← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] دليل واضح على أنهم لا ينامون. وأيضًا فإن النوم فتور مستولٍ على الدماغ حتى يغمره بسبب الأبخرة المتصاعدة إليه من الأغذية، وذلك مفقود في الملائكة ﵈. وقد تقدم حديث مدارسته جبريل ﵇ القرآن في كل ليلة من رمضان. وروى البزار عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى مِنْكُمْ بِاللَّيْلِ فَلْيَجْهَرْ بِقِراءَتِهِ؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تُصَلِّيْ بِصَلاتِهِ، وَتَسْتَمعُ لِقِراءَتِهِ، وَإِنَّ مُؤْمِنِيْ الْجِنِّ الَّذِيْنَ يَكُوْنُوْنَ فِيْ الْهَواءِ، وَجيرانه فِيْ مَسْكَنِهِ يُصَلُوْنَ بِصلاِتهِ، وَيسمَعُوْنَ قِراءَتَهُ، وإنَّهُ يَطْرُدُ بِقِراءَتِهِ عَنْ دارِه، وَعَنْ الدُّوْرِ الَّتِيْ حَوْلَهُ فُسَّاقَ الْجِنِّ وَمَرَدَةَ الشَّياطِيْنِ"، الحديث (١). وروى ابن أبي الدنيا في "قيام الليل" عن كُرز ﵁ قال: بلغني أن الملائكة ينظرون من السماء إلى الذين يصلون بالليل كما تنظرون أنتم إلى نجوم السماء (٢).

стр. 352

وروى فيه عن رجل -وسماه في "الهواتف" بأسعد من أهل الإسكندرية- قال: كنت أبيت في مسجد بيت المقدس، وقلَّ ما يخلو من المتهجدين، فقمت ليلة فلم أرَ متهجداً، فقلت: ما حال النَّاس لا أرى أحدًا يصلي؟ فوالله إني لأذكر ذلك في نفسي إذ سمعت قائلًا من نحو القبة التي على الصخرة يقول: [من الطويل] فَيا عَجَباً لِلنَّاسِ لَذَّتْ عُيُوْنهمْ ... مَطاعِمُ غَمْضٍ دُوْنَها الْمَوْتُ مُنْتَصِبْ وَطُوْلُ قِيامِ اللَّيْلِ أَيْسَرُ مُؤْنةً ... وَأَهْوَنُ مِنْ نارٍ تَفُوْرُ وَتَلْتَهِب قال: فسقطت على وجهي، فلمَّا أفقت فإذا لم يبقَ متهجد إلَّا قام (١). وروى ابن أبي الدنيا -أيضًا - في كتاب "الزهد" عن أُويس القَرني رحمه الله تعالى: أنه قال: لأعبدنَّ الله في الأرض كما تعبده الملائكة في السماء. وكان إذا استقبل الليل قال: يا نفسُ! الليلةَ للقيام، فيصفّ قدميه حتى يصبح، ثم يستقبل الليلة الثانية، فيقول: يا نفسُ! الليلةَ للركوع،

стр. 353

فلا يزال راكعًا حتى يصبح، ثم يستقبل الليلة الثالثة قال: يا نفسُ! الليلةَ للسجود، فلا يزال ساجداً حتى يصبح (١). ١٧ - ومنها: شهود جماعات المؤمنين في صلواتهم، وخصوصاً في صلاة الفجر، وصلاة العصر . روى الإِمام مالك في "الموطأ"، والستة إلَّا الترمذي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إِذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فَقُوْلُوْا: آمِيْنَ؟ فَإِنَّهُ مَنْ وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ" (٢). فهذا الحديث يشير إلى أنهم يشهدون الجماعة في كل صلاة. وروى الشيخان عن أبي هريرة -أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَتَعاقَبُوْنَ فِيْكُمْ مَلائِكَةٌ بِالليْلِ، وَمَلائِكَةٌ بِالنَّهارِ، وَيجْتَمِعُوْنَ فِيْ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَصَلاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الذِيْنَ باتُوْا فِيْكُمْ، فَيَسْألهُمْ ربهُمْ - وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ -: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبادِي؟ فَيقُوْلُوْنَ: تَرَكْناهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ" (٣). وسبق عنه ما حسنه الترمذي عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨]، قال: "تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ

стр. 354

اللَّيْلِ، وَمَلائِكَةُ النَّهارِ تَجْتَمعُ فِيْها" (١). وفي "الصحيحين" عنه عن النبي ﷺ قال: "تَجْتَمعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهارِ فِيْ صَلاةِ الْفَجْرِ". يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] (٢). * فَائِدَةٌ: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ مَلائِكَةَ النَّهارِ أَرْأَفُ مِنْ مَلائِكَةِ اللَّيْلِ". رواه ابن النَّجار في "تاريخه" عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما (٣). قلت: وهذا من منَّة الله تعالى على عباده، ولطفه بهم أن جعل ملائكة النهار أرأف من ملائكة الليل؛ لأن حركات بني آدم بالنهار أكثر منها بالليل، وكثيراً ما تهدأ حركاتهم بالليل، ولا تكاد تهدأ بالنهار، فيقارفون بسبب ذلك في النهار ما لا يقارفونه بالليل من المعاصي، والذنوب، فكانت ملائكة النهار أرأف ليُكثروا من الاستغفار للعباد، والترحم عليهم، ولو كان الغضب لله تعالى أغلب عليهم من الرأفة بعباده لهلك الخلق بدعائهم. - وأيضًا فإن منهم الحفظة، فالحفظة بالنهار - حيث هم أرأف منهم

стр. 355

بالليل - تأنوا في كتابة السيئات، وبادروا إلى تقييد الحسنات. وقد استفيد من ذلك: أن من أخلاق الملائكة التي ينبغي للعبد أن يتشبه بهم فيها الرأفة على عباد الله، والرحمة عليهم، والغضب لله تعالى لا لأنفسهم. ١٨ - ومنها: التصدق على المصلي منفردًا بالصلاة خلفه: روى عبد الرزاق عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: إذا كان الرجل بخلاء من الأرض فأذن، وأقام، صلى معه أربعة آلاف ملك، أو أربعة آلاف ألف من الملائكة (١). وعن طاوس قال: إذا صلى الرجل فأقام، صلى معه مَلَكَاهُ، وإذا أذَّن وأقام، صلى معه من الملائكة كثير (٢). وعن مكحول، وسعيد بن المسيب نحوُه (٣). وعن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا كانَ الرَّجُلُ بِأَرْضٍ قِيٍّ (٤) فَحانَتِ الصَّلاةُ، فَلْيتوَضَّأ، فَإِنْ أَقامَ صَلَّىْ مَعَهُ مَلَكَاهُ، فَإِنْ أَذَّنَ، وَأَقامَ صَلَّىْ خَلْفَهُ مِنْ جُنُوْدِ الله ما لا يَرىْ طَرْفاه". وأخرجه ابن

