وقال الحسن رحمه الله تعالى: دخل عمر على ابنه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما، وإذا عندهم لحم، فقال: ما هذا اللحم؟
قال: اشتهيته.
قال: وكلما اشتهيت شيئاً أكلته؟ كفى بالمرء سرفاً أن يأكل كلما اشتهى. رواهما (١) الإمام أحمد في "الزهد" (٢).
فالإسراف طريق لتعلق الشيطان بشهوة الإنسان.
ولقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ﴾ [الإسراء: ٢٧].
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم الذين ينفقون المال في غير حقه. رواه البخاري في "الأدب المفرد"، وغيره (٣).
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: ما أنفقت على نفسك وأهل بيتك في غير سرف ولا تبذير، وما تصدقت فلك، وما أنفقت رياءً وسمعة فذلك حظ الشيطان. رواه البيهقي في "الشعب" (٤).
وفي كلام الإمام علي إشارة إلى أن قضاء الشهوة من غيرك من
стр. 3152
عيال بالنفقة عليهم، أو غيرهم بالصدقة خلقٌ كريم، فمراعاة الشهوة على ميزان الشرع منك ومن غيرك مندوب إليه.
وفي الحديث: "مَنْ أَطْعَمَ أَخَاهُ شَهْوَتَهُ حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّار". رواه البيهقي عن أبي هريرة (١).
وروى الطبراني في "الكبير" عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَطْعَمَ مَرِيْضًا شَهْوَتَهُ أَطْعَمَهُ اللهُ مِنْ ثِمَارِ الْجَنَّةِ" (٢).
ومن قوانين الشرع أن لا تقضى الشهوة من مال غيرك ولو من طريق الاستدانة.
قال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: من السرف أن يكتسي الإنسان، ويأكل ويشرب مما ليس عنده، وما جاوز الكفاية فهو تبذير (٣).
وسبق قول عيسى ﵇: ورُبَّ شهوة أورثت حزناً طويلاً؛ أي: في الدنيا وفي الآخرة؛ في الدنيا: فيما لو أخذها بدين، فأعسر به، فقاسى حزن المطالبة، وعسر الوفاء، أو فيما تناول منها فوق الكفاية فَتُخِم منها، أو مرض.
стр. 3153
وفي الآخرة: فيما لو أخذها من غير حلها، فأوردته النار، أو حبسته عن طيبات الجنة.
وروى أبو نعيم عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: إياكم والبطنة في الطعام والشراب؛ فإنها مفسدة للجسد، مورثة للسقم، مكسلة عن الصلاة.
وعليكم بالقصد فيهما؛ فإنه أصلح للجسد، وأبعد من السرف، وإن الله تعالى ليبغض الحبر السمين، وإن الرجل لن يهلك حتى يؤثر شهوته على دينه (١).
* تَتِمَّةٌ:
اعلم أن في استعمال الشهوة على وجه الشرع تقلباً في نعم الله تعالى، وظهوراً فيها، وشكراً لله تعالى، ومسارعة إلى ما يحب كما قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
وقال رسول الله ﷺ : "إِن اللهَ طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيَّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِيْنَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ [المؤمنون: ٥١]، وَقالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢].
стр. 3154
ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيْلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ: يَا رَبِّ! يَارَبّ! وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ؛ فَأَنىَّ يُسْتَجَابُ لذَلِكَ". رواه مسلم، والترمذي، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ (١).
فأشار إلى أن الطيب لا يكون طيبا حتى يكون حلالاً.
ومن هنا فسر كثيرٌ الطيبات بالحلالات.
وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨)﴾ [البقرة: ١٦٨]، وخطوات الشيطان: طرائقه وأعماله التي يأمر بها؛ منها: الإساءة في تحصيل الرزق والكسب السيء.
ومنها: صرف الرزق وما أنعم الله به في المعاصي والشهوات المجردة عن إرادة الخير.
ولذلك قال بعد ذلك: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٦٩].
وقال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ [النحل: ١٤].
وأعم من ذلك قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
стр. 3155
﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
ثم عدد مفردات ذلك في غير موضع من كتابه، وقال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٤].
والكفر منها نقيض الشكر، وكما أن الشكر مرضي الله وفيه
رضاه، فالكفر مسخوطه وفيه سخطه، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٧)﴾ [الزمر: ٧].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [المائدة: ٨٧].
وروى أبو داود عن أبي الأحوص، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في ثوب دونٍ، فقال: "ألكَ مالٌ؟ "
قال: نعم.
قال: "مِنْ أَيِّ الْمَالِ؟ "
قال: قد آتاني الله من الإبل والغنم، والخيل، والرقيق.
قال: "فَمَاذَا آتَاكَ اللهُ فَلْيُرَ أَثرُ نِعْمَتِهِ عَلَيِكَ وَكَرَامَتِهِ" (١).
стр. 3156
وحسَّنَ الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله يُحِبُّ أَنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِه" (١).
فتناول النعمة من وجهها الشرعي، واستعمالها في وجهها الشرعي ليس من خطوات الشيطان، بل هو مما يرضاه الرحمن ، وهو عين الشكر الذي وعد الله تعالى عليه المزيد.
وضده الكفر الذي أوعد الله عليه بالعذاب الشديد، وهذا هو خطوات الشيطان، ولا يبعث عليه إلا هوى الإنسان، وهو البطر الذي هو سبب الهلاك والضرر كما قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨].
وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ (١٥) فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ (١٦) ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ (١٧) وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (١٨) فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ
стр. 3157
شَكُورٍ (١٩) وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ وَرَبُّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ﴾ [سبأ: ١٩ - ٢١].
