سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هَلاكُ أُمَّتِي فِي الْكِتَابِ وَاللَّبَنِ".
قالَوا: يا رسولَ اللهِ ما الكِتابُ واللَّبن؟
قالَ: "يتَعَلَّمُوْنَ الْقُرآنَ فَيتأَوَّلُوْنهُ عَلَى غَيْرِ مَا أَنْزَلَ اللهُ ، وَيُحِبُّوْنَ اللَّبَنَ فَيَتْركُوْنَ الْجَمَاعَاتِ وَيُبْدُوْنَ". رواه الإمام أحمد بإسناد حسن (١).
وقوله: "يبدون"؛ أي: يسكنون البادية كما قال ﷺ : "مَنْ بَدَا جَفَا". رواه الإمام أحمد عن البراء، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم (٢).
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، ولفظه: "مَنْ سَكَنَ الْبادِيَةَ جَفا، وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمنْ أَتى السُّلْطانَ افْتُتِنَ" (٣).
على أن هذه الخصال الثلاث هي مجامع مطلوبات الشياطين: الجفاء، والغفلة، والفتنة.
وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيَكُوْنُ قَوْمٌ بَعْدِي مِنْ أُمَّتِيْ يَقْرَؤُوْنَ الْقُرآنَ وَيَتَفَقَّهُوْنَ
стр. 3222
فِيْ الدِّيْنِ، يَأتِيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَيَقُوْلُ لَهُمْ: لَوْ أتيْتُم السُّلْطَانَ فَأَصْلَحَ مِنْ دُنْيَاكُمْ، وَاعْتَزَلتمُوْهُ بِدِيْنِكُم، وَلا يَكُوْنُ ذَلِكَ كَمَا لا يُجْتَنَى مِنَ الْقَتَادِ إِلاَّ الشَّوْك، لا يُجْتَنَى مِنْ قُرْبِهِم إِلَّا الْخَطَايَا" (١).
وروى الإمام أحمد، والبخاري ومسلم عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "مَا مِنْ مَوْلُوْدُ يُوْلَدُ إِلاَ نَخَسَهُ الشَّيْطَانُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ نَخْسَتِهِ، إِلاَّ ابْنَ مَرْيَمَ وَأمَّهُ".
قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] (٢).
وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن عساكر عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: لما ولد عيسى ﵇ أتت الشياطين - يعني: إلى إبليس - فقالوا: أصبحت الأصنام قد نكست رؤوسها.
فقال: هذا حدث؟ مكانكم، فطار حتى جاب خافقي الأرض فلم يجد شيئاً، ثم جاب البحار فلم يقدر على شيء، ثم طار أيضاً فوجد عيسى ﵇ قد ولد، وإذا الملائكة ﵈ قد حفت حوله، فرجع إليهم فقال: إن نبيا قد ولد البارحة، ما حملت أنثى ولا وضعت إلا وأنا بحضرتها إلا هذا، فايئسوا أن تعبد الأصنام
стр. 3223
بعد هذه الليلة، ولكن ائتوا بني آدم من قِبَل الحقد والعجلة (١).
وروى أبو نعيم عنه قال: إن إبليس قال لعيسى ﵇ حين وضعه على بيت المقدس: زعمت أنك تحيي الموتى، فإن كنت كذلك فادع الله أن يردَّ هذا الجبل خبزاً.
فقال له عيسى: أكُل الناس يعيشون من الخبز؟
قال له إبليس: فإن كنت كما تقول فثب من هذا المكان؛ فإن الملائكة تتلقاك.
قال: إن ربي أمرني أن لا أجرب نفسي، فلا أدري هل يسلمني أم لا.
وعن طاوس، والزهري رحمهما الله تعالى قالا: لقي عيسى بن مريم ﵉ إبليس فقال: أما علمت أنه لا يصيبك إلا ما قدر لك؟
قال: نعم.
قال: فأوف نذوره، هذا الجبل فَتَرَدَّ منه، فانظر أتعيش أم لا؟
قال طاوس في حديثه: قال: علمت أن الله تعالى قال: لا تجربني عبدي؛ فإني أفعل ما شئت.
وقال الزهريّ: قال: إن العبد لا يبتلي ربَّه، ولكنَّ الله تعالى يبتلي عبدَه.
стр. 3224
قال: فخَصَمهُ (١).
وروى الحكيم الترمذي في "النوادر"، وابن أبي الدنيا في "المكائد"، وأبو الشيخ في "العظمة"، وابن حبان في "الضعفاء"، وابن مردويه في "التفسير" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "خَلَقَ اللهُ الْجِنَّ ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ حَيَّاتٌ، وَعَقَارِبُ، وَخَشَاشُ الأَرْضِ، وَصِنْفٌ كَالرِّيْحِ فِيْ الْهَوَاءِ، وَصِنْفٌ عَلَيْهِمُ الْحِسَابُ وَالْعِقَابُ، وَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَ ثَلاثَةَ أَصْنَافٍ: صِنْفٌ كَالْبَهَائِمِ؛ قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] الآية، وَصنْفٌ أَجْسَادهُمْ أَجْسَادُ يَني آدَمَ وَأَرْوَاحُهُمْ أَرْوَاحُ الشَيَاطِيْنِ، وَصِنْفٌ فِيْ ظِلَّ اللهِ يَوْمَ لا ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ" (٢).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَبْغَضَ عِبَادِ اللهِ إِلَى اللهِ الْعِفْرِيْتُ النَّفْرِيْتُ ائَذِي لَمْ يَرْزَأْ فِيْ مَالٍ وَلا وَلَدٍ" (٣).
وروى ابن المبارك في "الزهد" عن الحجاج بن الفرافضة رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن في بعض الكتب: من عمل بغير مشورة فذاك
стр. 3225
باطل يتعنى، ومن لم ينتصر من ظالمه بيد ولا لسان ولا عقد فذلك علمه يقين، ومن استغفر لظالمه فقد هزم الشيطان (١).
وعن أبي رزين رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى الفضيل بن بزوان رحمه الله تعالى فقال: إن فلاناً يقع فيك، فقال: لأغيظن مَنْ أمره؛ يغفر الله لي وله.
