فينبغي لكل مؤمن أن يحافظ على هذا الخلق من أخلاق هابيل ﵇.
وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَصَدَّقَ بِعَدْلِ تَمْرَةٍ مِنْ كَسْبٍ طَيِّبٍ - وَلا يَقْبَلُ اللهُ إِلاَّ طَيِّبًا - فَإِنَّ الله يَتَقَبَّلْهَا بِيَمِيْنِهِ، ثُمَّ يُرَبِّيْهَا لِصَاحِبِهَا كَمَا يُرَبِي أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ، حَتَّى تَكُوْنَ مِثْلَ الْجَبَلِ" (١).
* تنبِيْهٌ:
قال الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣].
وفي الحديث: "إِنَّ الله كتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ". رواه الإِمام أحمد، ومسلم، والأربعة عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه (٢).
وروى البيهقي في "الشعب" عن كليب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله يُحِبُّ مِنَ الْعَامِلِ إِذَا عَمِلَ أَنْ يُحْسِنَ" (٣).
وأخرجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها, ولفظه: "إِنَّ الله يُحِبُّ
стр. 3292
إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ" (١).
وروى ابن عساكر عن عبد الله بن عمرو: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "إِنَّ الله يُحِبُّ الْفَضْلَ فِيْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى في الصَّلاة" (٢).
وروى الطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، والخرائطي، وأبو نعيم، والبيهقي عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله كَرِيْمٌ يُحب الْكَرَمَ، ويُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلاقِ، وَيَكْرَهُ سَفْسافَها" (٣).
ورواه أبو نعيم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والبيهقي من حديث طلحة بن عبد الله رضي الله تعالى عنه، ولفظهما: "إِنَّ اللهَ جَوَادٌ يُحِبُّ الْجُوْدَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الأَخْلاقِ، ويُبْغِضَ سَفْسافَهَا" (٤).
ولا شك أن الكرم، والجود، والصدقة والهدية إذا قارنها الإحسان فيها والجودة كانت أعلى وأتم وأبلغ في تحصيل المقصود منها من ثواب، أو محبة، أو محمدة.
وإذا كانت بما يكرهه الإنسان لنفسه كان بخلًا في نفس الكرم، ومنعاً في نفس العطاء، وعداوة في نفس الحب.
стр. 3293
وربما قال من أحسنت إليه بما أسأت فيه: إنما يريد هذا أن يهزأ بي ويسخر مني، ولولا مهانتي عنده لما خصَّني بهذا الرديء، وقابلني بهذا التافه؛ فإن هدية المهدي على قدر مقام المُهدَى إليه عنده، وعطية المعطي مشعرة بمكانة المعطى عنده، وإذا كان هذا مذموماً في معاملة الخلق للخلق، فكيف يكون في معاملة العبد لمولاه؟
وقد قال الله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ [النحل: ٦٢]، أي: معجلون إلى النار، مقدمون إليها، أو متروكون فيها.
وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ شامل للجعل دعوى؛ لأنهم كانوا يجعلون الإناث لله، ويكرهونهن، والغلمان لهم، وللجعل فعلًا؛ أي: يقدمون لله ما يكرهون كما قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الأنعام: ١٣٦].
روي أنهم كانوا يعينون شيئًا من الحرث والنتاج لله، ويصرفونه إلى الضِّيفان والمساكين، وشيئاً لآلهتهم، وينفقونه على سَدَنتها، ويذبحون عندها، ثم إنْ رأوا ما عينوا لله أزكى بدَّلوه بما لآلهتهم، وإن رأوا ما لآلهتهم أزكى تركوه لهَا.
فالتقرب إلى الله تعالى بالرديء المكروه خلق جاهلي منشؤه من قابيل، والتقرب إليه بالحسن المحبوب خلق إيماني مبدؤه من هابيل،
стр. 3294
وهذا هو الكرم الخالص، وذاك بخل في صورة الكرم.
وقد قلت: [من السريع]
مَنْ جادَ بِالْمَكْرُوهِ كانَ الَّذِي ... جادَ بِهِ أَشْبَهَ بِالْبُخْلِ
يا رُبَّ جُوْدٍ كانَ فِيْهِ الْجَوى ... وَرُبَّ مَنْعٍ كانَ في الْبَذْلِ
إِنَّ الْهَدايا تُوْرِثُ الْحُبَّ إِنْ ... جادَتْ وَتُؤْوِي الْخِلَّ لِلْخِلِّ
وَرُبَّما كانَتْ إِذا لَمْ تَجِدْ ... عَداوَةً تُبْنَى عَلى أَصْلِ
الْحُسْنُ في الإِحْسانِ أَزْكَى يَدًا ... وَالْفَضْلُ في الإِفْضالِ وَالْفَضْلِ
وَرُبَّ قُرْبانٍ قَضَى بِالنَّوى ... وَصَيَّرَ الْخِصْبَ إِلَى مَحْلِ
مَنْ لَيْسَ يُهْدِي مِنْ جَمِيلِ الْحُبا ... جَمْلاً جَفاهُ الوَصْلُ مِنْ جَمْلِ
وَباذِلٌ أَحْسَنَ ما عِنْدَهُ ... يَنالُ أَهْنَى الْعَيْشِ وَالْفَضْلِ
في شَأْنِ هابِيْلَ وَقابِيْلَ ما ... دلَّ عَلى ما قُلْتُ مِنْ قَبْلِ
٣ - ومن أخلاق هابيل ﵇: التحدث بالنعمة، والتمدح بها ؛ فإنَّ قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، وقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] فيه تمدح بالتقوى، والخوف من الله تعالى، وتحدث عن هذه النعمة التي هي أعظم النعم، وهذا مقبول إذا كان لغرض الشكر ونحوه لتهييج الغير للاقتداء به في التقوى والخوف وغيرهما من الطاعات، ولعل هابيل ﵇ إنما قصد بتمدحه بالتقوى والخوف استمالةَ أخيه إلى التوبة والرجوع إلى الحق.
стр. 3295
وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
روى ابن أبي حاتم عن الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قال في الآية: إذا أصبت خيراً فحدِّث إخوانك (١).
وروى ابن جرير عن أبي نضرة رحمه الله تعالى قال: كان المسلمون يرون أنها من شكر النعمة أن يحدث بها (٢).
