمٌ تتَّبِعُوْنَ الشَّهَوَاتِ، وَيُضَيِّعُوْنَ الصَّلَوَاتِ" (٣).
وقوله: وأضاعوا الصلوات؛ أي: وغيرها من الطاعات، وإنما اقتصر على الصلاة لأنها عماد الدين، وإذا ضيَّعها العبد فهو لغيرها أكثر إضاعة.
стр. 3132
وقد روى الإمام أحمد، والطبراني، والحاكم، والبيهقي عن شدَّاد بن أوس رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أتخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي الشِّرْكَ وَالشَّهْوَةَ الْخَفِيَّةَ".
قلت: أتشرك أمتك من بعدك؟
قال: "نَعَمْ، أَمَا إِنَّهُمْ لا يَعْبُدُونَ شَمْسًا وَلا قَمَراً، وَلا حَجَرًا وَلا وَثَنا، وَلَكِنْ يُرَاءُونَ النَّاسَ بِأَعْمَالِهِمْ".
قلت: يا رسول الله! فما الشهوة الخفية؟
فقال: "يُصْبحُ أَحَدُهُمْ صَائِمًا، فَتَعْرِضُ لَهُ شَهْوَة مِنْ شَهَوَاتِهِ، فَيترُكُ صَوْمَهُ، ويُوَاقِعُ شَهْوَتَهُ" (١).
وروى سعيد بن منصور، والطبراني، والحاكم وصححه، والمفسرون عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: ٥٩]؛ قال: الغي: نهرٌ، أو وادٍ في جهنم من قيح، بعيدُ القعر، خبيثُ الطعم، يقذف فيه الذين يتبعون الشهوات (٢).
وقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩]؛ يعني: حطام الدنيا، وهو من الدنو أو من
стр. 3133
الدناءة، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
ولعل هذه الآية في علماء السوء خاصة من أهل الكتاب وهذه الأمة؛
بدليل قوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٩].
سئل ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عن هذه الآية قال: أقوام يقبلون على الدنيا يتأكلونها، ويتبعون رخص القرآن، ويقولون: سيغفر لنا، ولا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، وقالوا: سيغفر لنا. رواه أبو الشيخ (١).
وروى هو عن أبي الجَلْد رضي الله تعالى عنه قال: يأتي على الناس زمان تخرب صدورهم من القرآن، وتتهافت وتبلى كما تبلى ثيابهم، لا يجدون له حلاوة ولا لذاذة، إن قصَّروا عما أمروا به قالوا: إن الله غفور رحيم، وإن عملوا ما نهوا عنه قالوا: سيغفر لنا؛ إنا لا نشرك بالله شيئاً، أمرُهم كله طمع ليس فيه خوف، لبسوا جلود الضأن على قلوب الذئاب، أفضلهم في نفسه المُدهن (٢).
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]؛ أي: محنة ممتحنون بهما، أو مضلات لكم لا ينجيكم منها إلا ابتغاء ما عند الله
стр. 3134
وإيثاره عليهم.
ولذلك قال الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥) فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٥، ١٦].
ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾ [الكهف: ٤٦].
قال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: إنما سمي المال لأنه يميل بالناس، وسميت الدنيا لأنها دنت. رواه ابن أبي حاتم، والخطيب (١).
قلت: ويحتمل أنه سمي مالاً لأنه يميل عن الناس كما يميل بهم.
وفي الحديث: "لِكُلِّ أُمَّةِ فِتْنةٌ، وفِتْنةُ أُمَّتِي الْمَالُ". رواه ابن مردويه عن عبادة بن الصامت، وعن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنهم، وعن كعب بن عياض ﵁، ولفظه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةِ فِتْنةٌ، وفِتْنَةُ أُمَّتِي الْمَالُ" (٢).
وفي نفس الأمر فالمال يجمع الفتنة، وبه تحصل كل زينة في الدنيا ومتاع؛ من مطعم أو مشرب، أو ملبس، أو مسكن، أو خادم، أو مركب، أو منكح، أو غير ذلك.
وروى الإمام أحمد في "الزهد"، والبيهقي في "الشعب" عن
стр. 3135
سفيان بن سعيد رحمه الله تعالى قال: كان عيسى ﵇ يقول: حب الدنيا رأس كل خطيئة، والمال فيه داء كثير.