قيل: مَنْ أمره؟
قال: الشيطان (٢).
وروى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، عن سَمُرة ابن جُندب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا حَمَلَتْ حَوَّاءُ طَافَ بِهَا إِبْلِيْسُ وَكَانَ لا يَعِيْشُ لَهَا، فَقَال: سَمِّيْهِ عَبْدَ الْحَرْثِ؛ فَإنَّهُ يَعِيْشُ، فَسَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَرْثِ فَعَاشَ، وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ وَحْي الشَّيْطَانِ وَأَمْرِهِ" (٣).
وروى ابن جرير عن السدي رحمه الله تعالى: أن إبليس كان اسمه قبل أن يلعن: الحرث (٤).
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: أن اسمه كان: عزازيل؛ قال
стр. 3226
بعضهم: وهو بمعنى الحرث (١).
وروى هو وابن المنذر، وأبو الشيخ عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: أن إبليس كان اسمه في الملائكة: الحرث (٢).
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنَّما سمِّي إبليس لأنه أُبلِسَ من رحمة الله كلها (٣).
وروى ابن أبي حاتم عن السدي رحمه الله تعالى قال: الإبلاس: تغيُّر الوجه، وإنما سُمِّي إبليس لأن الله تعالى نكَّس وجهَه وغيَّره (٤).
ورويا عن ابن زيد قال: المبلس: المجهود المكروب الذي قد نزل به الشر الذي لا يدفعه (٥).
وإبليس إن قيل: إنه عربي، فاشتقاقه من البَلَس - بالتحريك - مصدر: بَلِس كفرح، فهو بلس ككشف، وهو المبلس الساكت على ما في نفسه، والبلس على وزن المصدر: مَن لا خير عنده، أو من عنده إبلاس وشر.
وحقيقة الإبلاس التحير والتغير، والكآبة والحزن، ومنه قول
стр. 3227
رُؤبة: [من السريع]
وَحَضَرَتْ يَوْمَ الْخَمِيْسِ الأَحْماسْ .... وَفِي الْوُجُوهِ صُفْرَةٌ وإِبْلاسْ (١)
وقال أبوه العجاج: [من الرجز]
يا صاحِ هَلْ تَعْرِفُ رَسْماً مكْرسا ... قالَ نَعَم أَعْرِفُهُ وَأَبْلَسا (٢)
وروى الإمام أحمد عن مسلم بن عبد الله الأزدي قال: جاء عبد الله ابن قُرط الأزدي ﵁ إلى النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : "مَا اسْمُكَ؟ "
قال: شيطان بن قرط:
فقال له النبي ﷺ : "أَنْتَ عَبْدُ اللهِ بْنُ قُرْطٍ" (٣).
وروى الطبراني بسند صحيح، عن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النبي ﷺ وأتي بثوب من القَصَّار وعليه مكتوب: شيطان، فأُمِرَ به فَمُحِيَ، وقال: "أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ" (٤).
وروى بسند فيه متروك، عن خيثمة بن عبد الرحمن، عن أبيه
стр. 3228
رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النبي ﷺ فقال لأبي: "هَذَا ابْنُكَ؟ "
قال: نعم.
قال: "مَا اسْمُهُ؟ "
قال: الحباب.
قال: "لا تُسَمِّهِ الْحُبَابَ؛ فَإِنَّ الْحُبَابَ شَيْطَانٌ، وَلَكِنْ هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ" (١).
وقال مسروق: سألني عمر ﵁: مسروق ابن من؟
قلت: مسروق بن الأجدع.
قال: الأجدع اسم شيطان، قال: مسروق بن الأجدع (٢).
وفي ذلك إشارة إلى كراهة التسمية بأسماء الشياطين.
قال البغوي: وقال عبد الرحمن بن أبي نُعم: يكره أن يسمى الرجل مُرَّة، ويكتنى بأبي مُرَّة. قال: وجاء في الحديث "شَرُّ الأَسْمَاءِ حَرْثٌ وَمُرَّةُ" (٣). انتهى (٤).
стр. 3229
وقد تقدم أن كنية إبليس أبو مرة، وأن مرة اسم ولد من أولاده.
ولا تكره التسمية بالحارث - وإن كرهه بعضهم - لأن أصدق الأسماء حارث وهمام كما في الحديث الصحيح (١)، وأمَّا تسمية إبليس بالحرث فكان ذلك قبل أن يصير شيطاناً.
وروى الدينوري أن رجلاً قال للشعبي: ما اسم امرأة إبليس؟
قال: ذاك عرس ما شهدته (٢).
لكن التحقيق أن من الشياطين إناثاً؛ لحديث الصحيحين عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ إذا دخل الخلاء قال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ" (٣).
قال الخطابي: الخبث - بضم الباء -: جماعة الخبيث، والخبائث جمع الخبيثة؛ يريد ذكور الشياطين وإناثهم.
ورأى رسول الله ﷺ رجلاً يتبع حمامة فقال: "شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانةً". أخرجه أبو داود عن أبي هريرة، وابن ماجه عنه، وعن أنس، وعن عثمان، وعن عائشة رضي الله تعالى عنهم (٤).
стр. 3230
وروى الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد رضي الله تعالى عنهما: أنها كانت عند رسول الله ﷺ والرجال والنساء قعود عنده، فقال: "لَعَلَّ رَجُلًا يَقُوْلُ: مَا فَعَلَ بأَهْلِهِ، وَلَعَل امْرَأة تُخْبِرُ بِمَا فَعَلَتْ مَعَ زَوْجِهَا، فَأرَمَّ الْقَوْمُ".
فقلت: إي والله: أعلم أنهم ليفعلون وأنهن ليفعلن. قال: "فَلا تَفْعَلُوْا؛ فَإِنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِثْلُ شَيْطَانٍ لقِيَ شَيْطَانةً فَغَشِيَهَا وَالنَّاسُ يَنْظُرُوْنَ" (١).
وأخرج البزار نحوه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه (٢).