وروى البيهقي في "الشعب" عن فضيل بن عياض رحمه الله تعالى: كان يقال: من شكر النعمة أن يتحدَّث بها (٣).
وروى عبد الله ابن الإِمام [أحمد] (٤) في "زوائد المسند"، والبيهقي بسند ضعيف، عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "التَّحَدُّثُ بِالنِّعْمَةِ شُكْر، وَتَرْكُهَا كُفْرٌ" (٥).
ومحل ذلك إذا لم يقترن التحدث بالنعمة بالعجب والرياء، أو غيرهما من المعاصي القلبية التي يجمعها تزكية النفس؛ فإنه بذلك يكون كفراناً لا شكراناً، وفرق بين التحدث بالنعمة وتزكية النفس.
قال الله تعالى: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
стр. 3296
روى الطبراني عن أبي الأسود الدؤلي، وزادان الكندي رحمهما الله تعالى قالا: قلنا لعلي ﵁: حدِّثنا عن أصحابك، فذكر مناقبهم.
قلنا: فحدِّث عن نفسك.
قال: مهلاً، نهى الله تعالى عن التزكية.
فقال رجل: فإن الله تعالى يقول: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
قال: فإني أحدِّث بنعمة ربي، كنت والله إذا سألت أعطيت، وإذا سكت ابتُديت (١).
وقد قلت: [من السريع]
إِذا تَفَوَّهْنا بِفَضْلٍ إِلى ... مِنْ نِعَمِ الرَّحْمَنِ سُبْحانهُ
فَذاكَ تَحْدِيْث بِنَعْمائِهِ ... وإنَّما نَقْصِدُ شُكْرانهُ
وَلَمْ يَكُنْ عُجْباً فَإِنَّ التَّقِيْ ... إِنْ شابَهُ عُجْبٌ فَقَدْ شانَهُ
تَزْكِيَةُ النَّفْسِ مِنَ الْمَرْءِ لا ... تَرْفَعُ يَوْماً فِي الورى شانهُ
اللهُ أَدْرَى بِالَّذِي يتقِي ... وَبِالذِي يُخْلِصُ إِيْمانَهُ
٤ - ومن أخلاق هابيل ﵇: التقوى، والوصيَّة بها ، والإشارة بها؛ لأن قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] فيه إيماء إلى ذلك، كأنه يقول لأخيه: إنك لو كنت من المتقين لَمَا رُدَّ
стр. 3297
قربانك، فهو إرشاد إلى التقوى، وتنبيه على وبال الغفلة والمعصية.
وقد قيل لسفيان الثوري رحمه الله تعالى: إن النَّاس يقولون: سفيان الثوري، وما نرى لك كثير اجتهاد؟
فقال: مَلاَك هذا الأمر التقوى (١)؛ يشير إلى أن التقوى إذا كانت في القلب لا يضر صاحبها قلة الأعمال.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: لا يقل عمل مع تقوى، وكيف يقل ما يتقبل؟ (٢)
وقال فَضَالة بن عُبيد رضي الله تعالى عنه: لأن أكون أعلم أن الله تعالى يتقبل مني مثقال حبَّة من خردل أحب إليَّ من الدنيا وما فيها وما بينهما؛ يقول: فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. رواهما ابن أبي الدنيا في كتاب "التقوى" (٣).
وقال أبو الدرداء: لأن أستيقن أن الله تعالى تقبل مني صلاة واحدة أحب إليَّ من الدنيا وما فيها؛ إنَّ الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. رواه ابن أبي حاتم (٤).
وروى ابن أبي شيبة عن الحسن -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 3298
"إِنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ عَمَلَ عَبْدٍ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ" (١).
وروى ابن عساكر عن هشام بن يحيى، عن أبيه قال: دخل سائل إلى ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال لابنه: أعطه دينارًا، فلما انصرف قال ابنه: تقبَّل الله منك يا أبتاه.
فقال: لو علمت أنَّ الله تعالى تقبل مني سجدة واحدة، أو صدقة درهم لم يكن غائب أحب إليَّ من الموت، تدري ممن يتقبل الله؟ ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧] (٢).
وقلت: [من السريع]
مِنْ نِعَمِ اللهِ عَلى عَبْدهِ ... تَوْفيْقُهُ لِلْعَمَلِ الصَّالحِ
وَإِنَّما يَقْبَلُ مِنْ مُتقٍ ... أعْمالَهُ لا مُعْجَبٍ طالحِ
فَلازِمِ التَّقْوى فَإِنَّ التُّقَى ... لِلْمُتَّقِيْ مِنْ كَسْبِهِ الرَّابحِ
مَنْ كانَ يَدْرِي أَنَّ هَذا الْوَرى ... مِنْ كاتِمٍ لِلسِّرِّ أَوْ بائِحِ
فَإِنَّما مَوْرِدُهُ الْمَوْتُ مِنْ ... غادٍ إِلى الأَمْرِ وَمِنْ رائِحِ
فَكَيْفَ يَعْتاضُ بِمَرْجُوحِ دُنـ ... ـياهُ عَنِ الْمُسْتَقْبَلِ الرَّاجِحِ
انْظُرْ لِما تَعْمَلُ لا تَعْتَبِرْ ... بِسانِحٍ عنـ[ـه] وَلا بارِحِ
стр. 3299
بِمَنْ تَشاءَمْتَ وَأَنْتَ الَّذِي ... ساءَكَ شُؤْمُ الْعَمَلِ الْفاضحِ
يا كادحَ الْكَدْحِ إِلى رَبِهِ ... سَوْفَ تَرى أَخَرَةَ الْكادح
لا يَحْمَدُ الْغِبُّ سِوى ذاهِبٍ ... لِرَبِهِ في الْمَنْهَجِ الْواضحِ
الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحانهُ ... مَنْ ذا الَّذِي يَقْبَلُ مِنْ ناصِحِ
٥ - ومن أخلاق هابيل ﵇: الحلم، واحتمال الأذى، والصبر على المكروه، وترك الانتقام، وعدم مقابلة السيئة بالسيئة .
وكل هذه أخلاق نبوية.
وفي وصف النبي ﷺ في التوراة: لا يجزي بالسيئة عن السيئة، ولكن يعفو ويصفح (١).
وقال بعضهم لبعض آل البيت في مغاضبة: لتسمعن مني مئة كلمة.