ذكر الله تعالى قصة سبأ بعد قوله تعالى في قصة داود ﵇: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] إشارةً إلى أنهم إنما أُتوا من قلة الشكر.
وهم كما قال قتادة رحمه الله تعالى: قوم أعطاهم الله تعالى نعمة، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عن معصيته.
قال الله تعالى: ﴿فَأَعْرَضُوا﴾ أي: عن الشكر؛ قال قتادة: ترك القوم أمر الله ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ﴾.
قال قتادة: ذكر لنا أن العَرِم وادٍ في سبأ كانت تجتمع إليه مسايل من أودية شتى، فعمدوا فَسَدُّوا ما بين الجبلين بالقِير والحجارة، فجعلوا عليه أبواباً، وكانوا يأخذون من مائه ما احتاجوا إليه ويسدون عنهم، فلما ترك القوم أمر الله تعالى بعث الله عليهم جرذاً فنقبه من أسفله، فاتسع حتى غرَّق الله به حروثهم، وخرَّب به أرضهم عقوبةً لهم بأعمالهم.
قال الله تعالى: ﴿وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ﴾ والخمط: الأراك، وكله بريرة ﴿وَأَثْلٍ﴾ والأثل: الطرفاء ﴿وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ﴾ وهو شجر النبق.
стр. 3158
وقال قتادة في قوله: ﴿سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ﴾: لا تخافون جوعا ولا ظمأ، إنما تغدون فتقيلون في قرية، وتروحون فتبيتون في قرية أهل جنة ونهَر.
حتى لقد ذكر لنا أن المرأة كانت تضع سلتها على رأسها فتمتلئ قبل أن ترجع إلى أهلها، وكان الرجل يسافر لا يحمل معه زاداً، فبطروا النعمة، فقالوا: ﴿فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا﴾، فمُزقوا كل ممزَّق وجُعلوا أحاديث.
وما ذكرناه عن قتادة أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
وقال ابن زيد: لم يكن يرى في قريتهم بعوضة قط، ولا ذباب، ولا برغوث، ولا عقرب، ولا حيَّة، وإن الركب ليأتون في ثيابهم القمل والدواب، فما هو إلا أن ينظروا إلى بيوتها فتموت تلك الدواب، وإن كان الإنسان ليدخل الجنتين فيمسك القُفة على رأسه، ويخرج حين يخرج وقد امتلأت تلك القفة من أنواع الفاكهة، ولم يتناول منها شيئاً بيده. رواه ابن أبي حاتم (٢).
وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ [سبأ: ٢٠]، يحتمل
стр. 3159
أنه أراد أهل سبأ، والأولى أنه أراد سائر أولاد آدم.
وظنه قوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٦٢]، فمن بدَّلَ نعمة الله كفراً، واستعان بنعم الله على معاصيه، فقد ظفر إبليس فيه، وتابعه فيما فيه هلاكه، وتسخير العقل في طاعة الهوى واتباع الشهوات عين الكفران لنعمة العقل، بل لنعمة أصل الوجود الإنساني؛ فافهم!
стр. 3160
فَصْلٌ
الشهوات كلها مصالي للشيطان يقتنص بها الإنسان.
قال عبد الصمد الزاهد كما نقله عنه ابن الجوزي: من لم يعلم أن الشهوات فُخُوْخٌ - أي: للشيطان - فهو لَعَّاب (١).
وأصول الشهوات ما ذكر الله تعالى في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤]، الآية.
ومن ثم كان يحلف بعض العارفين أن الشهوات السبع المذكورة في الآية هي أبواب النار السبعة؛ لأنها أصول الشهوات كلها، وقد حُفَت النار بالشهوات.
وقد ذكر الله تعالى في هذه الآية الأفتن فالأفتن، ولا شيء منها أعظم فتنة ولا أقرب إلى تسليط الشيطان على الإنسان من النسوان، ولذلك ذكرهن الله تعالى في أول الشهوات المذكورة في الآية.
وروى الأئمة الستة عن أسامة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ
стр. 3161
قال: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرَّ عَلَى الرّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ" (١).
وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال للنسوة: "مَا رَأَيْتُ مِنْ ناَقِصَاتِ عَقْلٍ وَلا دِيْنٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبِّ مِنْكُنَّ" (٢).
بل روى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي سعيد الخدري، وابن ماجه عن ابن عمر، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم: أن النبي ﷺ قال: "يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ! تَصَدَّقْنَ؛ فَإِنيِّ رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ".
فقلن: وبم يا رسول الله ﷺ ؟
قال: "تُكْثِرْنَ اللَّعْنَ، وَتَكْفُرْنَ الْعَشِيْرَ، مَا رَأَيْتُ مِنْ ناَقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِيْنٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الْحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ" (٣).
وتقدم في حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أنَّ إبليس - لعنه الله - قال لله تعالى: اجعل لي حبائل.
قال: النساء (٤).
стр. 3162
وروى الخرائطي في كتاب "اعتلال القلوب"، وغيره عن زيد بن خالد الجُهَني رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "الشَّبَابُ شُعْبَةٌ مِنَ الْجُنُوْنِ، وَالنسَاءُ حِبَالَةُ الشَّيْطَانِ" (١).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن جعفر بن حرفاش: أنَّ عيسى بن مريم ﵉ كان يقول: رأس الخطيئة حب الدنيا، والخمر مفتاح كل شر، والنساء حبالة الشيطان (٢).
وذكر التجاني في كتاب "تحفة العروس" عن أبي المحيا قال: رأيت أمرأة من قومي بمكة، فجلست أحدثها وعبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما يصلي، فسمعني أقول لها: يا فلانة! استوحش لفراقك القلب، وجاورني من لا أهوى، وكنت كما قال الأول: [من الطويل]
أَيَسْعَدُ مَنْ أَهْوَى ويسْعِفُنِي الْهَوَى ... بِمَنْ لا يُبالِي أَنْ يُفارِقَهُ أَهْلِي
قال: فأقبل عليَّ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال: ما هذه المرأة منك؟
قلت: من العشيرة وبنات العم.
