← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وقال النبي ﷺ : "لَوْ لَمْ تَكُوْنُوْا تُذْنبُوْنَ لَخَشِيْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكبَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ الْعُجْبَ الْعُجْبَ". رواه الخرائطي في "مساوئ الأخلاق"، والحاكم في "تاريخه" عن أنس رضي الله تعالى عنه (١). ولو فتشتت لوجدت أن إعجاب الشيطان برأيه ونفسه هو الذي كان سببًا في طرده وعكسه. وقد سبق أنه كان من الأخيار، فلما زكَّى نفسه وأعجب بها صار من الأشرار، فهو يود أن جميع بني آدم ضلوا كما ضل، وزلوا كما زل. فاعلم أن الشيطان - وإن اطمأنت نفسك - لا والله لا يترك إرادتك بكل سوء حتى تفارق نفسك جسدك، بل هو عند موتك أشد إرادة لإضلالك منه قبل ذلك خشية أن تنفلت منه. وفي الحديث: "إِنَّ الشَّيْطَانَ أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ مِنْ ابْنَ آدَمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ" كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "الموت"، وأبو نعيم (٢). فلا تغتر بطمأنينة نفسك وإن تحققت الطمأنينة منها، ولو ساغ ذلك

стр. 3187

لأحد لم يقل يوسف ﵇: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي﴾ [يوسف: ٥٣]. بل ينبغي لكل أحد أن لا يأمن من مكر الله تعالى، ولا يترك الحذر من الشيطان؛ فإنه مترصد له في كل حال. وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب "الحذر" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: قيل لداود ﵇: يا داود! احذر لا يأخذك الله على ذنب، فتلقاه ولا حجة لك. وقال محمود الوراق رحمه الله تعالى: [من المتقارب] أَخافُ عَلَى الْمُحْسِنِ الْمُتَّقِي ... وَأَرْجُو لَدَى الْهَفَواتِ الْمُسِي فَذَلِكَ خَوْفي عَلَى مُحْسِنٍ ... فَكَيْفَ عَلَى الظَّالِمِ الْمُعْتَدِي عَلى أَنَّ ذا الزَّيْغِ قَدْ يَسْتَقِيْمُ ... وَيَسْتَأْنِفُ الزَّيْغَ قَلْبُ التَّقِي (١) ولذلك أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٧) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٧، ٨]. وكان رسول الله ﷺ كثيراً ما يدعو: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوْبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِيْنِكَ". قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: يا رسول الله! ما أكثر ما تدعو

стр. 3188

بهذا الدعاء؟ فقال: "لَيْسَ مِنْ قَلْب إِلَّا وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابعِ الرَّحْمَنِ؛ إِذَا شَاءَ أَنْ يُقِيْمَهُ أَقامَهُ، وإِذَا شَاءَ أَنْ يُزِيْغَهُ أَزَاغَهُ، أَما تَسْمَعِيْنَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية؟ رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها (١). وفي الباب عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها. روياه هما والترمذي (٢). وعن أنس رضي الله تعالى عنه. رواه هؤلاء، والبخاري في "الأدب المفرد"، وحسنه الترمذي (٣). وعن النواس بن سمعان رضي الله تعالى عنه. رواه الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الحاكم (٤). فإن أول ما يبدو من زيغ القلب ممن ظاهره الخير أن يرضى عن

стр. 3189

نفسه، ويزكيها، ويرى الناس دونها - وإن كان يعلم من نفسه الطاعة والسداد - فإنَّ للأعمال الصالحة آفات خفية، والخاتمة غيب، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]. وقد روى ابن أبي شيبة، والبزار، وأبو يعلى، والبيهقي في "دلائل النبوة" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ذكروا رجلًا عند النبي ﷺ ، فذكروا قوته في الجهاد، واجتهاده في العبادة، فإذا هم بالرجل مقبلاً، فقال النبي ﷺ : "إِنِّي لأَرَى فِيْ وَجْهِهِ سَفْعَةً مِنَ الشَّيْطَانِ"، فلما دنا سلم فقال له رسول الله ﷺ : "هَلْ حَدَّثَتْكَ نَفْسُكَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيْ الْقَوْمِ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنْكَ"؟ قال: نعم الحديث (١). وسفعة - بفتح المهملة، وإسكان الفاء -: السِّمة، والعلامة؛ من سفع الشيء: إذا علمه ووسمه، أو مِنْ سَفَعت وجهه السموم؛ أي: لفحته لَفحاً يسيراً، فأثَّرت فيه.

стр. 3190

فَصْلٌ أول مودة كانت المودة بين آدم والملائكة ﵈، وأول عداوة كانت عداوة إبليس لعنه الله لآدم ﵇، ثم كان التوارث بعد ذلك، فورثت أولاد آدم عنه مودة الملائكة وعداوة الشيطان، وقد قال النبي ﷺ : "الْوُدُّ وَالْعَدَاوَةُ يُتَوَارثانِ". رواه صاحب "الغيلانيات" عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أنه قال لرجل من العرب كان يقال له عفير: يا عفير! كيف سمعت رسول الله ﷺ يقول في الود؟ قال رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الْوُدُّ يُتَوَارَثُ، وَالْعَدَاوَةُ تُتوَارَثُ" (١). وهذه الوراثة لا تكون في كل بني آدم، بل في أخيارهم كما روى الطبراني في "الكبير" عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه: أنه سمع

стр. 3191

النبي ﷺ : "الْوُدُّ الَّذِي يُتَوَارَثُ فِيْ أَهْلِ الإِسْلامِ" (١). فأما الأشرار فإنهم على الضد من أخلاق أبيهم آدم، يعرضون عن مودة الملائكة ﵈، ويوالون الشياطين، وإنما يكون ذلك بخذلان الله تعالى، كما يكون تخلقهم بأخلاق آدم ﵇ بتوفيق الله تعالى لهم. قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا﴾ [مريم: ٨٣]؛ أي: تهُزُّهم وتغريهم على المعاصي بالتسويلات، وتحبيب الشهوات إليهم، ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أي: بالهلاك ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا﴾ [مريم: ٨٤]. فهؤلاء لمَّا وَالوا عدو أبيهم، وأصروا حتى كفروا، أُخرجوا من موالاة أبيهم، ودخلوا في ولاية عدوه، فكانوا مع من والوه ولحقوا به، وباينوا من عادوه وأبلسوا عنه. وقد قيل: [من الطويل] صَدِيْقُ صَدِيْقِي داخِلٌ فِي صَداقَتِي ... صَدِيْقُ عَدُوِّي لَيْسَ لِي بِصَدِيْق فحُشروا مع من والوه من الشياطين كمَا قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢]؛ أي: قرناءهم، وأمثالهم من الشياطين. ثم لما تمت العداوة بين آدم ﵇ وبين الشيطان لعنه الله

