في الدين (١).
والمكر عاقبته وخيمة.
وحقيقته: حيلة يجلب بها لغيره المضرة.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
وفي "مراسيل أبي داود" عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمَكْرُ وَالْخَدِيْعَةُ وَالْخِيَانة فِيْ النَّارِ" (٢).
١٠ - ومنها: إضلال الناس، وإغواؤهم، ومنعهم عن الإيمان بالله تعالى، وعن طاعته، والدعوة إلى معصيته، واتباع الأئمة المضلين .
قال الله تعالى: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤].
وقد دلت الآية أنه كان في قوم نوح الضُّلاَّل والمضلون.
واتباع أهل الضلال مذموم منهي عنه في سائر الملل كما قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
قيل: الإشارة بالأول إلى ضلالهم عن مقتضى العقل، وبالثاني عن ضلالهم عما جاء به الشرع.
стр. 3327
وروى الإِمام أحمد، والطبراني عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي الأَئِمَّةُ الْمُضِلُّوْنَ" (١).
وروى الإِمام أحمد بإسناد جيد، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "غَيْرُ الدَّجَالِ أَخْوَفُ عَلَيْكُمْ مِنَ الدَّجَالِ".
قيلَ: ومَا ذاكَ؟
قالَ: "أَئِمَّة مُضِلُّونَ" (٢).
وروى الإِمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ؛ حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُسَاءَ جُهَّالاً فَسُئِلُوْا، فَأفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوْا وَأَضَلّوْا" (٣).
وفي لفظ: "إِن الله لا يَنْزِعُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا مِنَ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ يُؤْتيَهُمْ إِيَّاهُ، وَلَكِنْ يَذْهَبُ بِذهابِ الْعُلَمَاء، فَكُلَّمَا ذهبَ عَالِم ذَهَبَ بِمَا مَعَهُ مِنَ الْعِلْمِ، حَتَّى إِذا لَمْ يَبْقَ إِلاَّ رُؤَسَاءُ جُهَّالٌ إِنْ سُئلُوْا أَفْتَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ،
стр. 3328
فَيَضِلُّون وَيُضِلُّونَ".
١١ - ومنها: الإعراض عن سماع الموعظة .
قال نوح ﵇: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧] الآية.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾: غطوا بها وجوههم لكيلا يروا نوحًا ولا يسمعوا كلامه. رواه سعيد بن منصور، وابن المنذر (١).
فالمعرض عن سماع الذكر والموعظة والنصيحة متشبه بقوم نوح، وهو يستوجب الإعراض عنه من الله تعالى.
ومَنْ أقبل على الله أقبل الله عليه؛ لما روى الشيخان عن أبي واقد الليثي رضي الله تعالى عنه قال: بينما رسول الله ﷺ جالس في المسجد والنَّاس معه إذ أقبل ثلاثة نفر، فأقبل اثنان إلى رسول الله ﷺ وذهب واحدٌ، فوقفا على رسولِ اللهِ ﷺ قال: فأمَّا أحدهما فرأى فرجة في الحلقة فجلس فيها، وأمَّا الآخر فجلس خلفهم، وأمَّا الثَّالث فأدبر ذاهبا، فلمَّا فرغَ رسولُ اللهِ ﷺ قال: "أَلا أُخْبِرُكُمْ عَنْ الثَّلاثَةِ النَّفَرِ؛ أَمَّا أَحَدُهُمْ آوَى إِلَى اللهِ فآوَاهُ اللهُ، وَأما الآخَرُ فَاسْتَحْيى مِنَ اللهِ فَاسْتَحْيىَ اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ" (٢).
стр. 3329
١٢ - ومنها: بغض النصحاء .
قال في "الكشاف" في قوله: ﴿وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ [نوح: ٧]: تغطوا بها لئلا ينظروه كراهة النظر إلى وجه من ينصحهم في دين الله (١).
وقال عمر رضي الله تعالى عنه: لا خير في من لا يحب الناصحين.
وأصل ذلك من الجهل.
وفي المثل: من نصح جاهلًا عاداه.
١٣ - ومنها: الإصرار على المعصية، وترك التوبة والاستغفار .
قال نوح ﵇: ﴿وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧].
وأصل الإصرار العزم والإسراع والبعد؛ كأن العصر على الذنب فعله في الحال، وعزم عليه مرة أخرى، وأسرع إليه وفيه، ثم أسرع إليه ثانيًا، وبَعُدَ به عن الخير.
والندم عليه والاستغفار منه رجوع عنه.
ولقد أمرهم نوح ﵇ بالاستغفار كما قال: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا﴾ [نوح: ١٠].
فلم يستغفروا من ذنب أصروا عليه، وفروا من الله لا إليه كما قال: ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: ٦].
فَفِرَّ إلى الله ولا تفر عنه، ولا تصر على معصيته والإبعاد منه،
стр. 3330
وإن كنت واقعًا في المعصية فلا تكن عاجزًا عن التوبة عنها والاستغفار منها كما كان قوم نوح كذلك، فوقعوا في المهالك.
فليس ثبوت الشقاء والبلاء بمجرد وقوع الذنب والخطاء، والاستغفار منك مقصود، وباب التوبة عنك غير مردود، ولكن البلية والرزية في الإصرار على الذُّنوب بعد الوقوع في الإثم والحَوب، فقد ينهدم ركن الذَّنب بالاستغفار، وقد يكون عظم الخطيئة من الإصرار كما روى سعيد بن منصور في "سننه" عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا كَبِيْرَةَ مَعَ الاسْتِغْفَارِ، وَلا صَغِيْرَةَ مَعَ الإِصْرَارِ" (١).
١٤ - ومنها: الاستكبار .
كما قال: ﴿وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح: ٧].
وقد تقدم الكلام عليه في النهي عن التشبه بالشيطان.
