ومن هنا ينبغي للعلماء وأشراف الناس أن يتنبهوا لتأديب أولادهم ومن يليهم، ونهيهم عما يقع منهم من المخالفات؛ فإنهم أحق بذلك من غيرهم، وعتابهم في تركهم والإعراض عنهم أبلغ من عتاب غيرهم.
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن بكر بن عبد الله المزني رحمه الله تعالى، عن لقمان قال: ضرب الوالد لولده كالسَّماد للزرع (١).
وعن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى: أن سليمان بن داود قال لابنه ﵈: يا بني! إن أحببت أن تغيظ عدوك فلا ترفع العصا عن ابنك (٢).
وفي "زوائد ابنه": فلا تبعد عن ابنك العصا.
وفي حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "عَلِّقُوا السَّوْطَ حَيْثُ يَرَاهُ أَهْلُ الْبَيْتِ". رواه أبو نعيم (٣).
وهو عند عبد الرزاق، والطبراني في "الكبير" من رواية ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وزاد: "فَإِنَّهُ أَدَبٌ لَهُمْ" (٤).
стр. 3362
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أن رجلًا كان على مجامر بيت المقدس، فكان له ابنان، فبلغا، فجعلا يعبثان بالنساء.
قال: فأوحى الله إلى نبيِّهم ﵇ أن فلانًا اطلع على ابنيه يعبثان بالنساء فلم ينكر عليهمَا، فبعزتي حلفت لأميتنهم ثلاثة في يوم واحد، ولأسلطن على أهله من بعده الفقر (١).
وعن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء؛ يعظهم فيذكرهم بأيام الله، قال: فرأى بعض بنيه يومًا غمز النساء، فقال: مهلًا يا بني، مهلًا يا بني، فسقط من سريره، وانقطع نخاعه، وأسقطت امرأته، وقتل بنوه في الجيش، فأوحى الله إلى نبيهم أن أخبر فلانًا الحبر أني لا أُخرج مِنْ صُلبك صديقًا أبدًا ما كان غضبك لي إلا أن قلت: مهلاً يا بني، مهلاً يا بني (٢).
وعنه قال: مكتوب في التوراة: من كان له جار يعمل بالمعاصي فلم ينهه فهو شريكه (٣)؛ والله الموفق.
• • •
стр. 3363
(٤) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِعَادٍ
стр. 3364
(٤) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِعَادٍ
وهم أول من تأنق في البنيان، ورفعه وأحكمه أملًا منهم.
قال الله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾ [الأحقاف: ٢١].
وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥].
وهم أولاد عاد بن عوص بن آدم بن سام بن نوح، وهي عاد الأولى.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠].
قال في "الكشاف": عاد الأولى: قوم هود، وعاد الأخرى: إرم.
وقيل: الأولى: القدماء؛ لأنهم أول الأمم هلاكاً بعد قوم نوح.
وقيل: المقدمون في الدنيا الأشراف، انتهى (١).
وروى ابن المنذر عن ابن جريج رحمه الله تعالى في قوله تعالى:
стр. 3365
﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى﴾ [النجم: ٥٠]؛ قال: كانت الأخرى بحضرموت (١).
وقال مجاهد رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (٦) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ﴾ [الفجر: ٦، ٧]؛ قال: القديمة (٢).
وقال السدي رحمه الله تعالى: عاد من إرم، نسبهم إلى جدهم الأكبر (٣).
وقال قتادة: كنا نتحدث أن إرم قبيلة من عاد، وكان يقال لها: ذات العماد، كانوا أهل عمود التي لم يخلق مثلها في البلاد (٤).
قال: ذكر لنا أنهم كانوا اثني عشر ذراعا طولاً في السماء. رواها ابن المنذر، وغيره (٥).
قال في "القاموس": إرم كعنب؛ وسحاب، والد عاد الأولى أو الأخيرة، أو اسم بلدهم، أو أمهم، أو قبيلتهم، وإرم ذات العماد: دمشق، أو: الإسكندرية، أو: موضع بفارس، انتهى (٦).
وقال صاحب "الكشاف": وقيل لعقب عاد بن عوص بن إرم بن
стр. 3366
سام بن نوح: عاد كما يقال لبني هاشم: هاشم، ثم قيل للأولين منهم: عاد الأولى، وإرم تسمية لهم باسم جدهم، ولمن بعدهم عاد الآخرة.
قال ابن الرّقّيات: [من المنسرح]
مَجْدًا تَلِيْدًا بَناهُ أَوَّلُهُ ... أَدْرَكَ عادًا وَقَبْلَها إِرَما
ثم قال: وروي أنه كان لعاد ابنان: شداد وشديد، فملكا وقهرا، ثم مات شديد، وخَلُص الأمر لشداد، فملك الدنيا ودانت له ملوكها، فسمع بذكر الجنة، فقال: أبني مثلها، فبنى إرم في بعض صحارى عدن في ثلاثمئة سنة، وكان عمره سبعمئة سنة، وهي مدينة عظيمة قصورها من الذهب والفضة، وأساطينها من الزبرجد والياقوت، وفيها أصناف الأشجار والأنهار المطردة، ولما تم أمرها سار إليها بأهل مملكته، فلما كان منها على مسيرة يوم وليلة أرسل الله تعالى عليهم صيحة من السماء فهلكوا.
قال: وعن عبد الله بن قلابة رضي الله تعالى عنه: أنه خرج في طلب إبل له فوقع عليها، فحمل ما قدر عليه مما تم، وبلغ خبره معاوية رضي الله تعالى عنه فاستحضره، فقص عليه، فأرسل إلى كعب رحمه الله تعالى فسأله, فقال: هي إرم ذات العماد، وسيدخلها رجل من المسلمين في زمانك، أحمر أشقر قصير، على حاجبه خال، وعلى عقبه خال، يخرج في طلب إبل له، ثم التفت فأبصر ابن قلابة،
стр. 3367
فقال: هذا والله ذلك الرجل، انتهى (١).