стр. 3192

تعالى نشأت الحروب بينهما، ثم بينَ مَن بعد آدم وبين الشيطان، فكانت هذه الحروب بأمر من الله تعالى. ألا ترى كيف يقول تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧]. ثم قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. ثم كانت الدولة دائرة بين آدم وبين إبليس، وكانت الأيام بينهما مداولة، ثم كانت بين الناس وبين الشياطين مداولة؛ تارة تكون الدولة لأهل الحق، وتارة لأهل الباطل لحكمة ما ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨]. قال أبو جعفر رضي الله تعالى عنه وعن آبائه: إن للحق دولة، وإن للباطل دولة، ومن دولة الحق أن إبليس أمر بالسجود لآدم، فأديل آدم على إبليس، وابتلي آدم بالشجرة فأكل منها، فأديل إبليس على آدم. رواه ابن المنذر (١). قلت: ثم كانت النصرة آخراً لآدم حتى تلقى من ربه كلمات فتاب عليه، وبقي إبليس في اللعنة إلى يوم الوقت المعلوم، ثم إلى الأبد.

стр. 3193

وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران: ١٤٠]. قال السدي: يوماً لكم، ويوماً عليكم. وقال قتادة: والله لولا الدول ما أوذي المؤمنون، ولكن قد يدال للكافر من المؤمن، ويبلى المؤمن بالكافر ليعلم الله من يطيعه ممن يعصيه. رواهما ابن جرير (١). وقد علمت من ذلك أن دولة البر على الفاجر نصرة، ودولة الفاجر على المؤمن محنة وابتلاء، وتمحيص لذنوبه، ورفعة لدرجاته، وتأديب لنفسه، وتهذيب لخلقه، فيرجع إلى البراءة من الحول والقوة، والاعتراف بالعجز والضعف، وبذلك يكمل المؤمن، وتتم النعمة عليه، وينال الفوز والقربة.

стр. 3194

فَصْلٌ وعداوة النفس والشيطان للإنسان ثابتة بالكتاب والسنة. فأما النصوص الدالة على عداوة الشيطان فهي من الشهرة والكثرة بحيث لا تكاد تخفى على مسلم، ومن أنكر عداوة الشيطان لله تعالى، ولبني آدم فهو كافر، ومن غفل عن عداوته يوشك أن يؤخذ على غِرَّة منه، فيكون يوم القيامة ممن يخاطبه الله تعالى بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾ [يس: ٦٠ - ٦٢]. وأما النصوص الدالة على عداوة النفس فكثيرة، لكن لا يتنبه لها إلا العارفون لأن عداوة النفس مما يشكل فهمه، فإنَّ حب الإنسان لنفسه سليقة وخليقة، فكيف يتصور أن تكون نفسه عدوَّة له، ومن تأمل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] عَلِمَ أن من أساء إلى أحد بحيث يجازى بإساءته ويعاقب عليها، فإنما يعود شر إساءته على نفسه، فما أساء إلاَّ إلى نفسه. وكان علي بن أبي طالب يقول: ما أحسن أحد إلَّا إلى نفسه،

стр. 3195

وما أساء إلا على نفسه، ثم يقرأ: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: فعليها. وغاية ما يخشى من العدو أن يصل شره وإساءته إلى من يعاديه، وبذلك تحق العداوة وتستحكم، فالنفس قد بلغت غاية العداوة، ولذلك قال رسول الله ﷺ : "أَعْدَى أَعْدَائِكَ نَفْسُكَ الَّتِيْ بَيْنَ جَنْبَيِكَ". رواه البيهقي في "الزهد" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف (١). وروى فيه عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال لقوم قدموا من الجهاد: "قَدِمْتُمْ مِنَ الْجِهَادِ الأَصْغَرِ إِلَى الْجِهَادِ الأكبَرِ". قالوا: وما الجهاد الأكبر يا رسول الله؟ فقال: "جِهَادُ النَّفْسِ" (٢). وروى الترمذي، وابن حبان وصححاه، عن فَضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قوله قال: "الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ" (٣).

стр. 3196

زاد ابن مردويه في روايته: "فِيْ طَاعَةِ اللهِ" (١). وقد أمر رسول الله ﷺ بالاستعاذة من النفس كما أمر بالاستعاذة من الشيطان، كما روى أبو داود، والترمذي وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قال: يا رسول الله! مرني بكلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت. قال: "قُلْ: اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، رَبَّ كُلَّ شَيْءِ وَمَلِيْكَهُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ أنتَ، أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّ نفسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ وَشِركِهِ". قالَ: "قُلْهَا إِذَا أَصْبَحْتَ، وَإِذَا أَمْسَيْتَ، وإِذَا أَخَذْتَ مَضْجعَكَ" (٢). وفي تقديم الاستعاذة من النفس على الاستعاذة من الشيطان إشعار بشدة عداوتها، واهتمام بالاستعاذة منها.

