وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "الأولياء" عن عمرو بن مُرَّة رحمه الله تعالى، عن رجل من بني هاشم رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْبَغِي لأَوْلِيَاءِ اللهِ مِنْ أَهْلِ دَارِ الْخُلُوْدِ الَّذِيْنَ لَهَا سَعْيُهُمْ وَفِيْهَا رَغْبَتُهُمْ وَلَهَا يُرِيْدُوْنَ: أَنْ يَكُوْنُوْا أَوْلِيَاءَ، وَلا أَحِبَّاءَ، وَلا جُلَسَاءَ لأَوْلِيَاءِ الشَّيْطَانِ (١) مِنْ أَهْلِ دَارِ الْغُرُوْرِ الَّذِيْنَ لَهَا سَعْيُهُمْ وَفِيْهَا رَغْبَتُهُمْ، هُمْ أَشَدُّ تَبَاعُدًا عَنْهُمْ، وَتَبَادُرًا إِلَى الْخَيْرِ، وَمُقَاطَعَة لَهُم أَسْبَابًا وَأَخْلاقًا" (٢).
وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن يحيى بن معاذ الرازي رحمه الله تعالى قال: تزكية الأشرار لك هجنَة (٣)، وحبهم لك عيب عليك، وهان عليك من احتاج إليك (٤).
وروى ابن المبارك في "الزهد" عن يحيى بن [أبي] كثير رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ صَاحِبِ غَفْلَةٍ، وَقَرِيْنِ سُوْءٍ، وَزَوْجِ أَذَى" (٥).
ومن المعلوم عند عامة أهل العلم أن الله تعالى لم يذكر قصص الأمم الماضية في كتابه العزيز لتكون أسماراً، ولكن قررها لتكون
стр. 3257
اعتبارًا، فإذا نظر العبد إلى قصصهم وهلاك ضُلاَّلهم، ونجاة المؤمنين منهم، كان ذلك أدعى للعبد، وأبعث له على الثبات على الإيمان والطاعة، وأردع له وأزجر عن الكفر والمعصية؛ ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١١١)﴾ [يوسف: ١١١].
فينبغي أن نشير إلى قصص مشاهير الأمم التي ذكرها الله تعالى في القرآن العظيم على سبيل الإيجاز، ونبين ما انتقد عليهم من الأعمال والأقوال والاعتقادات التي هي السبب في هلاكهم وبَوارهم؛ لينكفَّ المؤمن عن التشبه بهم فيها، وينزجر عن الاقتداء بهم في تعاطيها.
(١) بَابُ النَّهي عَنِ التَّشَبُّهِ بِقَابْيلَ القَاتلِ لِأَخْيِهِ هَابِيْلَ
وهو أول من عَبَدَ النار، وأول من قتل النفس التي حرَّم الله تعالى بغير حق، وأول من عقَّ أبويه، وأول من قطع رحمه.
روى عبد بن حميد عن الحسن رحمه الله تعالى قال: بلغني أن رسول الله ﷺ قال: "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! أَلا إِنَّ ابْنَي آدَمَ ضَرَبَا لَكُمْ مَثَلاً؛ فَتَشَبَّهُوْا بِخَيْرِهِمَا، وَلا تَشَبَّهُوْا بِشَرِّهِمَا" (١).
وروى الشيخان، والترمذي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهِ؛ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ" (٢).
قال الله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧] الآيات.
رُوِيَ أن حواء كانت تلد في كل بطن غلامًا وجارية، فكان آدم ﵇ إذا شبَّ أولادهُ زوَّجَ غلامَ هذا البطنِ جاريةَ بطنِ آخرَ،
стр. 3260
فلمَّا ولد قابيل وتوأمته، وهابيل وتوأمته، أمر الله تعالى آدم ﵇ أن يزوج قابيل توأمة هابيل، وهابيل توأمة قابيل، وكانت أحسن من توأمة هابيل، فسخِط قابيل ذلك، وقال: أنا أحق بأختي.
فقال له آدم ﵇: إنها لا تحل لك.
فأبى، وزعم أن الله تعالى لم يأمر أباه بذلك، وإنما أراد ذلك من رأيه.
فقال لهما آدم: قرَّبا قرباناً، وأيكما تقبل قربانه فهو أحق بها.
وكان القربان إذا كان مقبولاً نزلت نارٌ بيضاءُ من السماء فأكلته، وإلا لم تنزل النار إليه، وأكلته الطير والسباع، وكان قابيل صاحب زرع فقرَّب صُبرة من طعام من رديء زرعه، وكان هابيل صاحب غنم فقرَّب أحسن كبش عنده، ووضعا قربانهما على الجبل، فتقبل من أحدهما قربانه وهو هابيل، ولم يتقبل من الآخر وهو قابيل، فغضب لرد قربانه، وأَضمر الحسد لأخيه حتى ذهب آدم ﵇ إلى زيارة البيت الحرام، فجاء قابيل إلى هابيل وهو في غنمه، قال: لأقتلنك.
قال: ولم؟
قال: لأنَّ الله قبِل قربانك ولم يقبل قرباني، وتنكح أنت أختي الحسناء، وأنكح أختك الذميمة فتتحدث الناس أنك خير مني، ويفتخر ولدُك على ولدي.
فقال هابيل: ما ذنبي؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ
стр. 3261
الْعَالَمِينَ (٢٨) إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ [المائدة: ٢٧ - ٢٩].
قال المفسرون: يعني: إن كان الإثم واقعاً لا محالة فأريد أن يكون منك لا مني (١).
وقال بعضهم: أراد بالإثم: العقوبة (٢).
قلت: والذي أختاره أن هابيل أراد تخويف أخيه من القتل، وتهويل أمره عليه لينجو هو من القتل، ويَسْلَم أخوه من العار والإثم، ولم يُرِدْ وقوع العصيان من أخيه.
قال الله تعالى: ﴿فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٣٠].
قال ابن جريح، ومجاهد رحمهما الله تعالى: جهل كيف يقتل أخاه، فجاء إبليس بطائر أو حيوان غيره، فجعل يشدخ رأسه بين حجرين حتى قتله ليقتدي به قابيل، ففعل، وعلَّمَه القتل فتعلم. رواه ابن جرير (٣).
قال ابن عباس: كان ذلك في ثورٍ؛ جبلٍ بمكة (٤).
стр. 3262
وقال محمد بن جرير: عند عَقَبة حراء (١).
وقال جعفر الصادق: بالبصرة في موضع المسجد الأعظم (٢).