وكان هود ﵇ أخا عاد في النسب، وهو هود بن عبد الله ابن رباح بن الخلود بن عاد بن عوص.
وقال ابن إسحاق: هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح (٢).
وروى ابن إسحاق، وإسحاق بن بشر، وابن عساكر عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: أن عاداً كانوا أصحاب أوثان يعبدونها على مثال ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، واتخذوا صنماً يقال له: صمود، وصنما يقال له: الهتار، فبعث الله إليهم هودًا ﵇، فكان هود من قبيلة يقال لها: الخلود، وكان من أوسطهم نسبًا، وأصبحهم وجهًا، أبيض جيداً، بادي العنق، طويل اللحية، فدعاهم إلى الله تعالى، وأمرهم أن يوحدوه، وأن يكفوا عن ظلم الناس، ولم يأمرهم بغير ذلك، ولم يَدْعُهم إلى شريعة ولا صلاة، فأبوا ذلك وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة؟ وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: ٦٥] إلى قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾؛ يعني: سكاناً في الأرض ﴿مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾، فكيف لا تعتبرون فتؤمنون وقد علمتم ما نزل بقوم نوح من النقمة حين عصوا، ﴿وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً﴾؛ أي: طولًا وقوة، ﴿فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾؛ يعني: هذه النعم ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ٦٩]؛ أي:
стр. 3368
كي تفلحوا.
وكانت منازلهم الأحقاف.
والأحقاف: الرمل من عمان إلى حضرموت اليمن.
وكانوا قد أفسدوا في الأرض، وقهروا أهلهَا بفضل قوتهم التي آتاهم الله، وكان من قوتهم كثرتهم وانتشارهم في الأرض، وسعة أجسامهم، وشدة بطشهم (١).
روى ابن أبي حاتم عن الرَّبيع بن خُثيم رضي الله تعالى عنه قال: كانت عاد ما بين اليمن إلى الشَّام مثل الذَّرِّ -أي: في الكثرة- مع كبر الأجسام وطولها (٢).
قيل: كان طول كل واحد منهم اثني عشر ذراعاً.
وقيل: سبعين ذراعاً.
وقيل: الطويل مئة ذراع، والقصير ستون.
وعن ابن عباس: ثمانون ذراعًا (٣).
وقد يجمع بين هذه الأقوال بأن عاداً كانوا أولهم مئة ذراع، ثم تناقص طول ذراريهم حتى صاروا إلى اثني عشر.
стр. 3369
أو هذا طول عاد الآخرة، وما فوقه طول عاد الأولى.
وقال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: إن كان الرجل من قوم عاد ليتخذ المصراع من حجارة، ولو اجتمع عليه خمسمئة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يقلوه، وإن كان أحدهم ليدخل قدمه في الأرض فتدخل فيها. رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"، وابن أبي حاتم (١).
وقال عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: كان الرجل ممن كان قبلكم بين منكبيه ميل. رواه ابن مردويه (٢).
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان الرجل من عاد في خلقه ثمانين باعاً، وكانت البرة فيهم ككلية البقرة، والرمانة الواحدة يقعد في قشرها عشرة نفر؛ أي: منكم. رواه الحكيم الترمذي في "نوادره" (٣).
وقال زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى: كان في الزمن الأول يمضي أربعمئة سنة ولم يسمع فيها جنازة.
وقال ثور بن يزيد: جئت اليمن فإذا أنا برجل لم أر أطول منه قط، فعجبت؛ قالوا: تعجب من هذا؟
стр. 3370
قلت: والله ما رأيت أطول من ذا قط.
قالوا: والله لقد وجدنا ساقًا أو ذراعاً، فذرعناها بذراع هذا، فوجدناها ستة عشرة ذراعاً.
وقال أيضًا: قرأت كتاباً: أنا شداد بن عاد، أنا الذي رفعت العماد، أنا الذي سددت بدراً عن بطن واد، أنا الذي كنزت كنزاً في البحر على تسع أذرع لا يخرجه إلا أمة محمَّد. رواهما الزبير بن بكار في "الموفقيات" (١).
وقال هريم (٢) بن حمزة رحمه الله تعالى: سأل النَّبيُّ ﷺ ربه أن يريه رجلًا من عاد، فكشف الله له عن الغطاء، فإذا رأسه بالمدينة ورجلاه بذي الحليفة أربعة أميال طوله. رواه أبو الشيخ في "العظمة" (٣).
وذكر المفسرون أن الله تعالى بعث إليهم هوداً ﵇، فأمرهم بالتوحيد والاستغفار، والكف عن ظلم الناس، فأبوا عليه وكذبوه، وقالوا: من أشد منا قوة؟ وبنوا المصانع وأبراج الحمام، وبطشوا بطشة الجبارين، فأمسك الله المطر عنهم ثلاث سنوات، فبعثوا منهم جماعة إلى البيت الحرام يستمطرون لهم (٤)، فرجعوا وقد
стр. 3371
بعث الله تعالى عليهم سحابا أسود وريحا فيها كشهب النار، فلما رأوه قالوا: هذا عارض ممطرنا، فقال الله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الأحقاف: ٢٤] الآية.
وروى عبد بن حميد، وعبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد"، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لما جاءت الريح إلى قوم عاد قاموا، فأخذ بعضهم بيد بعض، وأخذوا يشتدون، وركزوا أقدامهم في الأرض، وقالوا لهود: من يزيل أقدامنَا من أماكنها إن كنت صادقاً؟ فأرسل الله عليهم الريح تنزع أقدامهم من الأرض كأنهم أعجاز نخل منقعر، وقال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ [الحاقة: ٦، ٧] (١).
стр. 3372
وهي الأيام النحسات، وأيام الأعجاز، وأيام العجوز لأنها جاءت في عجز الشتاء، أو لأن عجوزاً من عاد اختبأت من الريح في سرب لها، فاقتلعتها الريح ودقَّت عنقها (١).