فأَرَمَّ القوم؛ أي: سكتوا - بفتح الهمزة، والراء، وتشديد الميم -.
وروى ابن أبي شيبة عن ثابت: أن مطرفاً رحمه الله تعالى كان يقول: لو أن رجلًا رأى صيداً والصيد لا يراه، فختله، ألم يوشك أن يأخذه.
قالوا: بلى.
قال: فإن الشيطان يرانا، ونحن لا نراه، ويصيب منا (٣).
قلت: وأشار إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ﴾؛ يعني: الشيطان ﴿يَرَاكُمْ﴾
стр. 3231
هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧].
وروى عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن قتادة رحمه الله تعالى: أنه قال في الآية: والله إن عدواً يراك من حيث لا تراه لَشديد المونة إلا من عَصم الله (١).
وروى ابن أبي حاتم عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَقَبِيلُهُ﴾؛ قال: نسله (٢).
قال مجاهد رحمه الله تعالى: سأل الشيطان - يعني: لنفسه ولذريته - أن يَرى ولا يُرى، وأن يخرج من تحت الثرى، وأنه متى شاب عاد فتى، فأجيب. رواه أبو الشيخ (٣).
وروى ابن أبي الدنيا عن سفيان رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢]؛ قال: ليس له سلطان على أن يحملهم على ذنب لا يغفر (٤).
وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي﴾ الآية قال: عبادي الذين قضيت لهم بالجنة أن يذنبوا ذنباً لا أغفره لهم (٥).
وروى ابن جرير عن يزيد بن قسيط رحمه الله تعالى قال: كان
стр. 3232
الأنبياء ﵈ يكون لهم مساجد خارجة من قراها، فإذا أراد النبي أن يستنبئ ربه عن شيء خرج إلى مسجده، فصلى ما كتب له، ثم سأل ما بدا له، فبينا نبي في مسجده إذ جاءه إبليس حتى كان بينه وبين القبلة، فقال النبي ﵇: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم - ثلاثاً - فقال إبليس: أخبرني بأي شيء تنجو مني؟
قال النبي: بل أخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم.
فأخذ كل منهما على صاحبه، فقال النبي ﵇: إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢].
قال إبليس: قد سمعت هذا قبل أن تولد.
قال النبي ﵇: ويقول الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠]، وإني والله ما أحسَسْت بك قط إلا استعذت بالله منك.
فقال إبليس: صدقت، بهذا تنجو مني.
قال النبي: فأخبرني بأي شيء تغلب ابن آدم.
قال: آخذه عند الغضب، وعند الهوى (١).
قلت: ومن هنا أرشدنا رسول الله ﷺ أن يقول أحدنا عند الغضب:
стр. 3233
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
وروى ابن أبي شيبة عن أبي جعفر رحمه الله تعالى مرسلاً: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللَّهُمَّ إِني أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّكِّ بَعْدَ الْيَقِيْنِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ مُقَارَنَةِ الشَّيَاطِيْنِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الدِّيْنِ" (١).
وروى أبو يعلى بسند حسن، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال رسول الله ﷺ : "مَنْ اسْتَعَاذَ بِاللهِ فِيْ الْيَوْمِ عَشْرَ مَرَّات مِنَ الشَّيْطَانِ وَكَّلَ اللهُ بِهِ مَلَكًا يَرُدّ عَنْهُ الشَّيَاطِيْن" (٢).
وروى الديلمي عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ رَجُل يَدْعُوْ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِيْ أَوَّلِ لَيْلهِ وَأَوَّلِ نَهَارِهِ إِلاَّ عَصَمَهُ مِنْ إِبْلِيْسَ وَجُنُوْدِهِ: بِسْمِ اللهِ ذِيْ الشَّأْنِ، عَظِيْمِ الْبُرْهَانِ، شَدِيْدِ السُّلْطَانِ، مَا شَاءَ اللهُ كَانَ، أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ".
وروى ابن أبي شيبة، وأبو نعيم عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى قال: إذا قال الإنسان حين يصبح: أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم عشر مرات، أُجير من الشيطان حتى يمسي، وإذا قاله
стр. 3234
ممسياً أجير من الشيطان حتى يصبح (١).
وروى أبو نعيم عن كعب رحمه الله تعالى قال: لولا كلمات أقولهن حين أصبح وحين أمسي لجعلتني اليهود مع الكلاب النابحة والحمر الناهقة: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بَرٌّ ولا فاجر، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه من شر ما خلق وذرأ وبرأ، ومن شر الشيطان وحزبه (٢).
وروى ابن السني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ تَدَاعَتْ جُنُوْدُ إِبْلِيْسَ وَأَجْلَبَتْ، وَاجْتَمَعَتْ كَمَا تَجْتَمعُ النَّحْلُ عَلَى يَعْسُوْبِهَا، فَإِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيْسَ وَجُنُوْدِهِ؛ فَإِنَّهُ إِذَا قَالَهَا لَمْ تَضُرَّهُ" (٣).
والآيات، والأذكار، والأدعيَة الحافظة من الشيطان كثيرة تطلب من محالِّها.
والاستعاذة بالله من الشيطان مأمور بها في كتاب الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ
стр. 3235
بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [المؤمنون: ٩٧ - ٩٨].
قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَمِنْ هَمزِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ".
قال: همزه: الموتة، ونفثه: الشهوة، ونفخه: الكبرياء. رواه ابن أبي حاتم وغيره (١).
وقال الله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٠، ٢٠١].
وحقيقة الاستعاذة من الشيطان التجاء إلى الله تعالى، واعتصام بحبله من خلل يطرأ على العبد، أو خطأ يحصل منه في القراءة وغيرهما، وإقرار لله تعالى بالعبودية والقدرة، واعتراف من العبد بالضعف والعجز عن هذا العدو الباطن الذي لا يقدر على رفعه ومنعه إلا الله تعالى الذي خلقه، فهو لا يقبل مصانعة، ولا يدارى بإحسان، ولا يقبل رشوة، ولا يؤثِّر فيه جميل، بخلاف العدو الظاهر من جنس الإنسان كما دلت عليه الآيات الثلاثة من القرآن العظيم التي أرشد الله فيها إلى رد العدو الإنساني والشيطاني، فقال تعالى في سورة الأعراف: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]، فهذا ما يتعلق بالعدو الإنساني.