وروى الربعي في "فضائل الشام" عن علي رضي الله تعالى عنه، وعن كعب الأحبار، وعن عبد الله بن أبي المهاجر رحمهم الله تعالى: أنه بدمشق في جبل قاسيون (٣).
وعن ابن أبي المهاجر: أنهما وضعا القربان في موضع مسجد دمشق على حجر خارج باب الساعات (٤).
وروى ابن عساكر عن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "بِدِمَشْقَ جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ: قَاسِيُونُ؛ فِيْهِ قَتَلَ ابْنُ آدَمَ أَخَاهُ" (٥).
وعن كعب قال: الدم الذي على قاسيون هو دم ابن آدم؛ يعني: هابيل ﵇ (٦).
قالوا: ولما قتله قعد عند رأسه يبكي، إذ أقبل غرابان فاقتتلا،
стр. 3263
فقتل أحدهما الآخر، ثم حفر له حفرة فدفنه، فتفطَّن قابيلُ لذلك، ووارى أخاه (١).
ومن هنا يعلم أن هابيل أول مدفون من بني آدم، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (٣١)﴾ [المائدة: ٣١]؛ أي: على فقده لا على قتله، أو: لم يكن الندم يومئذ توبة.
قال قوم: لم يدر قابيل ما يصنع بأخيه حين قتله، فحمله حتى أروح، فبعث الله له الغراب.
قال مجاهد: حمله في جِراب، ومشى به يحمله على عاتقه مئة سنة (٢).
والمروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه حمله سنة واحدة، كما رواه ابن جرير (٣).
وقال قوم آخرون: كان يعلم الدفن، ولكن نبذه بالعراء استخفافًا به، ثم لمَّا رأى الغراب يواري الغراب علم من نفسه العجز والقطيعة، فقال ذلك (٤).
стр. 3264
ثم هرب قابيل إلى عَدَن من أرض اليمن، وامتزج بالوحش، وكان الوحش إذ ذاك يستأنس بالإنس، فلما مضت عليه أيام جاع ولم يجد طعاماً، فأخذ ظبية وشدخ رأسها بالحجر؛ قال ابن عباس: فكانت الموقوذة حراماً من عهد قابيل، وهرب الوحش يومئذ من الإنس لِمَا رأى من قابيل (١).
قلت: ومن هنا يعلم أن القتل للوحش منه، ومنه حصلت الوِحشة للبشر، ثم للوحش.
قالوا: وعرض إبليس لقابيل فقال له: إنما أكلت النار قربان أخيك لأنه كان يعبدها، فانصُب أنت ناراً تكون لك ولعَقِبك، فبنى بيت نار، وهو أول من عبد النار، ولذلك كان أول من ينساق إلى النار كما روي (٢).
قال البغوي رحمه الله تعالى: قالوا: واتخذ أولاد قابيل آلات اللهو من اليراع، والطبول، والمزامير، والعيدان، والطنابير، وانهمَكوا في اللهو، وشرب الخمر، وعبادة النار، والزنا، والفواحش حتى أغرقهم الله بالطُّوفان أيامَ نوح ﵇، وبقي نسل شيث ﵇ (٣).
قلت: ويجمع بين ذلك وبين ما تقدم أن إبليس وضع المزامير،
стр. 3265
والعيدان، وآلات اللهو على ألحان داود ﵇ بأن المزامير وآلات اللهو كانت نُسيت في عهد نوح ﵇ بعد أولاد قابيل، حتى جدَّدهَا إبليس في بني إسرائيل في زمن داود ﵇، أو بعده، أو كانت قبل داود على وضع ولحن، فلما أعطي داود ﵇ حسن الصوت واللحن جعلها الشيطان على ألحانه، والله الموفق.
وقد اشتملت قصة قابيل على قبائح يتعين على كل مؤمن أن يتبرأ منهَا ويتنزه عنها.
١ - فمنهَا: أن قابيل سَخِطَ قسمة الله تعالى، ولم يرض بما قُسم له .
وقد روى الإمام أحمد، والترمذي، والحاكم وصححه، عن سعد ابن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَتُهُ الله، وَمِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ رِضَاهُ بِمَا قَضَى اللهُ - وفي رواية: بِمَا قَسَمَ اللهُ - وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُهُ اسْتِخَارَتَهُ الله، وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ سَخَطُهُ لِمَا قَضَى اللهُ لَهُ - وفي رواية: لِمَا قَسَمَ اللهُ لَهُ -" (١).
وروى الطبراني في "الكبير"، وابن حبان في "الضعفاء" عن أبي
стр. 3266
هند الداري رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "قَالَ اللهُ : أَنَا اللهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، مَنْ لَمْ يَرْضَ بِقَضَائِي، وَيَصْبِرْ عَلَى بَلائِي، فَلْيَلْتَمِسْ رَبًّا سِوَايَ" (١).
وفي كتاب الله : ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢) وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣١ - ٣٥].
وروى أبو نعيم عن أبي سعيد، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما معًا قالا: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَسَخَّطَ رِزْقَهُ، وَبَثَّ شَكْوَاهُ، وَلَمْ يَصْبِرْ، لَمْ يَصْعَدْ لَهُ إِلَى اللهِ عَمَلٌ، وَلَقِيَ اللهَ تَعَالَى وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ" (٢).
وروى الحاكم عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ (٣٢)﴾ [الزخرف: ٣٢]؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَرْزَاقَكُمْ، وَإِنَّ اللهَ
стр. 3267
يُعْطِيْ الدُّنْيَا مَنْ يُحِبُّ وَمَنْ لا يُحِبُّ، وَلا يُعْطِي الدّيْنَ إِلاَّ مَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطَاهُ الدِّيْنَ فَقَدْ أَحَبَّهُ" (١).
ولقد قلت في الرضا بالقسمة: [من السريع]
مَنْ لَيْسَ يَرْضَى بِالَّذِي قَدْ قُسِمْ ... لَمْ يَبْلُغِ الْمَطْلُوْبَ لَكِنْ أَثِمْ
أَما تَرى قابِيْلَ فِي سُخْطِهِ ... باءَ بِإِثْمٍ فَوْقَ ما قَدْ حُرِمْ
وَلَمْ يَفُتْ هابِيْلَ مِنْ رِزْقِهِ ... شَيْءٌ وَلَكِنْ بِالرِّضَا قَدْ نُعِمْ
دُنْياكَ تَفْنَى فَادَّخِرْ صالِحًا ... مَنْ كانَ ذا عَقْلٍ لِقَوْليْ فَهِمْ
خَلِّ الْهَوى لا يَسْتَمِلْكَ الْهَوى ... مَنْ يَسْتَقِمْ يُغْدَقْ لَهُ فَاسْتَقِمْ
٢ - ومنها: عقوق الوالدين وإسخاطهما، وهو من الكبائر .