стр. 356

أبي شيبة موقوفًا" (١). ١٩ - ومنها: الإمامة: روى أبو الشيخ، عن الليث، عن خالد، عن سعيد قال: بلغنا أن إسرافيل ﵇ مؤذن أهل السماء، فيؤذن لاثنتي عشرة ساعة من النهار، ولاثنتي عشرة ساعة من الليل، لكل ساعة تأذين، يسمع تأذينه من في السموات السبع، ومن في الأرضين السبع إلا الجن والإنس، ثم يتقدم عظيم الملائكة، فيصلي بهم. قال: وبلغنا أن ميكائيل يؤم الملائكة في البيت المعمور (٢). وروى أبو الشيخ -أيضًا - عن موسى بن أبي عائشة قال: بلغني أن جبريل ﵇ إمام أهل السماء (٣). قلت: ويجمع بين هنا وبين ما قبله: أن جبريل ﵇ إمام الملائكة في السماء، وميكائيل إمامهم في الأرض. والمراد بالبيت المعمور: الكعبة. أو ميكائيل إمام ملائكة مخصوصين بالبيت المعمور، وجبريل

стр. 357

إمام عامة من في السماء. روى ابن جرير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤] قال: هو بيت حِذَاءَ العرش تعمره الملائكة، يصلي فيه كل ليلة سبعون ألفا، ثم لا يعودون إليه (١). وروى هو، وابن أبي حاتم، والبيهقي في "الشعب"، وغيرهم عن خالد بن عرعرة: أن رجلًا قال لعلي رضي الله تعالى عنه: ما البيت المعمور؟ قال: بيت في السماء يقال له: الضراح، وهو بحيال الكعبة من فوقها، حرمته في السماء كحرمة البيت في الأرض، يصلي فيه كل يوم سبعون ألفا من الملائكة لا يعودون إليه أبدًا (٢). وفي الباب عن أنس، وعن أبي هريرة، وعن عائشة مرفوعًا، وعن عبد الله بن عمرو موقوفًا (٣). ويجوز أن يكون معنى قول ابن أبي عائشة: إن جبريل إمام أهل السماء أي: خليفة الله عليهم، وواليهم كالخليفة في الأرض، فهو أمير

стр. 358

الملائكة، كما أن الخليفة والسلطان أمير المؤمنين. ٢٠ - ومنها: القيام عن يمين الإِمام ، وهو سنة - خصوصاً إذا كان إمام ومأموم فقط - فإذا كانوا ثلاثة استحب أن يقوم المأمومان منهم خلف الإِمام، فإن كانوا أكثر من ذلك فالميمنة أفضل إلا أن تتعطل الميسرة. وقد يستدل لذلك بحديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إِلَىْ الصَّلاةِ فَلا يَبْزُقْ أَمامَهُ؛ فَإِنَّما يُنَاجِيْ الله ما دامَ فِيْ مُصَلاَّهُ، وَلا عَنْ يَمِيْنِهِ؛ فَإِنَّ عَنْ يَمِيْنِهِ مَلَكًا، وَلْيَبْصُقْ عَنْ يَساره، أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ، فَيَدْفِنَهَا". رواه البخاري (١). وقوله: "فَلْيَبْصُقْ عَنْ يَساره" محله في غير المسجد، فإن بَصَقَ في المسجد حرم عليه، وعليه أن يدفنه كما قال النووي في "شرح المهذب" (٢). ٢١ - ومنها: الدعاء، والسؤال في الصلاة وخارج الصلاة: قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ (٢٩)﴾ [الرحمن: ٢٩]. قال أبو صالح: يسأله من في السماوات الرحمة، ومن في الأرض المغفرة والرزق (٣).

стр. 359

وقال ابن جريج في الآية: الملائكة يسألونه الرزق لأهل الأرض، والأرض يسأله أهلها الرزق لهم (١). رواهما ابن المنذر. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الذكر" عن ابن أبي رواد (٢) قال: من دعاء الملائكة ﵈: اللهم ما لم تبلغه قلوبنا من خشيتك يوم نقمتك من أعدائك فاغفره لنا (٣). وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم النخعي قال: كانوا إذا رأى أحدهم في منامه ما يكره قال: أعوذ بما عاذت به ملائكة الله ورسولُهُ من شر ما رأيت في منامي أن يصيبني شيء أكرهه في الدنيا والآخرة (٤). وسبق في حديث أُبي بن كعب ﵁ قول جبريل ﵇ في دعائه: اغفر لي ما مضى من ذنوبي، واعصمني في ما بقي من عمري، وارزقني أعمالًا زاكية ترضى بها عني، وتب علي (٥). وروى ابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال:

стр. 360

"إِذا دَخَلْتَ عَلَىْ مَرِيْضٍ فَمُرْهُ يَدْعوْ لَكَ؛ فَإِنَّ دُعاءَهُ كَدُعاءِ الْمَلائِكَة" (١). ٢٢ - ومنها: قول: آمين إذا قال الإِمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [ الفاتحة: ٧] لحديث أبي هريرة المتقدم، بل لا خصوصية لذلك بالصلاة، بل جائز أن تؤمِّن الملائكة ﵈ على كل دعاء يدعو به المؤمِّنون في خير. وقد روى النسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . "إِذا أَمَّنَ الْقارِئُ فَأَمِّنُوْا؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تُؤَمّنُ، فَمَنْ وافَقَ تأمِيْنَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدمَ مِنْ ذَنْبِه" (٢). القارئ أعم من أن يكون مصلياً، أو غير مصل. وروى مسلم، وأبو داود عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ دَعا لأَخِيْهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ قالَ الْمَلَكُ: آمِيْنَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ" (٣). وروى مسلم عن صفوان بن عبد الله بن صفوان - وكانت تحته الدرداء؛ يعني: بنت أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه - قال: قدمت الشام، فأتيت أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه في منزله، فلم أجده، ووجدت أم

стр. 361

الدرداء رضي الله تعالى عنها فقالت: أتريد الحج العام؟ فقلت: نعم، قالت: فأدعو لنا بخير؛ فإن النبي ﷺ كان يقول: "دعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيْهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجابَةٌ، عِنْدَ رَأْسِهِ مَلَكٌ مُوَكَلٌ كُلما دَعا لأَخِيْهِ بِخَيْرٍ قالَ الْمَلَكُ الْمُوَكَلُ بِهِ: آمِيْنَ، وَلَكَ بِمِثْلٍ"، قال: فخرجت إلى السوق، فلقيت أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه فقال لي مثل ذلك، يرويه عن النبي ﷺ (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن عباس موقوفًا عليه، والخطيب البغدادي عنه مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ قال: "عَلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِي مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ مُنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ وَالأَرْضَ، فَإِذا مَرَرْتُمْ بِهِ فَقُوْلُوْا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١]؛ فَإنَّهُ يَقُوْلُ: آمِيْنَ، آمِيْنَ" (٢). وروى الأزرقي في "تاريخه" عن مجاهد: أنه كان يقول: ملك موكل بالركن اليماني منذ خلق الله السماوات والأرض يقول: آمين، فقولوا: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: ٢٠١] الآية (٣).