стр. 3197

خَاتِمَة تشتمل على فوائِد روى المخلص عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوْا الشَّيْطَانَ، وَتَعَوَّذُوْا بِاللهِ مِنْ شَرِّهِ" (١). وهذا النهي محمول على خلاف الأولى، وله وجهان: الأول: أن الإنسان ينبغي له أن لا يعود لسانه إلا خيراً كما قيل: [من البسيط] عَوِّدْ لِسانَكَ قَوْلَ الْخَيْرِ وَارْضَ بِهِ ... إِنَّ اللِّسانَ لِما عَوَّدْتَ مُعْتادُ (٢) فلا يتعود الشر ولو بسبب الشيطان المسبوب بنص القرآن كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا﴾ [النساء: ٣٨]. والثاني: أن الشيطان لا ينقمع بالسب ولا باللعن، بل ربما يكون ذلك سبباً لتعاظمه كما في حديث والد أبي المليح (٣). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الذكر" عن مجاهد ﵀

стр. 3198

تعالى قال: إذا لعنت الشيطان قال الشيطان: لعنت ملعَّناً. وما اجتمع قوم قط فذكروه إلا حضرهم، وما شيء أقطع لظهره من: لا إله إلا الله (١). وروى أبو نعيم عن حسان بن عطية رحمه الله تعالى قال: إن العبد إذا لعن الشيطان ضحك فقال: إنك لعنت ملعَّناً. وإنما يخذل ظهره أن تتعوَّذ منه (٢). وروى ابن السمعاني في "أماليه" عن أبي الحسن الحبابري قال: كنت أصلي بالناس في بعض مساجد البصرة، وكنت أعزب أنام في المسجد، فصليت بالناس ليلة العشاء الآخرة، وأغلقت الباب، ووقفت أتنفل في المحراب شطر الليل، ثم جلست في المحراب أذكر الله تعالى وأستغفره لما سلف من الخطأ والذنوب، وألعن إبليس، إذ انشق المحراب فظهر علي شخص كريه المنظر، فقال لي: يا أبا الحسن! كم تلعنني منذ الليلة؟ ونحن ثلاثة تلعن واحداً وتترك اثنين. فقلت: أما أنت يا لعين فقد عرفتك، فمن الاثنان؟ قال: نفسك، وهواك، ثم أنشأ يقول: [من الكامل] أَهْمَلْتَ نَفْسَكَ فِي هَواكَ وَلُمْتَنِي ... لَوْ كُنْتَ تنصِفُ لُمْتَ نفسَكَ دُوني ومن مستظرفات الشعبي رحمه الله تعالى: أنه سُئِلَ عن أكل لحم الشيطان، فقال: نحن نرضى منه بالكفاف. نقله الماوردي في "أدب

стр. 3199

الدين والدنيا" (١). وقال وهب رحمه الله تعالى: اتق الله، ولا تسب الشيطان في العلانية وأنت صديقه في السر (٢). وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "قَالَ إِبْلِيْسُ: يَا رَبِّ! وَعِزَّتِكَ لا أَزَالُ أَغْوِيْ بَنِي آدَمَ مَا كَانَتْ أَرْوَاحُهُمْ فِيْ أَجْسَادهمْ، فَقَالَ اللهُ: وَعِزَّتِي لا أَزَالُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَروني" (٣). وروى البزار، والبيهقي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله! إني أذنبت. فقال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَذْنبتَ فَاسْتَغْفِرِ الله فَإِنِّي أَسْتَغْفِرُ الله". قال: ثم أعود فأذنب. قال: "إِذَا أَذْنبتَ فَاسْتَغْفِرْ رَبَّكَ". ثم عاد، فقال في الرابعة: "اسْتَغْفِرْ رَبَّكَ حَتَّى يَكُوْنَ الشَّيْطَانُ هُوَ الْمَحْسُوْرَ" (٤). وروى عبد الرزاق، وغيره عن ثابت رحمه الله تعالى قال: بلغني أن إبليس لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: ١٣٥] صاح إبليس بجنوده، وحثا على رأسه التراب، ودعا بالويل والثبور حتى جاءته جنوده من كل بر وبحر، فقالوا: ما لك يا سيدنا؟

стр. 3200

قال: إنه نزلت في كتاب الله آية لا يضر بعدها أحداً من بني آدم ذنب. قالوا: ما هي؟ فأخبرهم، قالوا: نفتح لهم باب الأهواء فلا يتويون ولا يستغفرون، ولا يرون إلا أنهم على الحق، فرضي منهم بذلك (١). وروى أبو يعلى عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عَلَيْكُمْ بِلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَالاسْتِغْفَارِ، فَأكثِرُوْا مِنْهُمَا؛ فَإِنَّ إِبْلِيْسَ قَالَ: أَهْلَكْتُ النَّاسَ بِالذُّنُوْبِ، وَأَهْلَكُوْنيْ بِلا إِلَهَ إِلا اللهُ وَالاسْتِغْفَارِ، فَلَمَّا رَأَيْتُ ذَلِكَ أَهْلَكْتُهُمْ بِالأَهْوَاءِ، فَيَحْسَبُوْنَ أنَّهُمْ مُهْتَدُّوْنَ" (٢). وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ عَمِلَ بِبِدْعَةٍ خَلاهُ الشَّيْطَانُ فِيْ الْعِبَادةِ، وَألقَى عَلَيْهِ الْخُشُوْعَ وَالْبُكَاءَ" (٣). وفيه إشارة أن الشيطان إنما تركه يتعبد، ولم يَحُل بينه وبين العبادة لأن مقصوده إلقاء ابن آدم في الشر، وكفى بالبدعة شراً، ولا تنفع العبادة مع البدعة، وإنما يعبث الشيطان بأهل السنة ليمنعهم من العبادة لأن

стр. 3201

العبادة مع السنة هي المعتدُّ بها. وقد روى ابن ماجه عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَقْبَلُ اللهُ لِصَاحِبِ بِدْعَةٍ صَلاةً، وَلا صَوْمًا، وَلا صَدَقَةً، وَلا حَجًّا، وَلا عُمْرَةً، وَلا جِهَادًا، وَلا صَرْفًا وَلا عَدْلاً، يَخْرُجُ مِنَ الإِسْلامِ كَمَا تَخْرُجُ الشَّعْرَةُ مِنَ الْعَجِيْنِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا في "الذكر" عن ابن جريج رحمه الله تعالى قال: بلغني أن الكلمة التي تزجر الملائكة الشياطين بها: ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. وهذا أتم مما رواه عبد الله ابن الإمام أحمد عن يحيى بن سليم الطائفي، وقد قدمناه في التشبه بالملائكة ﵈. وروى أبو نعيم عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: قرأت في الحكمة: كما أن الريح إذا هاجت زلزلت الشجر كذلك إبليس سلطانه يزلزل البشر (٢). قلت: وإنما يزلزل سلطانه أولياءه لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ [الحجر: ٤٢] وقال تعالى ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]. وفيه نكتة بديعة، وهي أن هذه الأمة لما كانت أكثر الأمم ذكراً،