قالوا: وما داؤه؟
قال: لا يسلم صاحبه من الفخر والخيلاء.
قالوا: فإن سلم؟
قال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله تعالى (١).
وروى ابن أبي الدنيا عن وهيب المكي رحمه الله تعالى قال: بلغني أن عيسى ﵇ قال: أصل كل خطيئة حب الدنيا، ورب شهوة أورثت أهلها حزناً طويلاً (٢).
وروى ابن عساكر عن يحيى بن سعيد رحمه الله تعالى قال: كان عيسى ﵇ يقول: اعبروا الدنيا ولا تعمروها، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة (٣).
وفي ذلك إشارة إلى أن الدنيا مفتنة ولو بمجرد النظر إليها من غير ملك لها ولا تمتع بها، ومن ثم كان عيسى ﵇ يقول: جودة الثياب من خيلاء القلب. رواه عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد
стр. 3136
الزهد" عن ابن شوذب (١).
وفي جودة الثياب نعيم الجسد ونعيم البصر، ومن هنا تعجب ابن آدم وهي على غيره كما تعجبه وهي عليه، فيتولد من النظر إليها على غيره الحسد، وعلى نفسه العجب.
وروى عبد الله في "زوائد الزهد" أيضًا عن عمران بن سليمان رحمه الله تعالى قال: بلغني أن عيسى بن مريم ﵉ قال: يا بني إسرائيل! تهاونوا بالدنيا تَهُنْ عليكم، وأهينوا الدنيا تكرم الآخرة عليكم، ولا تكرموا الدنيا فتهون الآخرة عليكم؛ لأن الدنيا ليست بأهل الكرامة، وكل يوم تدعو للفتنة والخسارة (٢).
وحقيقة فتنة المال والولد أن يمنعا العبد من طاعة الله، أو يبعثاه على معصية الله تعالى، وهما معرضان إلى كل بلاء وعناء في الدنيا والآخرة.
وقد روى الإمام أحمد، وأصحاب "السنن الأربعة" عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ يخطب فأقبل الحسن والحسين - رضي الله تعالى عنهما - عليهما قميصان أحمران، يمشيان ويعثران، فنزل رسول الله ﷺ عن المنبر، وحملهما واحداً من ذا الشق, وواحداً من ذا الشق، ثم صعد المنبر، وقال "صَدَقَ الله؛ ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ﴾ [التغابن: ١٥]
стр. 3137
فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] , إِنِّيْ لَمَّا نظَرْتُ إِلَى هَذِيْنِ الْغُلامَيْنِ يَمْشِيَانِ وَيعْثُرَانِ لَمْ أَصْبِرْ أَنْ قَطَعْتُ كَلامِيَ وَنزَلْتُ إِلَيْهِمَا" (١).
وفي رواية ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: إن
رسول الله ﷺ قال: "قَاتَلَ اللهُ الشَّيْطَانَ؛ إِنَّ الْوَلَدَ لَفِتْنَةٌ، وَالَّذِي نَفْسِيْ
بِيَدِهِ مَا دَرِيْتُ أنِّي نزلْتُ عَنْ مِنْبَرِي" (٢).
وفي قوله تعالى في الآية: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ تهييجٌ، وإرشاد إلى طلب ما عنده بالإعراض عما به الفتنة، ولذلك أعقبه بقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، وهذا من لطفه بالمؤمنين؛ إذ لم يكلفهم فوق استطاعتهم من تقواه؛ قال: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: الأمر والنهي، ﴿وَأَطِيعُوا﴾؛ أي: بالائتمار والانتهاء، ﴿وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [التغابن: ١٦]؛ وفيه إشارة إلى أن الافتتان بالدنيا يكون من قِبَل شح النفس، فالفتنة من النفس في نفس الأمر.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] أمر بالإعراض عن زهرة الدنيا وزينتها مخافة الفتنة.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧].
стр. 3138
قال الحسن رحمه الله تعالى: أشد للدنيا تركاً (١).
وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أزهد في الدنيا (٢). رواهما ابن أبي حاتم.
وروى هو وابن جرير، والحاكم في "تاريخه" عن ابن عمر رضي
الله تعالى عنهما قال: تلا رسول الله ﷺ هذه الآية " ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧]، فقلت: ما معنى ذلك يا رسول الله ﷺ ؟
قال: لنبلوهم أيهم أحسن عقلاً، وأورع عن محارم الله، وأسرع في طاعة الله (٣).