стр. 362

وفيه عن سالم بن عبد الله، عن أبيه أنه قال: على الركن اليماني ملكان موكلان يُؤَمِّنَانِ على دعاء من يمر بهما، وإن على الأسود ما لا يحصى (١). يعني: من الملائكة الْمُؤَمّنِيْنَ. وروى ابن ماجه عن عطاء بن أبي رباح: أنه سئل عن الركن اليماني وهو في الطواف قال: حدثني أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "وُكِّلَ بِهِ سَبْعُوْنَ مَلَكاً، فَمَنْ قالَ: اللهُمَّ إِنَي أَسْألكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِيْ الدُّنْيا وَالآخِرَةِ، رَبَّنا آتِنا فِيْ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِيْ الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النَّارِ، قالُوْا: آمِيْنَ" (٢). وروى الدارمي عن حُميد الأعرج قال: من قرأ القرآن ثم دعا أَمَّنَ على دعائه أربعة آلاف ملك (٣). * تنبِيْهٌ: كما تؤمن الملائكة على دعاء الإنسان بالخير فتؤمن على دعائه بالشر، ولعل هذا فيما لو دعا على نفسه أو ماله أو أهله ونحو ذلك. ومن ثَمَّ قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْعُوْا عَلَىْ أنفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ؛ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ يُؤَمّنُوْنَ عَلَىْ ما تَقُوْلُوْا". رواه الإِمام أحمد، ومسلم، وأبو داود

стр. 363

عن أم سلمة ﵂ (١). * فَائِدَة لَطِيْفَةٌ: التشبه بالملائكة في قول: آمين خاص بهذه الأمة لم يتفق لأحد قبلهم إلا لهارون ﵇. روى ابن (٢) عدي في "الكامل"، والبيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ أَعْطانِيْ ثلاثَ خِصَالٍ لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلِيْ" (٣). ورواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، ولفظه: "إِنَّ اللهَ أَعْطَىْ أُمَّتِيْ ثَلاثًا؛ الصَّلاةَ فِيْ صُفُوْفٍ، وَالتَّحِيةِ مِنْ تَحِيَّةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَآمِيْنَ؛ إلا أَنَّهُ أَعْطَىْ مُوْسَىْ أَنْ يَدْعُوَ، وُيؤَمّنَ هارُوْنُ ﵉" (٤). وروى الإِمام أحمد، والبخاري في "تاريخه"، وابن ماجه - في سنة ست وخمسين - عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبيَّ ﷺ قال:

стр. 364

"ما حَسَدَتْكُمُ الْيَهُوْدُ عَلَىْ شَيْءٍ ما حَسَدَتْكُمْ عَلَىْ السَّلامِ وَالتَّأمِيْنِ" (١). وروى ابن ماجه عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "ما حَسَدَتْكُمُ الْيَهُوْدُ عَلَىْ شَيْءٍ ما حَسَدَتْكُمْ عَلَىْ آمِيْنَ، فَأَكْثِرُوْا مِنْ قَوْلِ: آمِيْنَ" (٢). ٢٣ - ومن أعمال الملائكة ﵈ قول: (ربنا ولك الحمد) إذا قال الإِمام: (سمع الله لمن حمده) . روى الإِمام مالك، والستة إلا ابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا قالَ الإِمامُ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، فَقُوْلُوْا: رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ - وفي رواية للشيخين: اللهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، بزيادة الواو -؛ فَإِنَّ مَنْ وافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ الْمَلائِكَةِ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ" (٣). قلت: مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه: أن المصلي يقول إذا رفع رأسه من الركوع: سمع الله لمن حمده، فإذا استوى قائما قال: ربنا ولك الحمد، ويستحب الإتيان بهذين الذكرين في محليهما للإمام والمأموم والمنفرد.

стр. 365

وبذلك قال عطاء، وأبو بردة، وابن سيرين، وإسحاق، وداود (١). وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: يقول الإِمام، والمنفرد: سمع الله لمن حمده فقط، ويقول المأموم: ربنا لك الحمد فقط. وحكاه ابن المنذر عن ابن مسعود، وأبي هريرة، والشعبي، ومالك، وأحمد. قال: وبه أقول. وقال الثوري، والأوزاعي، وأبو يوسف، ومحمد: يجمع الإِمام بين الذكرين، ويقتصر المأموم على: ربنا ولك الحمد (٢). واحتجَّ القائلون بأن المأموم يقتصر على ذلك بأحاديث منها حديث أبي هريرة المتقدم. واحتجَّ الشافعي، والأولون بما ثبت من قوله ﷺ في صلاته: "سَمعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبنَا وَلَكَ الْحَمْدُ" (٣)، مع ما ثبت من قوله ﷺ : "صَلُّوْا كَمَا رَأَيْتُمُوْنيْ أُصَلِّيْ" (٤). فإن قلتَ: فإن عَمِل المأموم بقول الشافعي رضي الله تعالى عنه، وقال: سمع الله لمن حمده، فاتته موافقة الملائكة، والتشبه بهم في

стр. 366

ذلك، كما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المتقدم؟ قلتُ: لئن فاتته موافقة الملائكة، والتشبه بهم في ذلك فقد حصل على فضل الاقتداء بالنبي ﷺ ، والتشبه به حيث يقول: "صَلّوْا كَمَا رَأَيْتُمُونِيْ أُصَلِّيْ" (١). على أننا لا نسلم أن موافقة الملائكة تفوته بذلك؛ إذ من الجائز أن يكون الملائكة يجمعون بين الذكرين، فيوافقهم. ٢٤ - ومنها: إتمام الصف الأول في الصلاة، والتراصُّ في الصف، وإقامة الصفوف؛ أي: تسويتها، وجمع المناكب . قال الله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١]. روى ابن جرير عن ابن مسعود، وعن مسروق، وعن السّدِّي (٢)، وابن المنذر عن ابن عباس (٣)، وابن أبي حاتم عن السدي، وعن الربيع ابن أنس، وعن قتادة (٤): أنهن الملائكة ﵈. وقال الله تعالى حكايته عن الملائكة، كما يدل عليه ما تقدم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ [الصافات: ١٦٥]. وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ومسلم، والأربعة إلا الترمذي