قال: لكنك لا تسمع مني كلمة واحدة.
وروى ابن أبي الدنيا، والديلمي، وابن النجار عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "مَنِ اتَّقَى الله كَلَّ لِسَانُهُ، وَلَمْ يَشْفِ غَيْظَه" (٢).
стр. 3300
فما ذكر من الأخلاق، وسائر الأخلاق الكريمة فإنها -وإن كانت في طباع النفوس - فإن التقوى تثيرها وتنشرها، وتظهرها وتقوِّيها، وتنقلها من دائرة الغرائز إلى دائرة الكسب والأعمال، وتتحف أصحابها بالثواب.
٦ - ومنها: الرجوع إلى الله تعالى في كل أحواله .
ألا ترى أنه قرَّبَ القربان لله، وتأنق فيه إخلاصاً لله، ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]، ثم قال: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨].
وكذلك المؤمن أوَّاب إلى الله رجَّاع إليه، معوِّل في كل أموره عليه.
قال الله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (٣١) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (٣٢) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: ٣١ - ٣٣].
٧ - ومنها: الخوف لقوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [ المائدة: ٢٨].
وفي وصفه سبحانه برب العالمين بيان وجه المخافة منه؛ فإن معنى رب العالمين: مالكهم، والألف واللام للاستغراق؛ أي: المالك لجميعهم، المحيط بهم، والمالك الحقيقي هو الله تعالى، وملكه لهم يستدعي الإحاطة بهم ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤]، فهو حقيق بأن يُخاف ويُتَّقى.
стр. 3301
وإن قلنا: الرب القائم بمصالح العباد، فمن مصالحهم أخذ حق المظلوم منهم من الظالم، فهو يأخذ حق المقتول من القاتل، والمغصوب منه من الغاصب، والمأخوذ من عرضه من الآخذ، فهو حري بأن يُخاف ويُحذر من هذه الحيثية أيضًا.
وفي قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٨] إشارة إلى موعظة نفسه -وإن أراد موعظة أخيه- فإن العارف إذا ذكر غيره ذكر نفسه أيضًا، وإلا لم يكن عارفًا حكيمًا.
ومن هذا القبيل قوله ﷺ في حديث الصيام: "وإنِ امْرُؤ شَاتَمَهُ أَوْ خَاصَمَهُ فَلْيَقُلْ: إِنِّي صَائِمٌ، إِنِّي صَائِمٌ" (١).
واعلم أنَّ في دعوى الخوف والخشية خطرًا عظيمًا لأنها تحتاج إلى أن يكون صاحبها متلبسًا بأعمال الخائفين، وإلا كان كاذبًا.
ومن هنا قال بعض السلف: ما عَرضت نفسي على الكتاب والسنة إلا خشيت أن كون مكذبًا (٢).
وقال بعضهم: إذا قيل لك: هل تخاف الله؟ فأسكت؛ فإنك إن قلت: لا، كان كفراً، وإن قلت: نعم، فإنك لا تعمل أعمال الخائفين، فيكون كذباً (٣).
стр. 3302
٨ - ومنها: كلف الأذى عن أخيه مع احتمال الأذى منه .
ألا ترى إلى قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨].
روى ابن النجار في "تاريخه" عن عبد الرحمن الحبلي - قال: شكى رجل إلى رسول الله ﷺ جاره، فقال: "كُفَّ عَنْهُ أَذَاكَ، وَاصْبِرْ عَلَى أَذَاهُ؛ فَكَفَى بِالْمَوْتِ مُفَرِّقًا" (١).
وما كانَ بينَ متجاورَينِ أو متقارِبَينِ أو متصادقينِ أفضل من عشرة كُلِّ واحِد منهُما الآخرَ على الإنصافِ والاتِّفاق على الحقِّ وعدمِ الاختلافِ.
وقد روى الخرائطي في "المكارم"، وأبو نعيم عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ أنه قال: "كَفَى بِهَا نِعْمَةً أَنْ يَتَجَاوَرَ الْمُتَجَاوِرَانِ، أَوْ يتَخَالَطَا، أَوْ يَصْطَحِبَا، فَيَفْتَرِقَا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَقُوْلُ لِصَاحِبِهِ: جَزَاكَ اللهُ خَيْرًا" (٢).
وقلت في عقد هذا الحديث: [من الطويل]
تَصاحَبْتُما في مُدَّةٍ وَافْتَرَقْتُما ... وَكُلٌّ يَقُولُ الْخَيْرَ في وَصْفِ صاحِبِهْ
فَما بَعْدَها مِنْ نِعْمَةٍ وَفَضِيْلَةٍ ... لِطالِبِ فَضْلٍ في الزَّمانِ وَكاسِبِهْ
стр. 3303
٩ - ومنها: الاستسلام لقضاء الله تعالى .
ألا ترى إلى قوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة: ٢٨]؟
قال مجاهد رحمه الله تعالى: كان كُتِبَ عليهم إذا أراد الرجل يقتل الرجل تركه، ولا يمتنع منه. رواه ابن جرير (١).
وأما في شرعنا فيجوز أن يدفع عن نفسه إجماعًا، وإنما الكلام في وجوبه كما قال القرطبي.
قال: والأصح وجوب ذلك لما فيه من النهي عن المنكر.
قال: وفي الحشوية قوم لا يجيزون للمَصول عليه الدفع (٢).
قلت: خلاف مثل هؤلاء لا يعد خلافًا، ومذهبنا أن دفع الصائل عن المال جائز، وعن البُضع له أو لأهله أو لأجنبي واجب.
قال البغوي، والمتولي رحمهما الله تعالى: إن لم يخف على نفسه.
وكذلك يجب الدفع عن النفس إن قصدها كافر، أو مهدر الدم، أو بهيمة، فإن قصدها مسلم محقون الدم فأظهر الأقوال أن الدفع جائز. وقيل: الاستسلام مستحب، وعليه استسلام عثمان رضي الله تعالى عنه لقاتليه (٣).