وقال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤].
ولا شك أن قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ تحريضٌ على استبدال ما عنده من اللذات الحقيقية الأبدية
стр. 3139
بالشهوات الفانية الدنيوية.
ثم قرر ذلك بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: ١٥] قال قتادة رحمه الله تعالى: ذكر لنا أن عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنه - كان يقول: اللهم زينت لنا الدنيا، وأنبأتنا أن ما بعدها خير منها، فاجعل حظنا في الذي هو خير وأبقى. رواه ابن أبي حاتم، وغيره (١).
وفيه: أنَّ المزين هو الله تعالى.
وقال الحسن في الآية: زينها الشيطان. رواه ابن أبي حاتم (٢).
ودليل الأول: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾ [النمل: ٤].
ودليل الثاني: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ [العنكبوت: ٣٨].
والأول حقيقة، والثاني مجاز.
هذا مذهب أهل السنة، وعكس ذلك المعتزلة.
ومعنى تزيين الله تعالى أعمالهم لهم: أنه جعلها مشتهاة للطبع، محبوبة للنفس.
ومعنى تزيين الشيطان لهم أعمالهم: تحسينها في أعينهم، وتزيين رأيهم فيها بما يوسوسه في صدورهم.
стр. 3140
وقال الله تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: ١٦، ١٧].
وكان ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - يقرؤها: بل تؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة. كما رواه عبد بن حميد (١).
وروى ابن جرير، وابن المنذر، والطبراني، والبيهقي في "الشعب" عن عرفجة الثقفي رحمه الله تعالى قال: استقرأت ابن مسعود ﵁: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، فلمَّا بلغ ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ [الأعلى: ١٦] ترك القراءة، وأقبل على الصحابة، فقال: آثرنا الدنيا على الآخرة، فسكت القوم، فقال: آثرنا الدنيا لأنا زاينا زينتها ونساءها، وطعامها وشرابها، وزويت عنا الآخرة، فاخترنا العاجل وتركنا الآجل (٢).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أنس منه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ تَمْنعُ الْعِبَادَ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا لَمْ يُؤْثِرُوا دُنْيَاهُمْ عَلَى دِيْنِهِم، فَإِذَا آثَرُوْا دُنْيَاهُمْ ثُمَّ قَالُوا: لا إِلَهَ إِلا اللهُ قَالَ اللهُ: كَذَبْتُم" (٣)؛ أي: في دعواكم لأن قولكم خالف حالكم.
وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ
стр. 3141
الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٩ - ٤١]
والمراد نهي النفس عن الهوى المخالف للحق، فإذا كان موافقاً للحق كان حرياً بالاتباع لا من حيث إنه هوى، بل من حيث إنه مأمور به.
وقد روى الإمام الزاهد نصر المقدسي رحمه الله تعالى في "حجته" - بإسناد صحيح كما قال النووي رحمه الله تعالى - عن عبد الله ابن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُم حَتَّى يَكُوْنَ هَوَاهُ تَبَعًا لِمَا جِئْتُ بِهِ" (١).
وحكي عن المأمون أنه كان يقول: أطيب الطيبات الحق إذا وافق الهوى.
ومن لطائف الآثار: ما رواه ابن الجوزي في "ذم الهوى" عن حسن الأسدي رحمه الله تعالى قال: كان عبد الله بن حسن بن حسين - رضي الله تعالى عنهم - يطوف بالبيت، فنظر إلى امرأة جميلة، فمشى إلى جانبها، ثم قال: [من البسيط]
أَهْوَى هَوَى الدِّيْنِ وَاللَّذَّاتُ تُعْجِبُني ... فَكَيْفَ لِي بِهَوَى اللَّذَّاتِ وَالدِّيْنِ
فقالت له: دعْ أحدَهما تنلِ الآخر.
وفي رواية: لقي امرأة جميلة، فلما نظرت إليه وإلى جماله مالت
стр. 3142
إليه، وطمعت فيه، فأقبل عليها وقال: [من البسيط]
أَهْوَى هَوَى الدَّيْنِ وَاللَّذَّاتُ ... فَكَيْفَ لِي بِهَوَى اللَّذَّاتِ وَالدِّيْنِ
نَفْسِي تُزَيِّنُ لِي الدُّنْيا وَزينتَها ... وَزاجِرِي مِنْ حَذارِ الْمَوْتِ
قال: فتركته، ومضت (١).