стр. 367

عن جابر بن سَمُرة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ فقال: "أَلا تَصُفُّوْنَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبها؟ " فقلنا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربها؟ قال: "يتمُّوْنَ الصَّفَّ الأَوَّلَ، وَيتَراصُّوْنَ فِيْ الصَّفِّ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "صُفُّوْا كَما تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ"، قالوا: يا رسول الله! وكيف تصف الملائكة عند ربهم؟ قال: "يُقِيْمُوْنَ الصُّفُوْفَ، وَيجْمَعُوْنَ مَناكِبَهُمْ" (٢). وروى ابن أُبي شيبة عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الصَّفَّ الأَوَّلَ لَعَلَىْ مِثْلِ صَفِّ الْمَلائِكَةِ، وَلَوْ تَعْلَمُوْنَ لابْتَدرْتُمُوْهُ" (٣). وروى الطبراني في "الكبير" بسند منقطع، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "فُضلْتُ بِأَرْبَعِ؟ جُعِلْتُ أَنا وَأُمَّتِيْ فِيْ الصَّلاةِ كَمَا تَصُفُّ الْمَلائِكَةُ، وَجُعِلَ الصَّعِيْدُ لِيْ وَضُوْءاً، وَجُعِلَتْ لِيَ

стр. 368

الأَرْضُ مَسْجِدًا، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْغَنائِمُ" (١). ٢٥ - ومنها: تكثير سواد المصلين ؛ فإن ما كثر جمعه أفضل، ومعاونة المصلين في تحصيل ثواب الجماعة - خصوصاً لمن فاتته لعذر فصلى منفردًا -؛ فإن الاقتداء به سنة، وهو من أعمال الملائكة كما سبق. روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم في "الحلية" عن كعب قال: قال إبراهيم ﵇: يا رب! إنه ليحزنني أنني لا أرى أحدًا في الأرض يعبدك غيري، فأنزل الله تعالى ملائكة يصلون معه، ويكونون معه (٢). وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"، وأبو نعيم عن نوف البَكَالي قال: قال إبراهيم ﵇: يا رب! إنه ليس في الأرض أحد يعبدك غيري، فأنزل الله تعالى ثلاثة آلاف ملك، فأمَّهم ثلاثة أيام (٣). وروى البيهقي في "الشعب"، والأصبهاني في "الترغيب" عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ

стр. 369

رَجُلٍ يَكُوْنُ بِأرْضِ فَلاةٍ تَحْضُرُهُ الصَّلاةُ فَيُؤَذنُ، وُيقِيْمُ الصَّلاةَ، فَيُصَلِّيْ إِلاَّ صَلَّىْ خَلْفَهُ مِنَ الْمَلائِكَةِ ما لا يَرَىْ طَرْفاهُ، يَرْكَعُوْنَ بِرُكُوْعِهِ، وَيَسْجُدُوْنَ بِسُجُوْدِهِ، وُيؤَمنُوْنَ عَلَىْ دُعائِهِ" (١). * تنبِيْهانِ: الأَوَّلُ: لا تقتدي الملائكة بالمنفرد إلا إذا أذن وأقام، فإن اقتصر على الإقامة لم يُصَلَّ معه سوى ملكيه؛ لما رواه عبد الرزاق عن سعيد بن المسيِّب رحمه الله تعالى قال: من صلى بأرض فلاة فأقام، صلى عن يمينه ملك وعن يساره ملك، فإذا أذن وأقام صلى معه من الملائكة أمثال الجبال (٢). ورواه الليث، عن ابن المسيب، عن معاذ رضي الله تعالى عنه. وقال الدارقطني في "العلل": إنه الأصح (٣). وروى عبد الرزاق -أيضًا - حديث سلمان المتقدم بلفظ: "إِذا كانَ الرَّجُلُ بِأرْضِ فَلاةٍ فَحانَتِ الصَّلاةُ فَلْيتوَضَّأ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ ماءً فَلْيتَيَمَّمْ، فَإِنْ أَقامَ صَلَّىْ مَعَهُ مَلَكانِ، وَإِنْ أَذَّنَ وَأَقامَ صَلَّىْ خَلْفَهُ مِنْ جُنُوْدِ اللهِ

стр. 370

ما لا يَرَىْ طَرْفاه" (١). التَّنْبِيْهُ الثَّانِيْ: لعلك تقول: إن فضيلة الجماعة لا ينالها الإِمام ما لم ينو الإمامة والجماعة -على الأصح - فعليه: لا تحصل فضيلة الجماعة للمنفرد إذا اقتدى به غيره، فأي فائدة له في اقتداء غيره به؟ فالجواب عن ذلك: إن المقتدي بهذا المنفرد إن كان لم يُصَلِّ قبل ذلك، أو صلى منفردًا، فقد حصل فضيلة الجماعة لنفسه باقتدائه بالمنفرد المذكور، وإن كان قد صلى قبل ذلك صلاته في جماعة فقد حصل باقتدائه المذكور فضيلة هذه الصلاة الثانية نفلًا، وفرضه الأولى في الأصح. ثم المنفرد لا يخلو عن فائدة باقتداء هذا المقتدي به إن قلنا بالقول الثاني: (إن فضيلة الجماعة تحصل له وإن لم ينو الإمامة أو الجماعة). ويؤيده قوله ﷺ وقد جاء بعد العصر رجل إلى المسجد -: "مَنْ يتصَدَّقُ عَلَىْ هَذا فَيُصَلِّ مَعَهُ؟ " فصلى معه رجل. رواه أبو داود، وغيره، وحسنوه (٢). وإن قلنا بالقول الأول -وهو الأصح -: (إن فضيلة الجماعة لا تحصل له إلا بنية الجماعة) فلا تفوته الفضيلة أيضًا؛ لأنه يمكنه أن ينويَ

стр. 371

بقلبه الجماعة في أثناء صلاته، فينال الفضيلة من حينئذ. وقال القاضي حسين من أصحابنا الشافعية رضي الله تعالى عنهم فيمن صلى منفردًا، فاقتدى به جمع، ولم يعلم بهم: ينال فضيلة الجماعة لأنهم نالوها بسببه، بخلاف ما لو علم بهم؛ فإنه لا ينال الفضيلة ما لم ينوها؛ لأن تركه للنية مع علمه يشعر بإعراضه عن تحصيل الفضيلة (١). وعلى هذا القول: ففي مسألة اقتداء الملائكة بالمؤمن إذا صلى في أرض فلاة لا تفوته -إن شاء الله - فضيلة جماعتهم لأنه لا يحس بهم، فإن أحس بهم - بأن كان من أرباب الكشف، وأصحاب الأحوال السَّنِية، وكشف له عن حقائقهم وجواهرهم - فحينئذ ينبغي أن ينوي الجماعة على ما فصَّله القاضي حسين رحمه الله تعالى. ثم على كل حال: فإن المقتدي بالمنفرد مع تشبهه بالملائكة ﵈ متسبب لإقامة جماعة من جماعات المسلمين، فلا يخلو لذلك عن ثواب وأجر. وكذلك إن اقتدى بمن يصلي في جماعة إماما لا يخلو من ثواب زائد على فضيلة الجماعة -وهو تكثير سواد المصلين - لأن "من أكثر سواد قوم فهو منهم" (٢) - كما سبق - مع فضيلة التشبه بالملائكة ﵈ في ذلك.