وروى الترمذي، والحاكم وصححاه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: "رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدِ، وَسَخَطُ الرَّبِّ فِي سَخَطِ الْوَالِدِ" (٢).
ورواه الطبراني، ولفظه: "رِضَا الرَّبِّ فِي رِضَا الْوَالِدَيْنِ، وَسَخَطُهُ فِيْ سَخَطِهِمَا" (٣).
стр. 3268
وروى أبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "يُقَالُ لِلعَاقِّ: اِعْمَلْ مَا شِئْتَ مِنَ الطَّاعَةِ؛ فَإِنَّي لا أَغْفِرُ لَكَ" (١).
٣ - ومنها: مخالفة النبي، ومخالفة الوالد، ومخالفة الأستاذ .
وقد كان آدم ﵇ أبا لقابيل، ونبيًا، وأستاذاً.
وطاعة الوالدين واجبة إلا إذا أَمَرا بمعصية، أو بما فيه ضرر عليه؛ فإِنْ أمراه بشبهة لا ضرر عليه فيها فالذي عليه الأكثرون - كما قال حجة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى - وجوب طاعتهما في ذلك (٢).
فإن أمراه بترك سنة مرة أو مرتين أطاعهما، فإن أمراه بالترك دائمًا فلا طاعة لهما فيه كما قال بعض المالكية، وأقره الشيخ تقي الدين السبكي (٣).
فإن أمره كل منهما بما يخالف ما أمره به الآخر أطاع الأب لأنه أقرب في الحزم والرأي من الأم ما لم يكن أمرُ الأبِ مخالفًا للشرع.
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن حبان بن موسى رضي الله
стр. 3269
تعالى عنه قال: سألت ابن المبارك رحمه الله تعالى عن الوالد والوالدة إذا أمرا بشيء، فقال: الأب أحق بالطاعة، والأم أحق بالبر (١).
قلت: وهذا حسن.
٤ - ومنها: إساءة الظن بالوالد، وبالأستاذ، وبالعبد الصالح .
وقد قال الله تعالى: ﴿اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ (١٢)﴾ [الحجرات: ١٢].
وروى ابن عدي، والخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ الْمَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ" (٢).
نعم، لو كان المظنون فيه محلًّا للتهمة وسوء الظن فعليه يُحمل ما رواه أبو الشيخ عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: الحزم سوء الظن (٣).
٥ - ومنها: النظر إلى كلام الناس، والخوف من تعييرهم ، فيدعوه ذلك إلى مخالفة الشرع والعقل، والوقوع في الحذر، كما يدل عليه قول قابيل: فيتحدث الناس أنك خير مني (٤).
стр. 3270
وقد قلت: [من البسيط]
لا يَجْرِمَنَّكَ مَرْأى النَّاسِ مِنْكَ عَلى ... أَنْ تَرْكَبَ الْحُوبَ أَوْ أَنْ تَرْفُضَ الدِّينا
وَلا تَخَفْ مِنْ كَلامِ النَّاسِ فِيْكَ إِذا ... تَبِعْتَ ما شَرَعَ الدَّيَّانُ بارِينا
وَإِنْ أَنِفْتَ لِرَأْيِ النَّاسِ مِنْ عَمَلٍ ... فَقُلْ لنَفْسِكَ مَهْ لَوْلا تَخافِيْنا
فَضِيْحَةُ الْمَرْءِ فِي الدُّنْيا أَخَفُّ أَسًى ... ما كُنْتِ يا نَفْسُ إِلاَّ أَوَّلاً طِينا
بِالْعِلْمِ وَالدِّيْنِ وَالتَّقْوَى سَما رَجُلٌ ... وَحَسْبُنا اللهُ كافِينا وَهادِينا
٦ - ومنها: دعوى ما ليس له، والدعوى الباطلة .
قال الماوردي: قيل: أول دعوى وقعت في الأرض دعوى قابيل على أخيه هابيل أنه أحق بنكاح توأمته، فتنازعا إلى آدم ﵇، فأمرهما بما قصه الله تعالى علينا بقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]، فقتل قابيل هابيل، فكان أول قتيل في الأرض (١).
стр. 3271
وروى ابن ماجه عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ ادَّعَى مَا لَيْسَ لَهُ فَلَيْسَ مِنَّا، وَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١).
٧ - ومنها: تزكية النفس، وتعظيمها، والنظر إلى فضلها .
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ [النجم: ٣٢].
ولولا تزكية قابيل لنفسه على أخيه ما رأى نفسه أولى بالنعمة من أخيه، فمن زكَّى نفسه ورأى فضلها فهو أشبه بأخيه قابيل.
وقد روى الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والطبراني في "الكبير" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَعَظَّمَ فِيْ نَفْسِهِ، وَاخْتَالَ فِيْ مِشْيَتِهِ، لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانٌ" (٢).
٨ - ومنها: قطيعة الرحم، وهي من الكبائر .
قال الله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾ [محمد: ٢٢].
وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ
قال: "يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى: أَنَا الرَّحْمَنُ، وَهَذهِ الرَّحِمُ شَقَقْتُ لَهَا مِن اسْمِي؛
стр. 3272
فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ" (١).
وأقول: [من السريع]
قابِيْلُ أَوَّلُ أخٍ مُدابِرِ ... وَأَوَّلُ الباغِيْنَ فِي الْعَشائِرِ
تَبًّا لِمَنْ كانَ لَهُ مُقْتَفِياً ... مِنْ جائِرٍ بَيْنَ الْبَرايا حائِرِ
٩ - ومنهَا: التصدق بأردأ الأموال وشرها، وهو مكروه .
قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ (٩٢)﴾ [آل عمران: ٩٢].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ (٢٦٧)﴾ [البقرة: ٢٦٧].
والمعنى: ما لا تأخذونه إلا مع كراهة وحياء، وهو معنى الإغماض، فلا تُؤثروا به ربكم.
وقال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ (٦٢)﴾ [النحل: ٦٢].
١٠ - ومنها: لوم غيره، والانتقام منه على ما ابتلي به بسبب ذنب نفسه، أو تمحض القضاء والقدر .
فإن قابيل لما لم يقبل منه قربانه غضب، وحَنِقَ على أخيه، وقال:
стр. 3273
لأقتلنك، ولو كان حازماً كان غضبه على نفسه؛ إذ كان هو السبب في عدم قَبول قربانه بارتكاب المعاصي التي أشرنا إليها آنفًا، فلو رجع على نفسه باللائمة، وتاب وأقلع لكان خيرًا له، وليته حين نبَّهه أخوه هابيل بقوله: إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧] تنبه وعاد إلى الطاعة.