стр. 3236
ثم قال: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٠].
وقال في المؤمنين: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦].
ثم قال: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧].
وقال في فصلت: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [فصلت: ٣٤ - ٣٦].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في هذه الآية: أمر الله المؤمنين بالصبر عند الغضب، والحلم عند الجهل، والعفو عند الإساءة، فإذا فعلوا ذلك عصمهم الله تعالى من الشيطان، وخضع لهم عدوهم كأنَّه ولي حميم. رواه البيهقي في "سننه"، والمفسرون (١).
واعلم أن الغضب يكون من نزغ الشيطان وحمية النفس، فإذا استعاذ بالله المؤمن عند غضبه بطل عنه عمل الشيطان ونزغه، ثم يرد حمية النفس بالحلم والعفو، ودفع السيئة بالحسنة، وقد أمن من شر غضبه.
قال خيثمة رحمه الله تعالى: كان يقال: إن الشيطان يقول: كيف يغلبني ابن آدم؛ إنه إذا رضي جئت حتى أكون في قلبه، وإذا غضب
стр. 3237
طِرْت حتى أكون في رأسه؟ رواه ابن أبي شيبة (١).
قلت: يغلبه بذكر الله تعالى، والتسمية في أموره كلها، والاستعاذة منه كما في حديث والد أبي المليح رضي الله تعالى عنه، وكان رديفَ رسولِ الله ﷺ فعثرت بهما الدابة، فقال: تعس الشيطان.
فقال له النبي ﷺ : "لا تَقُلْ: تَعِسَ الشَّيْطَانُ، فَإِنَّهُ يَعْظُمُ حَتَّى يَصِيْرَ مِثْلَ الْبَيْتِ، وَيَقُوْلُ: بِقُوَّتِي صَرَعْتُهُ، وَلَكِنْ قُلْ: بِسْمِ اللهِ؛ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ تَصَاغَرَ حَتَّى يَصِيْرَ مِثْلَ الذُّبَابِ". رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم وغيره (٢).
واعلم أن العبد لا يهتدي إلى دفع نزغ الشيطان وكيده عنه بذكر الله تعالى إلا بتوفيقه.
وفي "الصحيحين"، وغيرهما عن سليمان بن صرد ﵁ قال:
استبَّ رجلان عند النبي ﷺ ، فاشتد غضب أحدهما، فقال النبي ﷺ : "إِنِّيْ لأَعْلَمُ كَلِمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ الْغَضَبُ: أَعُوْذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ".
فقال الرجل: أمجنون تراني؟
فتلا رسول الله ﷺ : ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف: ٢٠٠] (٣).
стр. 3238
وفي "سنن أبي داود"، و"الترمذي"، و"النسائي" عن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: استَبَّ رجلان عند النبي ﷺ ، فغضب أحدهما غضباً شديدًا حتى خُيلَ لي أن أنفه يتمزع من شدة غضبه، فقال النبي ﷺ . "إِنِّىْ لأَعْلَمُ كَلمَةً لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ عَنْهُ مَا يَجِدُ مِنَ الْغَضَبِ".
فقال: ما هي يا رسول الله؟
قال: "تَقُوْلُ: اللَّهُمَّ إِنَّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيْمِ".
قال: فجعل معاذ يأمره، فأبى وضحك، وجعل يزداد غضبًا" (١).
فالذي يهتدي إلى الاستعاذة عند الغضب من أولياء الله تعالى الموفقين، ولا يكون ذلك إلا بتوفيق رب العالمين.
ولقد قال مطرف بن عبد الله رحمه الله تعالى: إنما وجدت العبد ملقى بين ربه تعالى وبين الشيطان، فمن استشلاه ربه - أو قال: استنقذه - نجا، وإن تركه للشيطان ذهب به. رواه الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" (٢).
ورواه الإمام أحمد في "زهده"، ولفظه: وجدت العبد ساقطًا بين يدي ربه وبين الشيطان، فمن تركه ربه ذهب به الشيطان، وإن عصمه
стр. 3239
ربه اعتصم (١).
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: إنما مثل ابن آدم كالشيء الملقى بين يدي الله تعالى وبين الشيطان، فإن كان لله فيه حاجةً حازه من الشيطان، وإن لم يكن لله فيه حاجة خلَّى بينه وبين الشيطان (٢).
وروى أبو الشيخ في كتاب "الثواب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثةٌ مَعْصُوْمُوْنَ مِنَ شَرِّ إِبْلِيْسَ وَجُنُوْدِهِ: الذَّاكِرُوْنَ اللهَ كَثِيْرًا بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْمُسْتَغْفِرُوْنَ بِالأَسْحَارِ، وَالْبَاكُوْنَ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ" (٣).
وروى أبو نعيم عن يوسف بن الحسين الرازي رحمه الله تعالى قال: سمعت ذا النون رضي الله تعالى عنه يدعو ويقول: إلهي! الشيطان لك عدو ولي عدو، ولن تغيظه بشيء أنكا له من عفوك عنا؛ فَاعف عنا (٤).
ولعل مأخذ ذي النون من قول النبي ﷺ : "مَا رُؤِيَ الشَّيْطَانُ يَوْمًا
стр. 3240
هُوَ فِيْهِ أَصْغَرُ وَلا أَدْحَرُ وَلا أَحْقَرُ وَلا أَغْيَظُ مِنْهُ فِيْ يَوْمِ عَرَفَةَ، وَمَا ذَاكَ إِلاَّ لِمَا يَرَى مِنْ تَنَزُّلِ الرَّحْمَةِ وَتَجَاوُزِ اللهِ عَنِ الذُنُوْبِ الْعِظَامِ، إِلاَّ مَا رُئيَ يَوْمَ بَدْرٍ؛ فَإِنَّهُ رَأَى جِبْرِيْلَ ﵇ يَزَعُ الْمَلائِكَةَ". رواه مالك، ومن طريقه البيهقي، وغيره عن طلحة بن عبد الله بن كريز رحمه الله تعالى، مرسلاً (١).
وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "يَقُوْمُ مِنْ بَيْتِ الْمَيَّتِ الْمُؤْمِنِ إِلَى قَبْرِهِ صَفَّانِ مِنَ الْمَلائِكَةِ يَسْتَقْبِلُوْنَهُ بِالاسْتِغْفَارِ، فَيَصِيْحُ إِبْلِيْسُ عِنْدَ ذَلِكَ صَيْحَةً يَنْصَدِع لَهَا بَعْضُ عِظَامِ جَسَدِهِ، ويَقُوْلُ لِقَوْمِهِ: الْوَيْلُ لَكُمْ! كَيْفَ خَلَصَ هَذَا الْعَبْدُ مِنْكُمْ؟ فَيَقُوْلُوْنَ: هَذَا كَانَ مَعْصُوْمًا" (٢).
وروى ابن أبي الدنيا عن سفيان رحمه الله تعالى قال: إن الشيطان أشد بكاء على المؤمن إذا مات من بعض أهله لما فاته من فتنته إياه في دنياه (٣).
وعن يحيى بن سعيد رحمه الله تعالى قال: لما حضرت عمرة ابنة عبد الرحمن رحمهما الله تعالى الوفاة اجتمع عندها ناس من التابعين منهم
стр. 3241
عروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو سلمة، فبينما هم عندها وقد أغمي عليها إذ سمعوا نفيضًا من السقف، فإذا ثعبان أسود قد سقط كأنه جذع عظيم، فأقبل يهوي نحوها إذ سقط رق أبيض فيه مكتوب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من رب عكب إلى عكب، ليس لكم على بنات الصالحين سبيل، فلما نظر إلى الكتاب سعى (١) حتى خرج من حيث نزل (٢).
وروى ابن المبارك في "الزهد"، وابن أبي الدنيا عن عطاء بن يسار رضي الله تعالى عنه قال: تبدى إبليس لرجل عند الموت، [فقال: نجوت مني]، فقال: ما نجوت منك بعد (٣).
وقال الإمام عبد الله ابن الإمام أحمد رحمة الله عليهما: حضرت وفاة أبي، وبيده (٤) خرقة لأشد لحييه، فكان يغرق ثم يفيق، ويقول بيده: لا بعد، لا بعد، فعل هذا مراراً، فقلت له: يا أبه! أي شيء يبدو مِنك؟
فقال: الشيطان قائم بحذاي عاض على أنامله، يقول: فُتَّنِي يا أحمد، وأنا أقول: لا بعد حتى أموت (٥).
وحكى القرطبي في "التذكرة" عن شيخ شيخه أحمد بن محمد
стр. 3242
القرطبي أنه احتضر فقيل له: قل: لا إله إلا الله.
فكان يقول: لا.
فلما أفاق ذكرنا له ذلك، فقال: أتاني شيطانان عن يميني وعن يساري، يقول أحدهما: مُت يهودياً فإنه خير الأديان، والآخر: مت نصرانيًا فإنه خير الأديان، وكنت أقول لهما: لا لا، أتقولان هذا وقد كتبت بيدي في كتاب الترمذي، والنسائي عن النبي ﷺ : "إنَّ الشَّيْطَانَ يَأْتِيْ أَحَدَكُمْ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَقُوْلُ: مُتْ يَهُوْدِيًّا مُتْ نَصْرَانِيًّا"، "فَكَانَ الْجَوَابُ لَهُمَا لا لَكُمْ.
قال القرطبي: لم أجد هذا الحديث في كتاب الترمذي، وأما النسائي فإنه نسخ، فيحتمل أن يكون في بعضها.
وقيل: إن الله إذا أراد أن يثبِّت أحداً عند الموت بعث إليه جبريل ﵇.
وقيل: يبعث إليه الرحمة فتقول له: هؤلاء أعداؤك من الشياطين، مت على الحنيفية والشريعة، فما شيء أحب إلى الإنسان وأفرح مِنْهُ، فذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨].
وكان النبي ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إِنَّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنَ الْهَرَمِ، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ الْمَوْتِ". رواه أبو داود (١).
стр. 3243
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والترمذي عن أم سلمة ﵂: أن رسول الله ﷺ كان يكثر في دعائه أن يقول: "اللَّهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوْبِ ثَبِّتْ قَلْبِيْ عَلَى دِيْنِكَ".
قلت: يا رسول الله! كان القلوب لتنقلب؟
قال: "نعَمْ، مَا مِنْ خَلْقِ اللهِ مِنْ بَشَرٍ مِنْ بَنِيْ آدَمَ إِلاَّ وَقَلْبُهُ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابعِ اللهِ، فَإِنْ شَاءَ أَقَامَهُ وَإِنْ شَاءَ أَزَاغَهُ، فَنَسْأَلُ اللهَ تَعَالَى أَنْ لا يُزِيْغَ قُلُوْبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا، وَنَسْألهُ أَنْ يَهَبَ لَنَا مِنْ لَدُنْهُ رَحْمَةً إِنَّهُ هُوَ الْوَهَّابُ".
قلتُ: يا رَسولَ اللهِ! ما أَكثرَ مَا تَدعو بِهذَا الدُّعاءِ! أَلا تُعلّمني دَعوةً أَدْعُو بِها لِنَفسِي؟
قالَ: "بَلَى، قُلْ: اللَّهُمَّ رَبَّ مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ! اغْفِرْ لِيْ ذَنْبِي، وَأَذْهِبْ غَيْظَ قَلْبِي، وَأَجِرْنِي مِنْ مُضِلاَّتِ الْفِتَنِ مَا أحْيَيْتَنِي" (١).
وروى الأولان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ كثيرًا ما يدعو: "يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوْبِ! ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِيْنِكَ".
قلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء؟
فقال: "لَيْسَ مِنْ قَلْب إِلاَّ وَهُوَ بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابعِ الرَّحْمَنِ، إِذَا شَاءَ أَنْ يُقِيْمَهُ أَقَامَهُ، وَإِذَا شَاءَ أَنْ يُزِيْغَهُ أَزَاغَهُ، أَما تَسْمَعِيْنَ قَوْلَهُ
стр. 3244
تَعَالَى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨)﴾ [آل عمران: ٨] " (١).
وفي الباب عن أنس، وسبرة بن فاتِك، وجابر، والنواس بن سمعان رضي الله تعالى عنهم (٢).
وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن سفيان رحمه الله تعالى قال: إذا سئل الميت: من ربك؟ تزايا له الشيطان في جنوده يشير إلى نفسه: أنا ربك (٣).
ولذلك كان السلف يستحبون إذا وضع الميت في قبره أن يقولوا: اللهم أعذه من الشيطان، كما رواه الحكيم الترمذي أيضًا عن عمرو بن مرة رحمه الله تعالى (٤).
وروى الطبراني بسند ضعيف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهِا خَرَّ إِبْلِيْسُ سَاجِدًا يُنَادِي: إِلَهِي! مُرْنِيْ أَنْ أَسْجُدَ لِمَنْ شِئْتَ، فَتَجْتَمعُ إِلَيْهِ زَبَانِيَّتُهُ، فَيَقُوْلُوْنَ: يَا سَيِّدَهُمْ! مَا هَذَا التَّضَرُّعُ؟ فَيَقُوْلُ: إِنِّيْ سَأَلْتُ رَبي أَنْ يُنْظِرَنِيْ إِلَى الْوَقْتِ الْمَعْلُوْمِ، قَالَ:
لا يُوْلَدَ أَحَدٌ مِنْ نِكَاحٍ، ثُمَّ يعْقِمُ اللهُ النسَاءَ ثَلاثِيْنَ سَنَةً، وَيَكُوْنُوْنَ كُلُّهُمْ أَوْلاد زِنَا شِرَارَ النَّاسِ، عَلَيْهِمْ تَقُوْمُ السَّاعَةُ" (١).
وروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن أبي بكر الهذلي رحمه الله تعالى قال: لما نزلت: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦]: قال إبليس: يا رب! وأنا من الشيء، فنزلت: ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦] فنزعها من إبليس (٢).
وروى ابن المنذر نحوه عن ابن جريج، وعن السدي، ورواه عبد ابن حميد عن قتادة رحمهم الله تعالى (٣).
وفي "شعب الإيمان" للحافظ أبي بكر البيهقي: عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦] مدَّ إبليس عنقه، فقال: أنا من الشيء، فنزلت ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦)﴾ [الأعراف: ١٥٦]، فمدت اليهود والنصارى أعناقها، فقالوا: نحن نؤمن بالتوارة والإنجيل، ونؤدي الزكاة، فاختلسها الله تعالى من إبليس واليهود والنصارى، فجعلها لهذه الأمة خاصة، فقال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧] الآية (٤).
стр. 3247
وروى الطبراني بسند ضعيف، عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ الْفَاجِرُ فِيْ دِيْنِهِ، وَالأَحْمَقُ فِيْ مَعِيْشَتِهِ، وَالَّذِي بَعَثَنِي لَيَغْفِرَنَّ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَغْفِرَةً يَتَطَاوَلُ لَهَا إِبْلِيْسُ رَجَاءَ أَنْ تُصِيْبَهُ" (١).
وروى الإمام أحمد عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "أَوَّلُ مَنْ يُكْسَى حُلَّةً مِنَ النَّارِ إِبْلِيْسُ فَيَضعَهَا عَلَى حَاجِبِهِ، وَيَسْحَبَهَا مِنْ خَلْفِهِ، وَذُرِّيتُهُ مِنْ بَعْدِهُ وَهُوَ يُنَادِي: يَا ثُبُوْرَاهُ، وَهُمْ يُنَادُوْنَ: يَا ثُبُوْرَهُمْ، حَتَّى يَقِفُوْا عَلَى النَّارِ، فَيَقُوْلُ: يَا ثُبُوْرَاهُ، ويَقُوْلُوْنَ: يَا ثُبُوْرَهُمْ، فَيُقَالُ لَهُمْ: ﴿لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ [الفرقان: ١٤] " (٢).
وفي كتاب الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩) وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوِينَ (٩١) وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣) فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧ - ٩٤]؛ أي: الآلهة، إلا ما استثنى الله بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ [الأنبياء: ١٠١].
стр. 3248
وقد قيل: (إنَّ) في الآية بمعنى (إلا)، وكان الأصل: إنا في معنى إلا، حذفت الألف للساكنين.
ومعنى ﴿فَكُبْكِبُوا (٩٤)﴾ [الشعراء: ٩٤] جمعوا؛ أي: فجمع فيها الآلهة إلا ما استثنى ﴿وَالْغَاوُونَ (٩٤)﴾ [الشعراء: ٩٤]: الذين عبدوهم، ﴿وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥) قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨) وَمَا أَضَلَّنَا إِلَّا الْمُجْرِمُونَ (٩٩) فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١) فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ أي: رجعة إلى الدنيا ﴿فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٠٣) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [الشعراء: ٩٤ - ١٠٤].
فهذا آخر أمر الشيطان اللعين، وآخر أتباعه الغاوين، ومن كان يؤمن بهذا، فكيف تسمح نفسه باتباعه والتشبه به وهو يعلم ما ينتهي أمره وأمر أتباعه وأشباهه إليه.