стр. 372

٢٦ - ومن أعمال الملائكة ﵈: ركعتا الفجر . روى عبد الرزاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه قال: دخل ابن مسعود المسجد قبل صلاة الفجر، فرأى قوما قد أسندوا ظهورهم إلى القبلة، واستقبلوا الناس، فقال: "لا تَحُوْلُوا بين الملائكة وبين صلاتها، فإنها صلاة الملائكة" (١). ٢٧ - ومنها: سجود التلاوة، أو سجدة النحل بالخصوص . وقد سبق أنه مندرج في السجود الذي ذكرناه من أعمالهم. قال الله تعالى في سورة النحل: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ [النحل: ٤٩]. وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن عقبة بن عامر الجهني ﵁ قال: في القرآن خمس عشرة سجدة، والذي نفسي بيده إن الملائكة في السماء لتسجد بالسجدة التي في سورة النحل. بل السجود مطلقًا لعظمة الله تعالى. ٢٨ - ومنها: سجودهم لآدم ﵇ . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانت السجدة لآدم، والطاعة لله (٢).

стр. 373

وقال الحسن: كرامة من الله تعالى كرم بها آدم ﵇ (١). رواهما ابن أبي حاتم. وروى ابن عساكر عن أبي إبراهيم المزني صاحب الإِمام الشافعي رحمة الله عليهما: أنه سئل عن سجود الملائكة لآدم، فقال: إن الله تعالى جعل آدم كالكعبة (٢). وسبق أن ملائكة بعض السماوات سجود أبدًا. وروى ابن المبارك في "الزهد" عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي عيسى -شيخ قديم- أن ملكًا لما استوى الرب على كرسيه سجد لم يرفع رأسه، ولا يرفع رأسه حتى تقوم الساعة، فيقول يوم القيامة: يا رب! لم أعبدك حق عبادتك، إلَّا أني لم أشرك بك شيئًا، ولم أتخذ من دونك وليًا (٣). وهذا السجود سجود تعظيم وإجلال، وهو خاص بالله تعالى، بل هذا هو أصل مشروعية السجود، فلذلك لم يجز السجود لغيره كما سبق. ٢٩ - ومنها: صلاة الضحى . روى الديلمي في "مسند الفردوس" عن عبد الله بن زيد رضي الله

стр. 374

تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "سَأَلْتُ رَبّيَ أَنْ يَكْتُبَ عَلَىْ أُمَّتِيْ صَلاةَ الضُّحَىْ، فَقالَ: تِلْكَ صَلاةُ الْمَلائِكَةِ، فَمَنْ شاءَ صَلاَّها، وَمَنْ شاءَ تَرَكَها، وَمَنْ صَلاَّها فَلا يُصَلِّها حَتَّىْ تَرْتَفِعَ" (١). يعني: الشمس. ٣٠ - ومنها: لزوم المساجد، وعمارتها بالعبادة، والتبكير إليها، والتأخر فيها . قال تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ﴾ [الطور: ٤]؛ سمي معمورًا لأن الملائكة تعمره بالصلاة والتسبيح والتقديس. روى ابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "الْبَيْتُ الْمَعْمُوْرُ فِيْ السَّماءِ السَّابِعَةِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ لا يَعُوْدُوْنَ إِلَيْهِ حَتَىْ تَقُوْمَ السَّاعَةُ" (٢). وفي رواية لابن جرير: أن النبي ﷺ قال: "لَمَّا عَرَجَ بِيَ الْمَلَكُ إِلَىْ السَّماءِ السَّابِعَةِ انتهَيْتُ إِلَىْ بِناءٍ، فَقُلْتُ لِلْمَلَكِ: ما هَذا؟ قالَ: هَذا بِناءٌ بَناهُ اللهُ تَعالَىْ لِلْمَلائِكَةِ يَدْخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعُوْنَ ألفاً يُقَدِّسُوْنَ الله، وُيسَبِّحُوْنَهُ، لا يَعُوْدُوْنَ فِيْهِ" (٣).

стр. 375

وروى ابن جرير -أيضًا - عن قتادة قال: ذُكر لنا: أن رسول الله ﷺ قال يومًا لأصحابه: "هَلْ تَدْرُوْنَ ما الْبَيْتُ الْمَعْمُوْرُ؟ ! قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "فَإِنَّهُ مَسْجِدٌ فِيْ السَّماءِ بحِيالِ الْكَعْبَةِ، لَوْ خَرَّ مِنْهُ حَجَرٌ خَرَّ عَلَيْهَا، يُصَلِّيْ كُل يَوْمِ فِيْهِ سَبْعُوْنَ ألفُ مَلَكِ إِذا خَرَجُوْا مِنْهُ لَمْ يَعُوْدُوْا آخِرَ ما عَلَيْهِمْ" (١). وروى الإِمام أحمد، ومسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيْثَةِ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنا؟ فَإِنَ الْمَلائِكَةَ تتَأَذَّىْ مِمَّا تتَأذى مِنْهُ الإِنْسُ" (٢). وروى البغوي، وابن قانع في "معجميهما" عن شريك بن شرحبيل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيْثَةِ - يَعْنِيْ: الثُّوْمَ - فَلا يَقْرَبَنَّ الْمَسْجِدَ؟ فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تتَأَذَّىْ مِمَّا يَتَأَذَّىْ مِنْهُ بَنُوْ آدَمَ" (٣). وهذا يدل على ملازمة الملائكة ﵈ المساجد. وروى الإِمام أحمد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إِنَّ لِلْمَساجِدِ أَوْتادًا الْمَلائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ؟ إِنْ غابُوْا

стр. 376

يَفْتَقِدُوْهُمْ، وإنْ مَرِضُوْا عادُوْهُمْ، وإنْ كانُوْا فِيْ حاجَةِ أَعانُوْهُمْ"، ثم قال: جَلِيْسُ الْمسْجِدِ عَلَىْ ثَلاثِ خِصالِ؛ أخٌ مُسْتَفادٌ، أَوْ كَلِمَةٌ مُحْكَمَةٌ، أَوْ رَحْمَةٌ مُنْتَظَرةٌ (١). وفيه إشارة أن من خصال الملائكة ﵈ تفقد الإخوان في الله تعالى، والسؤال عنهم إذا غابوا، وعيادتهم إذا مرضوا، وقضاء حوائجهم. وروى الإِمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن ابن أبي جبلة قال: آخر من يخرج من المسجد يخرج معه الملائكة ﵈ بلوائهم بين يديه حتى يأتيَ منزله، فيكونون كما هم حتى يخرج إلى المسجد، فينطلقون بلوائهم بين يديه، فهم كذلك مع آخر من يخرج من المسجد، وأول من يدخل (٢). وروى الطبراني في "المعجم الكبير" -ورواته موثقون - عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه رأى قوماً قد أسندوا ظهورهم إلى القبلة بين أذان الفجر والإقامة، فقال: لا تحولوا بين الملائكة وبين صلاتها (٣). وتقدم نحوه من رواية عبد الرزاق.