فقال: قم، وإلا وقعتما في فتنة؛ إنَّ النساء حبائل الشيطان، وإياك أن تخلو بأمرأة إلا أن تكون محرماً (٣).
стр. 3163
ونقل التجاني أيضاً عن سعيد بن المسيب قال: ما يئس الشيطان من ولي إلا أتاه من قبل النساء (١).
ورواه أبو نعيم عن علي بن زيد، عنه، وزاد فيه: وقال لنا سعيد - وهو ابن أربع وثمانين سنة، وقد ذهبت إحدى عينيه وهو يعشو بالأخرى -: ما شيء أخوف عندي من النساء (٢).
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الْمَرْأةَ تُقْبِلُ فِيْ صُوْرَةِ شَيْطَانٍ وتُدْبِرُ فِيْ صُوْرَةِ شَيْطَانٍ، وَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ امْرَأة فَأَعْجَبَتْهُ فَلْيَأْتِ أَهْلَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يَرُدُّ مَا فِيْ نَفْسِهِ" (٣).
وإنما شبهها بالشيطان في الإقبال لأنه محل استقبال وجهها والمأتي منها، وفي الإدبار لأنه محل بدو العجيزة، فلما كانت داعية إلى الفتنة بلسان حالها في إدبارها وإقبالها شبهت بالشيطان في الحالتين.
وقال الماوردي في كتاب "أدب الديين والدنيا": قال سليمان بن داود ﵉ لابنه: امش وراء الأسد، ولا تمش وراء المرأة (٤).
стр. 3164
قال: وسمع عمر بن الخطاب ﵁ امرأة تقول: [من البسيط]
إِن النِّساءَ رَياحِيْنُ خُلِقْنَ لَكُمْ ... وَكُلُّكُمْ يَشْتَهِي شَمَّ الرَياحِيْنِ
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: [من البسيط]
إِنَّ النساءَ شَياطِيْنُ خُلِقْنَ لَنا ... نعوْذُ بِاللهِ مِنْ شَرِّ الشَّياطِيْنِ (١)
وروى الخطيب في "تاريخه" عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا سُئِلْتَ: أَيُّ الأَجَلَيْنِ قَضَى مُوْسَى ﵇؟ فَقُلْ: خَيْرَهُمَا وَأَبَرَهُمَا، وإنْ سُئِلْتَ: أَيُ الْمَرْأتَيْنِ تَزَوَّجَ؟ فَقُل: الصُّغْرى مِنْهُمَا، وَهِيَ الَّتِيْ جَاءَت فَقَالَت: ﴿قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ [القصص: ٢٦]، فَقَالَ: مَا رأيَتِ مِنْ قُوَّتهِ؟ قَالَت: أَخَذَ حَجَرًا ثَقِيْلاً فَألقَاهُ عَلَى الْبِئْرِ، قَالَ: وَمَا الَّذِي رَأَيْتِ مِنْ أَمَانتِهِ؟ قَالَت: قَالَ لِي: امْشِي خَلْفِي، وَلا تَمْشِي أَمَامِي" (٢).
وروى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن أباها قال لها: وما رأيت من قوته؟
قالت: جاء إلى البئر وعليها صخرة لا يقلها كذا وكذا، فرفعها.
قال: وما رأيت من أمانته؟
قالت: كنت أمامه فجعلني خلفه (٣).
стр. 3165
وإذا كان هذا حذر الأنبياء ﵈ وهم معصومون، فكيف بغيرهم؟ !
* لَطِيْفَة:
تقدم في الحديث: "أن الرجل لا يخرج الصدقة حتى يفك عنها لحي سبعين شيطاناً" (١).
يحكى في معناه: أن الشيطان يأتي الرجل بسبعين من جنوده، فيتعلقون بيديه ورجليه وقلبه، ويمنعونه من الصدقة، فسمع بذلك بعضهم فقال: أنا أقاتل هؤلاء السبعين، فخرج إلى منزله، وملأ ذيله من الحنطة ليتصدق به، فوثبت زوجته فنازعته حتى أخرجته من ذيله، فرجع الرجل خائباً، وقال: هزمت السبعين، فجاءت أمهم فهزمتني. ذكره البرهان بن مفلح في كتاب "الاستعاذة" (٢).
стр. 3166
فَصْلٌ
كما يخشى على الرجل أن يدخل عليه الشيطان بالنساء، كذلك يخشى على المرأة أن يدخل عليها الشيطان بالرجال.
وقد أمر الله تعالى المؤمنات بما أمر الله به المؤمنين من غض الأبصار وحفظ الفروج، فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ [النور: ٣٠، ٣١] الآية.
قال الأعمش: في هذه الآية نهيت المرأة أن تنظر إلى غير زوجها؛ أي: أن تنظر قصداً أو بشهوة، فأما نظرة الفجأة فلا تكليف فيها (١).
وروى البزار، والدارقطني بسند ضعيف، عن علي رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال لابنته فاطمة رضي الله تعالى عنها: "أَيُّ شَيْءِ خَيْرٌ لِلْمَرْأَةِ؟
قالت: أن لا ترى رجلاً ولا يراها.
стр. 3167
فضمها إليه، وقال: ﴿ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ﴾ [آل عمران: ٣٤] (١).