ولما نظر نوح ﵇ أن الكبر هو الذي صرف قومه عن الإيمان كما صرف به عنه الشيطان؛ إذ لا يجتمع الكبر والإيمان في قلب إنسان بدليل الحديث: "لا يَدخلُ الْجَنَّةَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ، وَلا يدخلُ النَّارَ مَنْ في قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيْمَانٍ" (٢) اقتصر
стр. 3331
نوح في وصيته لابنيه ﵈ على النهي عن الكبر والشرك كما روى الإِمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، وصححه الحاكم، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إِنَّ نُوْحًا ﵇ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا ابْنَيْهِ فَقَالَ: إِنِّي آمُرُكُمَا بِاثْنتَيْنِ، وَأَنْهَاكُمَا عَنِ اثْنتَيْنِ؛ أَنْهَاكُمَا عَنِ الشِّرْكِ وَالْكِبْرِ، وَآمُرُكُمَا بِلا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ؛ فَإِنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ لَوْ وُضِعَتْ فِيْ كفَّةِ الْمِيْزَانِ وَوُضِعَتْ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ فِيْ الْكَفَّةِ الأخْرَى لَكَانَتْ أَرْجَحَ مِنْهَا، وَلَوْ أَنَّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ كَانَتْ حَلَقَةً فَوُضِعَتْ لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ عَلَيْهَا لَقَصمَتْهَا، وَآمُركُمَا بُسُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدهِ, فَإِنَّهَا صَلاةُ كُلِّ شَيْءٍ، وَبِهَا يُرْزَقُ كُلُّ شَيْءٍ" (١).
١٥ - ومنها: مقابلة الإحسان بالإساءة .
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٥) أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود: ٢٥، ٢٦].
فانظر إلى تودد نوح إليهم، ونصحه لهم بدعوته إيَّاهم إلى توحيد الله، وشفقته عليهم حتَّى خاف عليهم العذاب، ثم انظر كيف قابلوا هذا بما حكاه الله عنهم بقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ
стр. 3332
وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ﴾ [هود: ٢٧]؛ فأنكروا فضله وفضل من تبعه في نصيحتهم، ثم كانوا يتجاوزون إلى إهانته وضربه.
قال عبيد بن عمير رحمه الله تعالى: إن كان نوح ليضربه قومه حتى يغمى عليه، ثم يفيق فيقول: اهْدِ قومي؛ فإنهم لا يعلمون. رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزُّهد" (١).
وفي "الصحيحين" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كأني انظر إلى رسول الله ﷺ يحكي نبيًا من الأنبياء قد ضربه قومه وهو يمسح الدَّم عن جبينه، وهو يقول: اللهم اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون (٢).
فسبحان الله ما أكرم أخلاق الأنبياء ﵈ كيف كانوا يحملون جفاء أقوامهم، ثم يعطفون عليهم.
وكذلك أخلاق الأبدال من أولياء الله تعالى، ولسان حال البدل مع من يقابل نداه بأذاه يقول كما قلت: [من الوافر]
أَخافُ عَلَيْكَ إِشْفاقًا عَلَيْكا ... وَأُهْدِي النُّصْحَ مِنْ كَرَمِي إِلَيْكا
وَأَنْتَ تُسِيْءُ عَنْ لُؤْمٍ إِلَيْنا ... ألمْ تَذْكُرْ أَيادِينا لَدَيْكا
وَقَدْ أَصْرَرْتَ لَكِنَّا صَبَرْنا ... فتبْ نَمْلأْ بِجَدْوانا يَدَيْكا
وقد حكي أن البهلول كان الصبيان يضربونه بالأحجار حتى
стр. 3333
يدموه، فكان ينشد ويقول: [من الرمل]
حَسْبِيَ اللهُ تَوَكَلْتُ عَلَيْهِ ... وَنَواصِي الْخَلْقِ طُرًّا فِي يَدَيْهِ
رُبَّ رامٍ لِي بِأَحْجارِ الأَذَى ... لَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنَ الْعَطْفِ عَلَيْهِ (١)
ثم قد يؤدي الإصرار على أذية أولياء الله تعالى إلى غضب الله تعالى، فتحق على المصر كلمة العذاب، إلا أن قوم نوح لما تمادوا في الطغيان والفجور، والسَّفَه عليه وعلى أصحابه المؤمنين، وإيذائهم كيف دمر الله آخراً عليهم، ونهاه عن العطف عليهم، فقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [هود: ٣٦].
وقال تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧].
فلم يسع نوحا ﵇ بعد ذلك إلا أن قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦].
ولذا قال الشيخ رضي الدين جَدي رحمه الله تعالى حيث يقول: [من السربع]
أيُّها الْواقِفُ مَعْ نَفْسِهِ ... في مَقامِ الْوَهْمِ وَالْغَلَطِ
стр. 3334
أَنْتَ وَاللهِ إِذا لَمْ تتب ... واقِعٌ في الْمَقْتِ وَالسَّخَطِ
وقلت: [من الرجز]
قَدْ يُوْحِشُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبارِي ... مَنْ لَيْسَ يَخافُ مِنْ عَذابِ النَّارِ
ما يَجْتَلِبُ الرِّضَا كَالاسْتِغْفارِ ... وَالسُّخْطُ يَكُوْنُ آخِرَ الإِصْرارِ
١٦ - ومنها: الوقاحة، والتجري على الأكابر، وعدم توقيرهم، وتجرئة الصغار عليهم، وحمل الأطفال على قبائح الأعمال .
كما في قصة الشيخ الذي أعطى الغلام العصا حتى شج نوحاً ﵇ (١).
وهذه الأمور كلها خلاف ما تعطيه الديانة، وليس للصغير أحسن من حفظه في أول أمره والصيانة.
ولقد قلت: [من الكامل]
وَلَدُ الأَدِيْبِ إِذا أَرادَ نَجاحَهُ ... فَإِذا أَساءَ أَخافَهُ مِنْ يَوْمِهِ
إِنَّ الصَّغِيْرَ إِذا أتى بِقَبِيْحَةٍ ... قَدْ أَعْرَضَتْ عَنْها أَكابِرُ قَوْمِهِ
أَفْضَى بِهِ إِعْراضُهُمْ عَنْهُ إِلَى ... أَمْرٍ عَظِيْمٍ لا يُزالُ بِلَوْمِهِ
لا تَلْهَ عَنْ أَدَبِ الصَّبِيِّ فَإِنَّما ... تَسْمُو بِهِ عَمَّا يُشانُ بِسَوْمِهِ
لا تَلْفَ مِنْهُ كَرًى يَصُدُّ عَنِ السَّرى ... إِلاَّ وَقَدْ نبَّهْتَهُ مِنْ نَوْمِهِ
стр. 3335
ولقد كان سبب توارث الشقاء في قوم نوح جيلاً بعد جيل، وقبيلاً بعد قبيل مشاهدة الصغار لما عليه الكبار، بل حَمَلَ الكبيرُ صغيره على إساءة الأدب، وتدريبه على مواقعة الريب حتى تتابعت بهم العصور وهم في غرور وقصور، ووقاحة وفجور، لا يوقرون كبيرًا ولا يرحمون صغيراً، ولا يحسنون قليلاً ولا كثيرًا؛ فالعاقل من نَكَبَ عن هذا الطريق، وسأل من الله تعالى التوفيق.