وقال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٤].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كل هوى ضلالة (٢).
وقال طاوس رحمه الله تعالى: ما ذكر الله تعالى هوى في القرآن إلا ذمه (٣). رواهما ابن المنذر.
وقال الله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٣] وقال الحسن في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾: لا يهوى شيئا إلا اتبعه. رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٤).
وقال: المنافق عبد هواه. رواه ابن حميد (٥).
стр. 3143
وروى الطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا تَحْتَ ظِلِّ السَّمَاءِ مِنْ إِلَهٍ يُعْبَدُ مِنْ دُوْنِ اللهِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللهِ مِنْ هَوًى مُتَّبَعٍ" (١).
وقال الله تعالى: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦].
قال ابن عباس ﵄ في الآية: إذا ارتفع إليك الخصمان فكان لك في أحدهما هوى، فلا تشتهي في نفسك الحق له، فيفلج على صاحبه، فأمحو اسمك من نبوَّتي، ثم لا تكون خليفتي، ولا كرامة. رواه الحكيم الترمذي (٢).
ولقد بيَّن الله تعالى أن بني إسرائيل لم يمنعهم من اتباع الحق، ويبعثهم على الظلم وقتل الأنبياء إلا متابعة الهوى، فقال : ﴿لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠) وَحَسِبُوا﴾
стр. 3144
﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [المائدة: ٧١]؛ أي: بسبب اتباع الهوى، أو بسبب التكذيب والقتل.
﴿فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة: ٧١].
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: ٨٧].
وفي هذه الآية أنَّ الاستكبار يكون من متابعة الهوى، وفيه الهلاك، وهو أول معصية عصى بها إبليس؛ ﴿أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤]: حتى حمله هوى نفسه على الامتناع من السجود، فأبلس من رحمة الله تعالى، وأيس منها.
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
قيل: هم اليهود، وقيل: النصارى (١).
والأولى أن الخطاب لكل العلماء؛ إذ من الجائز أن يكون المراد بالكتاب جنس كتب الله تعالى؛ نهوا عن الغلو في الدين والابتداع فيه،
стр. 3145
واتباع مثل أهواء الضالين من أهواء أنفسهم، واتباع أهل الأهواء على أهوائهم.
وفيه إشارة إلى أنه كما أن اتباع هوى الإنسان منهي عنه، كذلك ينهى عن اتباع هوى غيره، فلا يقلد صاحب الهوى على هواه ورأيه.
وقد قال الله تعالى لنبيه الذي قال فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣]، وعَصَمه عن اتباع الهوى.
﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٤٨].
وقال تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٤٩، ٥٠].
وفيه إشارة إلى أن الحكم بالهوى، بل مجرد اتباع الهوى سنة جاهلية.
وفي هذه الآية إشارة إلى أن العالم يتعين عليه أن يحذر ممن يحاكم إليه، أو يأتيه للمناظرة والمذاكرة أن يفتنه بما يزخرفه من كلام، أو يصوره من جدال عن دينه أو عن اعتقاده، ولا يتوهم من شَقْشقته في الكلام وتولِّيه عن الحق في صورة اتباعه له أنه على شيء، بل يكون ذلك لينفذ فيه أمر الله، ويقع به عقابه.
стр. 3146
وفي قوله: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٩] بيانٌ واضح أن هذا لا يختص بأهل الكتاب، بل يتفق لغيرهم من فاسقي هذه الأمة اتباع الأهواء.
وقال الله تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠].
وقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [البقرة: ١٤٥].
فبيَّن سبحانه أنَّ متابعة أهل الأهواء من أهل الكتاب، وكذلك غيرهم سبب للخذلان والحرمان من ولاية الله ونصرته، ثم سجل على المتبع لأهوائهم من العلماء بالتوغل في الظلم، وعده في سلك الظالمين.
стр. 3147
فَصْلٌ
حقيقة الهوى شدة الميل إلى الشيء، والشهوة محبة الشيء والرغبة فيه.
شهيه كرضيه، وشهاه كدعاه، واشتهاه وشَهَّاه وتشهَّى: اقترح.