ورواه ابن الجوزي في كتاب "النساء" على وجه آخر، ولفظه: سأل رسول الله ﷺ علياً وجماعة من الصحابة عما هو خير للنساء، فلم يدروا ما يقولون، فانصرف علي إلى فاطمة رضي الله تعالى عنهما، وذكر لها ذلك، فقالت: إن خير النساء اللائي لا يرين الرجال ولا يرونهن، فأخبر علي رضي الله تعالى عنه بذلك رسول الله ﷺ فقال: "إِنَّمَا فَاطِمَةُ بضْعَةٌ مِنِّيْ" (٢).
وفي "الصحيح" قوله ﷺ : "إِنَّكنَّ صَوَاحِبُ يُوْسُفَ" (٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا﴾ [يوسف: ٣٠] روى ابن أبي حاتم عن دريد بن مجاشع، عن بعض أشياخه قال: قالت - يعني: أمرأة العزيز - للقيم: أدخله عليهنَّ وألبِسْه ثيابًا بيضاء؛ فإن الجميل أحسن ما يكون في البياض، فأدخله عليهن وهن يحززن ما في أيديهن، فلما رأينه حززن أيديهن وهن لا يشعرن من النظر إليه، فنظرن إليه مقبلاً، ثم أومت إليه: أن ارجع، فنظرن إليه
стр. 3168
مدبراً وهن يحززن أيديهن بالسكاكين لا يشعرن بالوجع من النظر إليه، فلما خرج نظرن إلى أيديهن، وجاء الوجع يُولْولن، فقالت لهن: أنتُنَّ من ساعة واحدة هكذا صنعتن، فكيف أصنع أنا؟ ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ [يوسف: ٣١] (١).
واعلم أن الرجل كما يعجبه جمال المرأة فيطلبه ويرغب فيه، يعجب المرأة جمال الرجل فتطلبه وترغب فيه، فمن حيث يدخل الشيطان على الرجل بالمرأة يدخل على المرأة بالرجل، ومن هنا قال رسول الله ﷺ : "يَعْمَدُ أَحَدُكُمْ إِلَى ابْنَتِهِ فَيُزَوِّجَهَا الشَّيْخَ الدَّمِيْمَ؟ إِنهنَّ يُرِدْنَ مَا تُرِيْدُوْنَ". رواه أبو نعيم عن الزبير رضي الله تعالى عنه (٢).
وروى الديلمي، وغيره بسند ضعيف، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ مِنَ الْعَجْزِ فِي الرِّجَالِ: أَنْ يَلْقَى مَنْ يُحِبُّ مَعْرِفَتَهُ فَيُفَارِقَهُ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ اسْمَهُ، وَأَنْ يُكْرِمَهُ أَخُوْهُ فَيرُدَّ كَرَامَتَهُ، وَأَنْ يُقَارِبَ الرَّجُلَ جَاريتَهُ فَيُصِيْبَهَا قَبْلَ أَنْ يُحَادِثَهَا ويُؤَانِسَهَا وَيُضَاجِعَهَا، فَيَقْضِي حَاجَتَهُ مِنْهَا قَبْلَ أَنْ تَقْضِيَ حَاجَتَهَا مِنْهُ" (٣).
стр. 3169
فَصْلٌ
قد سبق أن الفتنة بالمُرد الحسان أشد من الفتنة بالنسوان.
وعن سفيان الثوري: إني أجد مع المرأة شيطانا، ومع الغلام الأمرد بضعة عشر شيطاناً (١).
ولم ينبه الله تعالى على ذلك في آية الشهوات؛ لأنه إنما ذكر منها ما يباح دون ما يحرم، وإذا كان الإنسان يفتتن بالزينة المباحة فيضل، ففتنته بالزينة المحرمة أشد ضلالة.
وقد روى الترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِيْ عَمَلُ قَوْمِ لُوْطٍ" (٢).
والذي لا يَشُك فيه عارف بأحوال الناس في هذه الأزمنة أنه ليس للهوى طريق على عقولهم أقوى فتنة ولا أبلغ أخذاً لقلوبهم من مخالطة
стр. 3170
المرد الحسان، وما زينوهم به أبلغ من زينة النسوان، واسْتَرْوح فُسَّاقهم إليهم لسهولة معاشرتهم في الأسفار خصوصا من كان منهم مَلَك أيمانهم بسبب أنهم استخفوا باللواط في ملك اليمين، ويزعموه شبهة، وربما احتج شياطينهم إلى تأويل الآية.
ولا شك أن حمل الآية على ذلك، أو إدخاله في عمومها كفرٌ يخرج به من يركن إليه عن رِبْقة الإسلام.
وقد روى البزار عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "ويلٌ لِلمَالِكِ مِنَ المَمْلُوْكِ، وَوَيْل لِلْمَمْلُوْكِ مِنَ الْمَالِكِ" (١).
وهذا أعظم ما يكون بينهما من الويل.
وروى أبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "شَرُّ الْمَالِ فِيْ آخِرِ الزَّمَانِ الْمَمَالِيْكُ" (٢).
وسيأتي مزيد بيان في التشبه بقوم لوط.
وكذلك من فتنة النساء أن يطلب بعضهن من بعضهن ما يطلب الرجل من المرأة، أو المرأة من الرجل، ولا سبيل إلى ذلك إلا بالسُّحق.
стр. 3171
وفي الحديث "سُحْقُ النِّسَاءِ زِنَا بَيْنَهُنَّ" (١).
وسبب ذلك أن الرجال اكتفوا بالرجال، فاكتفى النساء بالنساء، كما أخبر ﷺ أنه يكون في آخر الزمان، وإذا استخفت المرأة بفعل ذلك مع مملوكتها كان كاستخفاف الرجل باللواط مع مملوكه، وهذا من مداخل الشيطان إلى النسوان كما أن ذلك من مداخله إلى الرجال، ويخشى على الرجل المعرض عن حليلته أن يبوء بإثمه وإثمها.