روى ابن أبي حاتم عن الربيع بن أنس رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]، قال: كان أولها الجمعة (٢)؛ أي: وآخرها ليلة الجمعة الثانية.
فإن قلت: كيف يجمع بين هذا وبين ما ذكر في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ﴾ [القمر: ١٩] أنه يوم الأربعاء؟
قلت: قد يجمع بينهما بأن الريح نشأت يوم الجمعة، ثم استمرت تعذبهم وتثرثرهم حتى هلكوا في يوم الأربعاء، ثم تكامل هلاكهم إلى صبيحة الجمعة الثانية.
وجاء أن تلك الأربعاء كانت آخر أربعاء في الشهر؛ فقد روى وكيع في "الغرر"، والخطيب في "تاريخه" بسند ضعيف، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "آخِرُ أَرْبِعَاءٍ في الشَّهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ" (٣).
وكثيرًا ما يحتج به كثير من الحمقى في التطير بآخر أربعاء من الشهر حتى لا يتحركون فيه بحركة، ومنهم من لا يخرج فيه من بيته،
стр. 3373
ويرده الحديث الصحيح: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ" (١)، والحديث الصحيح: "لا طيَرَةَ" (٢).
والتحقيق أنه يوم نحس مستمر على أعداء الله تعالى، والمصرين على معاصيه دون أولياء الله تعالى وأهل تقواه؛ فإنه يوم سعد مستمر عليهم بدليل أن الله تعالى كما أهلك فيه قوم هود أنجاه هو والذين آمنوا معه فيه، فظفروا فيه بهلاك عدوهم، ونجاتهم في أنفسهم.
ومنهم من يتطير بيوم الأربعاء مطلقا، وكأنه يحتج بحديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَوْمُ الأَرْبِعَاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ". رواه ابن المنذر (٣).
وهذا الحديث إن صح فإنما هو في حق من ذكر من أهل المعاصي، أو في حق من تطير.
واللائق بالمؤمن أن لا يتطير من شيء أصلاً، بل إذا تطير يمضي ويعلم أن الطيرة على من تطير (٤).
стр. 3374
وروى ابن مردويه عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنه سئل عن يوم الأربعاء فقال: يوم نحس مستمر.
قالوا: كيف ذاك يا رسول الله؟
قال: "غَرِقَ فِيْهِ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَأَهْلَكَ عادًا وَثَمُوداً" (١).
وإذا كان كذلك فينبغي أن يتيمَّن به أهل الإيمان ولا يتشاءموا، بل إن جاز التشاؤم والتطير بالأربعاء بهلاك عاد فيه فليجز التطير بسائر أيام الجمعة لما علمت بنص القرآن العظيم أنهم هلكوا في مجموع الأسبوع سبع ليال وثمانية أيام حسوم.
стр. 3375
ومعنى الحسوم: المتابعة كما صح تفسيرها عن ابن عباس، وابن مسعود، وغيرهما (١).
وكذلك الآيات التي ترادفت على فرعون وقومه من الطوفان، والجراد، والقُمَّل، والضفادع إلى آخرها كانت تستمر عليهم أسبوعاً أسبوعاً.
فإذا بطل التطير بأيام الأسبوع لما ذكر، فليبطل التطير بيوم الأربعاء.
وروى ابن المنذر عن ابن جريج رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ [الحاقة: ٧]؛ قال: كانوا سبع ليال وثمانية أيام أحياء في عذاب الله، فلما أمسوا اليوم الثامن ماتوا، فاحتملتهم الريح فألقتهم في البحر، فذلك قوله: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٨]، وقوله: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: ٢٥] (٢).
ويؤخذ من هذا مع ما مر عن الربيع بن أنس: أن العذاب بدأهم يوم الجمعة، وأهلكهم واستأصلهم يوم الجمعة الثانية، ولذلك كان يومًا مباركاً, ولقد بقيت آثار عذابهم ظاهرة في نظير هذه الأيام من كل عام، فنرى فيها من شدة البرد ويبس الريح كل سنة ما هو عبرة لذوي
стр. 3376
الاعتبار، وتبصرة لأولي الاستبصار مع سلامة هذه الأمة من سوئها.
وكانت الريح التي أرسلت عليهم الدبور، وهي الغربية التي تضرب في دبر الكعبة، ومن عادتها أن تكون رحمة فانقلبت عليهم عذاباً مسخرة لهود كما سخرت القبول، ويقال لها: الصبا، وهي التي تضرب في قبل الكعبة لمحمَّد ﷺ ، فكانت دافعة للأحزاب عنه ليلة الأحزاب، ولم تستمر، ولم تهلكهم لأنه ﷺ رحمة للعالمين، وبقوا حتى خرج من أصلابهم أهل التوحيد.
روى الإِمام أحمد، والشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "نُصِرْتُ بِالصَّبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ" (١).
وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الرِّيْحُ مَسْجُوْنةٌ فِيْ الأَرْضِ الثَّانِيَةِ، فَلَمَّا أَرَادَ اللهُ تَعَالَى أَنْ يُهْلِكَ عَادًا أَمَرَ خَازِنَ الرِّيْحِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْهِمْ ريحًا تُهْلِكُ عَادًا، قَالَ: يَا رَبِّ! أَرْسِلْ مِنَ الرِّيْحِ قَدْرَ مِنْخرِ الثَّوْرِ، قَالَ لَهُ الْجَبَّارُ ؛ تِلْكَ إِذًا تَكْفِي الأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا، وَلَكِنْ أَرْسِلُ عَلَيْهِمْ بِقَدْرِ الْخَاتَمِ" (٢).
стр. 3377
وروى ابن جرير عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: لم ينزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم نوح؛ فإنه أذن للماء دون الخزان، فطغى الماء على الخزان فخرج، فذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١]، أي: غلب.