стр. 3202

ولا شيء أقصم لظهر الشيطان من ذكر الرحمن، أنزل الله تعالى في كتابه الذي أنزله على نبيها ﷺ : ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: ٧٦]؛ أي: لا يقوم كيده ولا سلطانه مع سلطان الذكر، فظهر بذلك فضل هذه الأمة على الأمة التي نزل في كتابها أنَّ لإبليس سلطاناً يزلزل به البشر. وأين ذلك من قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]، وهم المتقون الذين يفرون من الشيطان إلى الذكر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١]. وروى أبو نعيم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: إن إبليس مُوثق في الأرض السفلى، فإذا تحرك كان كل شر على الأرض بين اثنين من تحركه (١). قلت: ومن هنا استحب للغضبان أن يتعوَّذ من الشيطان ليسكن غضبه؛ لأن حركة الشيطان تبطل بالذكر كما دلت الآية السابقة عليه، لأن الغضب من جملة طائف الشيطان. وقد فسره ابن عباس بالغضب، كما رواه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم (٢). ورواه ابن أبي الدنيا في "ذم الغضب"، وغيره عن مجاهد رحمه الله تعالى (٣).

стр. 3203

وفي "الصحيحين" عن سليمان بن صُرَد رضي الله تعالى عنه قال: استبَّ رجلان عند النبي، فجعل أحدهما يغضب ويحمرُّ وجهه وتنتفخ أوداجه، فنظر إليه النبي فقال: "إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ ذَا: أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا في "الذكر" عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى قال: إذا اجتمع قوم على ذكر الله أخرج الشيطان وشيعته على باب المسجد يقول لهم: انظروا هل قاموا بعد، فيضرب كتده، فيقولون له: ما لك تضرب كتدك؟ فيقول: أخشى عليهم الرحمة فلا يعذبون أبداً. والكَتَد - بفتحتين، وتاؤه مثناة فوقية -: الكاهل، وهو مقدَّم أعلى الظهر مما يلي العنق. وروى ابن أبي الدنيا في "المكائد" عن ثابت رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ إبليس ظهر ليحيى بن زكريا ﵉، فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال له يحيى ﵇: يا إبليس! ما هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيب من بني آدم. قال: فهل لي فيها شيء؟ قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة والذكر.

стр. 3204

قال: هل غير هذا؟ قال: لا. قال: لله علي أن لا أملأ بطني من طعام أبداً. فقال إبليس: ولله عليَّ أن لا أنصح مسلما أبداً (١). قلت: وهذا من باب تسخير إبليس للأنبياء ﵈ بحيث تأتيهم النصيحة والحكمة من غير أهلها، وقد اتفق مثل ذلك لنوح وموسى ﵉ كما سبق، وكذلك قد يسخر للصالحين. وقوله: ولله عليَّ أن لا أنصح مسلما أبداً: هذا خلقه أبدًا؛ فإنه أغش الخلق للخلق، كما قال مُطرِّف رحمه الله تعالى (٢). وربما وقع مثل ذلك من كثير من الناس أنه ينصح آخر فيغضب منه، فيقول: ما بقيت أنصح بعدك أحداً، ونحو هذا الكلام، فهو من أخلاق الشيطان كما علمت. وكذلك يضرب المثل فيقال: فلان لا ينصح مسلماً؛ بمعنى أنه على خلق شيطاني. وروى ابن أبي الدنيا عن فضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: حدثني بعض أشياخنا: أن إبليس جاء إلى موسى ﵇ وهو يناجي ربه ، فقال له الملك: ويلك ما ترجو منه وهو على هذه الحالة؟

стр. 3205

قال: أرجو منه ما رجوت من أبيه آدم وهو في الجنة (١). فإذا كان طمعه في موسى ﵇ وهو في حضرة ربه تعالى، فكيف طمعه فيمن دونه. وقد روى أبو نعيم عن أبي محمد حبيب الفارسي رحمه الله تعالى قال: والله إنَّ الشيطان ليلعب بالقُرَّاء كما تلعب الصبيان بالجوز، ولو أن الله تعالى دعاني يوم القيامة فقال: يا حبيب! فقلت: لبيك، فقال: جئتني بصلاة يوم، أو صوم يوم، أو ركعة، أو تسبيحة اتقيت عليها من إبليس أن لا يكون طعن فيها طعنة فأفسدها، ما استطعت أن أقول: نعم أيْ ربِّ (٢). وروى أبو نعيم عن أبي الجوزاء رحمه الله تعالى قال: والذي نفسي بيده إن الشيطان ليأزم بالقلب حتى ما يستطيع صاحبه يذكر الله، ألا ترونهم في المجالس يأتي على أحدهم عامة نومه لا يذكر الله إلا حالفاً، والذي نفس أبي الجوزاء بيده ما له في القلب طرد إلا: لا إله إلا الله، ثم قرأ: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: ٤٦] (٣).

стр. 3206

وروى البزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الَّذِي يَخْفِضُ وَيرْفَعُ قَبْلَ الإِمَامِ إنَّمَا نَاصِيتُهُ بِيَدِ شَيْطَانٍ" (١). ومن لطائف الآثار: ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى" عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً أسمعَهُ كلاماً، فقال له عمر: أردت أن يستفزني الشيطان بعز السلطان، فأنال منك اليوم ما تناله مني غداً، ثم عفا عنه (٢). وقوله: يستفزني؛ أي: يستخفني. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ [الإسراء: ٦٤]؛ أي: بالغناء، والمزامير، واللهو، والباطل كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "ذم الملاهي"، والمفسرون (٣). والغضب: لحظ النفس من الباطل وما يجر إليه، فمن أدركه الحلم والعفو عند الغضب، والقدرة على الانتقام فقد دحر عنه الشيطان، وكان له العز والسلطان، ومن هنا قال رسول الله ﷺ : "مَا زَادَ اللهُ عَبْداً بِعَفْوِ إِلاَّ عِزًّا" (٤).