стр. 377

٣١ - ومنها: التبكير إلى المساجد يوم الجمعة للشهادة للسابقين والمبكرين على اختلاف مراتبهم ، ولحضور الخطيب، وسماع الخطبة، والإنصات لها، وشهود الصلاة بعدها. روى الشيخان، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذا كانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَقَفَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَىْ بابِ الْمَسْجِدِ يَكْتبوْنَ الأَوَّلَ فَالأَوَّلَ، وَمَثَلُ الْمُهَجِّرِ كَمَثَلِ الذِيْ يُهْدِيْ بَدَنةً، ثُمَّ كَالَّذِيْ يُهْدِيْ بَقَرَة، ثُمَ كَبْشا، ثُمَّ دَجاجَة، ثُمَّ بَيْضَة، فَإذَا خَرَجَ الإِمامُ طَوَوْا صُحُفَهُمْ يَسْتَمِعُوْنَ الذِّكْرَ" (١). قال الحافظ زين الدين العراقي رحمه الله تعالى: المراد بالملائكة الذين يحضرون الجمعة، ويكتبون الناس على منازلهم غير الحفظة الموكلين ببني آدم؛ لأن الحفظة يكتبون كل شيء عمله ابن آدم. قال: وهؤلاء الملائكة الذين يكتبون منازل الجائين إلى الجمعة يجتمعون لذلك، كما روي عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه (٢)، وكما قاله أبو بكر بن العربي.

стр. 378

* فَائِدَةٌ: الصحف التي تكتب فيها الملائكة أسماء المصلين يوم الجمعة من الفضة، وأقلامهم التي يكتبون بها من الذهب؟ لما رواه الإِمام ابن الإِمام؛ عبد الله بن أحمد بن حنبل في "زوائد الزهد" عن ثابت البُناني رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن لله ملائكة معهم ألواح من فضة، وأقلام من ذهب يطوفون، ويكتبون من صلى ليلة الجمعة ويوم الجمعة في جماعة (١). وقد قلت في "منظومتي" التي في خصائص يوم الجمعة: [من الرجز] وَتَكْتُبُ الْمَلائِكُ الأَجِلاّ ... مَنْ لَيْلَةَ الْجُمْعَةِ كانَ صَلَّىْ أَوْ يَوْمَها جَمَاعَةً وَالْمُكْتَتَب ... آلواحُ فِضَّةٍ بِأَقْلامِ الذَّهَبْ وَتَكْتُبُ الأَوَّلَ ثُمَّ الأَوَّلاَ ... مِنَ الْمُبَكِّرِيْنَ حَتَّىْ يَدْخُلا إِمامُهُمْ إِلَىْ صَلاةِ الْجُمُعَة ... فَتَحْضرَنَهُ إِذَنْ مُسْتَمِعَةْ

стр. 379

٣٢ - ومنها: كراهية السفر يوم الجمعة . وهو حرام على المقيم إذا طلع الفجر، إلا أن يخاف فوات الرفقة، أو يكون في طريقه جمعة يدركها (١). روى ابن النَّجار في "تاريخه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سافَرَ مِنْ دارِ إِقامَتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ دَعَتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ: لا يُصْحَبْ فِيْ سَفَرِهِ، وَلا يُعانُ عَلَىْ حاجَتِهِ". ٣٣ - ومنها: تفقد الإخوان الذين كانوا يجتمعون معهم في الصلاة ، ومجالس الذكر، وسائر مشاهد الخير، والسؤال عن أحوالهم، وعيادة مرضاهم، ومساعدتهم في حوائجهم. وقد جاء في الأثر، كما ذكره الإِمام أبو طالب المكي في كتاب "القوت": أن الملائكة ﵈ يفتقدون العبد إذا تأخر عن وقته يوم الجمعة، فيسأل بعضهم بعضا عن ما فعل فلان؟ وما الذي آخره؟ اللهُمَّ إن كان آخره فقر فَأغْنِه، وإن كان آخره مرض فاشفه، وإن كان آخره شغل ففرغه لعبادتك، وإن كان آخره لهوٌ فَأَقْبِلْ بقلبه على طاعتك (٢). وفي قوله: إذا تأخر عن وقته إشارة إلى أنهم إنما يفتقدون من كان له عادة، ووقتٌ يحضر فيه، لا من لم تكن له عادة بذلك؛ فإنه أبعد الناس

стр. 380

عن موالاة الملائكة لتلبسه بأخلاق المنافقين، كما سيأتي. وقد سبق حديث أبي هريرة ﵁ في تفقد الملائكة أوتاد المساجد، وعيادتهم إذا مرضوا، ومعاونتهم في حوائجهم (١). وقد أشرت إلى ذلك في "منظومتي" المشار إليها، مشيراً إلى الملائكة ﵈ بقولي: [من الرجز] وَيتَفَقَّدُوْنَ مَنْ تَأَخَّرا ... عَنْ وَقْتٍ اعْتادَ بِهِ أَنْ يَحْضُرا وَيَتَساءَلُوْنَ عَنْهُ ما فَعَلْ ... وَما الَّذِيْ أَخَّرَهُ مِنَ الْعِلَلْ إِنْ كانَ عَنْ فَقْرٍ فَنَوِّلْهُ الْغِنا ... أَوْ مَرَضٍ فَعَافِهِ يَا رَبَّنَا أَوْ شُغُلٍ ربِّ فَفَرِّغَنْه ... حَتَّى يُطِيْعَنَّ فَتَرْضَى عَنْهُ أَوْكانَ عَنْ لَهْوٍ فَأَقْبِلْ يا كَرِيْمْ ... بِقَلْبِهِ إِلَيْكَ حَتَّىْ يَسْتَقِيْمْ هُمْ جُلَسَاءُ أَهْلِ كُلِّ مَسْجِدِ ... يُذَكِّرُوْنَ الْقَوْمَ بِالتَّفَقُّد