ولم ينزل شيء من الريح إلا بكيل على يدي ملك إلا يوم عاد؛ فإنه أذن لها دون الخزان فخرجت، فذلك قوله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]؛ عتت على الخزان (١).
وروي نحوه عن ابن عباس مرفوعًا (٢).
وروى أبو الشيخ في "العظمة" عنه، عن النبي ﷺ قال: "نُصِرْتُ بِالصَّبَا، وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَّبُورِ".
وهذه القطعة في "الصحيحين" كما سبق.
زاد قال: ما أمر الخزان أن يرسلوا على عاد إلا مثل موضع الخاتم من الريح، فعتت على الخزان، فخرجت من نواحي الأبواب، فذلك قول الله تعالى: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: ٦]؛ قال: عتوها: عتت على الخزان، فبدأت بأهل البادية منهم فحملتهم بمواشيهم وبيوتهم، فأقبلت بهم إلى الحاضرة، قالوا: هذا عارض ممطرنا، فلما
стр. 3378
دنت الريح أظلتهم، فألقت البادية على أهل الحاضرة فقطعتهم، فأهلكوا جميعًا (١).
واعلم أنه قد كان من عاد قبائح يتعين اجتناب التشبه بهم فيها.
١ - فمنها: الكفر، وعبادة الأوثان، وتقليد الآباء في ذلك .
وقد تقدم نظائر ذلك في قوم نوح.
٢ - ومنها: الابتداع في الدين أعم من أن يكون كفراً أو دونه .
وقد علمت أن عاداً اتخذوا أصناماً زائدة على ود وأخواته، وقد أشار إلى ذلك مرثد بن سعد منهم، وكان ممن بعثهم عاد إلى مكة ليستسقوا لهم، ولكنه قال لهم: والله لا يستجاب دعاؤكم وتسقون إلا إن أطعتم هوداً -وكان ممن يكتم إيمانه - فقال: [من الوافر]
عَصَتْ عادٌ رَسُوْلَهُم فَأَمْسَوا ... عِطاشاً ما تَبُلُّهُمُ السَّماءُ
يُبَصِّرُنا الرَّسُوْلُ سبيلَ رُشْدٍ ... فَأَبْصَرْنا الْهُدى وَجَلا الْعَماءُ
لَهُمْ صَنَمٌ يُقالُ لَهُ صَمُوْدٌ ... يُقابِلُهُ صَداةُ وَالْهباءُ
وإنَّ إِلَهَ هُوْدٍ هُوْ إِلَهِي ... عَلَى اللهِ التَّوَكُّلُ وَالرَّجاءُ (٢)
وقال الله تعالى حكايته عن قوم هود: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ
стр. 3379
﴿مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (٧١) فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠ - ٧٢].
وهذه الآية قد بينت أن سبب الرجس والغضب الشركُ، والمجادلة بالباطل، والابتداع في الدين، والإعراض عن الحق، وترك الاتباع، وآخر من هذا حاله قطع دابره، وإخلاء الأرض منه، ويقاء أخباره عبرة لمن بعده؛ وبالله التوفيق، ونعوذ بالله من الخذلان.
٣ - ومنها: الكذب، والتكذيب لأهل الصدق .
بل هو حال سائر الأمم إلا من آمن منهم.
قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ (١٢) وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ (١٣) وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ﴾ [ق: ١٢ - ١٤].
وقال: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ (١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠) فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ [القمر: ١٨ - ٢١]
وإنما كرر هذه الجملة للتهويل.
وقيل: الأول لما حاق بهم في الدنيا، والثاني لما يحيق بهم في الآخرة، كما قال في قصتهم أيضًا: ﴿لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا
стр. 3380
وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى﴾ [فصلت: ١٦].
وقال تعالى حكايته عن هود ﵇: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (٥٠) يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ إلى أن قال: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٠ - ٥٣].
واعلم أن قبح الكذب مما علم بالضرورة في سائر الأديان إلا في الحرب ونحوه.
وروى الترمذي، وأبو نعيم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "إِذَا كَذَبَ الْعَبْدُ كِذْبَةً تَبَاعَدَ عَنْهُ الْمَلَكُ مِيْلاً مِنْ نتَنِ مَا جَاءَ بِهِ" (١).
٤ - ومنها: العناد، والتصميم على الباطل بعد ظهور الحق .
ألا ترى إلى قولهم: ﴿يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ [هود: ٥٣] بعد ما بين لهم أنه لا يريد إلا نصيحتهم بسبب أنه لا يسألهم الأجر؟
стр. 3381
وهذا مما ينفي التهمة عن النذير الناصح؛ فإنه من حاول الأجر ممن أنذره فإنما يحاول مصلحة نفسه لا مصلحة المنذر.
ومن هنا حذر العلماء من طلب الدُّنيا بالعلم والدين حتى قال بعض الحكماء من أهل العلم: طلب الدنيا بالدف والمزمار أخف إثماً من طلبها بالدين والعلم.
وقد أجمع الأنبياء على بذل العلم وتعليم الدين بلا عوض من المبذول له؛ فليكن ورثتهم على طريقتهم.
٥ - ومنها: الأصرار على المعصية، وترك التوبة والاستغفار .
وقال هود ﵇: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (٥٢) قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٥٢، ٥٣].
وأي إصرار بعد هذا الإصرار؟
روى ابن عساكر عن الضَّحَّاك رحمه الله تعالى قال: أمسك الله عن عاد القطر ثلاث سنين، فقال لهم هود: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢]، فابوا إلا تماديا (١).
وقد دلت الآية على أن الإصرار يمنع الرزق كما أن الاستغفار يمنع العقوبة ويجلب المنافع؛ فإن الاستغفار يحل عقدة الإصرار.
стр. 3382
وقد سبق مثل ذلك في قوم نوح حيث قال لهم ﵇: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾ [نوح: ١٠ - ١٢].