стр. 3207

وروى أبو نعيم عن أبي حازم رحمه الله تعالى قال: وما إبليس؟ لقد عصى فما ضر، ولقد أطيع فما نفع (١). وقد قلت: [من السريع] مَنْ يُطِعِ الشَّيْطانَ لا يَنْتَفِعْ ... بِطاعَةِ الشَّيْطانِ مَهْما يُطِعْ وَمَنْ عَصَى الشَّيْطانَ ما ضَرَّهُ ... عِصْيانُهُ لَكِنَّهُ يَنْتَفِعْ فَلا تُطِعْ إِبْلِيْسَ فِي أَمْرهِ ... وَأَطِعِ اللهَ وَلا تَبْتَدِعْ روى ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى" عن أبي حازم رحمه الله تعالى أنه قيل له: إنك لمتشدد. قال: وما لي لا أتشدد وقد ترصَّدني أربعة عشر عدواً؟ أما أربعة منها: فشيطان يضلني، ومؤمن يحسدني، وكافر يقاتلني، ومنافق يبغضني. وأما العشَرة منها، فالجوع، والعطش، والحر، والبرد، والعري، والهوى، والمرض، والفقر، والموت، والنار، ولا أطيقهن إلا بسلاح تام، ولا أجد لهن سلاحاً أفضل من التقوى (٢). وروى أبو بكر بن لال في كتاب "مكارم الأخلاق" بسند ضعيف، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُؤْمِنُ بَيْنَ

стр. 3208

خَمْسِ شَدَائِدَ: مُؤْمِنٍ يَحْسُدُهُ، وَمُنَافِقٍ يُبْغِضُهُ، وَكَافِرٍ يُقَاتِلُهُ، وَشَيْطَانٍ يُضِلُّهُ، وَنفسٍ تُنَازِعُهُ" (١). وروى أبو نعيم عن طلحة بن مُصرِّف رحمه الله تعالى: المؤمن يجلب عليه إبليس من الشياطين "أكثر من ربيعة ومضر (٢). وروى ابن أبي حاتم في تفسير قوله تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، عن سفيان رحمه الله تعالى قال: باض إبليس خمس بيضات، فذريته من ذاك (٣). قال: وبلغني أنه يجتمع منهم على مؤمن واحد أكثر من ربيعة ومضر (٤). وروى ابن مردويه، وابن عساكر، وغيرهما عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء ﵁ يحدث الناس ويفتيهم، وولده وأهل بيته جلوس في جانب يتحدثون، فقيل له: يا أبا الدرداء! ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟

стр. 3209

قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ فِيْ الأَنْبِيَاءِ وَأَشَدَّهُمْ عَلَيْهِمُ الأَقْرَبُوْنَ". وذلك فيما أنزل الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] إلى آخر الآية. ثم قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ فِيْ الْعَالِمِ أَهْلُهُ حَتَّى يُفَارِقَهُمْ، وإنَّهُ لَيَشْفَعُ فِيْ أَهْلِ دارهِ وَجِيْرَانِهِ، فَإِذَا مَاتَ جَلا عَلَيهم مِنْ مَرَدَةِ الشَّيَاطِيْنِ أكْثَرُ مِنْ عَدَدِ رَبِيْعَةَ وَمُضَرَ قَدْ كَانُوْا مُشْتَغِلِيْنَ بِهِ؛ فَأكثِرُوا التَّعَوُّذَ بِاللهِ مِنْهُمْ" (١). وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن خيثمة رحمه الله تعالى قال: إن الله تعالى ليطرد بالرجل الشيطان من الآدر؛ أي: الدور (٢). وذلك بطاعة الله تعالى وكثرة ذكره، أو بالصمت والإعراض عنه مع الاشتغال بالقلب بالله تعالى، فيحوم الشيطان فلا يجد له في قلب ولي الله تعالى مساغاً، فيخسأ عنه وعن من في جيرته وحمايته ببركة صمته. وروى أبو يعلى عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ؛ فإنَّهَا جِمَاعُ كُلِّ خَيْرٍ، وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ؛

стр. 3210

فَإِنَّهُ رُهْبَانِيَّةُ الْمُسْلِمِيْنَ، وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللهِ وَتلاوَةِ كِتَابِ اللهِ؛ فَإِنَّهُ نُوْرٌ لَكَ فِي الأَرْضِ وَذِكْرٌ لَكَ فِيْ السَّمَاءِ، وَاخْزُنْ لِسَانَكَ إِلا مِنْ خَيْرٍ؛ فَإِنَّكَ بِذلِكَ تَغْلِبُ الشَّيْطَان" (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال له: "أُوْصِيْكَ بِتَقْوَى اللهِ؛ فَإِنَّهُ رَأْسُ الأَمْرِ كُلِّهِ. وَعَلَيْكَ بِتِلاوَةِ الْقُرْآنِ وَذِكْرِ اللهِ؛ فَإنَّهُ ذِكْرٌ لَهُ فِيْ السَّمَاءِ وَنُوْرٌ لَكَ فِيْ الأَرْضِ. وَعَلَيْكَ بِطُوْلِ الصَّمْتِ إِلاَّ مِنْ خَيْرٍ؛ فَإنَّهُ مَطْرَدَةٌ لِلشَّيْطَانِ عَنْكَ وَعَوْنٌ لَكَ عَلَى أَمْرِ دِيْنِكَ. إِيَّاكَ وَكَثْرَةَ الضحِكِ؛ فَإِنَّهُ يُمِيْتُ الْقَلْبَ وَيُذْهبُ بِنُوْرِ الْوَجْهِ. عَلَيْكَ بِالْجِهَادِ؛ فَإِنَّهُ رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِيْ. أَحِبَّ الْمَسَاكِيْنِ وَجَالِسْهُمْ. انْظُرْ إِلَى مَنْ تَحْتَكَ وَلا تَنْظُرْ إِلَى مَنْ فَوْقَكَ؛ فَإِنِّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرِيَ نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكَ. صِلْ قَرَابَتَكَ وإِنْ قَطَعُوْكَ. قُلِ الحَقَّ وإِنْ كَانَ مُرًّا.