стр. 3172
فَصْلٌ
ومن أصول الشهوات البنون؛ اقتصر عليهم لأن العرب ما كانوا يعدون البنات زينة، بل كان جهلاؤهم يعدونهنَّ عاراً وينبذونهن.
أو البنون شاملون للبنات؛ فإنه زينة أيضا وبالخصوص لأمهاتهن.
قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦].
وقال الله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ [الأنفال: ٢٨].
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]؛ فمن استعاذ منكم فليستعذ من مضلات الفتن. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).
وكذلك العشيرة من زينة الدنيا، وعشيرة الرجل بنو أبيه الأقربون،
стр. 3173
أو قبيلته كما في "القاموس" (١).
وفي كتاب الله تعالى ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
ولعل اشتقاقه من العِشرة - بالكسر - وهي المخالطة، فإذا كان الولد أو الوالد أو العشيرة يدعون الرجل إلى معصيَة الله تعالى، أو يشغلونه عن طاعته، كانوا فتنة عليه، بل مودته لهم وهم على غير طاعة الله فتنة له.
وقد روى الديلمي عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ عِنْدِي يَدًا وَلا نِعْمَةً فَيَوَدُّهُ قَلْبِي؟ فَإِنِّي وَجَدْتُ فِيْمَا أُوْحِيَ إِلَيَّ: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ﴾ [المجادلة: ٢٢] الآية (٢).
وفي حديث آخر: "لِفاسِقٍ".
وإنما دعا بذلك لأن النعمة والإحسان تدعوان إلى محبة المحسن ومودة المنعم، وهما يدعوان إلى موافقة المحبوب والمودود، وفي ذلك قد يكون الهلاك فينقلب الحبيب عدواً.
ولقد قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ
стр. 3174
وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: ١٤].
ومن عداوتهم شغله عن طاعة الله، وتكليفه ما لا يحصل إلا بمعصية كما روى أبو نعيم، والبيهقي، وغيرهما عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "يَأْتِيْ عَلَى النَّاسِ زَمَان لا يَسْلَمُ لِذِي دِيْنٍ دِيْنُهُ إِلاَّ مَنْ فَرَّ مِنْ شَاهِقٍ إِلَى شَاهِقٍ، أَوْ مِنْ بَحْرٍ إِلَى بَحْرٍ كَالثعْلَبِ بِأَشْبَالِهِ" (١).
وذلك في آخرِ الزَّمانِ إذا لم تنل المعيشة إلاَّ بمعصية اللهِ، فإذا كان كذلك حلتِ العزلة، يكون في ذلك الزمان هلاكُ الرَّجل على يدي أَبويهِ إن كان له أَبوان، فإن لم يكن له أبوان فعلى يدي زوجتهِ وولدهِ، فإن لم يكن له ولد فعلى يدي الأقاربِ والجيرانِ، يعيَّرونهُ بضيق المعيشة، ويكلِّفونه ما لا يطيق حتَّى يُورِد نفسه الموارد الَّتي يهلك فيها.
стр. 3175
فَصْلٌ
ومن أصول الشهوات المال، وأُسُّه الأعظم وأصله الذي يبنى عليه الذهب والفضة، ولذلك قدمهما الله تعالى في الآية على غيرهما من الأموال.
روى البخاري، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعِسَ عَبْدُ الدِّيْنَارِ، وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ، وَعَبْدُ الْخَمِيْصَةِ، إِنْ أُعْطِي رَضِي، وإنْ لَمْ يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وَانتكَسَ، وَإِذَا شِيْكَ فَلا انتُقَشْ" (١).
وروى الترمذي وصححه، والنسائي عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَا ذئْبَانِ جَائِعَانِ أُرْسِلا فِيْ غَنَمٍ بأكْثَرَ فَسَاداً لَهَا مِنْ حُبِّ الْمَالِ وَالشَّرَفِ فِي دِيْنِ الرَّجُلِ الْمُسْلِمِ" (٢).
وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال
стр. 3176
رسول الله ﷺ : "هَلَكَ الْمُكْثِرُوْنَ إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا" (١).
وروى الشيخان عن أبي ذر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "هُمُ الأَخْسَرُوْنَ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ".
قال أبو ذر: من هم يا رسول الله؟
قال: "الأكثَرُوْنَ مَالاً إِلاَّ مَنْ قَالَ هَكَذَا وَهَكَذَا" (٢).
وروى مسلم، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن عبد الله بن الشِّخِّير رضي الله تعالى عنه قال: انتهيت إلى النبي ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (١)﴾ [التكاثر: ١]- وفي رواية: وقد أنزلت عليه ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ - وهو يقول: "يَقُوْلُ ابْنُ آدَمَ: مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلاَّ مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَبقَيْتَ" (٣).
وأما الخيل المسوَّمة فليس عند ذوي الدنيا بعد النقدين أعز منهما خصوصاً عتاقها.
وفي الصحيح: "الْخَيْلُ لِثَلاثَةٍ: هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ، وَلِرَجُل أَجْرٌ، وَلِرَجُلٍ سِتْرٌ؛ فَأمَّا الَّتِيْ هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنواءً لأَهْلِ الإِسْلامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ" (٤). وذكر الحديث.
стр. 3177
وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨].
ولا شك أن الحمير عند أهل الحراثة والأعمال مال شاغل، بل هي عند اللائقة به أعز من الخيل عند علية الناس وملوكها.
والبغال بين الجنسين، وتتخذ للقوة، والجَمال، وحمل الأثقال، وسرعة الوصول إلى المقاصد.