فروى الإِمام أحمد، والحاكم وصححه، عن عبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَجِلَّ كَبِيْرَنَا، وَيرْحَمْ صَغِيْرَنَا، وَيعْرِفْ لِعَالِمِنَا حَقَّهُ" (١).
وروى الإِمام أحمد، والطبراني في "الكبير" -وإسناده حسن - عن عبد الله بن بُسر رضي الله تعالى عنه قال: قد سمعت حديثًا منذ زمان: إذا كنت في قوم -عشرين رجلًا، أو أقل أو أكثر - فتصفحت وجوههم، فلم تر فيهم من يُهاب في الله ، فاعلم أن الأمر قد رق (٢).
стр. 3336
ولو أننا قابلنا ما نرى من أحوال الناس الآن على ما نروي من آثار السلف لرأينا المباينة بائنة، والسيرة غير موافقة، والطريقة غير مطابقة، والمنافقة نافِقة، والصدق عزيز، والمصادقة غير صادقة، ليس لهم سكينة إلا التماوت، ولا وقار إلا التغافل والتهافت، وإني لقائل: [من الكامل المذيّل]
وَلَقَدْ أَرى أَنَّ السَّكِيْنَةَ لَمْ تَكُنْ ... تُرأى عَلَى أَهْلِ الشَّبابِ وَلا الْمَشِيْبْ
وَأَراهُمْ ما وَقَّرُوا ذا حُرْمَةٍ ... حَتَّى لَقدْ رَكِبُوا مِنَ الأَمْرِ الْمَعِيْبْ
لا يَبْرَحُوْنَ عَلى أُمُوْرٍ لَمْ تَكُنْ ... تَعْنِيْهِمْ لَدُنِ الصَّباحِ إِلَى الْمَغِيْبْ
هَلْ آمَنُوا أَنَّ الإِلَهَ مُهَيْمِنٌ ... أَمْ آمَنُوا أَنَّ الإِلَهَ هُوَ الرَّقيبْ
لَوْ أَنَّهم قَدْ آمَنُوا حَقًّا لَما ... أَمْسَوْا عَلى أَعْمالِ ذي شَكٍّ مَرِيْبْ
مَنْ قالَ إِنَّ لِقاءَهُمْ لَمُصِيْبَةٌ ... وَوُجُوْدَهُمْ فَقْدٌ فَذاك هُوَ الْمُصِيْبْ
إِنَّ الأَدِيْبَ إِذا تَظاهَر بَيْنَهُمْ ... أَضْحَى وَأمْسَى وَهْوَ في ذُعْرِ الْغَرِيْبْ
إِنْ مَزَّقُوا عِرْضَ امْرِئٍ لَمْ يَسْتَطِعْ ... تَخْلِيْصَ جِلْدِ الشَّاةِ مِنْ أَنْيابِ ذِيْبْ
إِنِّي عَجِبْتُ لِبَعْضِهِمْ في بُغْضِهِ ... مَرْأً وَإِنْ يُبْصِرْهُ قالَ أَتَى الْحَبِيْبْ
يا وَحْشَة الْمَشْغُوْلِ في أيَّامِهِ ... بِالنَّاسِ حَتَّى ذُو الصَّداقَةِ وَالْقَرِيْبْ
بِاللهِ أُنْسُ وَلِيِّهِ هُوَ حَسْبُهُ ... في كُلِّ ما قَدْ نابَهُ نِعْمَ الْحَسِيْبْ
١٧ - ومنها: استبعاد اختصاص الله تعالى بعض عباده بفضيلة العلم والحكمة، أو نحو ذلك .
والله تعالى يقول: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ٢٦٩].
стр. 3337
﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [البقرة: ١٠٥].
﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ [الجمعة: ٤].
قال الله تعالى حكايته عن قوم نوح: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧].
وهذا غلط وقع فيه أكثر مكذبي الأمم، فنظروا إلى أن التساوي في البشرية يمنع الاختصاص، أو يرون أن الفضيلة تكون تابعة للنسب والحسب، أو لشرف الكسب، أو لكثرة العرض، أو للجاه، أو للعشيرة، أو لحسن الصورة، ولا يزول هذا الغلط إلا بمعرفة الله تعالى؛ فإنه الإله الحق والمالك المطلق، ومن وقع له شيء مما ذكر، وسكن إليه فما حَصَل على المعرفة.
ومما قلته: [من مخلّع البسيط]
اللهُ يَخْتَصُّ بِالنَّوالِ ... مَنْ شاءَ لا عَنِ احْتِيالِ
كَمْ مِنْ حَسِيب بِلا نَصِيْبِ ... وَذِي جَمالٍ بِغَيْرِ مالِ
ما الْفَضْلُ بِالْجِسْمِ وَالْهُيُولَى ... لَكِنْ بِتَوْفِيْقِ ذِي الْجَلالِ
كَمْ مِنْ وَلِيٍّ يَمْشِي بِسُوْقٍ ... وإنَّهُ واحِدُ الرِّجالِ
ما لِعَباءٍ وَلا قِباءٍ ... في النَّقْصِ فِعْلٌ وَلا الْكَمالِ
стр. 3338
في النَّاسِ ناسٍ وَذُو ذَكاءٍ ... بَرَزَ في الْفَضْلِ وَالْمَعالِي
وَحاسِدُ النَّاسِ لا تَراهُ ... يَرْجِعُ إِلاَّ بِسُوْءِ حالِ
يُنازِعُ الله ما قَضاهُ ... فَهْوَ حَرِيٌّ مِنْهُ بِالنَّكالِ
في قَوْمِ نُوْحٍ أَيّ اعْتِبارٍ ... لَمَّا تَمادَوْا عَلى الضَّلالِ
لَمْ يُبْقِ طُوفانهمْ صَغِيرًا ... وَلا كَبِيْرًا عَلى التَّوالِي
لَوْلا حَذِرْنا عِقابَ مَوْلًى ... ما شاءَ يَفْعَلْ وَلا يُبالِي
١٨ - ومنها: النظر إلى ظاهر الهيئة، واعتبار أن خسة الحرفة أو رثاثة الهيئة مانع من الاختصاص بالفضيلة .
وهو نظر قاصر وغلط ظاهر.
قال الله تعالى حكايته عنهم: ﴿مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧].