стр. 3304
قال بعض الأنصار فيه: [من الطويل]
وَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَ أَغْلَقَ بابَهُ ... وَأَيْقَنَ أَنَّ الله لَيْسَ بِغافِلِ
وَقالَ لأَهْلِ الدَّارِ أَنْ لا تُقاتِلُوا ... عَفا اللهُ عَنْ ذَنْبِ امْرِئٍ لَمْ يُقاتِلِ
فَكَيْفَ رَأَيْتَ الله ألقَى عَلَيْهِمُ الـ ... عَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ بَعْدَ التَّواصُلِ
وَكَيْفَ رَأَيْتَ الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ ... عَنِ النَّاسِ إِدْبارَ النَّعامِ الْجَوافِلِ
قلت: والذي أختاره الاستسلام أيام الفتنة؛ لما رواه الإِمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبحُ فِيْهَا الرَّجُلُ مُؤْمِنًا ويُمْسِي كَافِرًا، ويُمْسِي مُؤْمِنًا ويُصْبحُ كَافِرًا، الْقَاعِدُ فِيْهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيْهَا خَيْر مِنَ الْمَاشِي، وَالْمَاشِي فِيْهَا خَيْر مِنَ السَّاعِي، فَكَسِّرُوْا سُيُوْفَكُمْ، وَقَطِّعُوْا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوْا بِسِيُوْفكُمُ الْحِجَارَةَ؛ فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ آدَمَ" (١)؟ يعني: هابيل ﵇.
وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والحاكم وصححه، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه نحوه، وقال: قلت: يا رسول الله! إن دخل علي بيتي وأدخل يده ليقتلني؟
قال: فقال رسول الله ﷺ : "كُنْ خَيْرَ ابْنَيْ آدَمَ"، وتلا هذه الآية:
стр. 3305
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ [المائدة: ٢٨] الآية (١).
وروى الإِمام أحمد، والحاكم عن خالد بن عُرْفُطَةَ رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "يَا خَالِدُ! سَيَكُوْنُ بَعْدِيَ أَحْدَاث وَفِتَنٌ؛ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُوْنَ عَبْدَ اللهِ الْمَقْتُوْلَ لا الْقَاتِلَ فَافْعَلْ" (٢).
والأحاديث في ذلك كثيرة.
* تنبِيْهٌ:
روى ابن أبي شيبة عن الحسن رحمه الله تعالى قال: أول من مات آدم ﵇ (٣).
وتمسك به من قال: إن ابني آدم كانا من بني إسرائيل (٤).
ولعل مراده أول من مات موتاً بدون القتل، فلا معارضة بينه وبين ما تقدم: أن هابيل قتل في حياة أبيه.
* تنبِيْهٌ آخَرُ:
روى ابن جرير عن خيثمة رحمه الله تعالى قال: لما قَتَل ابن آدم
стр. 3306
أخاه نشَّفت الأرضُ دمه، فلُعنت، فلم تنشف الأرض دماً بعده (١).
روى ابن عساكر عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: إن الأرض نشفت دم ابن آدم المقتول، فَلَعن آدم الأرض لأجل ذلك، لا تنشف الأرض دماً بعد دم هابيل إلى يوم القيامة (٢).
• • •
(٢) بَابُ النَّهْيِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِقَومِ نُوحٍ ﵊
وهم أول من عبد الأصنام.
روى ابن عساكر عن الحسن رحمه الله تعالى: أن نوحاً ﵇ أول رسول (١) بعثه الله تعالى إلى أهل الأرض؛ قال: وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: ١٤] (٢).
وروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن عساكر عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ نبِي أُرْسِلَ نُوْحٌ ﵇" (٣).
لكن هذا معارَض بما رواه الحكيم الترمذي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَوَّلُ الرُّسُلِ آدَمُ ﵇،
стр. 3309
وَآخِرُهُمْ محمَّدٌ ﷺ ، وَأَوَّلُ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ مُوْسَى، وَآخِرُهُمْ عِيسَى، وَأَوَّلُ مَنْ خَطَّ بِالْقَلَمِ إدْرِيس ﵈" (١).
قلت: أما كون آدم ﵇ أول الأنبياء ﵈ فهذا مما أجمعوا عليه، وإنما الكلام في أنه أول الرسل أو نوح، والظاهر الأول.
ولعل النبي ﷺ ظنَّ أن أول نبي أرسل نوح، ثم أعلم بسبق رسالة آدم إلى أولاده وأولاد أولاده.
أو أراد في حديث أنس ﵁: أول نبي أرسل من بني آدم نوح.
أو في حديث أنس تتمة حذفها بعض الرواة، ويؤيده ما في "تفسير القرطبي"، وغيره: أول رسول أرسل بتحريم الأخوات والعمات نوح ﵇ (٢).
وروى ابن أبي حاتم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان بين آدم ونوح عشرة قرون؛ كلهم على شريعة من الحق (٣).
стр. 3310
وقد جاء ما يدل على أن إدريس ﵇ أرسل أيضًا، وهو متقدم على نوح ﵇، فروى الدِّينوري في "المجالسة" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح ﵉، بعثه الله إلى قومه، فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله، ويعملوا ما شاؤوا، فأبوا، فأهلكهم الله تعالى. وقد أخرجه ابن أبي حاتم (١).
وأخرج عن السدي أنه قال: كان إدريس ﵇ أول نبي بعثه الله في الأرض (٢).
وهذان الأثران إن صحَّا فحكمهما حكم الحديث المرفوع؛ فإن مثل ذلك لا يقال رأياً، فهو دليل كاف في إثبات رسالة إدريس، فأما نبوته فإنها ثابتة بالقرآن العظيم.
وإنما اقتصر في شريعة إدريس ﵇ على شهادة التوحيد؛ لأنها تَنهى مَنْ صدَّق بها عن الفحشاء والمنكر كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]؛ أي: أبلغ في النهي عن ذلك.
وأيضًا فإن تقليل الشرائع -وإن كان من باب التيسير والتسهيل-
стр. 3311
فليس فيه كبير تكريم، وإلا لم يحرم على النبي ﷺ أشياء لم تحرم على أمته، بل في تقليل الشرائع زيادة في نكال من عصى ولم يمتثل، وخصوصاً إذا اعتبر حاله مع حال من ابتلي بالشرائع الكبيرة فامتثل وأطاع.
وقريب من قصة إدريس في تقليل الشريعة ما رواه الدينوري عن عبد الله بن عائذ رحمه الله تعالى أن نبياً من الأنبياء ﵈ بعث إلى قوم فقال لهم: قوموا من الشمس إلى الظل يغفرْ لكم، فأبوا (١).