وأما الأنعام فهي ثلاثة: الإبل، والبقر، والغنم، ولكل جنس منها نوعان، وكلها أموال محبوبة إلى أهلها.
روى ابن ماجه عن عروة البارقي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الإِبِلُ عِزٌّ لأَهْلِهَا، وَالْغَنَمُ بَرَكَةٌ، وَالْخَيْرُ مَعْقُوْدٌ بِنَوَاصِي الْخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (١).
والخير قد يشمل المال، وقد سمَّى الله تعالى المال خيراً في كتابه العزيز.
وروى أبو عبيد، وابن المنذر عن يحيى بن كثير رضي الله تعالى عنه - مرسلاً -: أن رسول الله ﷺ مر بإبل لحيٍّ يقال لهم: بنو الملوح، أو بنو المصطلق، قد عنست في أبوالها من السَّمَنِ، فتقنَّع بثوبه ومر، ولم ينظر إليها لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [طه: ١٣١] (٢).
стр. 3178
ووراء الخيل والأنعام أموال أخر، إلا أنه وقع ذكرها في الآية دون غيرها لأن هذه أصولها وغيرها كالتبع لها؛ كالفيلة فإنها مركوبة، وكالصيد والوز والدجاج والطير من المأكولات.
وهذه الأمور أموال بالنسبة إلى من يقتنيها أو من لا يقدر إلا على شيء منها، بل قد يقتنيها ويستكثر منها من له غنى عنها، ويكون ذلك أبلغ في الفتنة؛ لأن تحصيل هذه المزينات من البهائم بعد الاكتفاء من المواشي العظيمة دليل على استقصاء متخذها في طلب الدنيا والرغبة فيها، ومن هنا قال رسول الله ﷺ : "عِنْدَ اتِّخَاذِ الأَغْنِيَاءِ الدَّجَاجَ يَأْذَنُ اللهُ بِهَلاكِ القُرَى". رواه ابن ماجه، وغيره (١).
وأمَّا الحرث فإن المراد محله وهو الأرض، وما يطلب به بالاستنبات من ثمرة أو حب.
وقد روى الترمذي، والحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: " لا تتَّخِذُوْا الضَّيْعَةَ فَتَرْغَبُوْا فِيْ الدُّنْيَا" (٢).
قال في "القاموس": والضيعة: العقار والأرض المغلة (٣).
стр. 3179
وروى أبو داود، وغيره بإسناد صحيح، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِيْنَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْناَبَ الْبَقَرِ، وَرَضِيْتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيْكُمْ ذُلاًّ لا يَنْزعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِيْنِكُمْ" (١).
وإنما لَّوح ﷺ إلى مفارقة الدين بذلك لأن من رغَّب عن الجهاد - ولعله الجهاد الشامل لجهاد النفس في طاعة الله تعالى، وعن معاصيه - ورغب فيما ذكر من الاستقصاء في تحصيل الدنيا بحيلة العينة، ومزاحمة أهل الحراثة في حراثتهم، والاستكثار بالزروع، فقد غفل عن الله تعالى، فأوقعته الغفلة في الذلة.
ولقد شاهدنا هذا في ملوك الناس ووجوههم حين تركوا ما هو المطلوب منهم من الجهاد وطلب العلم والدين كيف ذلُّوا؛ وأيُّ ذلٍّ أعظم من ذل الجهل والاشتغال بغير الله تعالى.
فإن قلت: فقد ذكر الله تعالى في الآية من زينة الدنيا منكوحاتها، ومركوباتها، ومطعوماتها، ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [آل عمران: ١٤]، فما له لم يذكر ملبوساتها ومفروشاتها مع أنها من متاع الحياة الدنيا؟
قلت: بل هي مذكورة في الآية لأنها إما من جلود الأنعام
стр. 3180
وشعورها، وقد اشتملت عليها الأنعام.
وإمَّا من النباتات وهي داخلة في الحرث؛ لأن القطن والكتان من النبات.
وأما الحرير فإنه - وإن كان من دود القَز - فإنه إنما يتعيش من ورق التوت، وهو من النبات.
وقد نص على ذم المتعلق باللبس والفراش النبيُّ ﷺ في قوله في الحديث السابق: "تَعِسَ عَبْدُ الْخَمِيْصَةِ".
وفي "الصحيحين" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قام يصلي في خميصة ذات أعلام، فنظر إلى علمها، فلما قضى صلاته قال: اذهبُوْا بِهَذهِ الْخَمِيْصَةِ إِلَى أَبِي جَهْم بنِ حُذَيْفَةَ، وَائتوْنِي بِأَنْبِجَانِيَتِهِ؛ فَإِنَّهَا ألهَتْنِيْ آنِفًا عَنْ صَلاتِي".
وفي لفظ: "شَغَلَتْنِيْ أَعْلامُ هَذِهِ".
وفي رواية: "كُنْتُ أَنْظُرُ إِلَى عَلَمِهَا وَأَنَا فِيْ الصَّلاةِ فأَخَافُ أَنْ تَفْتِنِّي" (١).
وروى البخاري [عن عقبة بن عامر]، رضي الله تعالى عنه قال: أهدي إلى النبي ﷺ فرُّوج حرير، فلبسه فصلى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعا شديداً كالكاره له، وقال: "لا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِيْنَ" (٢).
стр. 3181
والفروج - بالفتح -: كساء فيه شق من خلفه، وكان هذا قبل تحريم الحرير؛ فإنما نزعه مع أنه كان مباحاً لأنه من الزينة المُلهية عن الصلاة كما ترك الخميصة، وآثر بها أبا جهم، واستبدل بها أنبجانيته، وقد روي بفتح الهمزة وكسرها؛ يقال: ثوب أنبجاني، ومنبجاني - بفتح الباء الموحدة فيهما -: نسبة إلى منبج كمجلس: موضع بالشام على غير قياس، وهو كساء أسود غليظ.