ولعل الهوى أبلغ من الشهوة؛ فالشهوة يمكن ردها، والهوى لا يمكن رده، أو يتعسر رده، وهو تلف وأيُّ تلف، ومن ثم قيل: [من مجزوء الكامل]
إِنَّ الْهَوى لَهُوَ الْهَوا ... نُ أُزِيْلَ عَنْهُ النُّوْنُ
ومن هنا لم يذكر الهوى في القرآن العظيم، ولا في كلام الأنبياء والحكماء إلا مذموماً.
والشهوة قد تكون مذمومة إذا استرسل فيها الإنسان، أو أكثر منها وتناولها من غير حلها، وأمَّا إذا تناولها الإنسان من حلها على الوجه الذي أذن فيه الشرع فلا يصح إطلاق الذم عليها لأنها داعية إلى قوام الطاعة وعمارة الأرض؛ إذ بها تتناول المطعومات والمشروبات، وبها قوام الأبدان، وبقوام الأبدان واعتدالها قوام العبادة.
стр. 3148
وفي الحديث: "إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا" (١).
وبها طلب النكاح والزواج، وبه يحصل التوالد وكثرة الخلق، وبهم عمارة الدنيا وقوام الدين.
ولما كان للشهوات وَقعٌ في صلاح الأمور وإقامة الدين أبقيت في دار الآخرة، ووصف بالشهوة أهل الجنة بخلاف الهوى.
قال الله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: ٧١].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: ٢١].
فالشهوة نعمة في الدنيا والآخرة إلا أن الله تعالى أطلق التنعم بها في الدار الآخرة، ولم يأذن في دار الدنيا إلا في تناول قدر الحاجة منها، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١].
وقال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
وقال تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧].
فأذن في الاستمتاع بالنساء، وحجر علينا في الاستمتاع بغيرهن، وقبح قضاء الشهوة بغيرهن بقوله - مخاطبا لقوم لوط وقد كرر ذمهم في
стр. 3149
كتابه العزيز -: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [النمل: ٥٥].
ثم تسمية الفاحشة ثم قيد الاستمتاع بالنساء بكون المرأة خاصة بالرجل؛ إما بعقد أو بملك بإضافية النساء إلى المخاطبين؛ ألا ترى إلى أول قال: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]، أي: نساؤكم الخاصة بكم من الأزواج أو الإماء.
وإذا اعتبرت فإن الشهوة إذا تجردت لا تضر، لأنها تلم بالقلب إلماماً، فإن رضيها الشرع قبلها العقل، وإن لم يرضها الشرع ردها العقل، فإن جذبها الهوى من العقل ملكها من حيث لم يأذن الشرع.
فالشهوة لا تذم إلا إن قارنها الهوى، أو استحالت هوى، وعلى هذا يحمل ما جاء في ذم الشهوات كما في الحديث الصحيح: "حُفَّتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِه، وَالنَّارُ بِالشَّهَوَاتِ" (١)؛ فالشهوة لا تهوي بصاحبها في النار إلا إذا قارنها الهوى، أو صارت هوى.
وقال النبي ﷺ "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِيْ ثَلاثَة: ضَلالَةُ الأَهْوَاءِ، وَاتِّبَاعُ الشَّهَوَاتِ فِي الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ، وَالْعُجْبُ ". رواه الحكيم الترمذي عن أفلح رضي الله تعالى عنه (٢).
واقتصر على الهوى في قوله ﷺ : "أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي
стр. 3150
الْهَوَى وَطُوْلُ الأَمَلِ". رواه ابن عدي في "الكامل" عن جابر ﵁ (١).
واعلم أنَّ كل إنسان مشتمل على شهوة وغضب كامنين في نفسه، متى ملكهما بعقله كانا مسخَّرين للعقل في مصالح الإنسان، ومتى أغفل العقل تدبيرهما تعلق بهما الهوى والشيطان، والهوى أقوى سلطانا من الشيطان، فإذا تعلق بالشهوة الخالية عن الهوى لا يكاد يبلغ مراده من العبد حتى يستعين بالهوى، ويتمكن منه عند الغضب، فإن لم يساعده الهوى لأن نار الغضب أقوى فالغضب خلق شيطاني في نفسه.
وقد سبق أنَّ إبليس ذكر لبعض الأنبياء أنه يأخذ ابن آدم عند الغضب والهوى (٢)، ولم يقل: والشهوة.