وقد قيل: [من السريع]
ارْجِعْ إلى الْوِدَّ الَّذِي بَيْنَنا ... وَكُلُّ ذَنْبٍ لَكَ مَغْفُورُ
وكذلك ينبغي لكل من أصيب بمصيبة، أن يعلم أنها بما قدمت يداه كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا (٨٨)﴾ [النساء: ٨٨].
﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ (٧٩)﴾ [النساء: ٧٩].
ولا يحمله الطيش والبغي أن يلوم غيره فيكون متشبهاً بقابيل حيث لم يتقبل قربانه، فحمله البغي على أن قال لأخيه: لأقتلنك، بل يرجع باللاَّئمة على نفسه ليظفر بحصول أُنسه، كما قلت: [من مخلّع البسيط]
أَن السَّبَبُ فِي بَلْوايَ ... ما ضَرَّني غَيْرُ أَهْوايَ
يا رَبِّ خَلِّصْنِي مِنِّي ... وَنَجِّنِي مِنْ دَعْوايَ
نَفْسِي تَقُوْلُ لِي فِي نَفْسِي ... وَأَنا الْحَزِيْنُ مِنْ نَجْوايَ
مَنْ ذا تُرَى مِثْلِيَ فِي الْكَوْنِ ... ثانِيَ يَجِيْءُ فِي تَقْوايَ
وَأَنا الَّذِي أَدْرِي وَأَعـ ... ـلَمُ مِنْها زِيادَةَ طَغْوايَ
стр. 3274
مِنْ عُجْبِ نَفْسِيَ يا عَجَبِي ... وَالْعُجْبُ أَرْدَى أَدْوايَ
فِيْ بَدْئِها كانَتْ نُطْفَة ... وَالرَّمْسُ آخِرُ مَثْوايَ
يا رَبِّ كَمْ ذا تُؤْذِيْنِي ... نَفْسِي وَتَجْلِبُ بَلْوايَ
يا رَبِّ سَكِّنْها عَنِّي ... فَأَنْتَ أَقْصَى رَجْوايَ
١١ - ومنها: التشبه بالشيطان .
فإن قابيل اقتدى بالشيطان في شدخ رأس أخيه كما تقدم، فمن تشبَّهَ بإبليس كان متشبهًا بقابيل في التشبه به؛ فإنه أول من تشبه بالشيطان، وقد قلت: [من السريع]
أَوَّلُ مَنْ أَشْبَهَ شَيْطانا ... قابِيْلُ لَمَّا هامَ عِصْيانا
هُمَا الْمُضِلاَّنِ لِمَنْ جاءَ مِنْ ... بَعْدِهِما مِنْ كُلِّ مَنْ كانا
فَلا تَكُنْ مِثْلَهُما باغِياً ... وَخَفْ مَقامَ اللهِ مَوْلانا
لَوْلا التُّقَى ما قَبِلَ اللهُ مِنْ ... هابِيْلَ مَعْرُوفاً وَقُرْبانا
وَرَدَّ ما قَرَّبَهُ طاغِياً ... قابِيْلُ إِبْعادًا وَخُذْلانا
لا تتَّبعْ قابِيْلَ فِي فِعْلِهِ ... تَحْصُدْ بِما تَزْرَعُ خُسْرانا
تَرْضَى بِأَنْ تُصْبحَ شَيْطانا ... مِنْ بَعْدِ ما [قد] كُنْتَ إِنْسانا
نَعْلَمُ هَذا ثُمَّ نَغْدُو هَوًى ... وَإِنَّ أدرَانا لأَنْسانا
يا لَيْتَ شِعْرِي ما الَّذِي قَدْ ... لَها قُلُوبَنا عَنْهُ وَأَنْسانا
стр. 3275
إِنِّي عَلى ما فِيَّ مِنْ لَوْعَةٍ ... عَلى غُرُوْرٍ مِنْ دُنيَّانا
وَلَسْتُ بِالآيِسِ مِنْ رَحْمَةٍ ... أَوَدُّ أنَّ اللهَ عافانا
١٢ - ومنها: إشمات العدو في القريب والصديق .
فإن قابيل أشمت إبليس في أبيه آدم، وأمه حواء، وإخوته وأصدقائه، فمن كان أبوه صالحًا وخالف سمت أبيه فقد أشمت عدو أبيه فيه، وكان لقابيل مثيلاً، ولإبليس خليلاً، بل اللائق بابن الكريم أن يكون كريماً، ولا يباح لابن اللئيم أن يكون لئيماً، وقد ذمَّ الله تعالى الأبناء على تقليد الآباء في اللآمة، وعدَّ افتخار يوسف بآبائه الكرام ﵈ من قبيل الكرامة.
وقد روى الطبراني عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ سئل: أي الناس أفضل؟ قال: "مُؤْمِنٌ بَيْنَ كَرِيْمَيْن" (١).
وقال بعض العرب: [الكامل]
لَسْنا وَإِنْ كَرُمَتْ أَوائِلُنا ... يَوماً عَلى الأَحْسابِ نتَّكِلُ
نبنِي كَما كانَتْ أَوائِلُنا ... تَبْنِي وَنَفْعَلُ كَالَّذِيْ فَعَلُوا (٢)
ولا شك أن ابن الكرام إذا جاء بأفعال اللئام سَلَّطَ على عرضه
стр. 3276
وعرض آبائه ألسنةُ الأنام، فهو جانٍ على نفسه وعشيرته، وشائنٌ لقومه وقبيلته، فهو حري بالنكال، جدير بالوبال.
وقلت: [من الكامل]
يا مُشْمِتَ الأَعْداءِ فِي آبائِهِ ... لا كُنْتَ يَوْماً مُشْمِتَ الأَعْداءِ
وَابْنُ الْكِرامِ إِذا نبَا عَنْ سَمْتِهِمْ ... أَوْلَى بِأَنْ يُهْجَى بِكُلِّ هِجاءِ
١٣ - ومنها: الحسد، والحقد، والبغضاء لغير سبب ديني .
وقد تقدم في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: "إِيَّاكُمْ وَالْحَسَدَ؛ فَإِنَّ ابْنَي آدَمَ إِنَّمَا قَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ حَسَدًا، فَهُوَ أَصْلُ كُلِّ خَطِيْئَة" (١).
وروى البيهقي في "الشعب" عن الأحنف بن قيس رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا راحة لحسود (٢).