وسيرة النبي ﷺ والسلف في الطعام واللباس وغيرهما معروفةٌ في كتب الحديث.
وحاصلها لا يرجع إلى تحريم شيء من المباحات، بل إلى استحباب الاقتصاد والاقتصار على ما يجزئ العبد في قطع المسافة الدنيوية، والمسير إلى الله تعالى.
ولا سبيل في تحريم شيء من المباحات والمنع منها لئلا تتعطل حكمة خلقها للعباد المشار إليه بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩].
وإنما المقصود استعمالها على قوانين الشرع، والتأدب فيها بالآداب المطلوبة لتكون من المُوصلات إلى الله تعالى لا من القاطعات عنه، وإنما تكون قاطعة عن الله تعالى إذا أخذت بمقتضى الشهوة والهوى، لا بمقتضى الشرع والتقى؛ فافهم!
стр. 3182
فَصْلٌ
ولما كان للشيطان مداخل كثيرة على الإنسان عَجِبَتِ الملائكةُ الكرام ممن ينجو من الشيطان كما روى عبد الله ابن الإمام أحمد عن عبد العزيز بن رفيع رحمه الله تعالى قال: إذا عرج بروح المؤمن إلى السماء قالت الملائكة ﵈: سبحان الذي نجى هذا العبد من الشيطان، يا ويحه كيف نجا (١)!
وقد علمت أنه لا مدخل للشيطان على الإنسان إلا من قبل نفسه.
وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه: "الْمُؤْمِنُ كَيِّسٌ فَطِنٌ حَذِرٌ". رواه القضاعي (٢).
ومن كياسته أن يعلم أن النفس تميل إلى الشهوات، وأنَّ النار
стр. 3183
محفوفة بالشهوات، فيحاسب نفسه على كل شهوة تضره في الآخرة، فيدعها ويقلع عنها كما قال ﷺ : "الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ - أَيْ: حَاسَبَهَا - وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ" (١).
وكل شهوة تؤذي صاحبها بعد الموت فهي مدخل للشيطان إلى الإنسان؛ إذ مقصوده من كل أحد أن يكدّر عليه آخرته، ويبعده من رحمه الله تعالى عند الموت، كما أبلس هو منه، ولسان حاله يقول: كما عثرثني عثر جميع خلقك، ولا يليق هذا إلا به وبمن كان على طريقه.
وأما المؤمن فإنه يحب للناس ما يحب لنفسه، فمن غلب شهوته، ولم تبالغ نفسه فيها فقد سدَّ عنه مداخل الشيطان، فقد صار عنه الشيطان مطروداً.
وروى أبو نعيم عن وُهَيب رحمه الله تعالى أنه قال: من جعل شهوته تحت قدمه فزع الشيطان من ظله، ومن غلب حلمُه هواه فذلك العالم الغلاب (٢).
فعليك بحسم مواد نفسك عنك جملة، واتهامها في كل الأحوال اقتداء بالكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم ﵈ في قوله: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ
стр. 3184
﴿إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ [يوسف: ٥٣].
ومن حسن نظر يوسف ﵇ أنه اتهم نفسه، وأعرض عن ذكر الشيطان، وهو المسُول من حيث إن المقام مقام هضم النفس وعدم تزكيتها، وقال: ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي﴾ [يوسف: ١٠٠]، فنزَّه إخوته عن نسبَة ما فعلوه به إليهم على وجه الحقيقة، بل إلى نزغ الشيطان مبالغة في التلطف بأبيه والعفو عنهم، وإقامة العذر لهم مع ما في ذلك من الإشارة إلى قول أبيه ﵉: ﴿قَالَ يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٥)﴾ [يوسف: ٥]؛ كأنه موافق لأبيه في إقامة عذر إخوته في الجملة، وفي ذلك من كرم النفس ما لا يخفى.
وأنت أحق باتهام نفسك والنظر إلى عذر أخيك، فمهما رأيت لها هوى في شيء فإن وافق العلم فاتبعه من ناحية العبودية والامتثال لأمر الله تعالى وإظهار حكمته، لا من حيث إنه هوى وشهوة، وإن خالف العلم فاحذره؛ فإنه محل فرصة الشيطان واغتياله.
ثم ليكن من المقرر عندك أن الشيطان عدو محقق العداوة، شديد الحرص على اغتيالك، فينظر منك مثل هذه الفرصة، فيكون ذلك حامياً لك من كيده، كافياً لك من شره.
وليكن حذرك من الشيطان في حال طاعتك لله أكثر من حذرك منه في حال معصيتك، فقد قال بعض الحكماء: إن الشيطان يأتي ابن آدم من قبل المعاصي، فإن امتنع أتاه من وجه النصيحة حتى يلقيه في بدعة، فإن
стр. 3185
أبى أمره بالتحرج والشدة حتى يحرِّم ما ليس بحرام، فإن أبى شكك في وضوئه وصلاته حتى يخرج عن العلم، فإن أبى خفَّفَ عليه أعمال البر حتى يراه الناس صابراً عفيفًا فَيميل قلبه إليهم، ويعجب بنفسه، وبه يهلكه، وعنده يشتد لَجاجه؛ فإنه آخر درجه، ويعلم أنه لو جاوزه أفلت منه إلى الجنة. نقله حجة الإسلام في "الإحياء" (١).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن بكر بن خنيس رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ إبليس اللعين لعنه الله قال: ثلاث إذا وردت على واحدة منهن من ابن آدم فقد قدرت على حاجتي: من نسي ذنوبه، واستكثر عمله، وأعجب برأيه (٢).