ثم إني تذكرت ما يدل على أن الناس في زمان إدريس ﵇ كانوا مكلفين بتحريم القتل، والزنا، وشرب الخمر، وغير ذلك من الفساد، وهو قصة هاروت وماروت، وقد تقدمت قصتهما في التشبه بالملائكة ﵈.
وروى الثعلبي، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه تلا هذه الآية: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]: ما بين نوح وإدريس ﵉، وكان ألف سنة، وإن بطنين من ولد آدم أحدهما كان يسكن السهل، والآخر الجبل، وكان رجال الجبل صِباحاً، وفي النساء دَمامة، وهم أولاد قابيل بن آدم، وكان نساء السهل صِباحا، وفي الرجال دمامة، وهم أولاد شيث ﵇، وإن إبليس أتى رجلًا من أهل السهل في صورة غلام، فآجر
стр. 3312
نفسه منه، فكان يخدمه، واتخذ إبليس شيئًا مثل ما يزمر به الرعاء، فجاء بصوت لم يسمع الناس مثله قط، فبلغ ذلك من حولهم، فانتابوهم ليسمعوا، فاتخذوه عيدًا يجتمعون إليه في السنة، فتتبرج النساء للرجال.
وإن رجلًا من الجبل هجم عليهم وهم في عيدهم، فرأى النساء وصباحتهن، فأتى أصحابه فأخبرهم بذلك، فتحولوا إليهم، فنزلوا معهم، فظهرت الفاحشة فيهم، فهو قول الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
وكان آدم ﵇ أوصى ابنه شيث أن لا يناكح بين أولاده وأولاد قابيل، فلما تحول أولاد قابيل وهم أهل الجبل إلى أولاد شيث حملهم حسنُ نساءِ أولادِ شيث على طلب المناكحة، فمنعهم بعض أولاد شيث من ذلك عملًا بوصية آدم، فأخذه أولاد قابيل، وجعلوه في مغارة، وبنوا عليه حائطاً، ثم تناكح الطائفتان، وتناسلوا حتَّى ملئوا الأرض، وكثر الفساد فيهم، فبعث الله تعالى إليهم نوحا ﵇ يدعوهم إلى الله تعالى، وينذرهم بأسه (١).
وروى عبد بن حميد، وابن المنذر عن الحكم رحمه الله تعالى في قوله : ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ [الشورى: ١٣]؛ قال: جاء نوح ﵊ بالشريعة بتحريم الأمهات،
стр. 3313
والأخوات، والبنات (١).
ومن هنا يجمع بين الآثار؛ فإن آدم ﵇ أول من أرسل بالتوحيد وبعض الأحكام؛ كتحريم التوأمة على توأمها.
ثم إدريس أول من أرسل بالتلفظ بلا إله إلا اله بحيث لا يقبل التوحيد والطاعة إلا ممن تلفظ بها.
ونوح أول من أرسل بتحريم المحارم، وكانت المناكحة قبل سائغة لضرورة النسل، ثم لما كثر الناس حرمت المحارم.
وذكر القرطبي في تفسير سورة الأعراف: أن نوحا ﵇ أول الرسل بعد آدم ﵇ بتحريم البنات، والأخوات، والعمات، والخالات.
ولما بعث الله نوحا ﵇ أخذ يأمرهم وينهاهم ألف سنة إلا خمسين عامًا، يدعوهم إلى الله تعالى ليلًا ونهاراً، فلم يزدهم دعاؤه إلا فراراً، وكانوا يدخلون عليه فيخنقونه، ويضربونه في المجالس حتى يُغشى عليه، فإذا أفاق قال: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون، وكان يكلم الرجل منهم فيلف رأسه بثوبه، ويجعل أصبعيه في أذنيه لكيلا يسمع شيئًا من كلامه، وكان يضرب ويلف في لبد، ويلقى بيته يرون أنه قد مات، ثم يخرج فيدعوهم.
وجاءه رجل منهم ومعه ابنه وهو يتوكأ على عصا، فقال: يا بني!
стр. 3314
انظر هذا الشيخ لا يغرنك.
قال: يا أبت! مَكِّنِّي من العصا، فشجه شجة مُوضحة في رأسه، وسال الدم.
قال نوح: رب! قد ترى ما يفعل بي عبادك، فإن يك لك في عبادك خير فاهدهم، وإن يك غير هذا فصبِّرني إلى أن تحكم وأنت خير الحاكمين.
فأوحى الله تعالى إليه: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ [هود: ٣٦]، فأخبره أنه لم يبق في أصلاب الرجال ولا في أرحام النساء مؤمن، فدعا عليهم (١).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى: أن نوحا ﵇ لم يدع على قومه حتى نزلت عليه هذه الآية: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦]، فانقطع رجاؤه عند ذلك منهم، فدعا عليهم عند ذلك.
وأوحى الله تعالى إلى نوح بعد أن دعا عليهم أن يصنع الفلك، فصنعه من يومئذ، وهيأه حتى فار التنور، فركب في الفلك، وحَمَل فيه من أمر الله تعالى بحملهم من مؤمن بني آدم ومن كل زوجين اثنين، وأغرق الله الباقين في الطوفان.
стр. 3315
وليس غرضنا الآن بيان القصة بأطرافها، وإنما نذكر التنقيب على قوم نوح، والتفتيش على قبائح أفعالهم ليحذر المؤمن التشبه بهم فيها، ويتنزه عن مقارفتها وتعاطيها.
١ - فمنها: الكفر .
كما شهد عليهم به نوح ﵇ بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ [نوح: ٢٦، ٢٧].
٢ - ومنها -وهو نوع مما قبله-: عبادة الأصنام، والتحريض عليها .
قال الله تعالى: ﴿قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ [نوح: ٢١ - ٢٣].
وقد تقدم في التشبه بالشيطان أنه هو الذي صور لهم هذه الأصنام على صورة أولاد آدم، وكانوا صالحين فعبدوا تلك الصور.