وعن الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من حاسد؛ نفس دائم، وعقل هائم، وحزن لائم (٣).
وقال الشاعر: [من الكامل]
قُلْ لِلْحَسُوْدِ إِذا تَنَفَّسَ طَعْنَةً ... يا ظالماً وكأنَّهُ مظلوم
стр. 3277
١٤ - ومنها: العمل بمقتضى الهوى والشهوة، والافتتان بالمرأة التي لا تحل له، خصوصاً المحرم .
وقد روى أبو نعيم عن حسان بن عطية رحمه الله تعالى قال: ما أُتيَت أُمَّةٌ قط إلا من قبل نسائهم (١).
قلت: وأول ذلك أن آدم ﵇ أُتيَ من قبل حواء، وبلاء هابيل ﵇ كان من قبل النساء، ومعصية قابيل كانت من قبل توأمته.
وفي الحديث: "مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَشدَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّسَاءِ" (٢).
١٥ - ومنها: إخافة أخيه وترويعه .
فإنه لم يقتله حتى توعَّده بالقتل، وأخافه؛ ألا ترى إلى قوله: ﴿لَأَقْتُلَنَّكَ (٢٧)﴾ [المائدة: ٢٧]؟
وإخافة المسلم وترويعه حرام.
روى أبو داود عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى قال: حدثنا أصحاب محمد ﷺ أنهم كانوا يسيرون مع النبي ﷺ ، فنام رجل منهم، فانطلق بعضهم إلى حبل معه، فأخذه ففزع، فقال النبي ﷺ : "لا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" (٣).
стр. 3278
وروى البزار، والطبراني، وأبو الشيخ في كتاب "التوبيخ" عن عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً أخذ نعل رجل فغيَّبها وهو يمزح، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، فقال: "لا تُرَوِّعُوْا الْمُسْلِمَ؛ فَإِنَّ رَوْعَةَ الْمُسْلِمِ ظُلْمٌ عَظِيْمٌ" (١).
وفي الحديث: "مَنْ نَظَرَ إِلَى أَخِيْهِ نظرَةً مُخِيْفَةً مِنْ غَيْرِ حَقٍّ أَخَافَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
وفي لفظ: "مَنْ نظَرَ إِلَى مُسْلِمٍ نظرَةً يُخِيْفَهُ بِهَا فِيْ غَيْرِ حَقٍّ أَخَافَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
رواه باللفظ الأول الخطيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وبالثاني الطبراني في "الكبير" عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما (٢).
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لا يُشِيْرُ أَحَدُكُمْ إِلَى أَخِيْهِ بِالسِّلاحِ؛ فَإِنَّهُ لا يَدْرِيْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِيْ يَدِهِ فَيَقَعُ فِيْ حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ" (٣).
стр. 3279
١٦ - ومنها: قتل النفس التي حرم الله بغير حق .
وهو أعظم الذنوب بعد الشرك، وقد سبق أنه ما من نفس تُقتَل ظلماً إلا كان على قابيل كِفْل من دمها لأنه أول من سنَّ القتل.
والآيات والأحاديث في النهي عن القتل والوعيد عليه معروفة.
وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللهَ مَكْتُوْبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ" (١).
قال سفيان بن عيينة: هو أن يقول: أق، ولا يتم كلمة أقتل (٢).
وروى الإمام أحمد، والبخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "لا يَزَالُ الْعَبْدُ فِيْ فُسْحَةٍ مِنْ دِيْنِهِ مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامًا" (٣).
وقال ابن عمر: إنَّ من وَرْطات الأمور التي لا مخرج لمن أوقع نفسه فيها الدم الحرام بغير حلِّه. رواه الإمام أحمد (٤).
стр. 3280
* تَنْبِيهانِ:
الأَوَّلُ: روى ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: إن قابيل لما قتل أخاه، عقل الله تعالى إحدى رجليه ساقها إلى فخذها من يوم قتله إلى يوم القيامة، وجعل وجهه إلى الشمس حيث دارت دار عليه حظيرة من ثلج في الشتاء، وعليه في الصيف حظيرة من نار (١).
ومن طرائف العقوبات: نقصان الخلقة بعد تمامها، وأول من نقصت خلقته عقوبة إبليس وقابيل؛ فإبليس عَوِر، وقابيل عَرِج.
ولقد قلت: [من السريع]
أَوَّلُ عُوْرِ الْخَلْقِ إِبْلِيْسُهُمْ ... وَأَوَّلُ الْعُرْجانِ قابِيْلُ
وَمِنْ هُنا عانَدَ عُوْرُ الْوَرَى ... وَكانَ فِي الْعُرْجِ الأَباطِيْلُ
وقلت مقرراً لما هو مشهور من أن نقصان الخلق يدل على نقصان العقل: [من الرجز]
تَبارَكَ الدَّيَّانُ مِنْ مُصَوِّرٍ ... وَجَلَّ مِنْ مُهَيْمِنٍ مُقْتَدِرِ
ما أَكْمَلَ اللهُ عَلا خَلْقَ امْرِئٍ ... حَتَّى تَراهُ كامِلاً فِيْ مَعْشَرِ
إِلاَّ وَقَدْ أَكْمَلَ مِنْهُ عَقْلَهُ ... حَتَّى تَراهُ سالِمَ التَّصَوُّرِ
وَجَعَلَ النُّقْصانَ فِي الْخَلْقِ دَلِيـ ... ـلاً دَلَّ ذا عَقْلٍ وَذا تَفَكُّرِ
стр. 3281
عَلى انْتِقاصِ عَقْلِ مَنْ يَنْقُصُهُ ... فِي عَقْلِهِ وَخَلْقِهِ الْمُقَدَّرِ
آيَةُ ما قُلْتُ إِذا حَقَّقْتَهُ ... وُجُوْدُ حالِ النَّقْصِ وَالتَّهَوُّرِ
مِنْ أَقْرَعٍ أَوْ أَطْرَشٍ أَوْ أَعْوَرٍ ... أَوْ أَحْوَلٍ أَوْ أَعْرَجٍ أَوْ أَبْصَرِ
وَفِي اعْتِدالِ اللَّوْنِ عَدْلُ طَبْعِهِ ... وَمِنْ هُنا اعْوَجَّتْ طِباعُ الأَشْقَرِ
إِنْ يَتَخَلَّفْ ذَاكَ فَالنَّادِرُ لا ... حُكْمَ لَهُ وَالْحُكْمُ حُكْمُ الأَكثَرِ
التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: روى الحافظ نعيم بن حماد في "الفتن" عن عبد الرحمن بن فَضَالة رحمه الله تعالى قال: لما قتل قابيل هابيل، مسخ الله تعالى عقله، وخلع فؤاده، فلم يزل تائهاً حتى مات (١).