ولقد قلت: [من مجزوء الرمل]
أَوَّلُ الشَّيْطانِ رَجْمٌ ... وَمَدَى الشَّيْطانِ لَعْنُ
وَلأَشْباهِ الشَّيا ... طِينِ عَنِ الْخَيْراتِ وَهْنُ
وَلَهُمْ فِي يَوْمِ فَصْلِ الـ ... أَمْرِ إِبْعادٌ وَحُزْنُ
وَعَلَيْهِمْ كُلُّ يسَهْلٍ ... كَيْفَ كانَ الْقَوْمُ حُزْنُ
وَلِمَنْ تابَ إِلَى اللَّـ ... ـهِ مِنَ الْعِصْيانِ أَمْنُ
стр. 3249
النَّوْعُ الثَّاني مِنَ القِسمِ الثَّاني مِنَ الكتَابِ فِي النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُهِ بِالكُفَارِ
وهم أتباع الشيطان في المعصية التي لا تُغفر، وهي الشرك بالله تعالى، فيتعين على المؤمن أن يتجنب التشبه بهم في أصل الكفر، والخصال التي يعتادونها؛ إما لترتبها على الكفر، أو لاستجرارها إليه؛ أي: لأنها تُنقص الإيمان وتُوهيه، أو لنحو ذلك لِمَا علمت في أول الكتاب من أن من تشبه بقوم فهو منهم.
وقال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا". رواه الترمذي من حديث عبد الله بن عمرو (١).
وروى الديلمي عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ عَمِلَ بِسُنَّةِ غَيْرِنَا" (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ (١٣)﴾ [يونس: ١٣] أي: من عهد قابيل إلى بعثة النبي ﷺ ﴿لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ
стр. 3250
وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا (١٣)﴾ [يونس: ١٣]؛ أي: يصدقوا بالله ورسله، وما جاؤوا به، ويعملوا بمقتضى ذلك ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (١٣)﴾ [يونس: ١٣] أي: ممن بعدهم من هذه الأمة إلى آخر الدهر ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾ [يونس: ١٤]؛ أي: هل تستقيمون على ما أمرتم به، أم تعملون مثل أعمالهم؟
وفيه وعيد شديد لمن حذا حَذْوهم في الظلم والإجرام، والإعراض عن الإيمان والإسلام.
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ (١١٥)﴾ [النساء: ١١٥] الآية.
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا (١٥٦)﴾ [آل عمران: ١٥٦].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [يونس: ٩٤ - ٩٥].
وإذا كان هذا الخطاب مع المعصوم فكيف بغيره، أو الخطاب للنبي والمراد به أمته.
وقال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٤) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [يونس: ١٠٤ - ١٠٥].
وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ
стр. 3251
مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ (٢٢)﴾ [المجادلة: ٢٢].
ولقد بينا لك سابقًا أن التشبه بالقوم دليل محبتهم ومودتهم، واستحسان أحوالهم وطريقتهم.
وقال تعالى في ذم المقتدين بأسلافهم في الكفر والمعصية: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ [البقرة: ١٧٠].
وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ [لقمان: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾ [البقرة: ١١٨].
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ [التوبة: ٣٠].
أي: كيف يُصرفون عن الحق الواضح بعد قيام الأدلة عليه إلى الباطل بمجرد التقليد والتشبه بمن تقدمهم من الكفار.
وقال تعالى حكاية عن صالح ﵇: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢]؟
стр. 3252
قال قتادة: المسرفون في الآية هم المشركون. رواه عبد الرزاق، وابن أبي حاتم، وغيرهمَا (١).
وقال تعالى حكاية قول المشركين: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ إلى قوله تعالي: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾ [الزخرف: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ (١١٣)﴾ [هود: ١١٣].
قال أبو العالية رحمه الله تعالى: لا ترضوا أعمالهم (٢).
وابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا تميلوا إليهم (٣). رواهما ابن المنذر.
وقال القاضي البيضاوي رحمه الله تعالى في الآية: ولا تميلوا إليهم أدنى ميل؛ فإن الركون هو الميل اليسير كالتزي بزيهم، والتعظيم لذكرهم، انتهى (٤).
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ
стр. 3253
وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١)﴾ [غافر: ٢١].
أمَرَ الله تعالى هذه الأمة بالنظر فيما صار إليه الأمم من الأخذ الوبيل بسبب الذنوب، ليحذروا مما كان أولئك عليه من الاغترار بالقوة والتأثير والتصرُّف في الأمور.
وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ [غافر: ٨٢].
وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩) ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الروم: ٩ - ١٠].
و(السُّوأى) خبر (كان)، أي: العاقبة السوأى، أو: العقوبة السوأى.
و(أن كذبوا) بدل من (السوأى)، أو تعليل للجملة قبله؛ أي: بسبب أن كذبوا.
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ أَفَلَا يَسْمَعُونَ (٢٦)﴾ [السجدة: ٢٦].
فقد دلت هذه الآية والآيات قبلها، وأمثالها مما تضمنته من الاستفهام التوبيخي على استحباب الاعتبار بأحوال الأمم السالفة بعد
стр. 3254
النظر في آثارهم والاستماع إلى أخبارهم، بحيث يتسبب عنه الانزجار عمَّا كانوا عليه من الكفر والظلم والاغترار خشية أن يصيبهم ما أصابهم، فهي تتضمن الزجر عن التشبه بهم في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.
وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "خَالِفُوْا الْمُشْرِكِيْنَ؛ احْفُوْا الشِّوَارِبَ، وَاعْفُوْا اللِّحَى" (١).
وروى ابن أبي شيبة عنه - موقوفًا - قال: خالفوا سنن المشركين (٢)؛ أي: طرائقهم وأعمالهم.
وروى الإمام الحافظ أبو حفص بن شاهين في "مسنده"، والديلمي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَقَرَّبُوْا إِلَى اللهِ بِبُغْضِ أَهْلِ الْمَعَاصِيْ، وَالْقُوْهُمْ بِوُجُوْهٍ مُكْفَهِرَّةٍ، وَالْتَمِسُوْا رِضَى اللهِ بِسُخْطِهِمْ، وَتَقَرَّبُوْا إِلَى اللهِ بِالتَّبَاعُدِ عَنْهُمْ" (٣).
وإنما أمرنا ببغضهم إيذانا ببغض أعمالهم والتنزه عنها، وكي لا يألفونا ونألفهم فتتسارق الطَّباع.
والتباعد عنهم إنما المقصود منه التباعد عن أخلاقهم وأعمالهم.