وذى الثعلبي عن ابن عباس ﵄: أن نوحاً كان يحرس جسد آدم ﵉ على جبل بالهند يحول بين الكافرين وبين أن يطوفوا بقبره، فقال لهم الشيطان: إنما هو جسد، وأنا أصور لكم جسدًا تطوفون به، فنحَتَ خمسة أصنام، وحملهم على عبادتها؛ وهي: وُد، وسُول، وَيغوث، وَيعُوق، ونسر، فلما كان أيام الغرق دفن الطوفان تلك الأصنام وطمها التراب، فلم تزل حتى أخرجها الشيطان لمشركي العرب.
стр. 3316
وكان ود لكلب، وسواع لآل ذي الكلاع، ويغوث لهمذان، ويعوق لأعلى وأنعم وهما من طي، ونسر لخثعم (١).
وروى البخاري، وغيره عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: صارت الأوثان التي كانت في قوم نوح في العرب تُعبد؛ أمَّا ود فكانت لكلب بدُومة الجندل، وأما سواع فكانت لهذيل، وأما يغوث فكانت لمراد، ثم لبني غطيف عند سبأ، وأما يعوق فكانت لهمذان، وأما نسر فكانت لحمير لآل ذي الكلاع، أسماء رجال صالحين من قوم نوح، ولما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا إلى مجالسهم التي كانوا يجلسون أنصاباً، وسموها بأسمائهم، ففعلوا فلم تعبد، حتى إذا هلكت أولئك ونُسِخَ العلم عُبدت (٢).
٣ - ومنها: الزندقة، والانحلال عن الدين، وعدم التقيد بشريعة .
وقال في "القاموس": الزنديق -بالكسر-: من الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو مَن لا يؤمن بالآخرة والربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو معرَّب زن دين؛ أي: دين المرأة، وجمعه زنادقة، وزناديق، وقد تزندق، والاسم الزندقة (٣).
روى البخاري في "تاريخه" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:
стр. 3317
بعث الله نوحا فما أهلك أمته إلا الزنادقة، ثم نبي فنبي؛ وإنه لا يهلك هذه الأمة إلا الزنادقة (١).
وروى ابن المنذر عن [زيد بن] رفيع فقيه أهل الجزيرة قال: بعث الله تعالى نوحاً، وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة نوح ﵇ ما كانوا، فما أطغاها إلا الزندقة، ثم بعث الله إبراهيم ﵊، وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة من بعد إبراهيم ما كانوا، فما أطغاها إلا الزندقة، ثم بعث الله عيسى ﵇، وشرع له الدين، فكان الناس في شريعة عيسى ما كانوا، فما أطغاها إلا الزندقة (٢).
٤ - ومنها: التكذيب باليوم الآخر، وإنكار البعث والنشور .
كما يشير إليه قول نوح ﵇: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا﴾ [نوح: ١٧، ١٨].
وقال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ٥٩]؛ يعني: يوم القيامة، وقيل: يوم الإغراق.
﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [الأعراف: ٦٠]؛ سموا ما جاء به من التوحيد والإنذار بيوم القيامة ضلالاً مبينًا.
стр. 3318
وهذا دليل على أنهم كانوا يكذبون بذلك، بل كل رسول أرسله الله تعالى أرسله بالإيمان بالله واليوم الآخِر وكذَّبه قومُه إلا من آمن منهم، وهم قليل كمَا قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ﴾؛ أي: قبل كفار هذه الأمة ﴿قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٢ - ١٤].
وقد حكي قبل ذلك عنهم أنهم قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾؛ أي: نرجع بعد الموت والفناء كما يدل عليه قوله: ﴿ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ [ق: ٣].
فمن كذب باليوم الآخر فقد تشبه بهؤلاء كلهم.
وفي الحديث: "قَالَ اللهُ تَعَالَى: كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ؛ فَأَمَّا تَكْذِيْبُهُ إِيَّايَ فَزَعَمَ أَنيِّ لا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيْدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِيَ أَنْ أتَّخِذَ صَاحِبةً وَلا وَلَدًا". رواه البخاري من حديث ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما (١).
وأخرجه هو والإمام أحمد، والنسائي من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه نحوه، وقال فيه: "وَأَمَّا تَكْذِيْبُهُ إِيَّايَ فَقَوْلُهُ: لَيْسَ يُعِيْدُنِي كَمَا بَدَأَنِي، وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إِعَادتِهِ" (٢).
стр. 3319
٥ - ومنها: عدم المبالاة بالله بحيث لا يرجى ولا يخاف، ولا يشكر له نعمة، ولا يستحيى، ولا يؤمن مكره .
قال الله تعالى يحكي ما قاله نوح لقومه: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا﴾ [نوح: ١٣].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لا تعلمون له عظمة. رواه ابن جرير، والبيهقي، وقال: لا تعرفون له حق عظمته (١).
وزاد ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وقال: لا تخشون له عقاباً، ولا ترجون له ثوابا. رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ (٢).
فسره على إعمال اللفظ المشترك في معنييه؛ فإنه يقال: رجاء بمعنى الخوف، وبمعنى الطمع.
وقال الحسن رحمه الله تعالى: ولا تعرفون له حقا, ولا تشكرون له نعمة (٣).
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: لا تبالون لله عظمة (٤). رواهما سعيد بن منصور، والبيهقي.
وفي "مصنف عبد الرزاق": عن علي رضي الله تعالى عنه، أن
стр. 3320
النَّبي ﷺ رأى ناساً يغتسلون عراة ليس عليهم أزر، فوقف، فقال بأعلى صوته: "ما لَكُمْ لا تَرْجُوْنَ لِلَّهِ وَقاراً؟ " (١).
٦ - ومنها: الزنا .
وهو من أقبح الفواحش، وأعظم المعاصي، وهو مما أجمعت أهل الأديان على تحريمه.
ومن محاسن شيخ الإِسلام والدي رحمه الله تعالى قوله: [من الطويل]
ثَلاثَةُ أَلْفاظٍ تَساوَتْ لَدى الْخَطِّ ... وَلَيْسَ لَها خُلْفٌ سِوى حالَةَ النَّقْطِ
رِباءٌ رِياءٌ وَالزِّناءُ كَبائِرٌ ... عَلَيْها وَعِيْدٌ بِالْعِقابِ مَعَ السُّخْطِ
وَلَمْ يَأْتِ فِيها الْحِلُّ يَوْماً بِشِرْعَةٍ ... فَخُذْ عَنِّيْ ما قَدْ قُلتُ وَاعْتَمِدَنْ ضَبْطِي
٧ - ومنها: تبرج النساء بالزينة .