قلت: ولهذا يطيش عقل القاتل غالبًا، ويشتد رعبه، ويندم، وإذا طُلِب هرب.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٣٠)﴾ [المائدة: ٣٠].
وقَلَّ أن يقتل إنسان إنسانًا لغير ثأر، ويطمئن قلبه بعدها، ومن شذ عن هذه القاعدة فقتل ولم يرعب ولم يرهب، فقسوته أشد من قسوة قابيل.
وقد روى أبو داود، والضياء في "المختارة" عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا فَاغْتَبَطَ بِقَتْلِهِ لَمْ
стр. 3282
يَقْبَلِ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلا عَدْلاً" (١).
ثم روى أبو داود عن خالد بن دهقان قال: سألت يحيى بن يحيى الغساني عن قوله: فاغتبط بقتله، قال: الذين يقاتلون في الفتنة فيقتل أحدهم، فيرى أنه على هدى، فلا يستغفر الله (٢).
والصرف: النافلة، والعدل: الفريضة.
وقيل غير هذا.
والمعنى: أنه يحبط عمله.
١٧ - ومن أعمال قابيل وأخلاقه: انتهاك حرمة المسلم بعد موته، وعدم الاهتمام بمواراته وسائر ما يحتاج إليه من تجهيزه، وذلك كله من فروض الكفاية، إذا تركه كلُّ من تعين عليهم أثموا .
ومن أصرح الأدلة على ذلك: ما روى الإمام أحمد، ومسلم، والنسائي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَوْلا أَن لا تَدَافَنُوْا، لَدَعَوْتُ اللهَ أَنْ يُسْمِعَكُمْ عَذَابَ الْقَبْرِ" (٣).
ووجه الاستدلال به أن علوم القبر وأحوال البرزخ علوم شريفة، وقد حُجبت عنا فلم نشاهدها بالحس خشية أن يحملنا الاطلاع عليها
стр. 3283
على ترك التدافن، فلولا أن يكون التدافن أمرًا واجبًا، لم يُحجب عنا هذا الفن من العلم مع شرفه خشية تركه.
١٨ - ومنها: إزهاق روح الحيوان بغير ذكاة شرعية إلا ما جاز قتله، وأكل الموقوذة وسائر أنواع الميتة، وكل ذلك من العظائم إلا في حالة الاضطرار .
روى الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي في "السنن" عن عبد الله ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُوْرًا بِغَيْرِ حَقِّهِ سَأَلَهُ اللهُ عَنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (١).
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان وصححه، وآخرون عن الشَّريد بن سويد رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "مَنْ قَتَلَ عُصْفُوْرًا عَبَثًا عَجَّ إِلَى اللهِ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْه فَيَقُوْلُ: يَا رَبِّ! إِنَّ فُلاناً قتلَنِيْ عَبَثًا، وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفعَةٍ" (٢).
١٩ - ومنها: تنفير الوحش في محل أمْنِه؛ لأن الأرض كانت أمناً للوحش، فلما فعل قابيل ما فعل فرَّت منه، واستوحشت .
وكذلك من نفَّرَ صيد مكة والمدينة المشرفتين، كان أشبه الناس بقابيل.
стр. 3284
وفي "صحيح مسلم" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ إِبْرَاهِيْمَ ﵇ حَرَّمَ بَيْتَ اللهِ وَأَمَّنَهُ، وَإِنَّيْ حَرَّمْتُ الْمَدِيْنَةَ مَا بَيْنَ لابَتَيْهَا، لا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا، وَلا يُصَادُ صَيْدُهَا" (١).
وفي رواية أبي داود بإسناد صحيح: "لا يُخْتَلَى خَلاهَا، وَلا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا" (٢).
٢٠ - ومنهَا: الإكباب على آلات اللهو، وشرب الخمر، والزنا، وارتكاب الفواحش .
وكل ذلك مما علمت أنه من قبائح الذنوب، ومرتكبه متشبه في ذلك بأولاد قابيل لأنهم أول من سنَّ ذلك.
قال هشام بن محمد بن السائب في كتاب "ابتداء العيدان": أول من عمل العود وضرب به رجل من أولاد قابيل بن آدم يقال له: كمد عُمَّر زماناً طويلاً، ولم يولد له، فتزوج خمسين امرأة، وتسرَّى بمئتي جارية، فولد له غلام قبل موته بعشر سنين، ففرح به، فلما أتت على الغلام خمس سنين مات، فجزع عليه جزعًا شديدًا، فأخذه وعلقه في شجرة، وقال: لا تذهب صورته عن عيني، فجعل لحمه يقع، وعظامه تسقط حتى بقيت الفخذ بالساق والقدم والأصابع، فأخذ عموداً فشقَّه، وجعل يؤلف بعضه إلى بعض، وجعل صدره على صورة الفخذ، والعنق
стр. 3285
على صورة السَّاق، والإبريم على صورة القدم، والداري على صورة الأصابع، وعلق عليه أوتارًا كالعروق، وجعل يضرب عليه ويبكي.
وهذا كاف في ذم العود الذي هو أفخر الآلات عند أهلها حيث كانت هذه بداية وضعه.
ولا شك أن هذا من وحي الشيطان.
وكذلك تجد أصل كل آلة محرمة من أمر الشيطان ووحيه.
ولا تلتفت إلى فاسق عساه يمدح لك الآلات، ويدعوك إلى هذه الضلالات؛ فالحذر ثم الحذر من الإصغاء إلى شيء من ذلك.
وقد روى الإِمام أحمد، وابن أبي الدنيا في "الملاهي"، والطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله بَعَثَنِي رَحْمَة وَهُدًى لِلْعَالَمِيْنَ، وَأَمَرَنِي أَنْ أَمْحَقَ الْمَزَامِيْرَ وَالْكَبَارَاتِ - يَعْنِي: الْبَرَابِطَ -وَالْمَعَازِفَ، وَالأَوْثَان الَّتِيْ كَانَتْ تُعْبَدُ فِيْ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَقْسَمَ رَبِي بِعِزَّتِهِ لا يَشْرَبُ عَبْدٌ مِنْ عَبِيْدِي جُرْعَةً مِنْ خَمْر إِلاَّ سَقَيْتُهُ مَكَانها مِنْ حَمِيْمِ جَهَنَّمَ مُعَذَّبًا أَوْ مَغْفُوْرًا لَهُ، وَلا سَقَاهَا صَبِيًّا صَغِيْرًا إِلاَّ سَقَيْتُهُ مَكَانها مِنْ حَمِيْمِ جَهَنَّمَ مُعَذَّبًا أَوْ مَغْفُوْرًا لَهُ، وَلا يَدَعُهَا عَبْد مِنْ عَبِيْدِي مِنْ مَخَافَتِيْ إِلاَّ سَقَيْتُهُ إِيَّاهَا في حَظِيْرِةِ الْقُدْسِ" (١).