стр. 3211

لا تَخَفْ فِيْ اللهِ لَوْمَةَ لائِمْ. ليحجْزكَ عَنِ النَّاسِ مَا تَعْلَمُ مِنْ نَفْسِكَ، وَلا تَجِدْ عَلَيْهِمْ فِيْمَا يَأْتِيْ. وَكَفَى بِالْمَرْءِ عَيْبًا أَنْ يَكُوْنَ فِيْهِ ثَلاثُ خِصَالٍ: أَنْ يَعْرِفَ مِنَ النَّاسِ مَا يَجْهَلُ مِنْ نَفْسِهِ، وَيَسْتَحْيِيَ لَهُمْ مِمَّا هُوَ فِيْهِ، ويُؤْذِيَ جَلِيْسَهُ. يَا أَبَا ذرٍ! لا عَقْلَ كَالتَّدْبِيْرِ، وَلا وَرَعَ كَالْكَفِّ، وَلا حَسَبَ كَحُسْنِ الْخُلُقِ" (١). وإنما ذكرت هذا الحديث بطوله هنا لأنه من غرر الفوائد. وروى أبو نعيم عن حسان بن عطية رحمه الله تعالى قال: إنما مثل الشياطين في كثرتهم كمثل رجل دخل زرعاً فيه جراد كثير، وكلما وضع فيه رجله تطاير الجراد يميناً وشمالاً، ولولا أن الله غض البصر عنهم ما رئي شيء إلا وعليه شيطان (٢). وعن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: إن رجلاً من بني إسرائيل صام سبعين أسبوعاً يفطر في كل سبعة أيام يوماً، وهو يسأل الله أن يريه كيف يَغوي الشيطان الناس، فلما أن طال ذلك ولم يجب، قال: لو أقبلت على خطيئتي، وعلى ذنبي وما بيني وبين ربي لكان خيراً لي من هذا الأمر الذي أطلب، فأرسل الله تعالى إليه ملكاً فقال: إن الله

стр. 3212

أرسلني إليك وهو يقول لك: إن كلامك هذا الذي تكلمت به أعجب إلي مما مضى من عبادتك، وقد فُتِحَ بصرك. قال: فنظر، فإذا هو أحبولة لإبليس قد أحاطت بالأرض، وإذا ليس أحد من بني آدم إلا وحوله شياطين مثل الذباب، فقال: أي رب! من ينجو من هذا؟ قال: الليِّن الوادع (١). وعنه أنه قال: وجدت في بعض ما أنزل الله على أنبيائه ﵈ أن الشيطان لا يكابد شيئاً أشد من مؤمن عاقل. وقال وهب أيضا: لَإزالة الجبال صخرة صخرة أيسر على الشيطان من مكابدة مؤمن عاقل (٢). وعنه قال: قال لقمان لابنه ﵉: يا بني! اعقل عن الله ؛ فإن أعقل الناس عن الله ؛ أحسنهم عقلاً، وإن الشيطان ليفر من العاقل وما يستطيع أن يكابده (٣). والمراد أن يكون عقله معروفاً في الورع، والزهد، والعزوف عن الدنيا؛ إذ هو العقل النافع كما يشير إليه كلام لقمان.

стр. 3213

ومن ثم قال أكثر العلماء: لو أوصى بثُلث ماله لأعقل الناس صُرِفَ إلى الزُّهاد (١). وليس المراد بالعقل الدَّهاء، والتدقيق في أمور الدنيا؛ فإنه من أمر الشيطان كما روى الدينوري في "المجالسة" عن مضاء: أنه قال: قال بعض الحكماء: العَقِلُ غيرُ الورعِ عَنِ الذنوبِ خازنُ الشيطان (٢). وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: إنَّ من فقه الرجل أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه الرجل أن يعلم أمزداد هو أم منتقص، وإنَّ من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن عامر بن حبيب الأحموسي قال: إن العبد ليعمل العمل سراً ما يطلع عليه أحد، فيطلب إبليس سنة، فإن أدركه وإلا تركه، يقول له: حدث بعملك؛ فإنه قد رفع إلى الله وليس بناقصك شيئاً، فإن حدث به مُحِي عنه أجر السر، وحُطَّ عنه أجر العلانية، ثم يطلب سنة، فإن أدركه وإلا تركه، يقول له: حدث، قد رفع إلى الله وليس بناقصك ذلك شيئاً، فإن حدث به مُحي أجر العلانية، وكتب رياء. وروى ابن جهضم عن صالح المُرِّي رحمه الله تعالى قال:

стр. 3214

ما عرف الله حق معرفته من آثر طاعة الشيطان على طاعته، وما عرف الآخرة حق معرفتها من آثر الدنيا عليها. وقال ابن أبي الدنيا في "الصمت": بلغني عن الحسن بن حي رحمه الله تعالى قال: المزاح استدراج من الشيطان، واختداع من الهوى (١). ونقله الماوردي في "أدبه" عن النبي ﷺ ، ولم أجده في أصول الحديث (٢). وروى ابن أبي الدنيا عن مسلم بن يَسار رحمه الله تعالى قال: إيَّاك والمِراء؛ فإنها ساعة جهل العالم، وبها يبتغي الشيطان زلته (٣). وروى الدينوري في "المجالسة" عن بكر بن خُنيس رحمه الله تعالى قال: بلغني أن إبليس اللعين قال: ثلاث إذا قدرت على واحدة منهن من ابن آدم فقد قدرت على حالتي: من نسي ذُنوبه، واستكثر عمله، وعجب برأيه (٤). وروى أبو نعيم عن أحمد بن أبي الحواري قال: سمعت إسحاق ابن خالد يقول: ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول ابن آدم: ليت

стр. 3215

شعري بما يختم لي؟ قال: عندها ييأس منه إبليس، ويقول: متى يعجب هذا بعمله؟ قال: فحدثت به مضاء بن عيسى، فقال: يا أحمد! عند الخاتمة قطع بالقوم. قال: فحدثت به أبا عبد الله النباجي، فقال: واخطراه (١). وعن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: ليس شيء أقطع لظهر إبليس من قول: لا إله إلا الله، ولا شيء يضاعف ثوابه من الكلام مثل: الحمد لله (٢). وعن عكرمة رحمه الله تعالى قال: إن الشيطان ليزيِّن للعبد الذنب حتى يكسبه، فإذا كسبه تبرَّأَ منه، فلا يزال العبد يبكي ويتضرع إلى الله ، ويستكين حتى يغفر له ذلك الذنب وما قبله، فيندم الشيطان على ذلك الذنب حين أكسبه إياه؛ غفر له الذنب وما قبله (٣). وروى ابن جهضم عن سهل بن عبد الله رحمه الله تعالى: أنه سُئِلَ: أي شيء أشد على إبليس؟ قال: إشارة قلوب العارفين بالله تعالى (٤). وروى ابن أبي شيبة عن ثابت البناني رحمه الله تعالى: أنَّ أبا تامر