وهو إظهار زينتهن للرجال الأجانب، والتبختر في المشية، وهو حرام.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
وقد علمت أنها ما بين آدم ونوح ﵉.
وروى ابن سعد، وابن أبي حاتم عن مجاهد رحمه الله تعالى
стр. 3321
قال: كانت امرأة تخرج فتمشي بين الرجال، فذلك تبرج الجاهلية الأولى (١).
وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل رحمه الله تعالى قال: التبرج أن تلقي الخمار على رأسها ولا تشده، فيوازي قلادتها وقرطيها وعنقها، ويبدو ذلك كله منها (٢).
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣]؛ قال: تكون جاهلية أخرى.
وفي لفظ: ما سمعت بأولى إلا لها آخرة. رواه ابن أبي حاتم (٣).
وروى البيهقي في "سننه" عن أبي (٤) أذينة الصدفي رضي الله تعالى عنه أن رسول الله ﷺ قال: "شَرُّ نِسَائِكُمُ الْمُتَبَرِّجَاتُ، وَهُنَّ الْمُنَافِقَاتُ، لا يدخلُ الْجَنَّةَ مِنْهُنَّ إِلاَّ مِثْلُ الْغُرَابِ الأَعْصَمِ" (٥).
وروى سعيد بن منصور عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن امرأة دخلت عليها وعليها خمار رقيق يشف جبينها، فأخذته عائشة فشقته، ثم
стр. 3322
قالت: أما تعلمين ما أنزل الله في سورة النور؟ - تعني: قوله تعالى ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الآية - ودعت لها بخمار فكستها إياه (١).
وروى الإِمام أحمد، والنسائي، وصححه الحاكم، عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأَةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَخَرَجَتْ، فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوْا رِيْحَهَا فَهِيَ زَانِيَةٌ" (٢).
وأصله عند أبي داود، والترمذي، وحسنه (٣).
وروى ابن أبي شيبة عن ثابت البناني، عن أبي ثامر ﵁ -وكان أبو ثامر رجلًا عابداً ممن يغدو إلى المسجد- فرأى في المنام كأن الناس قد عُرضوا على الله، فجيء بامرأة عليها ثياب رقاق، فجاءت ريح فكشف الله تعالى عنها، وقال: اذهبوا بهَا إلى النار؛ فإنها كانت من المتبرجات، حتى انتهى الأمر إلى قال: دعوه؛ فإنه كان يؤدي حق الجمعة (٤).
стр. 3323
وروى عبد الرزاق عن ليث رحمه الله تعالى: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى امرأة متزينة أذن لها زوجها في البروز، فأخبر بها عمر، فطلبها فلم يقدر عليها، فقام خطيبا فقال: هذه الخارجة وهذا لمرسلها, لو قدرت عليهما لشترت بهما، ثم قال: تخرج إلى أبيها يكيد بنفسه، أو إلى أخيها يكيد بنفسه، فإذا خرجت فلتلبس معاوزها (١).
قال الخطابي: قال أبو زيد: شترت -يعني: بالمعجمة، والمثناة فوق - بالرجل، وهجلت به، وقدرت، وسمعت به شتِيرًا وتهجيلاً: إذا أسمعته القبيح، وشتمته.
وقوله: يكيد نفسه؛ أي: يسوق سياق الموت (٢).
ومعنى كلام عمر رضي الله تعالى عنه: أنه لم يأذن للمرأة أن تخرج إلا في ضرورة كموت أخيها وأبيها في ثياب بِذْلة من غير تزين ولا تعطر.
٨ - ومنها: اتباع المترفين، وإيثار محبتهم ومخالطتهم .
كما قال نوح ﵇: ﴿وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا﴾ [نوح: ٢١].
واعلم أن عشرة المتخولين والأغنياء المترفين مُضِرَّة بالنفس والدين؛ لأن النفس تتحرك بمعاشرتهم إلى مشاركتهم فيما هم فيه
стр. 3324
ومضارعتهم، فيكون ذلك باعثاً للعبد على طلب مثلِ ما لهم، وازدراء ما أنعم الله عليه مما دون ذلك، فيركب في طلبه كل صعب وذَلُول، وربما لا يتوصل إليه إلا بالأسفار المُشِقة والأتعاب الشديدة؛ فإن المرء إذا هوي شيئًا طلبه ولو بالصين، وركب فيه المَهَامِه والقِفار ولو سنين كما قيل: [من السريع]
وَكَمْ قَطَعْتُ اللَّيْلَ في مَهْمَهٍ ... لا أَسَدأ أَخْشَى وَلا ذِئْبا
يَغْلِبُنِي شَوْقِي فَأَسْرِي السُّرَى ... وَلَمْ يَزَلْ ذُو الشَّوْقِ مَغْلُوبًا (١)
وقد لا يتيسر مطلوبه من طريق مباح، فيرتكب الشبهات، ويقارف المحرمات، ثم إذا أصاب بغيته ولقى أمنيته فقد لا يحسن التصرف فيما أوتيه، وقد يؤدي به حصوله له إلى البطر والأشَر كما صار لقوم نوح، وإذا لم يتيسر له ما أراده، وأعمَلَ في طلبه اجتهاده، فإما أن يغلب جانبه الدين فيحتاج إلى تجرع الصبر، ومدافعة الغم والحصر، وإما أن يفتن في دينه، ويسخط فضل من جاد بإيجاده وتكوينه.
واعتزال هؤلاء متعين على كل من خاف على نفسه من هذه الغوائل، ورغب في التخلص من هذه الرذائل.
وقد قيل في المثل: عين لا تنظرُ قلبٌ لا يحزنُ.
وروى أبو نعيم عن عون بن عبد الله رحمه الله تعالى قال: كنت أجالس الأغنياء، وكنت من أكثر الناس همًا ومن أكثرهم غماً، أرى
стр. 3325
مركبا خيراً من مركبي، وثويا خيراً من ثوبي فأهتم، فجالست الفقراء فاسترحت (١).
وروى الإِمام أحمد، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "انْظُرُوْا إِلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ، وَلا تَنْظُرُوْا إِلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ؛ فَإِنَّهُ أَجْدَرُ أَنْ لا تَزْدَرُوْا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيكُمْ" (٢).