وقال الثعلبي رحمه الله تعالى: خرج عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يستسقي، فلم يزد على الاستغفار حتى رجع، فقيل له: ما رأيناك استسقيت؟
قال: طلبت المطر بمجاديح السَّماء التي يستنزل بها المطر، ثم قرأ: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [هود: ٥٢].
و﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ [نوح: ١١] (١).
والمجاديح -بتقديم الجيم -؛ قال في "النهاية": جمع مجدح مع زيادة الياء (٢).
والمجدح؛ كمنبر؛ قال في "القاموس": الدبران، أو نجم صغير تحته، والثريا.
قال: ومجاديح السماء: أنواؤها (٣).
стр. 3383
قيل: وهي ثلاثة كواكب كالأثافي، وهو عند العرب من الأنواء الدالة على المطر (١).
وقول عمر رضي الله تعالى عنه: (لقد استقيت بمجاديح السماء) شبه الاستسقاء بالاستمطار بالأنواء مخاطبة لهم بما يعرفون لا قولاً بالأنواء، كأنه يشير إلى أن الاستسقاء بالاستغفار أولى من الاستمطار بالأنواء؛ فإن الاستغفار أحق ما تطلب به الحوائج، وترفع به النوائب.
قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لَزِمَ الاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَمِنْ كُلِّ ضِيْقٍ مَخْرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبْ". رواه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وصححه الحاكم، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢).
وتأمل قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن يونس ﵇ كان وعد قومه العذاب، وأخبره أنه يأتيهم إلى ثلاثة أيام، ففرقوا بين كل والدة وولدها، ثم خرجوا فجاؤوا
стр. 3384
إلى الله واستغفروه، فكف عنهم العذاب (١).
وروى هو والمفسرون عن أبي الجلد رحمه الله تعالى قال: لما غشي قوم يونس العذاب مشوا إلى شيخ من بقية علمائهم، فقالوا: ما ترى؟
قال: قولوا: يا حي حين لا حي، ويا حي محيي الموتى، ويا حي لا إله إلا أنت، فكشف عنهم العذاب (٢).
وروى هو وغيره عن أبي الجلد أيضاً: أن داود النبي ﵇ أمر منادياً، فنادى بالصَّلاة جامعة، فخرج النَّاس وهم يرون أنه يكون منه يومئذ موعظة وتأديب، ودعا، فلما رأوا مكانه قال: اللهم اغفر لنا، وانصرف.
فاستقبل آخر الناس أوائلهم قالوا: ما لكم؟
قالوا: إن النبي إنما دعا بدعوة واحدة، ثم انصرف.
قالوا: سبحان الله! كنا نرجو أن يكون هذا اليوم يوم عبادة ودعاء، وموعظة وتأديب، فما دعا إلا بدعوة واحدة!
قال: فأوحى الله إليه أن أبلغ عني قومك؛ فإنهم قد استقلوا دعاءك: إني من أغفر له أصلح له أمر آخرته ودنياه (٣).
стр. 3385
وعن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: قال المسيح ﵇: أكثروا ذكر الله، وحمده وتقديسه، وأطيعوه، وإنما يكفي أحدكم من الدعاء إذا كان الله راضياً عنه أن يقول: اللهم اغفر لي خطيئتي، وأصلح لي معيشتي، وعافني من المكاره يا إلهي (١).
٦ - ومن أعمال عاد، وأخلاقهم: عصيان أولياء الأمور في طاعة الله تعالى، وبغض العلماء وأولياء الله تعالى، والرغبة عنهم، والاستنكاف عن مجالستهم ومعاشرتهم، والرغبة في عشرة الأشرار والمترفين، واتباعهم والانهماك معهم فيما هم فيه .
قال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [هود: ٥٩ - ٦٠].
ومن لطائف الأستاذ حمدون القصار رحمه الله تعالى ما نقله عنه أبو عبد الرَّحمن السلمي في "حقائقه" أنه قال: من رغب في صحبة الأشرار حرم صحبة الأخيار.
٧ - ومنها: أذية أنبياء الله وأوليائه، وانتقاصهم، ورميهم بالسُّوء ، واعتقاد أن الجمادات تضر وتنفع، بل لا يضر وينفع حقيقة إلا الله تعالى، ومن نفع غيره فبتسخيره، ومن ضرَّ غيره فبتسليطه.
ألا ترى إلى قولهم يخاطبون هوداً ﵇: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ [هود: ٥٤]؟
стр. 3386
وهذا منهم غاية في السخف والحماقة، ولذلك خف أمرهم، واضمحل حالهم عند هود ﵇ حتى أجابهم بما حكاه الله تعالى عنه: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٦].
أي: فإذا كانت الدَّواب مأخوذاً بنواصيها، فلا يكون منها حركة ولا أمر إلا بإرادة الله الآخذ بنواصيها، فكيف تزعمون إضراري بآلهتكم الجمادات؟
فأنتم ولو اجتمعتم على كيدي لا تستطيعون كيدي، وإنما قال لهم: واشهدوا مع أن من هذا مؤدَّى عقله لا يصلح للإشهاد، ولا يصح إشهاده على وجه التهكم، فهو أمر احتقار وتهكم واستهزاء بهم.
ومن هنا يظهر لك أن من اعتقد أن شيخه أو معتقده ينتقم، أو يعطب من يعاديه، وهو مصر على المعصية والظلم، فهو أشبه الناس بقوم هود في سخافة العقل.
نعَم، لا ينكر أن يكرم الله تعالى بعض أوليائه باستجابة دعوته في بعض أعدائه وإن لم يدع، ولا أن الله تعالى ينفع من يوالي ولياً لله تعالى به.
وكذلك من يزعم أن شيخه يقتل محقون الدم بحاله، أو يضر مسلماً بعطبته إلا أن يغار لله تعالى إذا شاهد معصية فيكون غضبه لله
стр. 3387
تعالى لا لمريده، ولا لمعتقده تنفيذاً لهواه؛ فإن أولياء الله منزهون عن الهوى، فإذا تنفس بدعاء أو فعل فإنه نتيجة غضبه لله تعالى، كما كان رسول الله ﷺ لا يغضب إلا إذا انتهكت محارم الله، فلا يقوم لغضبه شيء كما في الحديث (١).
* فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:
روى ابن أبي حاتم عن يحيى بن سعيد رضي الله تعالى عنه قال: ما من أحد يخاف لصاً عادياً، أو سَبُعاً ضارياً، أو شيطاناً مارداً فيتلو هذه الآية: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [هود: ٥٦] إلا صرفه عنه (٢).
قلت: وكذلك لو قصده عدو ولو جماعة، ولو أصحاب قوة وجاه.
ومثل هذا لا يقال من قبل الرأي، ولكن هذا مورد الآية؛ ألا ترى أن هذا قاله هود ﵇ لأشد الأمم قوة وبطشاً، وحمية وجاشاً.
وقد ذكر بعض أهل الكشف أن هذه الآية تمنع وتدفع شر كل ذي شر توجه الصادق بتلاوتها إليه، وقرأها في مقابلته، والعارف يكفيه من ذلك التصديق بالآية بقلبه.
وكذلك يتحظر بحظار عظيم من كل شر وسوء بكلمة الشهادة كما
стр. 3388
في الحديث القدسي: "لا إله إلا الله حصني" (١) فهي أمنه وهجِّيراه؛ فافهم!
٨ - ومنها: الإعجاب بالشباب والقوة، والفخر والخيلاء، والتطاول على الناس .
قال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].
وقال تعالى حكاية عن هود ﵇: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٢٩].
أي: قصوراً مشيَّدة تفتخرون بها، كما ذكره القاضي البيضاوي رحمه الله تعالى (٢).
وروى الإمام عبد الله بن المبارك، والطبراني في "الكبير"،
والأصفهاني في "الترغيب"، عن العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "يَظْهَرُ هَذَا الدِّيْنُ حَتَّى يُجَاوِزَ الْبِحَارَ، وَحَتَّى يُخَاضَ الْبَحْرُ بِالْخَيْلِ فِيْ سَبِيْلِ اللهِ، ثُمَّ يَأْتِيْ قَوْمٌ يَقْرَؤُوْنَ الْقُرْآنَ يَقُوْلُوْنَ: قَدْ قَرَأنا القُرْآنَ، فَمَنْ أَقْرَأُ مِنَّا؟ وَمَنْ أَفْقَهُ مِنَّا؟ وَمَنْ أَعْلَمُ مِنَّا؟ هَلْ فِيْ أَوْلَئِكَ مِنْ خَيْرٍ؟ "
قالوا: لا.
стр. 3389
قَالَ: "فَأوْلَئِكَ مِنْ هَذهِ الأُمَّةِ، وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُوْدُ النَّارِ" (١).
وروى الطبراني في "الأوسط" نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁ (٢).
وروى أبو نعيم عن أبي تراب النخشبي رحمه الله تعالى قال: قال حاتم الأصم رحمه الله تعالى: لا أدري أيهما أشد على الناس؛ اتقاء العجب، أو الرياء؟ العجب داخل فيك، والرياء داخل عليك، العجب أشد عليك من الرياء، ومثلهما أن يكون معك في البيت كلب عقور، وكلب آخر خارج البيت، فأيهما أشد عليك؛ الداخل أم الخارج، أما الداخل فهو العجب، وأما الخارج فهو الرياء (٣).
٩ - ومنها: ظلم الناس، والبغي عليهم، وتمكيس أموالهم ، وضربهم بغير حق، والفتك بهم، والتكبر والتجبر، والاغترار بالصحَّة، والقوة والجَلَد، والتطاول في البنيان، والتانق فيه وفي إحكامه فوق الحاجة، والتمرد، وإطالة الأمل، واللعب بالحَمَام الطَّيَّارة، والعبث بالناس، واللهو واللعب، والاسترسال فيها، وكفران النعم.
قال الله تعالى حكاية عن هود ﵇ مخاطباً لقومه: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا
стр. 3390
بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٢٨ - ١٣٠].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿بِكُلِّ رِيعٍ﴾؛ قال: طريق.
وفي رواية: شرف.
﴿آيَةً﴾؛ قال: علماً.
﴿تَعْبَثُونَ﴾؛ قال: تلعبون (١).
وقال في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾: كأنكم تخلدون (٢). رواهما ابن جرير وغيره.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى في قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ﴾؛ قال: بكل فج بين جبلين.
﴿آيَةً﴾؛ قال: بنياناً.
﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾؛ قال: بروج الحمام. رواه سعيد بن منصور، وابن أبي شيبة.
وكذلك أخرجه الفريابي وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن المنذر (٣).
стр. 3391
وروى هؤلاء أيضا عنه في قوله: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾؛ قال: قصوراً مشيدة، وبنيانا مخلداً؛ أي: مقصوداً للخلود (١).
وقال قتادة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾؛ قال: مآخذ للماء (٢).
قال: وكان في بعض القراءة: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ (٣).
وقال مجاهد رحمه الله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾؛ قال: بالسوط والسيف. رواهما عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٤).
قال في "الكشاف": وقيل: الجبار الذي يقتل ويضرب على الغضب.
وعن الحسن: تبادرون تعجيل العذاب، لا تتثبتون متفكرين في العواقب (٥).
ثم قال لهم هود ﵇ بعد تعريفهم بما صدر منهم وإنه مما
стр. 3392
يخشى عواقبه مذكراً لهم بالنعم محذراً من النقم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٣١)
وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥) قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْوَاعِظِينَ (١٣٦) إِنْ هَذَا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ (١٣٧) وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [الشعراء: ١٣١ - ١٣٨].