стр. 3216

رحمه الله تعالى كان رجلاً عابداً، فنام ذات ليلة قبل أن يصلي العشاء، فأتاه ملكان أو رجلان في منامه، فقعد أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الذي عند رأسه للذي عند رجليه: الصلاة قبل النوم ترضي الرحمن، وتسخط الشيطان. وقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه: إن النوم قبل الصلاة يرضي الشيطان، ويسخط الرحمن (١). قلت: وهذا من باب العتاب في النوم. وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبدهِ خَيْرًا عَاتَبَهُ فِيْ مَنَامِه". رواه الديلمي (٢). وروى ابن المبارك في "الزهد" عن عطاء الخراساني رحمه الله تعالى قال: نبي من الأنبياء ﵈ بساحل، فإذا هو برجل يصطاد حيتاناً، فقال: بسم الله، فألقى شبكته، فلم يخرج فيها حوت واحد، ثم بآخر فقال: باسم الشيطان، فخرج فيها من الحيتان كثير حتى جعل الرجل يتقاعس من كثرتها، فقال النبي ﵇: رَبِّ! هذا الذي دعاك ولم يشرك بك شيئاً ابتليته بأن لم يخرج في شبكته شيء، وهذا الذي دعا غيرك ابتليته فخرج في شبكته ما جعل يتقاعس تقاعساً من كثرتها، وقد علمت أن كل ذلك بيدك، فأنى هذا؟

стр. 3217

فقال: اكشفوا لعبدي عن منزلتهما. فلما رأى ما أعدَّ الله لهذا من الكرامة، وما أعدَّ لهذا من الهوان، قال: رضيت يا رب (١). وروى الإمام أحمد، والطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ خَارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلاَّ بِبَابِهِ رَايَتَانِ: رَايَةٌ بِيَدِ مَلَكٍ، وَرَايَةٌ بِيَدِ شَيْطَانٍ، فَإِنْ خَرَجَ لِمَا يُحِبُّ اللهُ اتَّبَعَهُ المَلَكُ بِرَايَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رَايَةِ الْمَلَكِ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى بَيْتِهِ، وَإِنْ خَرَجَ لِمَا يُسْخِطُ اللهَ اتَّبَعَهُ الشَّيْطَانُ بِرَايَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رَايَةِ الشِّيْطَانِ حَتَّى يَرْجِعَ" (٢). وروى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا خَرَجَ الرَّجُلُ مِنْ بَيْتِهِ فَقَالَ: بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، لا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللهِ، يُقَالُ لَهُ: هُدِيْتَ، وَكُفِيْتَ، وَوُقِيْتَ، فيتنحَّى لَهُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُوْلُ لَهُ شَيْطَانٌ آخَرُ: كَيْفَ لَكَ بِرَجُلٍ كُفِيَ، وَهُدِيَ، وَوُقِيَ؟ " (٣). وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال

стр. 3218

رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمُؤْمِنَ يُنْضِي - أَيْ: يُهْزِلُ - شَيْطَانهُ كَمَا يُنْضِي أَحَدُكُمْ بَعِيْرَهُ فِيْ السَّفَرِ" (١). وروى ابن أبي الدنيا عنه ﵁ قال: التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر، فإذا شيطان الكافر سمين دهين كاسي، وإذا شيطان المؤمن هزيل أشعث عاري، فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن: ما لك؟ قال: أنا مع رجل إذا أكل سمَّى فأظل جائعاً، وإذا شرب سمَّى فأظل عطشان، وإذا ادهن سمَّى فأظل شعثاً، وإذا لبس سمى فأظل عرياناً. قال شيطان الكافر: لكني مع رجل لا يفعل شيئاً مما ذكرته، فأنا أشاركه في طعامه وشرابه ولباسه (٢). وعن قيس بن الحجاج رحمه الله تعالى: قال لي شيطاني: دخلت فيك وأنا مثل الجزور، وأنا الآن مثل العصفور. فقلت: ولم ذاك؟ قال تذيبني بكتاب الله (٣).

стр. 3219

وروى ابن المبارك في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: إذا نظر إليك الشيطان فرآك مداوماً في طاعة الله تعالى، فبغاك وبغاك، فرآك مداوماً مَلَّكَ ورفضك، وإذا كنت مرة هكذا ومرة هكذا طمع فيك (١). وروى أبو نعيم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: ليس من الآدميين أحد إلا معه شيطان موكَّل به، أما الكافر فيأكل من طعامه، ويشرب معه من شرابه، وينام معه على فراشه، وأما المؤمن فهو مجانب له ينتظر متى يصيب منه غفلة أو غِرة، فيثِبُ إليه، وأحب الآدميين إلى الشيطان النؤوم الأكول (٢). وعن حسان بن عطية رحمه الله تعالى قال: قيل لعثمان رضي الله تعالى عنه: ما يمنعك أن تكون مثل عمر رضي الله تعالى عنه؟ قال: أتجعلوني مثل رجل أوثقت الشياطين في خلافته حتى انقرضت (٣). وروى الطبراني بسند صحيح، عن وحشي بن حرب ﵁: أن النبي ﷺ خرج لحاجته من الليل وترك باب البيت مفتوحاً، ثم رجع فوجد إبليس قائما في وسط البيت، فقال النبي ﷺ : "اخْسَأْ يَا خَبِيْثُ مِنْ بَيْتِي".