стр. 381

إِنْ مَرِضُوْا عَادُوْهُمُ أَوْ كَانُوْا ... فِيْ حاجَةٍ فَهُمْ لَهُمْ أَعَانُوْا ٣٤ - ومنها: التذكير بالصَّلاة إذا حان وقتها، والدعاء إلها . روى الطبراني، والضياء في "المختارة" عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ لله مَلَكًا يُنادِيْ عِنْدَ كُلَّ صَلاةٍ: يا بَنِيْ آدَمَ! قُوْمُوْا إِلَىْ نِيْرَانِكُمُ الَّتِيْ أَوْقَدْتُمُوْها عَلَىْ أَنْفُسِكُمْ فَأَطْفِئُوْهَا" (١). وقد تقدم هذا مع حديث ابن مسعود في المعنى. ٣٥ - ومنها: إيقاظ النائم للصلاة - سواء صلاة الليل وغيرها كالصُّبح - وقد سبق أنهم يوقظون المتهجدين . روى الطبراني في "الأوسط" عن عبد الله -يعني: ابن مسعود رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أَرَادَ الْعَبْدُ الصَلاةَ مِنَ اللَيْلِ أَتاهُ ملك، فَقالَ لَهُ: قُمْ فَقَدْ أَصْبَحْتَ، فَصَل، وَاذْكُرْ رَبَّكَ، فَيَأْتِيْهِ الشَّيْطَانُ، فَيقُوْلُ لَهُ: عَلَيْكَ لَيْل طَوِيْلٌ، وَسَوْفَ تَقُوْمُ، فَإنْ قامَ، فَصَلَّىْ أَصْبَحَ نشَطاً، خَفِيْفَ الْجِسْمِ، قَرِيْرَ الْعَيْنِ، وَإِنْ هُوَ أَطاعَ الشَّيْطانَ حَتَّىْ أَصْبَحَ، بالَ فِيْ أُذُنيهِ" (٢). واعلم أن قول الملك للمصلي لا يلزم منه أن يسمعه ويفهمه، بل استيقاظه يكون من الملك، للطف الملائكة لا يحتاج من تتوجه إليه

стр. 382

نصيحتهم أن يسمع كلامهم كما يسمع كلام الآدميين، بل قد يكون ذلك إلقاء في الروح، وربما سمع بعض الصَّالحين ذلك جهرة، وسيأتي لذلك مزيد بيان في التشبه بالشيطان. وقد روى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزُّهد" عن هشام بن زياد أخي العلاء بن زياد قال: كان العلاء بن زياد يحيى كل ليلة جمعة، قال: فوجد ليلة فترة، فقال: يا أسماء! - لامرأته - إني أجد فترة، فإذا مضى كذا وكذا فأيقظيني، قالت: نعم، فأتى آت في منامه، فأخذ بناصيته، فقال: يا ابن زياد! قم فاذكر الله يذكرْك، قال: فقام، فما زالت تلك الشعرات التي أخذها منه قائمة حتى مات (١). ٣٦ - ومنها: الأذان والإقامة: سبق أن إسرافيل ﵇ مؤذن أهل السماء. وروى أبو نعيم في "الحلية"، وابن عساكر عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "نزَلَ آدَمُ ﵇ بِالْهِنْدِ، وَاسْتَوْحَشَ، فَنَزَلَ جِبْرِيْلُ ﵇ فَنادَىْ بالأَذانِ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -مَرَّتَيْنِ-، أَشْهَدُ أَنًّ مُحَمَّداً رَسُوْلُ اللهِ -مَرَّتَيْنِ-، قالَ آدَمُ: مَنْ مُحَمَّد؟ قالَ: آخِرُ وَلَدِكَ مِنَ الأَنْبِياءِ ﵈" (٢).

стр. 383

وروى البزار عن علي رضي الله تعالى عنه قال: لما أراد الله تعالى أن يعلم رسوله الأذان أتاه جبريل ﵇ بدابة يقال لها: البراق، فذهب يركبها، فاستصعبت، فقال لها جبريل ﵇: اسكني، فوالله ما ركبك عبد أكرم على الله من محمَّد ﷺ ، فركبها حتى انتهى إلى الحجاب الذي يلي الرَّحمن، فبينما هو كذلك إذ خرج ملك من الحجاب، فقال رسول الله ﷺ : "يا جِبْرِيْلُ! مَنْ هَذا؟ " قال: والذي بعثك بالحق إني لأقرب الخلق مكانًا، وإن هذا الملك ما رأيته قط منذ خلقت قبل ساعتي هذه، فقال الملك: الله أكبر، الله أكبر، فقيل له من وراء الحجاب: صدق عبدي؛ أنا أكبر، أنا أكبر، ثم قال الملك: أشهد أن لا إله إلا الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي؛ لا إله إلا أنا، فقال الملك: أشهد أن محمدًا رسول الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي؛ أنا أرسلت محمدًا، فقال الملك: حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، ثم قال: الله أكبر، الله أكبر، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي؛ أنا أكبر، أنا أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله، فقيل من وراء الحجاب: صدق عبدي؛ لا إله إلا أنا، ثم أخذ الملك بيد محمَّد فقدمه، فأمَّ أهل السَّماوات فيهم آدم ونوح، فيومئذ كمل الله تعالى لمحمد الشرف على أهل السَّماوات والأرض (١). قلت: هذه كيفية الإقامة لأن ألفاظها فرادى، ولزيادة لفظ الإقامة

стр. 384

فيها، وإنما سماها عليٌّ ﵁ أذانا على ضرب من المجاز، ولأن العرب قد تسمي الإقامة أذانًا. وفي الحديث: "بَيْنَ كُلِّ أَذانينِ صَلاة" (١)؛ أي: بين كل أذان وإقامة. وفي حديث علي رضي الله تعالى عنه إشارة إلى أن إجابة المؤذن خُلق من أخلاق الله تعالى، والله الموفق. ٣٧ - ومنها: سماع الأذان، والإنصات للمؤذن: روى ابن عدي في "الكامل" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَهْلَ السَّماءِ لا يَسْمَعُوْنَ شَيْئًا مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ إِلاَّ الأَذَانَ" (٢). ٣٨ - ومنها: الاستغفار للمصلين: روى ابن خزيمة في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَجْتَمعُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلائِكَةُ النَّهارِ فِيْ صَلاةِ الْفَجْرِ وَصَلاةِ الْعَصْرِ، فَيَجْتَمِعُوْنَ فِيْ صَلاةِ الْفَجْرِ، فتَصْعَدُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ، وَتَثْبُتُ مَلائِكَةُ النَّهارِ، وَيَجْتَمِعُوْنَ فِيْ صَلاةِ الْعَصْرِ، فتَصْعَدُ مَلائِكَةُ النَّهارِ، فَيَسْألهُمْ رَبُّهُمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِيْ؟ فَيقُوْلُوْنَ: أتيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ، وَتَرَكْناهُمْ وَهُمْ يُصَلُّوْنَ، فَاغْفِرْ لَهُمْ يَوْمَ الدِّيْنِ" (٣).

стр. 385

٣٩ - ومنها: الاستغفار لمن بات على طهارة: روى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "طَهرُوْا هَذهِ الأَجْسامَ - طَهَّرَكُمُ اللهُ -؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ عَبْدٍ يَبِيْتُ طَاهِرًا إلا باتَ مَعَهُ فِيْ شِعارهِ مَلَكٌ، لا يَنْقِلُبُ ساعَةً مِنْ اللَّيْلِ إِلاَّ قالَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِكَ؛ فَإنَّهُ باتَ طَاهِراً" (١). ٤٠ - ومنها: الاستغفار لمن قرأ: ﴿حم﴾ [الدخان: ١] من الليل. روى الترمذي عن أبي هريرة أنَّه ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ ﴿حم﴾ الدُّخَان فِيْ لَيْلَةٍ، أَصْبَحَ يَسْتِغْفِرُ لَهُ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ" (٢). ٤١ - ومنها: الاستغفار لمن صلى على النبي ﷺ في كتاب: روى الطبراني، وأبو الشيخ، والمستغفري عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلىْ عَلَيَّ فِيْ كِتابٍ لَمْ يَزَلِ الْمَلائِكَةُ يَسْتَغْفِرُوْنَ لَهُ ما دامَ اسْمِيَ فِيْ ذَلِكَ الْكِتَابِ" (٣).