نظروا إلى خساسة الصناعة ودناءة الحرفة، ولم يعلموا أن الصناعات لا أثر لها في الديانات.
قال القرطبي: وفي الحديث: أنهم -يعني: أتباع نوح- كانوا حاكة وحجامين (١).
العاقل لا ينظر إلى دناءة الحرفة، وإنما ينظر إلى زكاة النفس
стр. 3339
وتخلقها بمكارم الأخلاق.
قال ذو النون المصري رحمه الله تعالى: رأيت فتى وعليه أطمار رثة، فقذَرَتْه نفسي، وشهد قلبي له بالولاية، فبقيت بين قلبي ونفسي أتفكر، فاطلع الفتى على ما في سري، فنظر إليَّ وقال: يا ذا النون!
لا تُبْصِرْني لِكَيْ تَرى خَلْقِي ... فَأَنا الدُّرُّ داخِلَ الصَّدَفِ (١)
وقال القناد رحمه الله تعالى: رأيت الحسين بن منصور رحمه الله تعالى في حالة رثة، فقلت له: كيف حالك؟ فأنشأ يقول متمثلاً: [من الوافر]
لأَنْ أَمْسَيْتُ فِيْ ثَوْبَيْ عَدِيْمِ ... لَقْدَ بَلِيا عَلى خُلُقٍ كَرِيْمِ
فَلا يَحْزُنْكَ إِنْ أَبْصَرْتَ حالًا ... مُعَبِرَةً عَنِ الْحالِ الْقَدِيْمِ
فَلِي نَفْسٌ سَتَتْلَفُ أَوْ سَتَرْقَى ... لَعَمْرُكَ بِي إِلى أَمْرٍ عَظِيْمِ (٢)
وروى أبو نعيم، وغيره عن أبي الحسن علي بن أحمد البصري قال: حدثني بعض شيوخنا قال: لما أشخص الشافعي رضي الله تعالى عنه إلى "سُرَّ مَن رأى" دخلها وعليه أطمار رثة، وطال شعره، فتقدم إلى مزيِّن فاستقذره لما نظر إلى زيه، فقال له: امض إلى غيري، فاشتد على الشافعي أمره، فالتفت إلى غلام كان معه فقال: إيش معك من النفقة؟
قال: عشرة دنانير.
стр. 3340
فقال: ادفعها إلى المزين.
فدفعها الغلام إليه، فولى الشافعي وهو يقول: [من الطويل]
عَلَيَّ ثِيابٌ لَوْ تُباعُ جَمِيْعُها ... بِفَلْسٍ لَكانَ الْفَلْسُ مِنْهُنَّ أكْثرا
وَفِيْهِنَّ نفسٌ لَوْ تُقاسُ بِمِثْلِها ... نُفُوْسُ الْوَرى كانَتْ أَجَلَّ وَأَخْطرا
وَما ضَرَّ نصلَ السَّيْفِ إِخْلاقُ غِمْدهِ ... إِذا كانَ عَضباً حَيْثُ أَنْفَذْتَهُ بَرا
فَإِنْ تَكُنِ والأيَّامُ أَزْرَتْ بِبزَّتِي ... فَكَمْ مِنْ حُسامٍ في غِلافٍ مُكَسَّرا (١)
١٩ - ومنها: إنكار فضل ذوي الفضل .
كما حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا لنوح وأتباعه: ﴿وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧].
وروى الخطيب في "تاريخ بغداد" عن أنس، وابنُ عساكر في "تاريخ دمشق" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ لأَهْلِ الْفَضْلِ أَهْلُ الْفَضْلِ" (٢).
٢٠ - ومنها: الاستنكاف عن مجالسة الفقراء، وأداني الناس من حيث الحرفةُ وظاهرُ الهيئة لا في الدين، وإزعاجهم من المجالس ،
стр. 3341
وطلب إزعاجهم.
قال نوح ﵇ -وتقدم-: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [هود: ٢٩، ٣٠].
وهذا يدل على أنهم طلبوا منه أن يطرد المؤمنين، وينحيهم استنكافاً أن يجالسوهم.
وقد اتفق مثل ذلك لأغنياء قريش مع النبي ﷺ ، فنزل قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢].
فالاستنكاف عن مجالسة الفقراء خلق الهالكين، كما أن التواضع معهم والجلوس إليهم من أخلاق النَّبيين.
وروى أبو نعيم بسند ضعيف، عن الحسن بن علي، عن النبي ﷺ أنه قال: "اتَّخِذُوْا عِنْدَ الْفُقَرَاءِ أَيَادِيَ؛ فَإِنَّ لَهُمْ دَوْلَة يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ نَادَى مُنَادٍ: سِيْرُوْا إِلَىْ الْفُقَرَاءِ، فَيُعْتَذَرُ إِلَيْهِم كَمَا يَعْتَذِرُ أَحَدُكُمْ إِلَىْ أَخِيْهِ فِيْ الدُّنْيَا" (١).
وبلغني عن أخي الشيخ شهاب الدين أحمد، وكان ممن أجمع
стр. 3342
الناس على اعتماد علمه ودينه، وحبه وولايته، وكان له صلابة في الدِّين، ووسوسة في الطهارة، ووداد مع الناس، وكان بدمشق مجذوب مستغرق، وكان كل منهما يعتقد الآخر، غير أن المجذوب كان يقصد التقرب من الأخ، والأخ يبعد عنه حرصاً على النظافة، ففي بعض الليالي خرج الأخ إلى الجامع فرأى هذا المجذوب فقال له: يا شهاب الدين! هل لك في صلاة الفجر بمكة عند البيت؟
قال: نعم.
فخرجا من باب البريد، فما أحس الشيخ إلا وهو بباب شبيكة، فشربا قهوة، ثم دخلا الحرم، وقد أذن للصبح، فصليا، وطافا، واختفى عنه المجذوب، ثم ظهر له بعد طلبه إياه، فقال له: يا شهاب الدين! هل تعود إلى جمع ثيابك عني؟
قال: لا.
قال: فامض بنا إلى دمشق، فخرجا من مكة، فما أحس إلا وهو بدمشق.
* تنبِيْهٌ:
لم يأت بعد نوح أطغى منهم، ولا أظلم من الأمم لقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى﴾ [النجم: ٥٠ - ٥٢].
وحكمة ذلك أنهم كانوا أول الأمم بدأوا بالظلم والطُّغيان.
стр. 3343
وفي المثل: البادئُ أظلمُ.