بالغ هود في تنبيههم على نعم الله تعالى بحيث أجملها، ثم فصلها مستشهداً بعلمهم ليوقظهم عن سنة غفلتهم، فلم يزدادوا إلا عَمَى وغفلة وإنكاراً للبعث والعقوبة، وكان ذلك سبب هلاكهم كما قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً﴾ [الشعراء: ١٣٩].
وقيل: إنهم كانوا يعبثون بمن يمر عليهم، وكان لهم مناطر على الطرقات يقعدون بها، ويسخرون بمن يمر بهم.
وقال الكلبي: هو عبث العشَّارين بأموال من يمر بهم؛ وكانوا يمكسون. رواه الثعلبي، وغيره (١).
وجميع هذه الأخلاق محرمة إلا ما كان من اللعب واللهو الذي ليس فيه أذى الغير؛ فإنه مكروه، وكذلك اللعب بالحمام.
وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" عن إبراهيم النَّخعي رحمه الله تعالى أنه قال: من لعب بالحمام الطيارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر (٢).
стр. 3393
وكذلك البناء مباح في الأصل كاتخاذ القصور، والحصون، والمصاح، وإنما كان بناؤهم مذموماً لمعنى خارج عن كونه بناء؛ فإن مطلق البناء مباح، اللهم إلا أن يقال: إن بناء ما فوق الحاجة كان محرماً في شرعهم، وهو في شرعنا مكروه، وإذا انتهى إلى حد السرف وإضاعة المال كان محرماً، وكذلك إذا بني من مال حرام، وفي أرض مغصوبة، أو غُصب فيه البناؤون.
ولعلهم إنما ذموا البناء لأنه كان من مال المُكْس والظلم، أو لأنه كان منهم طلباً للخلود وأملاً للبقاء كما يدل عليه قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]؛ أي: راجين للخلود؛ وهذا أقرب الاحتمالات.
وفي حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، رفعه: "مَنْ بَنَى فَوْقَ مَا يَكْفِيْهِ كُلِّفَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ يَحْمِلَهُ" رواه الطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم (١).
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ بَنَى بِنَاءً أَكْثَرَ مِمَّا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كَانَ وَبَالاً عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ" (٢).
وقال: قال رسول الله ﷺ : "كُل بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَىْ صَاحِبِهِ يَوْمَ
стр. 3394
الْقِيَامَةِ إِلاَّ مَسْجِدًا" (١). رواهما البيهقي في "الشعب".
بل روى أبو داود، وغيره عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ خرج يوماً ونحن معه فرأى قبة مشرقة، فقال: "مَا هَذه؟ ".
فقال أصحابه: هذه لفلان؛ رجل من الأنصار.
فسكت وحملها في نفسه، حتى إذا جاء صاحبها رسولَ الله ﷺ سلم عليه في الناس، فأعرض عنه -صنع ذلك مراراً - حتى عرف الرجل الغضب فيه والإعراض عنه، فشكا ذلك إلى الصحابة، فقال: والله إني لأنكر رسول الله ﷺ .
قالوا: خرج فرأى قبتك.
فرجع الرجل إلى قبته فهدمها حتى سوَّاها بالأرض.
فخرج رسول الله ﷺ فلم يرها، فقال: "مَا فَعَلَتِ الْقُبَّةُ؟ "
قالوا: شكا إلينا صاحبها إعراضك عنه، فأخبرناه فهدمها.
فقال: "أَمَا إِنَّ كُلَّ بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَىْ صَاحِبِهِ إِلاَّ مَا لاَ، إلا ما لا" (٢).
أي: إلا ما لا بُدَّ لِلإنسَانِ مِنْهُ مِمَّا يَسْتُرُهُ مِنَ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، وَيمْنَعُهُ مِنَ السُّرَّاقِ وَالسِّبَاعِ، وَنَحْوَ ذَلِكَ.
وروى الطبراني في "الكبير" بسند حسن، عن خباب بن الأرت
стр. 3395
رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "كُلُّ نَفَقَةٍ يُنْفِقُهَا الْعَبْدُ يُؤْجَرُ فِيْهَا إِلاَّ الْبُنْيَانُ" (١).
واستثناء البنيان من النفقة دليل على إباحته في الأصل؛ لأن الإنفاق إنما يكون في الخير، فأما في الشر فيقال: خسرت وغرمت.
وروى البيهقي في "الشعب" عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى -مرسلأ - قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ نَفَقَةٍ يُنْفِقُهَا الْمُسْلِمُ يُؤْجَرُ فِيْهَا عَلَىْ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ، وَعَلَى صَدِيْقِهِ، وَعَلَى بَهِيْمَتِهِ إِلاَّ فِيْ بِنَاءٍ إِلاَّ بِنَاءَ مَسْجِدٍ يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ" (٢).
وروى أبو نعيم عن إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كل نفقة ينفقها العبد فإنه يؤجر عليها إلا بناء المسجد.
قال ابن حمزة: فقلت لإبراهيم: أرأيت إنما كان بناء كفافاً؟
قال: لا أجر، ولا وزر (٣).
وكلامه محمول على ما لو تجرد عن النية؛ فإن اقترن بنية صالحة كإيواء العيال وسترهم ففيه أجر.
стр. 3396
وفي معنى بناء المسجد بناء مدارس العلم، ودور القرآن، والحديث، وخوانق الفقراء، والربط وبناء الحصون للرابطة، وبناء الخانات على طرق المسلمين لإيواء المسافرين وأبناء السبيل؛ فإن كل ذلك مما فيه أجر عظيم باق لبانيه بعد موته ما دام منتفعاً به.
فإن كان بناؤه هذا بنية فاسدة كالمباراة والمراباة، وبناء الحصون لمناداة المسلمين، والاستعماء عليهم، وتحصين من يخرج عليهم، أو للتجبر ونحوه، كان حراماً.
وكذلك بناء الخمارات وبيوت القمار.