والوجوه المكفهرة هي العابسة عند لقائهم، فالعبوس في وجوه
стр. 3255
أهل المعاصي زجرًا لهم، ولقاؤهم باكفهرار الوجوه مندوب إليه كلقاء أهل الطاعة بالبشاشة، والتودد إليهم، والتخلق بأخلاقهم كما سبق بيانه.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: في الزَّبور مكتوب: طوبى لمن لم يسلك سبيل الأَثَمة، ولم يجالس الخطَّائين، ولم يقم (١) في همِّ المستهزئين، ولكن همه سنة الله وإياها يتعلم بالليل والنهار، مَثَلُه مثل شجرة على شَطِّ الماء تُؤتي ثمرها في حينها، ولا يتناثر من ورقها شيء، وكل عمله بأمري، ليس عمله مثل عمل المنافقين (٢).
وعن عقيل بن مدرك السُّلمي رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى نبي من أنبياء بني إسرائيل: قل لقومك لا يأكلوا طعام أعدائي، ولا يشربوا شراب أعدائي، ولا يتشكلوا بشكل أعدائي؛ فيكونوا أعدائي (٣).
وروى أبو الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن حذيفة المرعشي رحمه الله تعالى أنه قال: إياكم وهدايا الفجارِ والسفهاء؛ فإنَّكم إذا أكلتموها (٤) ظنوا أنَّكم رضيِتم فعلَهم (٥).
стр. 3256
وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" عن عمرو بن مُرَّة رحمه الله تعالى، عن رجل من بني هاشم رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْبَغِي لأَوْلِيَاءِ اللهِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْخُلُوْدِ الَّذِيْنَ لَهَا سَعْيُهُمْ وَفِيْهَا رَغْبَتُهُمْ وَلَهَا يُرِيْدُوْنَ: أَنْ يَكُوْنُوْا أَوْلِيَاءَ، وَلا أَحِبَّاءَ، وَلا جُلَسَاءَ لأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ (١) مِنْ أَهْلِ دَارِ الْغُرُوْرِ الَّذِيْنَ لَهَا سَعْيُهُمْ وَفِيْهَا رَغْبَتُهُمْ، هُمْ أَشَدُّ تَبَاعُدًا عَنْهُمْ، وَتَبَادُرًا إِلَى الْخَيْرِ، وَمُقَاطَعَة لَهُم أَسْبَابًا وَأَخْلاقًا" (٢).
وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: تزكية الأشرار لك هجنَة (٣)، وحبهم لك عيب عليك، وهان عليك من احتاج إليك (٤).
وروى ابن المبارك في "الزهد" عن يحيى بن [أبي] كثير رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ صَاحِبِ غَفْلَةٍ، وَقَرِيْنِ سُوْءٍ، وَزَوْجِ أَذَى" (٥).
ومن المعلوم عند عامة أهل العلم أن الله تعالى لم يذكر قصص الأمم الماضية في كتابه العزيز لتكون أسماراً، ولكن قررها لتكون
стр. 3257
اعتبارًا، فإذا نظر العبد إلى قصصهم وهلاك ضُلاَّلهم، ونجاة المؤمنين منهم، كان ذلك أدعى للعبد، وأبعث له على الثبات على الإيمان والطاعة، وأردع له وأزجر عن الكفر والمعصية؛ ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١].
فينبغي أن نشير إلى قصص مشاهير الأمم التي ذكرها الله تعالى في القرآن العظيم على سبيل الإيجاز، ونبين ما انتقد عليهم من الأعمال والأقوال والاعتقادات التي هي السبب في هلاكهم وبَوارهم؛ لينكفَّ المؤمن عن التشبه بهم فيها، وينزجر عن الاقتداء بهم في تعاطيها.
(١) بَابُ النَّهي عَنِ التَّشَبُّهِ بِقَابْيلَ القَاتلِ لِأَخْيِهِ هَابِيْلَ
وهو أول من عَبَدَ النار، وأول من قتل النفس التي حرَّم الله تعالى بغير حق، وأول من عقَّ أبويه، وأول من قطع رحمه.
روى عبد بن حميد عن الحسن رحمه الله تعالى قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَلا إِنَّ ابْنَي آدَمَ ضَرَبَا لَكُمْ مَثَلاً؛ فَتَشَبَّهُوْا بِخَيْرِهِمَا، وَلا تَشَبَّهُوْا بِشَرِّهِمَا" (١).
وروى الشيخان، والترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهِ؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧] الآيات.
رُوِيَ أن حواء كانت تلد في كل بطن غلامًا وجارية، فكان آدم ﵇ إذا شبَّ أولادهُ زوَّجَ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ بطنِ آخرَ،
стр. 3260
فلمَّا ولد قابيل وتوأمته، وهابيل وتوأمته، أمر الله تعالى آدم ﵇ أن يزوج قابيل توأمة هابيل، وهابيل توأمة قابيل، وكانت أحسن من توأمة هابيل، فسخِط قابيل ذلك، وقال: أنا أحق بأختي.
فقال له آدم ﵇: إنها لا تحل لك.
فأبى، وزعم أن الله تعالى لم يأمر أباه بذلك، وإنما أراد ذلك من رأيه.
فقال لهما آدم: قرَّبا قرباناً، وأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها.
وكان القربان إذا كان مقبولاً نزلت نارٌ بيضاءُ من السماء فأكلته، وإلا لم تنزل النار إليه، وأكلته الطير والسباع، وكان قابيل صاحب زرع فقرَّب صُبرة من طعام من رديء زرعه، وكان هابيل صاحب غنم فقرَّب أحسن كبش عنده، ووضعا قربانهما على الجبل، فتقبل من أحدهما قربانه وهو هابيل، ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل، فغضب لرد قربانه، وأَضمر الحسد لأخيه حتى ذهب آدم ﵇ إلى زيارة البيت الحرام، فجاء قابيل إلى هابيل وهو في غنمه، قال: لأقتلنك.
قال: ولم؟
قال: لأنَّ الله قبِل قربانك ولم يقبل قرباني، وتنكح أنت أختي الحسناء، وأنكح أختك الذميمة فتتحدث الناس أنك خير مني، ويفتخر ولدُك على ولدي.
فقال هابيل: ما ذنبي؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