стр. 3286
وروى البخاري، وأبو داود، وآخرون عن عبد الرحمن بن غنم قال: حدثني أبو عامر أو أبو مالك الأشعري رضي الله تعالى عنه سمع النبي ﷺ يقول: "لَيَكُوْنَنَّ فِيْ أُمَتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّوْنَ الْخَمْرَ وَالْحَرِيْرَ وَالْمَعَازِفَ (١)، وَلَيَنْزِلَنَ أَقْوَامٌ إِلَى جَنْبِ عَلَمٍ تَرُوْحُ عَلَيْهِمْ سَارِحَتُهُمْ، فَيَأتِيْهِمْ آتٍ لِحَاجَتِهِ فَيَقُوْلُوْنَ: ارْجَعْ إِلَيْنَا غَدًا، فَيُبيِّتُهُمُ اللهُ، وَيَقَعُ الْعَلَمُ عَلَيْهِمْ، ويُمْسَخُ مِنْهُمْ آخَرِيْنَ قِرَدَةً وَخَنَازِيْرَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ" (٢).
وروى نعيم بن حماد في "الفتن" عن [قبيصة بن] مالك الكندي، [عن قبيصة بن ذؤيب] رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيَكُوْنَنَّ مِنْ هَذهِ الأُمَّةِ قَوْمٌ قِرَدَةً، وَقَوْمٌ خَنَازيرَ، وَلَيُصْبِحُنَّ فَيُقَالُ: خُسِفَ بِدَارِ بنيْ فُلانٍ وَدارِ بنيْ فُلانٍ، وَبَيْنَمَا الرَّجُلانِ يَمْشِيَانِ يُخْسَفُ بِأَحَدِهِمَا بِشُرْبِ الْخُمُوْرِ، وَلِبَاسِ الْحَرِيْرِ، وَالضَّرْبِ بِالْمَعَازِفِ وَالزَّمَّارَةِ" (٣)، وهي على وزن جبانة: ما يزمر به.
وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيَكُوْنَنَّ فِيْ هَذِهِ الأُمةِ خَسْفٌ وَقَذْفٌ وَمَسْخٌ، وَذَلِكَ إِذَا شَرِبُوْا الْخُمُوْرَ، وَاتَّخَذُوْا الْقَيْنَاتِ، وَضَرَبُوْا بِالْمَعَازِفِ".
стр. 3287
قال صاحب "القاموس": والمعازف؛ أي: بالعين المهملة والزاي: الملاهي؛ كالعود والطنبور، الواحد: عزف، أو معزف؛ كمنبر، ومِكْنسة، والعازف: اللاعب بها (١).
وروى ابن أبي الدنيا، وابن عساكر عن الغاز بن ربيعة -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيُمْسَخَنَّ قَوْمٌ وَهُمْ عَلَى أَريكَتِهِمْ قِرَدةً وَخَنَازيرَ؛ شُرْبَهُمُ الْخَمْرَ، وَضَرْبَهُمْ بِالْبَرَابِطِ وَالْقِيانِ" (٢).
والبرابط: جمع بربط؛ كجعفر: العود، معرَّب برمط؛ أي: صدور الأوز لأنه يشبهه؛ قاله في "القاموس" (٣).
* تنبِيْهٌ:
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا اللَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩].
روى ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: هما إبليس وابن آدم الذي قتل أخاه (٤).
стр. 3288
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ﴾ [فصلت: ٢٩]: ليكونا أشد عذابًا منا (١).
وهذا واضح؛ فإنهما لا يشاركهما في عذابهما أحد، وهما مشاركان كل من اقتدى بهما في وزره؛ لقوله ﷺ في حديث أبي جحيفة "ومَنْ سَنَّ سُنَّةً سيئة فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَه، كان عَلَيْهِ وزْرُهَا وَمِثْلُ أَوْزَارِهِمْ مِنْ غَيرِ أَنْ يُنْقِصَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا". رواه ابن ماجه (٢).
وروى مسلم وغيره نحوه من حديث جرير رضي الله تعالى عنه (٣).
وقد علم بذلك أنَّ إبليس أبو العصاة الأول، وقابيل أبوهم الثاني، وهذا وجه المناسبة في ذكرنا النهي عن التشبه بقابيل عقب النهي عن التشبه بالشيطان.
***
стр. 3289
فَصْلٌ
كما ينبغي الحذر من موافقة قابيل، ينبغي الحرص على موافقة هابيل ﵇.
وقد دل على ذلك حديث الحسن المتقدم "إنَّ ابني آدم ضربا لكم مثلًا، فتشبهوا بخيرهما, ولا تشبهوا بشرهما".
وفي لفظ: "إِنَّ ابْنَيْ آدَمَ ضَربا مَثَلًا لَهَذهِ الأُمَّةِ، فَخُذُوا بِالْخَيِّر مِنْهُما". أخرجه عبد الرزاق، وابن جرير (١).
أي: خذوا بأعمال الخيِّر منهما وأخلاقِه، وهو هابيل ﵇.
وقد اشتملت مسايرته لأخيه على خِلال جميلة:
١ - منها: تقريب القربان لله تعالى .
وفي معناه من شريعتنا الصدقة، والأضحية، والهَدْي، بل كل ما يتقرب به إلى الله تعالى فهو قربان، وأعظم قربان هذه الأمة بعد
стр. 3290
التوحيد الصلاة؛ لقوله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
ولحديث: "أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِهِ إِذَا كَانَ سَاجِدًا" (١).
وروى القضاعي في "مسند الشهاب" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الصَّلاةُ قُرْبَانُ كُلِّ تَقِي" (٢).
وروى أبو يعلى بإسناد حسن، عن جابر رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول لكعب بن عُجرة رضي الله تعالى عنه: "يَا كَعْبُ بْنَ عَجرَةَ! الصَّلاةُ قُرْبَانٌ، وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيْئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ، يَا كَعْبُ بْنَ عَجرَةَ! النَّاسُ غَادِيَانِ؛ فَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُوْبِقٌ رَقَبَتَهُ، وَبَائِعٌ نَفْسَهُ فَمُعِتِقٌ رَقَبَتَهُ" (٣).