فأما بناء بيوت القهوات فإنه مباح كالأسواق، لكنه مكروه شديد الكراهة لِمَا استقر عليه أمر كثير ممن يدخلها من الإكباب على اللعب، والتعرُّض للمُرد، والمواعدة على السوء، والاجتماع عليه، فإنْ بنيت بهذه النية كان بناؤها محرماً قطعاً؛ فإنما الأعمال بالنيات.
وما أشبه ذلك بحال عاد المعبر عنه بقوله تعالى حكاية عن هود ﵇ مخاطباً لهم: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩].
وقد أحسن الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في قوله: [من الطويل]
خَلِيْلَيَّ وَلَّى الْعُمْرُ مِنَّا وَلَمْ نَتُبْ ... وَننوِي فِعالَ الصَّالِحِيْنَ وَلَكِنَّا
وَحَتَّى مَتَى نَبْنِي قُصُوراً مَشِيْدَةً ... وَأَعْمارُنا مِنَّا تُهَدُّ وَما تُبْنا
стр. 3397
وقلت: [من البسيط]
يا بانِياً فَوْقَ ما يَكْفِيْهِ عَنْ أَملٍ ... وَقَدْ أَعَدَّ صُنُوْفَ الزَّهْرِ وَالْبانِ
عَمَّا قَلِيْلٍ تَرَى الأَزْهارَ ذاوِيَة ... وَعَنْ قَلِيْل تَبِيْدُ الدَّارُ وَالبانِي
لا يَمْنَعَنَّكَ مِنْ أَيْدِي الْحِمامِ حِمًى ... وَلَوْ بَنَيْتَ حُصُوناً فَوْقَ ذِي الْبانِ
وَإِنْ تَقُلْ أَجْمَعُ الدُّنْيا وَآخِرَة ... فَلَسْتَ ثَمَّ وَهلْ لِلْمَرْءِ قَلْبانِ
إِنَّ الَّذِي طَلَب الدُّنْيا وَفَرَّطَ فِي ... أُخْراهُ يَلْحَقْهُ بِالْمَوْتِ سلبانِ
دُنياهُ فارَقَها أُخْراهُ ضَيَّعَها ... وَلَيْسَ يُجْدِيْهِ شَيئاً حَزْقُ أَسْنانِ
إِنَّ الأَريبَ الَّذِي يَسْعَى لآخِرَةٍ ... تَبْقَى لَهُ غَيْرَ نظَّارٍ إِلَى الْفانِي
وقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] سبق تفسيره عن مجاهد.
وقال في "القاموس": بطش به، يبطِش، ويبطُش: أخذه بالعنف والسطوة؛ كأبطشه.
أو البطش: الأخذ الشديد في كل شيء، والبأس. والبطيش: الشديد البطش (١).
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: روى مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه الضرب بالسياط (٢).
стр. 3398
قال القرطبي: والبطشة تكون باليد، وأقله الوَكْز والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد؛ والكل مذموم إلا بحق.
قال: والآية نزلت خبراً عن من تقدم من الأمم، ووعظاً من الله تعالى في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم.
إلى أن قال: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثير من هذه الأمة لا سيما بالديار المصر منذ وليتها البحرية، فيبطشون بالناس بالسوط والعصا في غير حق (١).
قال: وقد أخبر النبي ﷺ أن ذلك يكون كما في "صحيح مسلم" رحمه الله تعالى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمْ؛ قَوْم مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْناَبِ الْبَقَرِ يَضْرِبُوْنَ بِهَا النَّاسَ، وَنسَاءٌ كَاسِياتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلات مُمِيْلاتٌ رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيْحَهَا؛ وَإِنَّ رِيْحَهَا لَيُوْجَدُ مِنْ مَسِيْرَةِ كَذَا وَكَذَا" (٢).
قلت: وفي "صحيح مسلم" أيضاً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "يُوْشَكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَنْ تَرَى قَوْمًا
стр. 3399
بِأَيْدِيْهِمْ مِثْلُ أَذْناَبِ الْبَقَرِ؛ يَغْدُوْنَ فِيْ غَضَبِ اللهِ، وَيْرُوحُوْنَ فِي سَخَطِ اللهِ" (١).
وقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥].
وفي هذه الآية أنه كان من أخلاقهم نسيان الله وقوته وسطوته، والغفلة عنه وعن انتقامه؛ فليحذر العبد من مثل غفلتهم ونسيانهم، ولا يأمن من مكر الله تعالى.
وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه قال: كنت أضرب غلاماً لي بالسَّوط، فسمعت صوتاً من خلفي، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: "اعْلَمْ أَبَا مَسْعُوْدِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلامِ".
فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً.
وفي رواية: فقلت: يا رسول الله! هو حرٌّ لوجه الله تعالى.
فقال: "لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ" (٢).
стр. 3400
١٠ - ومن أخلاق عَاد: تسفيه ذوي الأحلام والعقول، وتجهيل أهل العلم، وتخطئة أهل الصواب .
ألا ترى إلى قولهم لهود ﵇: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦].
وفي ذلك من الجرأة على الأكابر وسوء الأدب في الخطاب ما لا يخفى.
والسفاهة والسفاه -بالفتح -، والسفه -بالتحريك -: خفة الحلم، أو نقيضه، أو الجهل.
ويقال: سفه نفسه ورأيه -بالتثليث-؛ أي: حمله على السفه.
والسفيه: الذي يسيء التصرف في ماله بالتبذير لجهله، وخفة عقله.
وقال في "الصحاح": سفه فلان -بالضم - سفاهاً، وسفاهة، وسفه -بالكسر- سفَهاً، لغتان؛ أي: صار سفيهاً (١).
فإذا قالوا: سفه نفسه، وسفه رأيه لم يقولوا إلا بالكسر؛ لأن فعُل -أي: المضموم - لا يكون متعدياً.
ومن العجب أن السفيه يرى العارف العاقل سفيهاً فيرميه بما هو متصف به.
وجواب هود ﵇ لقومه أحكم جواب حيث يقول: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