وقولنا: (من الأمم) احتراز عما لو انفرد واحد بظلم، وكان أظلم ممن سبق لأنه أتى بما لم يأت به غيره، ولا لحقه فيه غيره كعاقر الناقة، وقاتل عليٍّ والدَّجال.
وروى ابن أبي حاتم، والبغوي، والبيهقي في "الدَّلائل" عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ لعليٍّ رضي الله تعالى عنه: "أَلا أُحَدِّثُكَ بِأَشْقَى النَّاسِ؟ ".
قال: بلى.
قال: "رَجُلانِ؛ أُحَيْمِرُ ثَمُوْدٍ الَّذِيْ عَقَرَ النَّاقَةَ، وَالَّذِي يَضْرِبُكَ عَلَى هَذَا -يَعْنِي: تَرْقُوته- حَتَّى تَبْتَل هَذهِ -يَعْنِي: لِحْيَته-" (١).
• • •
(٣) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِكَنْعَانَ بْنِ نُوحٍ
وهو أول من عرف بالنفاق من أولاد آدم.
قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ [هود: ٤٢] أي: عن سفينة أبيه، أو عن دينه، أو عن طاعته.
﴿يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢) قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: ٤٢، ٤٣].
روى ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان اسم ابن نوح الذي غرق كنعان (١).
وفي "القاموس": الكنعانيون أمة تكلمت بلغة تضارع العربية؛ أولاد كنعان بن سام بن نوح (٢).
ويجمع بينهما بأن كنعان هذا سمي باسم عمه الذي غرق، وهو
стр. 3346
من كنع: إذا اجتمع ولان، وكنعان الأول من كنع كنوعاً: انقبض، وانضم لأنه انضم عن أبيه وإخوته، واعتزل عنهم، فلم يكن معهم في السفينة.
وروى ابن عساكر عن ابن عباس: أنَّ كنعان بن نوح هو الذي غَرِقَ، وأن العرب تسميه يام؛ أي: بالياء التحتية (١).
ومن هنا قال في "الصحاح"، وتبعه في "القاموس": يام بن نوح غَرِقَ في الطوفان (٢).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر، وغيرهم عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]؛ قال: وابنه -أي: لصلبه- غير أنه خالفه في النية والعمل (٣).
ورووا عن أبي جعفر محمَّد بن عليّ رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]؛ قال: بلغة طي، فيجوز للرَّجل أن ينسب ربيبه إليه على وجه التبني (٤).
стр. 3347
وهذا أحد الوجوه في قوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦].
قال بعض المفسرين: كان نوح ﵇ يظن أن ابنه مؤمن، ولم يعلم أنه كان كافرًا، ولو علم لم يقل: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ [هود: ٤٥]؛ أي: بأنك تنجيني وأهلي إلا من سبق عليه القول منهم؛ أي: أن يكون كافرًا.
ولم يكن قد علم أن ابنه كنعان كان قد سبق عليه القول بكفره، وإلا فليس من شأن نوح ﵇ أن يسأل ربه هلاك الكفار واستئصالهم بحيث لا يبقى على الأرض منهم ديار، ثم يسأل نجاة بعضهم ولو كان ابنه، وكان كنعان يُظهر الإيمان ويبطن الكفر.
قال الحسن رحمه الله تعالى: كان منافقاً (١).
وفي قوله تعالى: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: ٤٦] أقوال:
قيل: إنه كان ابن زوجته من زوج آخر كما تقدم عن أبي جعفر.
وقيل: بغت به أمه وهلكت معه؛ بدليل قوله تعالى عن امرأتَيْ نوح ولوط ﵉: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠].
وهذا خطأ، والصواب أن خيانتهما كانت في الدِّين والنميمة، لا في الفراش.
وروى عبد الرزاق، والمفسرون، وابن أبي الدُّنيا في "الصمت"، وصححه الحاكم، عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله:
стр. 3348
﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]؛ قال: ما زنتا؛ أما خيانة امرأة نوح فكانت تقول للناس: إنه مجنون، وأما خيانة امرأة لوط فكانت تدل على الضيف فتلك خيانتها (١).
وروى ابن المنذر عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: ما بغت امرأة نبي قط (٢).
وروى ابن عساكر من غير حديثه مرفوعًا إلى النَّبي ﷺ (٣).
والحق أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾: ليس من أهل دينك بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦].
وهو في قراءة يعقوب والكسائي: بكسر ميم عمل، وفتح لامه، بلا تنوين، وفتح راء غير؛ أي: ليس من أهلك لأنه عمل عملًا غير صالح.
وقرأ الباقون بفتح الميم، وضم اللام منوناً، مع ضم راء غير على أنه وصف لعمل، وتقديره عند أكثر العلماء: إنه ذو عمل (٤).
стр. 3349
والعرب يخبرون بالمصدر عن الذات مبالغة كما قالوا: زيد رضي، وزيد عدل.
وقال الشاعر: [من الطويل]
فَأَنْتَ النَّدى وَابْنُ النَّدى وَأَخُو النَّدى ... وَجَدُّ النَّدى ما لِلنَّدى عَنْكَ مَهْرَبُ (١)
وقال قتادة: إنه -أي: سؤالك أن أنجي ابنك مع كفره- عمل غير صالح (٢).
والأول أولى.
وعليه: ففيه إشارة على أنَّ النسب لا ينتفع به النسيب عند الله تعالى ما لم يكن عمله مقبولاً، بل على العبد الصالح أن يتبرأ ممن لا يجري على طريقته من أهله وأولاده بعد أن يبالغ في نصيحتهم كما فعل إبراهيم ﵇ حيث بالغ في دعوة أبيه وقومه، ثم لما لم يؤمنوا تبرأ منهم، واعتزلهم.
قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة: ١١٤].
وأنت خبير بأن أقرب أهل الإنسان إليه أصله وفرعه، وقد برَّأ الله
стр. 3350
تعالى إبراهيم من أصله، ونوحا من فرعه لمَّا لم يكونا على دينهما وملتهما.
وتأمل ما رواه الطَّبراني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "آلُ مُحَمَّدٍ كُلُّ مُؤْمِنٍ تَقِيٍّ" (١).
وروى الإِمام أحمد، والطَّبراني عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ آلَ بَنِي فُلانٍ لَيْسُوْا بِأَوْلِيَائِي، إِنَّمَا وَلِيِّيَ اللهُ وَصَالِحُو الْمُؤْمِنِيْنَ" (٢).