стр. 386

٤٢ - ومنها: الاستغفار للعلماء: روى الترمذي وصححه، عن أبي أسامة ﵁ قال: ذُكِر لرسول الله ﷺ رجلان؛ أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ : "فَضْلُ الْعالِمِ عَلَىْ الْعابِدِ كَفضْلِيَ عَلَىْ أَدْناكُمْ". ثم قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله، وَمَلائِكَتَهُ، وَأَهْلَ السَّماواتِ، وَأَهْلَ الأَرْضِ، حَتَّىْ النَّمْلَةَ فِيْ جُحْرِها، وَحَتَّىْ الْحُوْتَ، لَيُصَلُّوْنَ عَلَىْ مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ" (١). وصلاة الملائكة بمعنى: الاستغفار. ويدل عليه ما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيْقًا إِلَىْ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضَىً بِما يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِيْ السَّماواتِ وَمَنْ فِيْ الأَرْضِ، حَتَّىْ الْحِيْتَانُ فِيْ الْماءِ، وَفَضْلُ الْعالِمِ عَلَىْ الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَىْ سائِرِ الْكَواكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَماءَ وَرثةُ الأَنْبِياءِ، وَإِنَّ الأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيْنارًا، وَلا دِرْهَماً، وَإِنَّما وَرَّثُوْا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ" (٢).

стр. 387

٤٣ - ومنها: الاستغفار لمحبي أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما, ولعن مبغضيهما: روى ابن باكُويه الشيرازي في كتاب "الألقاب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ فِيْ سَماءِ الدُّنْيا ثَمانِيْنَ ألفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُوْنَ لِمَنْ أَحَبَّ أَبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَفِيْ السَّماءِ الثَّانِيَةِ ثَمَانِيْنَ ألفَ مَلَكٍ يَلْعَنُوْنَ مَنْ يُبْغِضُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ" (١). ٤٤ - ومنها: الاستغفار لصُوَّام رمضان: روى البيهقي بسند صالح، عن جابر بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "أُعْطِيَتْ أُمتِيْ فِيْ شَهْرِ رَمَضانَ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نبِي قَبْلِيْ: أما واحِدَةٌ فَإنَّهُ إِذا كانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَداً. وَأما الثانِيَةُ: خُلُوْفُ أَفْواهِهِمْ حِيْنَ يُمْسُوْنَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ ريحِ الْمِسْكِ.

стр. 388

وَأَمَّا الثَّالِثة: فَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْمَلائِكَةُ فِيْ كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَإِنَّ الله ﷺ يَأْمُرُ جَنَّتَهُ فَيَقُوْلُ: اسْتَعِدّيْ، وَتَزَينيْ لِعِبَادِيْ؛ أَوْشَكَ أَنْ يَسْتَرِيْحُوْا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا إِلَىْ دارِيْ وَكَرامَتِيْ. وَأَمَّا الْخامِسَةُ: فَإِنَّهُ إِذا كانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غَفَرَ اللهُ لَهُمْ جَمِيْعاً". فقال رجل من القوم: هي ليلة القدر؟ قال: "لا، ألمْ تَرَ إِلَىْ الْعُمَّالِ يَعْمَلُوْنَ، فَإِذا فَرَغُوْا مِنْ أَعْمالِهِمْ وُفُّوْا أُجُوْرَهُمْ! " (١). ٤٥ - ومنها: الاستغفار لعائد المريض: روى ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا عادَ الرَّجُلُ أَخًا مَرِيْضًا فِيْ اللهِ تَعالَىْ مَشَىْ مَعَهُ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُوْنَ لَهُ، وَكانَ يَخُوْضُ فِيْ الرَّحْمَةِ، حَتَّىْ إِذا دَخَلَ عَلَيْهِ غَرِقَ فِيْها" (٢). ٤٦ - ومنها: الاستغفار لمن قال: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت: روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن عبد الله بن إبراهيم قال: مر يحيى ابن زكريا على قبر دانيال النبي ﵈ قال: فسمعه وهو في القبر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت، قال: فسمع ثم

стр. 389

مضى، قال: فناداه مناد من السماء: يا يحيى! أنا الذي تعززت بالقدرة، وقهرت العباد بالموت، من قالها استغفر له السَّماوات والأرض ومن فيهن (١). ٤٧ - ومنها: الاستغفار لكافة المؤمنين ، مع التنصيص في استغفارهم على التائبين، والمتبعين سبيل الله تعالى، ومع الدُّعاء لهم بالنَّجاة من النار والفوز بالجنة وانجاز الموعود والتوفيق، كما في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩]. فينبغي للإنسان أن يقتدي بالملائكة ﵈ في الدُّعاء، والاستغفار لإخوانه المؤمنين؛ فإن في ذلك فضلاً كثيرًا، وأجراً غزيراً. روى الطبراني في "معجمه الكبير" عن عُبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِناتِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعا وَعِشْرِيْنَ مَرَّةً كانَ مِنَ الَّذِيْنَ يُسْتَجابُ لَهُمْ، وُيرْزَقُ

стр. 390

بِهِمْ أَهْلُ الأَرْضِ" (١). ومن فضل الترحم، والاستغفار لهذه الأمة بالخصوص ما رواه الخطيب البغدادي في "تاريخه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ دُعاءٍ أَحَبُّ إِلَىْ اللهِ تَعالَىْ مِنْ أَنْ يَقُوْلَ الْعَبْدُ: اللهُمَّ ارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحْمَةً عامَّةً" (٢). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن مَعروف الكَرخي قال: من قال كل يوم: اللهم أصلح أمة محمَّد، اللهم فرج عن أمة محمَّد، اللهم ارحم أمة محمَّد ﷺ ، كُتِب من الأبدال (٣). ٤٨ - ومنها: الصَّلاة على الصفِّ الأول من المصلين مرتين ، وعلى الصف الثاني مرة، وعلى ميامن الصفوف، وعلى الذين يَصِلَون الصفوفَ، وعلى من ينتظر الصلاة، ومن في وجهه أثر السجود، وعلى الْمُتَعَمِّمِيْنَ يوم الجمعة، وعلى من يصلي على النبي ﷺ ، وعلى الرجل ما دامت مائدته موضوعة، وعلى المقتنين للأغنام،
следующие страницы →