ولقد قلت: [من المديد]
في خلْطَةِ الأَغْنِياءِ خَطْبُ ... أَوْرَثَ قَلْبَ الْفَقِيْرِ حُزْنا
يَحْسُدُهمْ في الَّذِي يَراهُ ... وَلا يَنالُ الَّذِي تَمَنَّى
يَسْخَطُ مِنْ رَبِهِ عَطاءً ... قَدْ عَمَّهُ يَسْرَةً وَيمْنَى
قَدْ كانَ في عَيْشِهِ مُهَنًّا ... فَصارَ مِمَّا رَأَى مُعَنَّى
فَالْقَ الْمَساكِيْنَ وَاصْطَحِبْهُمْ ... تَشْكُرْ لِرَبِّ الْعِبادِ مَنَّا
٩ - ومنها: المكر، وهو كبيرة .
قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا﴾ [نوح: ٢٢].
قال الحسن رضي الله تعالى عنه: أي: مكروا مكراً عظيمًا
стр. 3326
في الدين (١).
والمكر عاقبته وخيمة.
وحقيقته: حيلة يجلب بها لغيره المضرة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
وفي "مراسيل أبي داود" عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمَكْرُ وَالْخَدِيْعَةُ وَالْخِيَانة فِيْ النَّارِ" (٢).
١٠ - ومنها: إضلال الناس، وإغواؤهم، ومنعهم عن الإيمان بالله تعالى، وعن طاعته، والدعوة إلى معصيته، واتباع الأئمة المضلين .
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤].
وقد دلت الآية أنه كان في قوم نوح الضُّلاَّل والمضلون.
واتباع أهل الضلال مذموم منهي عنه في سائر الملل كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
قيل: الإشارة بالأول إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، وبالثاني عن ضلالهم عما جاء به الشرع.
стр. 3327
وروى الإِمام أحمد، والطبراني عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةُ الْمُضِلُّوْنَ" (١).
وروى الإِمام أحمد بإسناد جيد، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "غَيْرُ الدَّجَالِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنَ الدَّجَالِ".
قيلَ: ومَا ذاكَ؟
قالَ: "أَئِمَّة مُضِلُّونَ" (٢).
وروى الإِمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ؛ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُسَاءَ جُهَّالاً فَسُئِلُوْا، فَأفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوْا وَأَضَلّوْا" (٣).
وفي لفظ: "إِن الله لا يَنْزِعُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ يُؤْتيَهُمْ إِيَّاهُ، وَلَكِنْ يَذْهَبُ بِذهابِ الْعُلَمَاء، فَكُلَّمَا ذهبَ عَالِم ذَهَبَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْعِلْمِ، حَتَّى إِذا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ رُؤَسَاءُ جُهَّالٌ إِنْ سُئلُوْا أَفْتَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ،
стр. 3328
فَيَضِلُّون وَيُضِلُّونَ".
١١ - ومنها: الإعراض عن سماع الموعظة .
قال نوح ﵇: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] الآية.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: غطوا بها وجوههم لكيلا يروا نوحًا ولا يسمعوا كلامه. رواه سعيد بن منصور، وابن المنذر (١).
فالمعرض عن سماع الذكر والموعظة والنصيحة متشبه بقوم نوح، وهو يستوجب الإعراض عنه من الله تعالى.
ومَنْ أقبل على الله أقبل الله عليه؛ لما روى الشيخان عن أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه قال: بينما رسول الله ﷺ جالس في المسجد والنَّاس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحدٌ، فوقفا على رسولِ اللهِ ﷺ قال: فأمَّا أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأمَّا الآخر فجلس خلفهم، وأمَّا الثَّالث فأدبر ذاهبا، فلمَّا فرغَ رسولُ اللهِ ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنْ الثَّلاثَةِ النَّفَرِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمْ آوَى إِلَى اللهِ فآوَاهُ اللهُ، وَأما الآخَرُ فَاسْتَحْيى مِنَ اللهِ فَاسْتَحْيىَ اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ" (٢).
стр. 3329
١٢ - ومنها: بغض النصحاء .
قال في "الكشاف" في قوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]: تغطوا بها لئلا ينظروه كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله (١).
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: لا خير في من لا يحب الناصحين.
وأصل ذلك من الجهل.
وفي المثل: من نصح جاهلًا عاداه.
١٣ - ومنها: الإصرار على المعصية، وترك التوبة والاستغفار .
قال نوح ﵇: ﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧].
وأصل الإصرار العزم والإسراع والبعد؛ كأن العصر على الذنب فعله في الحال، وعزم عليه مرة أخرى، وأسرع إليه وفيه، ثم أسرع إليه ثانيًا، وبَعُدَ به عن الخير.
والندم عليه والاستغفار منه رجوع عنه.
ولقد أمرهم نوح ﵇ بالاستغفار كما قال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠].
فلم يستغفروا من ذنب أصروا عليه، وفروا من الله لا إليه كما قال: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦].
فَفِرَّ إلى الله ولا تفر عنه، ولا تصر على معصيته والإبعاد منه،
стр. 3330
وإن كنت واقعًا في المعصية فلا تكن عاجزًا عن التوبة عنها والاستغفار منها كما كان قوم نوح كذلك، فوقعوا في المهالك.
فليس ثبوت الشقاء والبلاء بمجرد وقوع الذنب والخطاء، والاستغفار منك مقصود، وباب التوبة عنك غير مردود، ولكن البلية والرزية في الإصرار على الذُّنوب بعد الوقوع في الإثم والحَوب، فقد ينهدم ركن الذَّنب بالاستغفار، وقد يكون عظم الخطيئة من الإصرار كما روى سعيد بن منصور في "سننه" عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا كَبِيْرَةَ مَعَ الاسْتِغْفَارِ، وَلا صَغِيْرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ" (١).
١٤ - ومنها: الاستكبار .
كما قال: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧].
وقد تقدم الكلام عليه في النهي عن التشبه بالشيطان.
ولما نظر نوح ﵇ أن الكبر هو الذي صرف قومه عن الإيمان كما صرف به عنه الشيطان؛ إذ لا يجتمع الكبر والإيمان في قلب إنسان بدليل الحديث: "لا يَدخلُ الْجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلا يدخلُ النَّارَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيْمَانٍ" (٢) اقتصر