стр. 3220

ثم قال رسول الله ﷺ : "إِذَا خَرَجْتُمْ مِنْ بُيُوْتكُمْ بِاللَّيْلِ فَأَغْلِقُوا أَبْوَابَهَا" (١). وروى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن يزيد رحمه الله تعالى قال: إن للشيطان قارورةً فيها نفوخ، فإذا قاموا إلى الصلاة أنشقهموها، فأمروا عند ذلك بالاستنثار (٢). وعن إبراهيم - يعني: النخعي رحمه الله تعالى - قال: مسح أصحاب رسول الله ﷺ على الخفين، فمن ترك ذلك رغبة فإنما هو من الشيطان (٣). وروى الإمام أحمد بسند جيد، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي إِلاَّ اللَّبَنَ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ بَيْنَ الرَّغْوَةِ وَالضِّرعِ" (٤). والمعنى أنَّ الشيطان يُحِب الموضع الذي يكثر فيه اللبن، وأكثر ما يكون في البادية، فالمراد التنفير من سكنى البادية؛ إذ تكثر فيها الألبان خشية من الشيطان كما في حديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال:

стр. 3221

سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هَلاكُ أُمَّتِي فِي الْكِتَابِ وَاللَّبَنِ". قالَوا: يا رسولَ اللهِ ما الكِتابُ واللَّبن؟ قالَ: "يتَعَلَّمُوْنَ الْقُرآنَ فَيتأَوَّلُوْنهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَيُحِبُّوْنَ اللَّبَنَ فَيَتْركُوْنَ الْجَمَاعَاتِ وَيُبْدُوْنَ". رواه الإمام أحمد بإسناد حسن (١). وقوله: "يبدون"؛ أي: يسكنون البادية كما قال ﷺ : "مَنْ بَدَا جَفَا". رواه الإمام أحمد عن البراء، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم (٢). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولفظه: "مَنْ سَكَنَ الْبادِيَةَ جَفا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمنْ أَتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ" (٣). على أن هذه الخصال الثلاث هي مجامع مطلوبات الشياطين: الجفاء، والغفلة، والفتنة. وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَكُوْنُ قَوْمٌ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِيْ يَقْرَؤُوْنَ الْقُرآنَ وَيَتَفَقَّهُوْنَ

стр. 3222

فِيْ الدِّيْنِ، يَأتِيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُوْلُ لَهُمْ: لَوْ أتيْتُم السُّلْطَانَ فَأَصْلَحَ مِنْ دُنْيَاكُمْ، وَاعْتَزَلتمُوْهُ بِدِيْنِكُم، وَلا يَكُوْنُ ذَلِكَ كَمَا لا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلاَّ الشَّوْك، لا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِم إِلَّا الْخَطَايَا" (١). وروى الإمام أحمد، والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنْ مَوْلُوْدُ يُوْلَدُ إِلاَ نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَتِهِ، إِلاَّ ابْنَ مَرْيَمَ وَأمَّهُ". قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] (٢). وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن عساكر عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: لما ولد عيسى ﵇ أتت الشياطين - يعني: إلى إبليس - فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها. فقال: هذا حدث؟ مكانكم، فطار حتى جاب خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاب البحار فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضاً فوجد عيسى ﵇ قد ولد، وإذا الملائكة ﵈ قد حفت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيا قد ولد البارحة، ما حملت أنثى ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا، فايئسوا أن تعبد الأصنام

стр. 3223

بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قِبَل الحقد والعجلة (١). وروى أبو نعيم عنه قال: إن إبليس قال لعيسى ﵇ حين وضعه على بيت المقدس: زعمت أنك تحيي الموتى، فإن كنت كذلك فادع الله أن يردَّ هذا الجبل خبزاً. فقال له عيسى: أكُل الناس يعيشون من الخبز؟ قال له إبليس: فإن كنت كما تقول فثب من هذا المكان؛ فإن الملائكة تتلقاك. قال: إن ربي أمرني أن لا أجرب نفسي، فلا أدري هل يسلمني أم لا. وعن طاوس، والزهري رحمهما الله تعالى قالا: لقي عيسى بن مريم ﵉ إبليس فقال: أما علمت أنه لا يصيبك إلا ما قدر لك؟ قال: نعم. قال: فأوف نذوره، هذا الجبل فَتَرَدَّ منه، فانظر أتعيش أم لا؟ قال طاوس في حديثه: قال: علمت أن الله تعالى قال: لا تجربني عبدي؛ فإني أفعل ما شئت. وقال الزهريّ: قال: إن العبد لا يبتلي ربَّه، ولكنَّ الله تعالى يبتلي عبدَه.

стр. 3224

قال: فخَصَمهُ (١). وروى الحكيم الترمذي في "النوادر"، وابن أبي الدنيا في "المكائد"، وأبو الشيخ في "العظمة"، وابن حبان في "الضعفاء"، وابن مردويه في "التفسير" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "خَلَقَ اللهُ الْجِنَّ ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ حَيَّاتٌ، وَعَقَارِبُ، وَخَشَاشُ الأَرْضِ، وَصِنْفٌ كَالرِّيْحِ فِيْ الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ، وَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَ ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ كَالْبَهَائِمِ؛ قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآية، وَصنْفٌ أَجْسَادهُمْ أَجْسَادُ يَني آدَمَ وَأَرْوَاحُهُمْ أَرْوَاحُ الشَيَاطِيْنِ، وَصِنْفٌ فِيْ ظِلَّ اللهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَبْغَضَ عِبَادِ اللهِ إِلَى اللهِ الْعِفْرِيْتُ النَّفْرِيْتُ ائَذِي لَمْ يَرْزَأْ فِيْ مَالٍ وَلا وَلَدٍ" (٣). وروى ابن المبارك في "الزهد" عن الحجاج بن الفرافضة رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن في بعض الكتب: من عمل بغير مشورة فذاك

стр. 3225

باطل يتعنى، ومن لم ينتصر من ظالمه بيد ولا لسان ولا عقد فذلك علمه يقين، ومن استغفر لظالمه فقد هزم الشيطان (١). وعن أبي رزين رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى الفضيل بن بزوان رحمه الله تعالى فقال: إن فلاناً يقع فيك، فقال: لأغيظن مَنْ أمره؛ يغفر الله لي وله. قيل: مَنْ أمره؟ قال: الشيطان (٢). وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، عن سَمُرة ابن جُندب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيْسُ وَكَانَ لا يَعِيْشُ لَهَا، فَقَال: سَمِّيْهِ عَبْدَ الْحَرْثِ؛ فَإنَّهُ يَعِيْشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَرْثِ فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْي الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ" (٣). وروى ابن جرير عن السدي رحمه الله تعالى: أن إبليس كان اسمه قبل أن يلعن: الحرث (٤). وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن اسمه كان: عزازيل؛ قال
следующие страницы →