فالشيطان يعجبك إلى نفسك، ويعجب نفسك إليك، ويعجب طاعتك لله إليك، فيكون العجب منك - وإن كنت على طاعة - أبلغ من المعصية لو كنت على معصية لأنه يحبط الطاعة.
وفي الحديث "كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِرَأْيِهِ (٣) ". رواه البيهقي عن مسروق مرسلاً، وأبو نعيم عنه عن ابن عمر متصلاً، ولفظه: "إِذَا أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ" (٤).
стр. 3186
وقال النبي ﷺ : "لَوْ لَمْ تَكُوْنُوْا تُذْنبُوْنَ لَخَشِيْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكبَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ الْعُجْبَ الْعُجْبَ". رواه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق"، والحاكم في "تاريخه" عن أنس رضي الله تعالى عنه (١).
ولو فتشتت لوجدت أن إعجاب الشيطان برأيه ونفسه هو الذي كان سببًا في طرده وعكسه.
وقد سبق أنه كان من الأخيار، فلما زكَّى نفسه وأعجب بها صار من الأشرار، فهو يود أن جميع بني آدم ضلوا كما ضل، وزلوا كما زل.
فاعلم أن الشيطان - وإن اطمأنت نفسك - لا والله لا يترك إرادتك بكل سوء حتى تفارق نفسك جسدك، بل هو عند موتك أشد إرادة لإضلالك منه قبل ذلك خشية أن تنفلت منه.
وفي الحديث: "إِنَّ الشَّيْطَانَ أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ مِنْ ابْنَ آدَمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ" كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الموت"، وأبو نعيم (٢).
فلا تغتر بطمأنينة نفسك وإن تحققت الطمأنينة منها، ولو ساغ ذلك
стр. 3187
لأحد لم يقل يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣].
بل ينبغي لكل أحد أن لا يأمن من مكر الله تعالى، ولا يترك الحذر من الشيطان؛ فإنه مترصد له في كل حال.
وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحذر" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: قيل لداود ﵇: يا داود! احذر لا يأخذك الله على ذنب، فتلقاه ولا حجة لك.
وقال محمود الوراق رحمه الله تعالى: [من المتقارب]
أَخافُ عَلَى الْمُحْسِنِ الْمُتَّقِي ... وَأَرْجُو لَدَى الْهَفَواتِ الْمُسِي
فَذَلِكَ خَوْفي عَلَى مُحْسِنٍ ... فَكَيْفَ عَلَى الظَّالِمِ الْمُعْتَدِي
عَلى أَنَّ ذا الزَّيْغِ قَدْ يَسْتَقِيْمُ ... وَيَسْتَأْنِفُ الزَّيْغَ قَلْبُ التَّقِي (١)
ولذلك أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧، ٨].
وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما يدعو: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوْبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِيْنِكَ".
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله! ما أكثر ما تدعو
стр. 3188
بهذا الدعاء؟
فقال: "لَيْسَ مِنْ قَلْب إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابعِ الرَّحْمَنِ؛ إِذَا شَاءَ أَنْ يُقِيْمَهُ أَقامَهُ، وإِذَا شَاءَ أَنْ يُزِيْغَهُ أَزَاغَهُ، أَما تَسْمَعِيْنَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية؟ رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها (١).
وفي الباب عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها. روياه هما والترمذي (٢).
وعن أنس رضي الله تعالى عنه. رواه هؤلاء، والبخاري في "الأدب المفرد"، وحسنه الترمذي (٣).
وعن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه. رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الحاكم (٤).
فإن أول ما يبدو من زيغ القلب ممن ظاهره الخير أن يرضى عن
стр. 3189
نفسه، ويزكيها، ويرى الناس دونها - وإن كان يعلم من نفسه الطاعة والسداد - فإنَّ للأعمال الصالحة آفات خفية، والخاتمة غيب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
وقد روى ابن أبي شيبة، والبزار، وأبو يعلى، والبيهقي في "دلائل النبوة" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ذكروا رجلًا عند النبي ﷺ ، فذكروا قوته في الجهاد، واجتهاده في العبادة، فإذا هم بالرجل مقبلاً، فقال النبي ﷺ : "إِنِّي لأَرَى فِيْ وَجْهِهِ سَفْعَةً مِنَ الشَّيْطَانِ"، فلما دنا سلم فقال له رسول الله ﷺ : "هَلْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيْ الْقَوْمِ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنْكَ"؟
قال: نعم الحديث (١).
وسفعة - بفتح المهملة، وإسكان الفاء -: السِّمة، والعلامة؛ من سفع الشيء: إذا علمه ووسمه، أو مِنْ سَفَعت وجهه السموم؛ أي: لفحته لَفحاً يسيراً، فأثَّرت فيه.
стр. 3190
فَصْلٌ
أول مودة كانت المودة بين آدم والملائكة ﵈، وأول عداوة كانت عداوة إبليس لعنه الله لآدم ﵇، ثم كان التوارث بعد ذلك، فورثت أولاد آدم عنه مودة الملائكة وعداوة الشيطان، وقد قال النبي ﷺ : "الْوُدُّ وَالْعَدَاوَةُ يُتَوَارثانِ". رواه صاحب "الغيلانيات" عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أنه قال لرجل من العرب كان يقال له عفير: يا عفير! كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في الود؟
قال رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْوُدُّ يُتَوَارَثُ، وَالْعَدَاوَةُ تُتوَارَثُ" (١).
وهذه الوراثة لا تكون في كل بني آدم، بل في أخيارهم كما روى الطبراني في "الكبير" عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه: أنه سمع