٢ - ومنها: تقريب أجود ما عنده أو من أجود ما عنده .
وهذا من جملة التقوى التي هي سبب القبول كما أشار إليه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وقال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
وقال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢].
стр. 3291
فينبغي لكل مؤمن أن يحافظ على هذا الخلق من أخلاق هابيل ﵇.
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ طَيِّبًا - فَإِنَّ الله يَتَقَبَّلْهَا بِيَمِيْنِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيْهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُوْنَ مِثْلَ الْجَبَلِ" (١).
* تنبِيْهٌ:
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣].
وفي الحديث: "إِنَّ الله كتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". رواه الإِمام أحمد، ومسلم، والأربعة عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه (٢).
وروى البيهقي في "الشعب" عن كليب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله يُحِبُّ مِنَ الْعَامِلِ إِذَا عَمِلَ أَنْ يُحْسِنَ" (٣).
وأخرجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها, ولفظه: "إِنَّ الله يُحِبُّ
стр. 3292
إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ" (١).
وروى ابن عساكر عن عبد الله بن عمرو: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إِنَّ الله يُحِبُّ الْفَضْلَ فِيْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى في الصَّلاة" (٢).
وروى الطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، والخرائطي، وأبو نعيم، والبيهقي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله كَرِيْمٌ يُحب الْكَرَمَ، ويُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسافَها" (٣).
ورواه أبو نعيم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والبيهقي من حديث طلحة بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، ولفظهما: "إِنَّ اللهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُوْدَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلاقِ، ويُبْغِضَ سَفْسافَهَا" (٤).
ولا شك أن الكرم، والجود، والصدقة والهدية إذا قارنها الإحسان فيها والجودة كانت أعلى وأتم وأبلغ في تحصيل المقصود منها من ثواب، أو محبة، أو محمدة.
وإذا كانت بما يكرهه الإنسان لنفسه كان بخلًا في نفس الكرم، ومنعاً في نفس العطاء، وعداوة في نفس الحب.
стр. 3293
وربما قال من أحسنت إليه بما أسأت فيه: إنما يريد هذا أن يهزأ بي ويسخر مني، ولولا مهانتي عنده لما خصَّني بهذا الرديء، وقابلني بهذا التافه؛ فإن هدية المهدي على قدر مقام المُهدَى إليه عنده، وعطية المعطي مشعرة بمكانة المعطى عنده، وإذا كان هذا مذموماً في معاملة الخلق للخلق، فكيف يكون في معاملة العبد لمولاه؟
وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، أي: معجلون إلى النار، مقدمون إليها، أو متروكون فيها.
وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ شامل للجعل دعوى؛ لأنهم كانوا يجعلون الإناث لله، ويكرهونهن، والغلمان لهم، وللجعل فعلًا؛ أي: يقدمون لله ما يكرهون كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
روي أنهم كانوا يعينون شيئًا من الحرث والنتاج لله، ويصرفونه إلى الضِّيفان والمساكين، وشيئاً لآلهتهم، وينفقونه على سَدَنتها، ويذبحون عندها، ثم إنْ رأوا ما عينوا لله أزكى بدَّلوه بما لآلهتهم، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لهَا.
فالتقرب إلى الله تعالى بالرديء المكروه خلق جاهلي منشؤه من قابيل، والتقرب إليه بالحسن المحبوب خلق إيماني مبدؤه من هابيل،
стр. 3294
وهذا هو الكرم الخالص، وذاك بخل في صورة الكرم.
وقد قلت: [من السريع]
مَنْ جادَ بِالْمَكْرُوهِ كانَ الَّذِي ... جادَ بِهِ أَشْبَهَ بِالْبُخْلِ
يا رُبَّ جُوْدٍ كانَ فِيْهِ الْجَوى ... وَرُبَّ مَنْعٍ كانَ في الْبَذْلِ
إِنَّ الْهَدايا تُوْرِثُ الْحُبَّ إِنْ ... جادَتْ وَتُؤْوِي الْخِلَّ لِلْخِلِّ
وَرُبَّما كانَتْ إِذا لَمْ تَجِدْ ... عَداوَةً تُبْنَى عَلى أَصْلِ
الْحُسْنُ في الإِحْسانِ أَزْكَى يَدًا ... وَالْفَضْلُ في الإِفْضالِ وَالْفَضْلِ
وَرُبَّ قُرْبانٍ قَضَى بِالنَّوى ... وَصَيَّرَ الْخِصْبَ إِلَى مَحْلِ
مَنْ لَيْسَ يُهْدِي مِنْ جَمِيلِ الْحُبا ... جَمْلاً جَفاهُ الوَصْلُ مِنْ جَمْلِ
وَباذِلٌ أَحْسَنَ ما عِنْدَهُ ... يَنالُ أَهْنَى الْعَيْشِ وَالْفَضْلِ
في شَأْنِ هابِيْلَ وَقابِيْلَ ما ... دلَّ عَلى ما قُلْتُ مِنْ قَبْلِ
٣ - ومن أخلاق هابيل ﵇: التحدث بالنعمة، والتمدح بها ؛ فإنَّ قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] فيه تمدح بالتقوى، والخوف من الله تعالى، وتحدث عن هذه النعمة التي هي أعظم النعم، وهذا مقبول إذا كان لغرض الشكر ونحوه لتهييج الغير للاقتداء به في التقوى والخوف وغيرهما من الطاعات، ولعل هابيل ﵇ إنما قصد بتمدحه بالتقوى والخوف استمالةَ أخيه إلى التوبة والرجوع إلى الحق.
стр. 3295
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
روى ابن أبي حاتم عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال في الآية: إذا أصبت خيراً فحدِّث إخوانك (١).
وروى ابن جرير عن أبي نضرة رحمه الله تعالى قال: كان المسلمون يرون أنها من شكر النعمة أن يحدث بها (٢).
وروى البيهقي في "الشعب" عن فضيل بن عياض رحمه الله تعالى: كان يقال: من شكر النعمة أن يتحدَّث بها (٣).
وروى عبد الله ابن الإِمام [أحمد] (٤) في "زوائد المسند"، والبيهقي بسند ضعيف، عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "التَّحَدُّثُ بِالنِّعْمَةِ شُكْر، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ" (٥).
ومحل ذلك إذا لم يقترن التحدث بالنعمة بالعجب والرياء، أو غيرهما من المعاصي القلبية التي يجمعها تزكية النفس؛ فإنه بذلك يكون كفراناً لا شكراناً، وفرق بين التحدث بالنعمة وتزكية النفس.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].