نعم، يولع بالشهوة حتى يتعلق بها الهوى؛ أي: حتى يستحيل هوىً، وذلك أنه يجري من ابن آدم مجرى الدم كما صحَّ عن النبي ﷺ (٣)، فإذا استعمل الإنسان الشهوة على قوانين الشرع لا تضره.
ومن قوانين الشرع ترك الإسراف في الشهوات كما قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مِنَ الإسْرَافِ أَنْ تأكلَ كُلَّ مَا اشْتَهَيْتَ". رواه ابن ماجه (٤).
стр. 3151
وقال الحسن رحمه الله تعالى: دخل عمر على ابنه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإذا عندهم لحم، فقال: ما هذا اللحم؟
قال: اشتهيته.
قال: وكلما اشتهيت شيئاً أكلته؟ كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كلما اشتهى. رواهما (١) الإمام أحمد في "الزهد" (٢).
فالإسراف طريق لتعلق الشيطان بشهوة الإنسان.
ولقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ [الإسراء: ٢٧].
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم الذين ينفقون المال في غير حقه. رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وغيره (٣).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياءً وسمعة فذلك حظ الشيطان. رواه البيهقي في "الشعب" (٤).
وفي كلام الإمام علي إشارة إلى أن قضاء الشهوة من غيرك من
стр. 3152
عيال بالنفقة عليهم، أو غيرهم بالصدقة خلقٌ كريم، فمراعاة الشهوة على ميزان الشرع منك ومن غيرك مندوب إليه.
وفي الحديث: "مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ شَهْوَتَهُ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار". رواه البيهقي عن أبي هريرة (١).
وروى الطبراني في "الكبير" عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَطْعَمَ مَرِيْضًا شَهْوَتَهُ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ" (٢).
ومن قوانين الشرع أن لا تقضى الشهوة من مال غيرك ولو من طريق الاستدانة.
قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: من السرف أن يكتسي الإنسان، ويأكل ويشرب مما ليس عنده، وما جاوز الكفاية فهو تبذير (٣).
وسبق قول عيسى ﵇: ورُبَّ شهوة أورثت حزناً طويلاً؛ أي: في الدنيا وفي الآخرة؛ في الدنيا: فيما لو أخذها بدين، فأعسر به، فقاسى حزن المطالبة، وعسر الوفاء، أو فيما تناول منها فوق الكفاية فَتُخِم منها، أو مرض.
стр. 3153
وفي الآخرة: فيما لو أخذها من غير حلها، فأوردته النار، أو حبسته عن طيبات الجنة.
وروى أبو نعيم عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إياكم والبطنة في الطعام والشراب؛ فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة.
وعليكم بالقصد فيهما؛ فإنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه (١).
* تَتِمَّةٌ:
اعلم أن في استعمال الشهوة على وجه الشرع تقلباً في نعم الله تعالى، وظهوراً فيها، وشكراً لله تعالى، ومسارعة إلى ما يحب كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال رسول الله ﷺ : "إِن اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيَّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
стр. 3154
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَارَبّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنىَّ يُسْتَجَابُ لذَلِكَ". رواه مسلم، والترمذي، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ (١).
فأشار إلى أن الطيب لا يكون طيبا حتى يكون حلالاً.
ومن هنا فسر كثيرٌ الطيبات بالحلالات.
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]، وخطوات الشيطان: طرائقه وأعماله التي يأمر بها؛ منها: الإساءة في تحصيل الرزق والكسب السيء.
ومنها: صرف الرزق وما أنعم الله به في المعاصي والشهوات المجردة عن إرادة الخير.
ولذلك قال بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤].
وأعم من ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
стр. 3155
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
ثم عدد مفردات ذلك في غير موضع من كتابه، وقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والكفر منها نقيض الشكر، وكما أن الشكر مرضي الله وفيه
رضاه، فالكفر مسخوطه وفيه سخطه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [الزمر: ٧].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].
وروى أبو داود عن أبي الأحوص، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في ثوب دونٍ، فقال: "ألكَ مالٌ؟ "
قال: نعم.
قال: "مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ "
قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم، والخيل، والرقيق.
قال: "فَمَاذَا آتَاكَ اللهُ فَلْيُرَ أَثرُ نِعْمَتِهِ عَلَيِكَ وَكَرَامَتِهِ" (١).