وقد قيل: [من الطويل]
عَلَيْكَ بِتَقْوى اللهِ في كُل حالَةٍ ... وَلا تَدَعِ التَّقْوى اتكالاً عَلى النَّسَبِ
فَقَدْ رَفَعَ الإِسْلامُ سَلْمانَ فارِسٍ ... وَقَدْ وَضع الْكُفْرُ النَّسِيْبَ أَبا لَهبِ (٣)
стр. 3351
وما أحسن قول الشيخ شرف الدين عمر بن الفارض رحمه الله تعالى: [من الطويل]
وخلع عذاري فيكَ فَرْضٌ وَإِن أَبَى ... اقْتِرابِيَ قَوْمِي وَالخلاعةُ سُنَّتِي
وَلَيْسُوا بِقَوْمِيَ ما اسْتَعابُوا تَهَتُّكِي ... فَأَبْدَوا قِلًى وَاسْتَحْسَنوا فِيْكَ جَفْوتِي
وَأَهْلِيَ في دِيْنِ الْهَوى أَهْلُهُ وَقَدْ ... رَضُوا لِي عاريَ وَاسْتَطابُوا فَضِيْحَتِي
وَمَنْ شاءَ فَلْيَغْضَبْ سِواكَ فَلا أَذًى ... إِذا رَضِيَتْ عَنِّي كِرامُ عَشِيْرَتِي
واعلم أن قوله تعالى في كنعان بن نوح: ﴿إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ [هود: ٤٦] على القراءتين نص في ذم أعماله، وأنها سبب هلاكه ووباله، فيتعين على كل عاقل أن يتجنبها, ولا يتشبه به فيهَا فيرتكبها.
١ - فمنها: النفاق .
وهو إبطان الكفر وإظهار الإيمان، وقريب منه إظهار المودة وإبطان العداوة، وسيأتي الكلام على ذلك.
ولم ينفرد كنعان بالنفاق، بل شاركه بعض قومه كما روى عبد بن حميد عن حميد بن هلال رحمه الله تعالى قال: جعل نوح ﵇ لرجل من قومه جُعلاً على أن يعينه على عمل السفينة، فعمل معه حتى إذا فرغ قال له نوح: اختر أي ذلك شئت؛ إما أن أوفيك أجرك، وإما أن ينجيك الله من القوم الظالمين.
قال: حتى أستأمر قومي.
стр. 3352
فاستأمر قومه فقالوا: اذهب إلى أجرك فخذه، فأتاه فقال: أجري.
فوفاه، فما جاوز ذلك الرجل إلى حيث ينظر إليه حتى أمر الله الماء بما أمره، فأقبل ذلك الرجل يخوض الماء، فقال: الذي جعلت لي.
قال: لك ما رضيت به.
فغرق فيمن غرق (١).
٢ - ومنها: مخالفة الوالد في الدين والاعتقاد الحق .
ومن هنا تعلم أن مخالفة الوالد، وكذلك الأستاذ غير محمودة إذا كان موثوقًا بعقله واستقامته على طلب الحق، والطهارة من سوء الاعتقاد.
وقد روى الحاكم في "مناقب الشافعي" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يُشْبِهَ أَبَاهُ" (٢).
والمراد أن يشبهه في الخير، وحسن الخلق، وطلب الحق، فأما يشبهه في أضداده فمن شقاوته، بدليل ذم اتباع الآباء في الضلال في كتاب الله تعالى.
أو المراد بالحديث مما يعده الناس سعادة أن يشبه الولد أباه.
* تنبِيْهٌ:
كانت أم كنعان كافرة، وكانت تقول عن نوح ﵇: إنه
стр. 3353
مجنون لتوافق قومها، وفي طبع الولد ميل إلى والدته، وإذا تعارضا مال إلى أحدهما، وميل كنعان إلى أمه أرداه.
وحكم الولد مع والديه إذا اختلفا في الدين أن يكون مع المسلم منهما، فإذا اتفقا في الدين والاعتقاد قدم أباه في الطاعة وأمه في البر؛ لأن الأم أضعف فناسبها زيادة البر، والأب أتم عقلاً فناسبه التقديم في الطاعة، وكثيراً ما ترى من هذه الأمة من يميل مع أمه على أبيه بغير عقل يرجع إليه، بل لمجرد موافقة هوى الأم، خصوصًا إذا تزوج غيرها، وفي ذلك تشبه بكنعان.
٣ - ومنها: عدم المحافظة على ود الوالد والأستاذ .
فإن كنعان خرج عن وداد أبيه بقوله: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]؛ فإنه لو كان ودودًا لأبيه لما رضي مفارقته ولو كان في مهلكة؛ فإن المحب يفدي حبيبه بنفسه، ولا يرضى مفارقته ولو هلك معه، وإلا فقد رضي بمفارقته يومًا من الأيام، وذلك مناقض للمحبة، والعاقل يقطع بأن شفقة الوالد على الولد تقتضي النظر له والاجتهاد في نفعه، وإن عقل الوالد أتم من عقل الولد بحيث إن تقليد الولد له أنفع من تحقيقه هو لنفسه، وإذا كان الولد على خلاف ذلك كان أحمق.
وَمِن أعجب الأحاديث التي في هذا المقام ما روى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن رفاعة بن رافع الزُّرقي رضي الله تعالى عنه قال: قال رجل: يا رسول الله! كيف ترى رقيقنا؟ أقوام مسلمون يصلون صلاتنا
стр. 3354
ويصومون صومنا نضربهم؟
فقال رسول الله ﷺ : "يُوْزَنُ ذَنْبُهُمْ وَعُقُوْبَتُكُمْ إِيَّاهُمْ؛ فَإِنْ كَانَتْ عُقُوْبَتُكُمْ أكثَرَ مِنْ ذُنُوْبِهِمْ أَخَذُوْا مِنْكُمْ".
قالَ: أرأيت سَبَّنا إياهم؟
قال: "يُوْزَنُ ذَنْبُهُمْ وَأَذَاكُمْ إِيَّاهُمْ؛ فَإِنْ كَانَ أَذَاكُمْ أكثَرَ أُعْطُوا مِنْكُمْ".
قال الرجل: ما أسمع عدواً أقرب إلى منهم.
فتلا رسول الله ﷺ : ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيرًا﴾ [الفرقان: ٢٠].
فقال الرجل: أرأيت يا رسول الله وَلَدِي أَضْرِبُهُمْ؟
قال: "إِنَّكَ لا تُتَّهَم فِيْ وَلَدِكَ؛ فَلا تَطِيْبُ نَفْسًا تَشْبَعُ وَيَتَجَوَّعُ، وَلا تَكْتَسِيَ وَيعْرى" (١).
وصدق رسول الله ﷺ ؛ فإن الوالد لا يتهم في ولده إلا أن يكون المتهم له أحمق، أو خارجا عن طباع البشرية، أو يكون الوالد مختل العقل بهوى، أو سوء اعتقاد أو غيرهما، فيكون محلاً للتهمة، وما يوقعه الوالد الكامل بولده من عقوبة أو إهانة فإنما يريد تكميله، أو تأديبه، أو تهذيبه، أو صيانته عما يخشاه عليه من سوء العاقبة.
стр. 3355
واعلم أن الأصل في القرابة المودة، وكذلك التزاوج، فإذا نفِدت المودة لم تنفع القرابة، فإذا اجتمعت القرابة والمودة كانت قرة عين، وإذا كانت القرابة عداوة كانت سخنة عين.
والمودة تجمع بين المتوادين في الدار الآخرة، لكن إذا كانا قريبين كانت الجمعية بينهما أخص.
وقد روى أبو عبيد القاسم بن سلام، وابن المنذر، وأبو الشَّيخ، والبيهقي -واللفظ له- عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قرابة الرحم تقطع، ومنة النعم تكفر، ولم نر مثل تقارب القلوب؛ يقول الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنفال: ٦٣].
وذلك موجود في الشعر: [من الطويل]
إِذا مَنَّ ذُو الْقُرْبَى عَلَيْكَ بِرَحْمَةٍ ... فَغَشَّكَ وَاسْتَغْنَى فَلَيْسَ بِذِي رَحِمِ
وَلَكِنَّ ذا الْقُرْبَى الَّذِي إِنْ دَعَوْتَه ... أَجابَ وَمَنْ يَرْمِي الْعَدُوَّ الَّذِي تَرْمِي (١)
стр. 3356
ومن ذلك قول القائل: [من الكامل]
وَلَقَدْ صَحِبْتُ النَّاسَ ثُمَ سَبَرْتُهُمْ ... وَبَلَوْتُ ما وَصَلُوا مِنَ الأَسْبابِ
فَإِذا الْقَرابَةُ لا تُقَرّبُ قاطِعاً ... وَإِذا الْمَوَدَّةُ أَقْرَبُ الأَحْبابِ (١)
قال البيهقي: هكذا وجدته موصولًا يقول ابن عباس، ولا أدري قوله: (وذلك موجود في الشعر) من قوله أو من قول من قبله من الرواة (٢).
٤ - ومنها: الاستعداد بالرأي، والإعجاب به، وإيثار رأي النفس على الرأي الصواب، وعلى رأي الوالد والأستاذ والمرشد .
وهذا ليس من شأن الصالحين، ومن فعل ذلك لم يؤل أمره إلى نجاح.
قال حجة الإِسلام في آداب المتعلم من "الإحياء": ومهما أشار إليه المعلم بطريق في العلم فليقلده وليدع رأي نفسه؛ فإن خطأ مرشده أنفع له من صوابه في نفسه.
ثم قال: وبالجملة: كل متعلم استبقى لنفسه رأيًا واختيارًا وراء
стр. 3357
اختيار المعلم فاحكم عليه بالإخفاق والخسران، انتهى (١).
وفي الحديث: "ثَلاثٌ مُهْلِكَاتٌ: هَوًى مُتَّبَعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وإعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ". رواه الطبراني في "الأوسط" من حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
وعنده نحوه من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٢).
ويدخل في الإعجاب بالنفس الإعجاب برأيها، وقد نص عليه في حديث آخر.
٥ - ومنها: إيثار تدبير نفسه على تدبير الله تعالى ، واختيار نفسه على اختيار الله ورسوله ﵇ حيث يقول له أبوه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢]، وهو يقول: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]؛ فانظر كيف اختار كنعان من دون الله تعالى أمراً، فكان عاقبته فيه هلاكًا وخسراً.
فقد حكي أنه كان راكباً على فرس قد نظر إلى نفسه وأعجب بها، فلما رأى الماء جاء إلى أبيه وقال: يا أبه! فار التنور، فقال له أبوه: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: ٤٢]، فما استتم المراجعة حتى جاءت موجة عظيمة فالتقمته هو وفرسه، وحيل بينه وبين أبيه، فغرق.
وقيل: إنه اتخذ لنفسه بيتا من زجاج يتحصن فيه من الماء، فلما فار التنور دخل فيه وأقفله عليه من داخل، فلم يزل يتغوط فيه ويبول
стр. 3358
حتى غرق بذلك. ذكره القرطبي (١).
٦ - ومنها: الالتجاء إلى غير الله تعالى في الشدة .
ألا ترى إلى قوله: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾ [هود: ٤٣]؟ فاعتصم بغير الله ولم ينفعه قول أبيه في الإشارة إليه والتنبيه: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [هود: ٤٣].
وإنما قيده نوح ﵇ باليوم -مع أنه لا عاصم في كل وقت من أمر الله إلا بعصمة الله ورحمته - تقريبا لفهمه لضيق الوقت عن البيان والتفهيم؛ فإنه استقر في نفس كنعان ما هو في العادة من الاعتصام بالأسباب والاتقاء بالآلات، ومتى يفهم أن الأسباب والأدوات كلها من خلق الله تعالى وإفاضاته وإنعاماته، وهي مسخرات لمن يشاء بتسخيره، وهو على ما هو عليه من كفره؟
وأين حال كنعان من حال أبيه حيث يقول: ﴿ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾ [هود: ٤١]؟
وحال يونس ﵇ من قوله في ظلمات ثلاث: قعر البحر، وبطن الحوت، وظلمة الليل: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧]؟
فانظر كيف سخر الله لنوح السفينة وهي سبب، لكنه مأذون فيه.
وكيف سخر الله تعالى ليونس شجرة من يقطين وهي سبب، لكن
стр. 3359
ممنون به.
وانظر كيف لما كانت السفينة وهذه الشجرة من أمر الله تعالى وألطافه كيف ظفر نوح ويونس منهما بعناية الله وإسعافه.
ولقد قلت: [من مجزوء الكامل]
لا تَرْكَنَنَّ إِلَى نَسبْ ... مِنْ دُوْنِ رَبِّكَ أَوْ نَشَبْ
ما دُونَ ذَلِكَ نافِعٌ ... نَسَبٌ يَخُصُّكَ أَوْ حَسَبْ
إِنْ يَلْطُفِ اللهُ الْكَرِيْمُ ... يُبَلِّغِ الْعَبْدَ الأَرَبْ
وَإِذا أَرادَ اللهُ أَمْراً ... هَيَّاَ اللهُ السَّبَبْ
لا يَنْفَعُ التَّدْبِيْرُ مِنْ ... دُوْنِ الإِلَهِ وَلا التَّعَبْ
هَلاَّ اسْتَرَحْتَ مِنَ اللُّغوبِ ... وَحُدْتَ عَنْ سَنَنِ النَّصَبْ
دَأْبُ الْفَتَى في رَوْمِ ما ... لَمْ يُقْضَ مِنْ سُوْءِ الأَدَبْ
* تَتِمَّةٌ:
أخرج ابن أبي الدنيا في "العقوبات" عن الأعمش رحمه الله تعالى أنه قال: انظروا إلى أبناء الأنبياء ﵈ إلى ما صيرتهم المعاصي -وأراد مثل قابيل بن آدم، وكنعان بن نوح، وبني إسرائيل - وما أدت بهم المعاصي إلى الذلة، والمسكنة، والبواء بالغضب.
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن عطاء بن السائب، عن وهب ابن منبه رحمه الله تعالى قال: أعطى الله موسى نوراً فقال: يكون
стр. 3360
في الأرض بغير نار، فقال موسى لأخيه هارون ﵉: إن الله -جل ثناؤه- وهب لي نوراً، وإني أهبها -أي: هذه الهبة والعطية- لك.
قال: فقال هارون لابنيه: إن الله وهب لعمِّكما نوراً، وإنه وهبها لي، وإني أهبها لكما.
وكان الغلامان يقربان القربان لبني إسرائيل، ويسرجان في بيت المقدس، فأبطأت نار السماء، فاستضاءا بنار الأرض، فجاءت النار من السماء فأحرقت الغلامين.
قال: فسمعت مالك بن دينار رحمه الله تعالى يقول: لما احترق الغلامان ابنا هارون شَعَّثَ موسى وهارون ﵉ رؤوسهما، وأقاما حزينين بين يدي الله تعالى، وبكيا على الغلامين صَبابة إليهما، فأوحى الله إليهما: هكذا أفعل بمن عصاني من أهل طاعتي، فكيف بمن عصاني من أهل معصيتي؟ (١)
وروى ابنه في "زوائده" عن سالم بن أبي الجعد: أن ابْنَيْ هارون أمرا أن يُسْرِجا من زيت بيت المقدس فأسرجا من غيره، فثارت النار فأخذتهما، فجاء هارون يطفئ عنهما النار فلا تطفأ، فقال موسى: خل بين ربك وبين ما أرادة فإنها مأمورة، فأوحى الله إلى موسى: هذا فعلي بمن خالفني من أوليائي، فكيف بمن خالفني من أعدائي؟
стр. 3361
ومن هنا ينبغي للعلماء وأشراف الناس أن يتنبهوا لتأديب أولادهم ومن يليهم، ونهيهم عما يقع منهم من المخالفات؛ فإنهم أحق بذلك من غيرهم، وعتابهم في تركهم والإعراض عنهم أبلغ من عتاب غيرهم.
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن بكر بن عبد الله المزني رحمه الله تعالى، عن لقمان قال: ضرب الوالد لولده كالسَّماد للزرع (١).
وعن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: أن سليمان بن داود قال لابنه ﵈: يا بني! إن أحببت أن تغيظ عدوك فلا ترفع العصا عن ابنك (٢).
وفي "زوائد ابنه": فلا تبعد عن ابنك العصا.
وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الْبَيْتِ". رواه أبو نعيم (٣).
وهو عند عبد الرزاق، والطبراني في "الكبير" من رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وزاد: "فَإِنَّهُ أَدَبٌ لَهُمْ" (٤).
стр. 3362
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أن رجلًا كان على مجامر بيت المقدس، فكان له ابنان، فبلغا، فجعلا يعبثان بالنساء.
قال: فأوحى الله إلى نبيِّهم ﵇ أن فلانًا اطلع على ابنيه يعبثان بالنساء فلم ينكر عليهمَا، فبعزتي حلفت لأميتنهم ثلاثة في يوم واحد، ولأسلطن على أهله من بعده الفقر (١).
وعن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء؛ يعظهم فيذكرهم بأيام الله، قال: فرأى بعض بنيه يومًا غمز النساء، فقال: مهلًا يا بني، مهلًا يا بني، فسقط من سريره، وانقطع نخاعه، وأسقطت امرأته، وقتل بنوه في الجيش، فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبر فلانًا الحبر أني لا أُخرج مِنْ صُلبك صديقًا أبدًا ما كان غضبك لي إلا أن قلت: مهلاً يا بني، مهلاً يا بني (٢).
وعنه قال: مكتوب في التوراة: من كان له جار يعمل بالمعاصي فلم ينهه فهو شريكه (٣)؛ والله الموفق.
• • •
стр. 3363
(٤) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِعَادٍ
стр. 3364
(٤) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِعَادٍ
وهم أول من تأنق في البنيان، ورفعه وأحكمه أملًا منهم.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥].
وهم أولاد عاد بن عوص بن آدم بن سام بن نوح، وهي عاد الأولى.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠].
قال في "الكشاف": عاد الأولى: قوم هود، وعاد الأخرى: إرم.
وقيل: الأولى: القدماء؛ لأنهم أول الأمم هلاكاً بعد قوم نوح.
وقيل: المقدمون في الدنيا الأشراف، انتهى (١).
وروى ابن المنذر عن ابن جريج رحمه الله تعالى في قوله تعالى:
стр. 3365
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]؛ قال: كانت الأخرى بحضرموت (١).
وقال مجاهد رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٦، ٧]؛ قال: القديمة (٢).
وقال السدي رحمه الله تعالى: عاد من إرم، نسبهم إلى جدهم الأكبر (٣).
وقال قتادة: كنا نتحدث أن إرم قبيلة من عاد، وكان يقال لها: ذات العماد، كانوا أهل عمود التي لم يخلق مثلها في البلاد (٤).
قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعا طولاً في السماء. رواها ابن المنذر، وغيره (٥).
قال في "القاموس": إرم كعنب؛ وسحاب، والد عاد الأولى أو الأخيرة، أو اسم بلدهم، أو أمهم، أو قبيلتهم، وإرم ذات العماد: دمشق، أو: الإسكندرية، أو: موضع بفارس، انتهى (٦).
وقال صاحب "الكشاف": وقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن