← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.

стр. 3396

وفي معنى بناء المسجد بناء مدارس العلم، ودور القرآن، والحديث، وخوانق الفقراء، والربط وبناء الحصون للرابطة، وبناء الخانات على طرق المسلمين لإيواء المسافرين وأبناء السبيل؛ فإن كل ذلك مما فيه أجر عظيم باق لبانيه بعد موته ما دام منتفعاً به. فإن كان بناؤه هذا بنية فاسدة كالمباراة والمراباة، وبناء الحصون لمناداة المسلمين، والاستعماء عليهم، وتحصين من يخرج عليهم، أو للتجبر ونحوه، كان حراماً. وكذلك بناء الخمارات وبيوت القمار. فأما بناء بيوت القهوات فإنه مباح كالأسواق، لكنه مكروه شديد الكراهة لِمَا استقر عليه أمر كثير ممن يدخلها من الإكباب على اللعب، والتعرُّض للمُرد، والمواعدة على السوء، والاجتماع عليه، فإنْ بنيت بهذه النية كان بناؤها محرماً قطعاً؛ فإنما الأعمال بالنيات. وما أشبه ذلك بحال عاد المعبر عنه بقوله تعالى حكاية عن هود ﵇ مخاطباً لهم: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٩]. وقد أحسن الحافظ أبو الفضل ابن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى في قوله: [من الطويل] خَلِيْلَيَّ وَلَّى الْعُمْرُ مِنَّا وَلَمْ نَتُبْ ... وَننوِي فِعالَ الصَّالِحِيْنَ وَلَكِنَّا وَحَتَّى مَتَى نَبْنِي قُصُوراً مَشِيْدَةً ... وَأَعْمارُنا مِنَّا تُهَدُّ وَما تُبْنا

стр. 3397

وقلت: [من البسيط] يا بانِياً فَوْقَ ما يَكْفِيْهِ عَنْ أَملٍ ... وَقَدْ أَعَدَّ صُنُوْفَ الزَّهْرِ وَالْبانِ عَمَّا قَلِيْلٍ تَرَى الأَزْهارَ ذاوِيَة ... وَعَنْ قَلِيْل تَبِيْدُ الدَّارُ وَالبانِي لا يَمْنَعَنَّكَ مِنْ أَيْدِي الْحِمامِ حِمًى ... وَلَوْ بَنَيْتَ حُصُوناً فَوْقَ ذِي الْبانِ وَإِنْ تَقُلْ أَجْمَعُ الدُّنْيا وَآخِرَة ... فَلَسْتَ ثَمَّ وَهلْ لِلْمَرْءِ قَلْبانِ إِنَّ الَّذِي طَلَب الدُّنْيا وَفَرَّطَ فِي ... أُخْراهُ يَلْحَقْهُ بِالْمَوْتِ سلبانِ دُنياهُ فارَقَها أُخْراهُ ضَيَّعَها ... وَلَيْسَ يُجْدِيْهِ شَيئاً حَزْقُ أَسْنانِ إِنَّ الأَريبَ الَّذِي يَسْعَى لآخِرَةٍ ... تَبْقَى لَهُ غَيْرَ نظَّارٍ إِلَى الْفانِي وقوله: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: ١٣٠] سبق تفسيره عن مجاهد. وقال في "القاموس": بطش به، يبطِش، ويبطُش: أخذه بالعنف والسطوة؛ كأبطشه. أو البطش: الأخذ الشديد في كل شيء، والبأس. والبطيش: الشديد البطش (١). وقال القاضي أبو بكر بن العربي: روى مالك عن نافع، عن ابن عمر ﵄: أنه الضرب بالسياط (٢).

стр. 3398

قال القرطبي: والبطشة تكون باليد، وأقله الوَكْز والدفع، ويليه السوط والعصا، ويليه الحديد؛ والكل مذموم إلا بحق. قال: والآية نزلت خبراً عن من تقدم من الأمم، ووعظاً من الله تعالى في مجانبة ذلك الفعل الذي ذمهم به وأنكره عليهم. إلى أن قال: وهذه الأوصاف المذمومة قد صارت في كثير من هذه الأمة لا سيما بالديار المصر منذ وليتها البحرية، فيبطشون بالناس بالسوط والعصا في غير حق (١). قال: وقد أخبر النبي ﷺ أن ذلك يكون كما في "صحيح مسلم" رحمه الله تعالى عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمْ؛ قَوْم مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْناَبِ الْبَقَرِ يَضْرِبُوْنَ بِهَا النَّاسَ، وَنسَاءٌ كَاسِياتٌ عَارِيَاتٌ مَائِلات مُمِيْلاتٌ رُؤُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ، لا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلا يَجِدْنَ رِيْحَهَا؛ وَإِنَّ رِيْحَهَا لَيُوْجَدُ مِنْ مَسِيْرَةِ كَذَا وَكَذَا" (٢). قلت: وفي "صحيح مسلم" أيضاً عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "يُوْشَكُ إِنْ طَالَتْ بِكَ مُدَّةٌ أَنْ تَرَى قَوْمًا

стр. 3399

بِأَيْدِيْهِمْ مِثْلُ أَذْناَبِ الْبَقَرِ؛ يَغْدُوْنَ فِيْ غَضَبِ اللهِ، وَيْرُوحُوْنَ فِي سَخَطِ اللهِ" (١). وقال الله تعالى: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥]. وفي هذه الآية أنه كان من أخلاقهم نسيان الله وقوته وسطوته، والغفلة عنه وعن انتقامه؛ فليحذر العبد من مثل غفلتهم ونسيانهم، ولا يأمن من مكر الله تعالى. وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه قال: كنت أضرب غلاماً لي بالسَّوط، فسمعت صوتاً من خلفي، فلم أفهم الصوت من الغضب، فلما دنا مني إذا هو رسول الله ﷺ ، فإذا هو يقول: "اعْلَمْ أَبَا مَسْعُوْدِ أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا الْغُلامِ". فقلت: لا أضرب مملوكاً بعده أبداً. وفي رواية: فقلت: يا رسول الله! هو حرٌّ لوجه الله تعالى. فقال: "لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ، أَوْ لَمَسَّتْكَ النَّارُ" (٢).

стр. 3400

١٠ - ومن أخلاق عَاد: تسفيه ذوي الأحلام والعقول، وتجهيل أهل العلم، وتخطئة أهل الصواب . ألا ترى إلى قولهم لهود ﵇: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [الأعراف: ٦٦]. وفي ذلك من الجرأة على الأكابر وسوء الأدب في الخطاب ما لا يخفى. والسفاهة والسفاه -بالفتح -، والسفه -بالتحريك -: خفة الحلم، أو نقيضه، أو الجهل. ويقال: سفه نفسه ورأيه -بالتثليث-؛ أي: حمله على السفه. والسفيه: الذي يسيء التصرف في ماله بالتبذير لجهله، وخفة عقله. وقال في "الصحاح": سفه فلان -بالضم - سفاهاً، وسفاهة، وسفه -بالكسر- سفَهاً، لغتان؛ أي: صار سفيهاً (١). فإذا قالوا: سفه نفسه، وسفه رأيه لم يقولوا إلا بالكسر؛ لأن فعُل -أي: المضموم - لا يكون متعدياً. ومن العجب أن السفيه يرى العارف العاقل سفيهاً فيرميه بما هو متصف به. وجواب هود ﵇ لقومه أحكم جواب حيث يقول: ﴿يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ

стр. 3401

رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾ [الأعراف: ٦٧ - ٦٨]. لم يقل أنتم السفهاء، أو ليست السفاهة إلا فيكم لما في هذا الجواب من الإيحاش في الخطاب المتسبب عن الضجر، وقلة الصبر المخالف للنصيحة. والعاقل لا ينبغي أن يقابل سفه السفيه وجهل الجاهل بمثله، بل يغضي ويحلم، كما قال الله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. هذا ما دام في مقام النصيحة والدَّعوة، فإذا كان في مقام الولاية والعدل بين المتحاكمين إليه لم يكن منه إلا تأديب الظَّالم ونصر المظلوم من غير زيادة على استيفاء الحق. وليس من هذا قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٣] في جواب قولهم: ﴿أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ﴾ [البقرة: ١٣] لأن هذا إجابة من الله تعالى عن رسوله ﷺ ، ورد عنه ونصرة له، فاللائق أن يكون جواباً رادعاً لهم، زاجراً مفصحاً عن جهلهم بالمبالغة فيه؛ فإن الجاهل بجهله الجازم بخلاف ما هو الواقع أعظم ضلالة وأتم جهالة من المتوقف المعترف بجهله؛ فإن هذا ربما يعذر وينتفع بما ينذر. وبالجملة فليس بعد ظلمة الجهل ظلمة، إلا أن الجاهل بجهله في ظلمات بعضها فوق بعض بخلاف الحاس به؛ فإنه يلتمس النور،

стр. 3402

وذاك يقتبس من الظلمة ظلمة يحسها نوراً. ولقد لطف الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في قوله: [من الوافر] وَمَنْزِلَةُ الْفَقِيْهِ مِنَ السَّفِيْهِ ... كَمَنْزِلَةِ السَّفِيْهِ مِنَ الْفَقِيْه فَهَذا زاهِد فِي عِلْمِ هَذا ... وَهَذا مِنْهُ أَزْهَدُ مِنْهُ فِيْهِ (١) وفي الحديث: "إِنَّمَا يَعْرِفُ الْفَضْلَ مِنَ النَّاسِ أُوْلُو الْفَضْلِ" (٢). عَزْلٌ للجاهل عن إدراك حقيقة العلم ومقام أهله، وشوف العقل وكرم أهله. [من البسيط] قَدْ تُنْكِرُ الْعَيْنُ ضَوْءَ الشَّمْسِ مِنْ رَمَدٍ ... وَيُنْكِرُ الْفَمُ طَعْمَ الْماءِ مِنْ سَقَمِ وإنكار الفضل حرمان، والكِبر عن قول الحق خذلان، وسوء الأدب تعرض للعطب.

стр. 3403

١١ - ومن أخلاقهم وأعمالهم: البطر، والإكباب على اللهو واللعب، وشرب الخمر، واستماع الغناء، واتخاذ القِيان . قد حكي في قصتهم أنه لمَّا قحط المطر عندهم وجهدوا قالوا: جهزوا وفداً منكم إلى مكة ليستقوا لكم، فبعثوا ثلاثة من أعيانهم يقال لهم: قيل بن عَنز، ولقيم بن هزال، وعسل بن جند، فانطلقوا ومع كل واحد منهم رهط من قومه، حتى بلغ عدد وفدهم سبعين رجلاً، فنزلوا على معاوية بن بكر خارج مكة، وكانوا أخواله وأصهاره، فأنزلهم وكرمهم، فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمر، وتغنيهم قينتان لمعاوية يقال لهما: الجرادتان، وكان مسيرهم شهراً أيضاً، فلما رأى معاوية بن بكر طول مقامهم، وقد بعثهم قومهم يتغوثون من البلاء الذي أصابهم، واستحيى أن يأمرهم بالخروج إلى ما بعثوا إليه وهم أضيافه، قال شعراً، وأمر الجرادتين أن تغنياه وهم يسمعون: [من الوافر] أَلا يا قِيْلُ ويحَكَ قُم فَهَيْنِمْ ... لَعَل اللهَ يُصْحِبَنا غَماما فَيَسْقِيْ أَرْضَ عادٍ إِنَّ عاداً ... قَدْ اَمْسَوْا ما يَبِيْنُونَ الْكَلاما منَ الْعَطَشِ الشَّدِيْدِ فَلَيْسَ نرجُو ... بِهِ الشَّيْخَ الْكَبِيْرَ وَلا الْغُلاما وَإِنَّ الْوَحْشَ تَأْتِيْهِمْ جَهاراً ... وَلا يَخْشَى لِعادِيٍّ سِهاما وَأَنْتُمْ هَاهُنا فِيْما اشْتَهَيْتُمْ ... نَهارَكُمْ وَلَيْلَكُمُ التَّماما فلمَّا غنتهم الجرادتان بذلك تنبهوا، ودخلوا الحرم، فاستقوا

стр. 3404

لقومهم، فكان جواب دعائهم أن بعث الله تعالى عليهم الريح العقيم (١). وروى أبو داود عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ كان يصوم، فتحينت فطره بنبيذ، فوضعته في دُبَّاء، ثم أتيته فقال: "اضْرِبْ بِهَذَا الْحَائِطَ؛ فَإِنَّ هَذَا شَرَابُ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ" (٢). وروى أبو يعلى عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "يَبِيْتُ قَوْمٌ مِنْ هَذهِ الأُمَّةِ عَلَىْ طَعَامٍ وَشَرَابٍ لَهُمْ، فَيُصْبِحُوْنَ قِرَدَةً وَخَنَازيرَ، وَلَيُصِيْبَنَّهُمْ خَسْفٌ وَقَذْفٌ، فَيَقُوْلُوْنَ: لَقَدْ خُسِفَ اللَّيْلَةَ ببنِي فُلانٍ، وَخَسَفَ اللهُ بِبَنِي فُلانٍ، وَلَيُرْسِلَنَّ عَلَيْهِمُ الرِّيْحَ الْعَقِيْمَ الَّتِي أَهْلَكَتْ عَادًا بِشُرْبِهِمُ الْخَمْرَ، وَأَكْلِهِمُ الرِّبَا، وَاتّخَاذِهِمُ الْقَينَاتِ، وَلُبْسِهِمُ الْحَرِيْرَ، وَقَطْعِهِمُ الأَرْحَامَ" (٣). قلت: وفي هذا الحديث إشارة إلى أن هذه المعاصي قديمة في الأمم؛ لأنه أخبر أن ممن يتعاطاها من يعذب بما عذبت به الأمم السَّالفة من مسخ، أو خسف، أو قذف، أو ريح عقيم بسبب هذه

стр. 3405

المعاصي بأعيانها، وهي في شريعتنا كبائر. ١٢ - ومن أعمال عاد، وأخلاقهم: الكيد . وحقيقته إظهار المحبة والقبول، أو الإعراض عن قصد الكيد لمحبة أو غيرها، وإضمار السوء في طي ذلك ولو مآلاً. قال الله تعالى حكاية عن هود ﵇: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ﴾ [هود: ٥٤ - ٥٥]. وهو أمر تهديد، وفيه إيماء إلى أنهم كان لهم كيد يقصدونه به، وإن كانوا يخالطونه بالمسالمة في كثير من الأحيان. * تَنْبِيْهٌ: وصف نوح ﵇ قومه بالمكر، وهود ﵇ قومه بالكيد، وهل بينهما فرق؟ والظاهر في الفرق أن المكر يكون مع إظهار المحبة، وإظهار البغض والعداوة؛ فإن هذا كان حال قوم نوح معه، والكيد لا يكون مع إظهار البغض، ومن هنا وصف النساء بالكيد، وكان منهن أبلغ، ووصفت إخوة يوسف ﵇ بالكيد دون المكر. وإنما قال تعالى حكاية عن امرأة العزيز: ﴿فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ﴾ [يوسف: ٣١]، فوصفن بالمكر بالنسبة إلى ما فعلن معها من قولهن: ﴿امْرَأَتُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ﴾ [يوسف: ٣٠] إلى آخره.

стр. 3406

فكان ذلك غيبة لها أو لوماً، وذلك يكون في الغالب مع البغض؛ فإنه مناقض للمودة، وإنما أردن بذلك الحيلة في التوصل إلى مشاهدة يوسف، ومطالعة جماله. ومن هنا قال يوسف ﵇ حين كوشف بحالهن: ﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٣) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: ٣٣ - ٣٤]. وفي ذلك إشارة إلى أن الدعاء من أنفع شيء يصرف الكيد عن المكيد، وقد حفظ الله تعالى يوسف ﵇ من كيد إخوته، ثم من كيد النسوة، إلا أنه صرف عنه كيدهن بطلب منه، وكيد إخوته بلا طلب؛ لأن كيدهم له كان بمحض الظلم، والله تعالى أولى بنصرة المظلوم وإن لم يسأل النصر، وكيد النسوة لم يكن محض ظلم، وإنما بعثهن عليه الشهوة والطمع. ووجه آخر: وهو أن يوسف ﵇ خشي على نفسه من كيد النساء لأنه يعلم أن الشهوة آخذة إليهن، فاستغاث بربه حتى طلب صرف كيدهن عنه ولو بالسجن، ولم يسأله أن يصرف عنه كيد إخوته مع قول أبيه له: ﴿لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [يوسف: ٥] لِمَا علم أن كيد الإخوة يكون بمجرد إغواء الشيطان، وكيد الشيطان ضعيف، مع أن شفقة الإخوة وازعة عن الكيد في الجملة فاعتمد عليها، فلم يطلب النجاة من

стр. 3407

كيدهم، وكيد النساء عظيم لأن الباعث عليه الشهوة من قبلهن، ومن قبل من يكدنه؛ فافهم! وقد يفرق بين المكر والكيد بأن الكيد يكون مع الضعف والقوة، والمكر لا يكون إلا مع القوة. ومن هنا وصفت النسوة حين قلن عن امرأة العزيز ما قلن بالمكر؛ لأنهن لم يقلن ذلك حتى اجتمعن، وكن كما روي أربعين امرأة، وما كانت واحدة منهن تستطيع أن تقول ذلك لولا تقويهن بالاجتماع. والكيد في نفسه قبيح، وعاقبته وخيمة إذا كان في التوصل إلى ما لا يرضى به الله من خيانة، أو ضرر لمسلم. ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ﴾ [يوسف: ٥٢]. وقال تعالى حكاية عن مشركي مكة: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيْدًا (١٦) فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا﴾ [الطارق: ١٥ - ١٧]. وقال تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيْدٌ فَكِيدُونِ﴾ [المرسلات: ٣٨ - ٣٩]، أي: كما كنتم تكيدون أوليائي في الدُّنيا. وقال تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾ [الأعراف: ١٨٣]. وإنما اختير الكيد هنا دون المكر؛ لأن إسباغ النعم عليهم يوهمهم الرضا عنهم، فكان طي النقمة في النعمة أبلغ كيد بأبلغ آية.

стр. 3408

١٣ - ومن أخلاق عاد: الغفلة عن الموت والعقوبة، واستبعاد موعود الله تعالى . كما دل عليه قولهم لهود ﵇: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ٧٠]. وقال الله تعالى حكاية عنهم: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ [المؤمنون: ٣٦ - ٣٧]. تقدم عن زيد بن أسلم قال: كان في الزمن الأول يمضي أربعمئة سنة لم يسمع فيها بجنازة. قال بعض العلماء: كان هذا في زمن عاد. قلت: وليس حال من أملي له بحيث كان يمكث الزمن الطويل لا يرى جنازة لقلة من يموت بأعجب من أحوالنا، ونحن في كل يوم نرى أو نسمع بعدة موتى ولا نتعظ، ولا نستيقظ؛ فلا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون: [من مخلّع البسيط] لَوْ أَنَّنَا لا نَرَى وَنَسْمَعْ ... فِي كُلِّ يَوْمٍ يأتي بِمَصْرَعْ لَكانَ عُذْراً لَنا إِذا ما ... كانَ لَنا فِي الْبَقاءِ مَطْمَعْ لَكِنَّما الْمَوْتُ كُلَّ يَوْمٍ ... يُؤْوِي الْوَرَى فِي الثَّرى وَيَجْمَعْ وَإِنّنَا غافِلُوْنَ عَمَّا ... قَدْ هَدَّ مِنا الْقُوى وَأَوْجَعْ حتامَ نَرْعَوِي وَحَتَّا ... م نُطِعْ رَبَّنا وَنخْشَعْ

стр. 3409

إِنَّ لَنا أَنْ نَرى اشْتِغالاً ... بِاللهِ عما سِواهُ أَنْفَعْ الْحَمْدُ لِلَّهِ إِنَّ عَبْداً ... أَوَى حِماهُ هُوَ الْمُمَنَعْ ومن لطائف الآثار: ما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب "قصر الأمل"، وابن حبان في كتاب "الثقات"، وأبو نعيم من طريقه عن أبي عبيدة الباجي قال: دخلنا على الحسن رحمه الله تعالى في مرضه الذي مات فيه، فقال: مرحباً بكم وأهلاً، وحياكم الله بالسَّلام، وأدخلنا وإياكم دار المقام، هذه علانية حسنة، إن صبرتم وصدقتم، وأيقنتم فلا يكن حظكم من هذا الخير أن تسمعوه بهذه الأذن وتخرجوه من هذه الأذن؛ فإنه من رأى محمداً ﷺ فقد رآه غادياً ورائحاً، لم يضع لبنة على لبنة، ولا قصبة على قصبة، ولكن رفع له علم فشمر إليه، الوَحَاءَ الوَحَاءَ، النَّجَاءَ النَّجَاءَ علامَ تعرجون، أنتم ورب الكعبة كأنكم والأمر معاً، رحم الله عبداً جعل العيش عيشاً واحداً، وأكل كسرة، ولبس خَلِقاً، ولزق بالأرض، واجتهد في العبادة، وبكى على الخطيئة، وهرب من العقوبة، وابتغى الرحمة حتى يأتي أجله وهو على ذلك (١). ١٤ - ومن أخلاق عاد: انتظار المحبوب والثواب اعتماداً على حسن الظن بالنفس، ونسيان العقوبة على سوء العمل . ألا ترى حال عاد حين قالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤].

стр. 3410

وأنشد الدينوري في المجالسة لبعضهم: [من الوافر] رَأَيْتُ سَحابَةً وَظَنَنْتُ غَيْثاً ... وَأَغْفَلْتُ الَّذِي صَنَعْتَ بِعادِ (١) وروى الإمام الشافعي رحمه الله تعالى في "الأم" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما هبت ريح إلا جثا النبي ﷺ على ركبتيه، وقال: "اللهُمَّ اجْعَلْهَا رَحْمَةً وَلا تَجْعَلْهَا عَذَابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا رِياحًا وَلا تَجْعَلْهَا رِيْحًا". قال ابن عباس ﵁: في كتاب الله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ [القمر: ١٩]. و﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ [الذاريات: ٤١]. وقال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]. ﴿أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ [الروم: ٤٦] (٢). وروى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان إذا رأى ناشئاً في أفق السماء ترك العمل -وإن كان في صلاة - ثم يقول: "اللَّهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا". فإن مُطِرَ قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ صَيِّبًا هَنِيًّا" (٣).

стр. 3411

وفي "صحيح مسلم" عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا عصفت الريح قال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا فِيْهَا، وَأَعُوْذُ بِكَ مِنْ شَرِّهَا وَشَرِّ مَا فِيْهَا، وَشَرِّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ" (١). وروى أبو داود، وابن ماجه بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الرِّيْحُ مِن رَوْحِ اللهِ تَعَالَى، تَأْتِي بِالرَّحْمَةِ وَتَأْتِي بِالْعَذَابِ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوْهَا فَلا تَسُبُّوْهَا، وَاسْأَلوْا اللهَ خَيْرَهَا، وَاسْتَعِيْذُوْا بِاللهِ مِنْ شَرِّهَا" (٢). وروى ابن السني بإسناد صحيح، عن سلمة بن الأكوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا اشْتَدَّتِ الرِّيْحُ فَقُوْلُوا: اللَّهُمَّ لَقْحًا لا عَقِيْمًا" (٣). واللقح: الحاملة للماءِ؛ كاللقحة من الإبل. والعقيم: التي لا ماء فيها كالعقيم من الحيوانات، وهي التي لا تلد. وسب الريح مكروه؛ لأنها مرسلة بإرسال الله تعالى؛ تكون رحمة، وتكون عذاباً.

стр. 3412

١٥ - ومن أخلاق عاد: مكابرتهم، وتصميمهم على ما كانوا عليه من المعاصي مع مشاهدة الآيات، وملاحظة العقوبة، وعدم اتعاظهم بها . كما تقدم أنهم لما جاءتهم الريح أخذ بعضهم بيد بعض، وجعلوا يشتدون، وأركزوا أقدامهم في الأرض، وقالوا لهود: من يزيل أقدامنا؟ فاقتلعتهم الريح. فينبغي للإنسان إذا شاهد شيئاً من آيات الله تعالى من الرعد والبرق، والزلازل، واشتداد الرياح، والكسوف والخسوف، وغير ذلك أن يلزم الخوف والوَجَل، ويسأل الله تعالى أن يعيذه ويعافيه؛ فإن هذا هو المطلوب بإرسال الآيات كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء: ٥٩]. ولا ينبغي له أن يعرض عن ذلك؛ فإن من أري الآية ليتأثر بها فلم يتأثر فقد ألحق نفسه بالجمادات، بل بالشياطين. بل يؤمن بالذي تقوم السماء والأرض بأمره، يبدل الأرض غير الأرض والسموات، وينسف الجبال نسفاً، ويسيِّرها فتكون سرابًا، فيعلم أنه قادر على كل ممكن، وعقوبة المعاصي من الممكنات المتكررات، فيخاف ويخشى، ويتعظ ويرعوي، ويتيقظ ويستوي. وقد روى ابن أبي شيبة عن شهر رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: زلزلت المدينة على عهد رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ رَبَّكُم يَسْتَعْتِبُكُمْ

стр. 3413

فَأعْتِبُوْهم" (١)؛ أي: يطلب منكم العُتبى؛ يعني: الرجوع إلى ما يرضيه. وروى البزار عن سمرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ مِنْكُمْ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ يَسْتَعْتِبُ بِهَا عِبَادَهُ لِيَنْظُرَ مَنْ يَخَافُهُ وَمَنْ يَذْكُرُهُ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَافْزَعُوا إِلَى ذِكْرِ اللهِ تعالى" (٢). وروى الشيخان عن المغيرة، والنسائيُّ عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنهم: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ الشَّمْسَ وَالْقَمْرَ لا يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتِ أَحَدٍ وَلا لِحَيَاتِهِ، وَلَكِنَّهُمَا آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ يُخَوِّفُ بِهِمَا عِبَادَهُ؛ فَإِذَا رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَصَلُّوا وَادْعُوا رَبَّكُمْ حَتَّى يَكْشِفَ مَا بِكُمْ" (٣). وروى الإمام أحمد، والبخاري في "الأدب المفرد"، والترمذي، والنسائي، والحاكم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا سمع الرعد والصواعق قال: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنَا بِغَضَبِكَ، وَلا تُهْلِكْنَا بِعَذَابِكَ، وَعَافِنَا قَبْلَ ذَلِكَ" (٤).

стр. 3414

زاد النسائي: وقال: "سُبْحَانَ الَّذِيْ يُسَبحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ، وَالْمَلائِكَةُ مِنْ خِيْفَتِهِ". ثم يقول: "إِنَّ هَذَا الْوَعِيْدَ لأَهْلِ الأَرْضِ شَدِيْدٌ" (١). وروى الحاكم وصححه على شرط الشيخين، عن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ قط مستجمعاً ضاحكاً حتى أرى منه لَهَواته، إنما كان يبتسم. قالت: وكان إذا رأى غيماً أو ريحاً عُرِف في وجهه الكراهة، فقلت: يا رسول الله! الناس إذا رأوا الغيم فرحوا أن يكون فيه المطر، وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهة؟ فقال: "يَا عَائِشَةُ! مَا يُؤْمِنُنِي أَنْ يَكُوْنَ فِيْهِ عَذَابٌ؟ قَدْ عُذِّبَ قَوم بِالرِّيْحِ، وَقَدْ أتى قَوْمًا الْعَذَابُ"، وتلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٤] (٢). والأحاديث في هذا الكتاب كثيرة. والحاصل من ذلك أن من رأى من آيات الله تعالى العظيمة شيئاً يثبغي له أن يذكر الله تعالى ويخافه، ويتوب إليه، ويرجع عما كان عليه لينجو بما نجا هود ﵇ ومن كان معه من قومه، كما روى

стр. 3415

الدينوري عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: لما أرسل الله تعالى الريح على عاد اعتزل هود ﵇ ومن معه من المؤمنين في حظيرة، ما يصيبهم من الريح إلا ما تلين به جلودهم وتلتذه الأنفس، وإنها لتمر بالعادي فتحمله بين السماء والأرض، وتدمغه بالحجارة (١). وكذلك نجَّا قوم يونس بالإيمان والتوبة عند رؤية الآية التي أنذرهم بها ﵇ كما قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨]. فإن أصر وتمادى في الضلال والعتو والعناد فقد هلك مع الهالكين، كما هلك قوم نوح وقوم هود في قرون آخرين. * تَتِمَّةٌ: من لطائف الآثار ما رواه الخِلَعِي في "فوائده" عن الهيثم بن عدي قال: أتي الحجاج بن يوسف برجل من الخوارج، فدخل عليه والحجاج يتغدى، فجعل الخارجي ينظر إلى حيطانه وما قد نجد، فجعل يقول: اللهم اهدم، اللهم اهدم، اللهم اهدم. فقال له الحجاج: هيه! كأنك لا تدري ما يراد بك؟ فقال للحجاج: هيه! نزع الله ماضغيك، وما عليك لو دعوتني إلى طعامك؟ أما إن فيك ثلاث خصال مما نعت الله به عاداً؛ فقال: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩) وَإِذَا

стр. 3416

بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشراء: ١٢٨ - ١٣٠]. فامتلأ الحجاج غيظاً، فأمر بقتله، فأخرجه الحرس إلى الرحبة ليقتلوه، فقال: دعوني أتمثل بثلاثة أبيات. فقالوا: تمثل بما شئت. فأنشأ يقول: [من المنسرح] ما رَغْبَةُ النَّفْسِ فِي الْحَياةِ وَإِنْ ... عاشَتْ طَوِيلاً وَالْمَوْتُ لاحِقُها أَوْ أَيْقَنَتْ أَنَّها لا تَعُوْدُ كَما ... كانَ بَراها بِالأَمْسِ خالِقُها إِنْ لا تَمُتْ غِبْطَةً تَمُتْ هَرَماً ... لِلْمَوْتِ كَأْسٌ فَالْمَرْءُ ذائِقُها ثم مد عنقه فضربت، فانصرف قاتلوه إلى الحجاج فأخبروه بقوله، فقال: لله دره ما كان أصرمَه في حياته، وعند وفاته. وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "العقوبات" عن يحيى بن يعلى رحمه الله تعالى قال: قال هود ﵇ لقومه لما عبدوا الأصنام وعملوا بالمعاصي: يا قوم! إني بعثة الله إليكم، وزعيمه فيكم، فاتقوه بطاعته، وأطيعوه بتقواه؛ فإن المطيع لله يأخذ من نفسه لنفسه بطاعة الله رضا اللهِ، وإن العاصي له يأخذ من نفسه لنفسه بمعصية الله سَخَطَ اللهِ، وإنكم من أهل الأرض، والأرض تحتاج إلى السماء، والسماء تستغني عن الأرض، فأطيعوا الله تستطيبوا حياتكم وتأمنوا ما بعدها، وإن الأرض العريضة تضيق عن البعوضة بسخط الله. وفي المعنى قلت: [من المديد]

стр. 3417

إِيَّاكَ عِصْيانَ مَنْ تَعالَى ... تَكُنْ بِعِصْيانِهِ بَغِيْضَه فَالأَرْضُ مَعْ أَنَّها عَرِيْضَةٌ ... تَضِيْقُ بِالسُّخْطِ عَنْ بَعُوْضَه وقال المعافى بن زكريا في "الأنيس والجليس": حدثنا محمد ابن القاسم الأنباري، حدثني أبي قال: سمعت أحمد بن عبيد، عن المدائني قال عبد الملك بن عمير: عن رجل من أهل اليمن قال: أقبل سيل باليمن في ولاية أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، فأبرز لنا عن باب البلق وهو الرخام، فظنناه كنزاً، فكتبنا إلى أبي بكر نعلمه، فكتب إلينا: لا تحركوه حتى يقدم عليكم أمناء من قبلي، قال: فلما قدم أمناؤه فتحناه، فإذا نحن برجل على سرير طوله سبعة عشر ذراعاً، وعليه سبعون حلة منسوجة بالذهب، وفي يده اليمنى لوح، وفي يده اليسرى محجن، وفي اللوح مكتوب ما هذه ترجمته: [من الوافر] إِذا خانَ الأَمِيْنُ وَكاتِباهُ ... وَقاضِي الأَرْضِ داهَنَ فِي الْقَضاءِ فَوَيْلٌ ثُمَّ ويلٌ ثُمَ ويلٌ ... لِقاضِي الأَرْضِ مِنْ قاضِي السَّماءِ قال: وإذا عند رأسه سيف أشد خضرة من البقل، وعلى السيف مكتوب: هذا سيف هود بن عاد بن إرم (١). وروى أبو الشيخ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان

стр. 3418

عمر هود ﵇ أربعمئة سنة واثنتين وسبعين سنة (١). وروى ابن عساكر عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: ذكر الأنبياء ﵈ عند النبي ﷺ ، فلما ذكر هود ﵇ قال: "ذَاكَ خَلِيْلُ اللهِ" (٢). وفيه دليل على أن الخلة لم تختص بإبراهيم ﵇ -وإن كانت فيه أظهر-. أو كانت خلته بمظهر الرحمة، ومن هنا سمي خليل الرحمن. وثبت في "الصحيح": أن النبي ﷺ قال عن نفسه: "وَإنَّ صَاحِبَكُم خَلِيْلُ اللهِ" (٣). وروى الإمام أحمد، وأبو يعلى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما حج رسول الله ﷺ مرَّ بوادي عُسفان فقال: "لَقَدْ مَرَّ بِهِ هُوْدٌ وَصَالِحٌ عَلَىْ بَكَرَاتٍ حُمْرٍ، خُطُمُهُنَّ اللِّيْفُ، أُزُرُهُمُ الْعَبَاءُ، وَأَرْدِيَتُهُمُ النِّمَارُ، يُلَبُّونَ وَيَحُجُّوْنَ الْبَيْتَ الْعَتِيْقَ" (٤). وروى ابن عساكر عن ابن سابط قال: بين المقام والركن وزمزم

стр. 3419

قبر تسعة وسبعين نبيًّا، وإن قبر نوح، وهود، وشعيب، وصالح، وإسماعيل ﵈ في تلك البقعة (١). وروى البخاري في "تاريخه"، وابن جرير، وابن عساكر عن علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قبر هود ﵇ بحضرموت في كثيب أحمر، عند رأسه سدرة (٢). وروى ابن سعد، وابن عساكر عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة قال: ما يعلم قبر نبي من الأنبياء إلا ثلاثة: قبر إسماعيل ﵇؛ فإنه تحت الميزاب بين الركن والبيت. وقبر هود ﵇؛ فإنه في حقف تحت جبل من جبال اليمن عليه شجرة، وموضعه أشد الأرض حراً (٣). وروى ابن عساكر عن عثمان بن أبي العاتكة قال: قبلة مسجد دمشق قبرُ هود ﵇ (٤). وروى الزبير بن بكار في "الموفقيات" عن عبد الله بن عمرو بن

стр. 3420

العاص رضي الله تعالى عنهما قال: عجائب الدنيا أربعة: مرآة كانت معلقة بمنارة الإسكندرية، وكان يجلس الجالس تحتها فيبصر من القسطنطينية، وبينهما عرض البحر. وفرس كانت من نحاس بأرض الأندلس قائلاً بكفه كذا، باسطاً يده؛ أي: ليس خلفي مسلك، فلا يطأ تلك البلاد واحد إلا أكلته النمل. ومنارة من نحاس عليها راكب من نحاس بأرض عادة فإذا كانت الأشهر الحرم هطل منها الماء فشرب الناس، وسقوا وصبوا في الحياض، فإذا انقطعت الأشهر الحرم انقطع ذلك الماء. وشجرة من نحاس عليها سودانية من نحاس بأرض رومية؛ إذا كان أوان الزيتون صفرت السودانية التي من نحاس، فتجيء كل سودانية من الطيارات بثلاث زيتونات؛ زيتونتين برجليها، وزيتونة بمنقارها، حتى تلقيه على تلك السودانية النحاس، فيعصر أهل رومية ما يكفيهم لإدامهم وسرجهم شتويتَهم إلى قابل (١).

стр. 3421

(٥) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِثَمُوْدَ

стр. 3422

(٥) بَابُ النَّهْي عَنِ التَّشَبُّهِ بِثَمُوْدَ وكانوا أول من هلك بطاعة النساء. قال الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ [الإسراء: ٥٩]. وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: ٧٣] الآيات. وكان صالح ﵇ أخاهم في النسب لا في الدِّين. وذكر ابن إسحاق، وغيره: أن عاداً لما هلكت وتقضَّى أمرها، عمِّرت ثمود بعدها، واستخلفوا في الأرض، فنموا فيها، وكثروا وعمروا حتَّى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل منهم حي، فلما رأوا ذلك اتخذوا من الجبال بيوتاً، وكانوا في سعة من معاشهم، فعتوا عن أمر ربهم، وأفسدوا في الأرض، وعبدوا غير الله تعالى، فبعث الله إليهم صالحاً ﵇ وهو شاب، فدعاهم إلى الله حتى شمط لا يتبعه منهم إلا قليل مستضعفون، فلما ألح عليهم بالدعاء والتبليغ، وأنذرهم وَحذرهم، سألوه أن يريهم آية، فقال لهم: أي آيَة تريدون؟

стр. 3423

قالوا: تخرج معنا غداً إلى عيدنا -وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة- تدعو إلهك، وندعو آلهتنا؛ فإن استجيب لك اتبعناك. فقال لهم صالح: نعم. فخرجوا، فدعَوا أوثانهم، وسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء مما يدعوبه. ثم قال قائلهم لصالح: ادع لنا ربك يخرجْ لنا من هذه الصخرة -عن صخرة منفردة في ناحية الحجر يقال لها: الكاثبة- ناقةً مخترجة؛ وهي ما شاكل البخت جوفاء وبراء، فنؤمن لك ونصدق. فدعا الله تعالى، فتمخضت الصخرة تمخض النتوج بولدها، ثم انصدعت عن ناقة بالصفة التي ذكروا لا يعلم ما بين جنبيها عظماً إلا الله تعالى، ثم نتجت سقباً مثلها في العظم، فآمنت به طائفة من قومه، وهمَّ أكثرهم أن يؤمنوا فمنعهم أشرافهم. قال لهم صالح: ﴿قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ [الشعراء: ١٥٥ - ١٥٦]، فكانت تعمهم بلبنها وخيرها، وكانت ربما أضرت بمواشيهم، ومنعتها المشتا والمصيف، وكان ممن تضرر منها امرأتان يقال لإحداهما: عنيزة بنت غنم، وكانت عجوزاً مسنة، لكنها كانت ذات مال وماشية وبنات حسان. [و] كان يقال للثانية: صدوف بنت المحيا، وكانت جميلة غنية ذات مواش كثيرة، وكانت من أشد الناس عداوة لصالح ﵇، وأحرصهم على عَقر الناقة، فدعت صدوف ابن عم لها يقال له:

стр. 3424

مصدع بن مُهَرجِ بن المحيا، وجعلت له نفسها إن عقر الناقة، ودعَت عنزة رجلاً من ثمود يقال له: قَدَّار بن سالف -زعموا أنه كان ابن زنا، ولم يكن من سالف ولكن ولد على فراشه- وجعلت له أي بناتها شاء إن عقر الناقة، فانطلق هو ومصدعِ، واستغويا غواة ثمود، فاتبعهم سبعة نفر، وكانوا تسعة رهط، فانطلقوا ورصدوا الناقة حتى صدرت عن الماء، وكَمَن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكمن لها مصدع في طريق آخر، فمرت على مصدع فرماها بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، ثم خرجت عنيزة فَأمرت إحدى بناتها أن تسفر لقدار خشية أن يجبن عن عقر الناقة، فكشف عرقوبها فخرت، فبعث الله العذاب على ثمود في ثلاثة أيام، فهلكوا (١). والقصة مفصلة في محالِّها، وهذا ملخصها. وروى ابن جرير، والحاكم في "المستدرك"، وغيرهما عن عمرو ابن حارثة رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ قال: "كَانَتْ ثَمُوْدُ قَوْمُ صَالِحٍ أَعْمَرَهُمُ اللهُ فِيْ الدُّنْيَا، فَأَطَالَ أَعْمَارَهُمْ حَتَّى جَعَلَ أَحَدُهُمْ يَبْنِي السَّكَنَ مِنَ الْمَدَرِ، فَيَنْهِدِمُ وَالرَّجُلُ مِنْهُمْ حَيٌّ، فَلَمَّا رَأَوا ذَلِكَ اتَّخَذُوْا مِنَ الْجِبَالِ بُيُوْتاً، فَنَحَتُوْهَا وَجَابُوْهَا، وَخَرَّقُوْهَا، وَكَانُوْا فِيْ سَعَةٍ مِنْ مَعَايشِهِم، فَقَالُوْا: يَا صَالِحُ! ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا آيَةً نَعْلَمُ أَنَّكَ رَسُوْلُ اللهِ، فَدَعَا صَالِحُ رَبَّهُ فَأَخْرَجَ لَهُمْ آيَةً، فَكَانَ شِرْبُهَا يَوْمًا

стр. 3425

وَشِرْبُهُمْ يَوْمًا مَعْلُوْمًا، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهَا خَلَّوا عَنْهَا وَعَنِ الْمَاءِ، وَحَلَبُوْهَا لَبَناً مَلؤوا مِنْهُ كُل إِنَاءِ وَوِعَاءٍ وَسَقَاءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمُ شِرْبِهِم صَرَفُوْهَا عَنِ الْمَاءِ فَلَمْ تَشْرَبْ مِنْهُ شَيْئاً، فَمَلَؤوا كُلَّ إِنَاءٍ وَوِعَاءٍ وَسَقَاءٍ، فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَى صَالِحٍ: إِنَّ قَوْمَكَ سَيَعْقِرُوْنَ ناَقَتَكَ، فَقَالَ لهُمْ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا لِنَفْعَلَ. فَقَالَ: إِنْ لا تَعْقِرُوْهَا أَنتُمْ يُوْشِكُ أَنْ يُوْلَدَ فِيْكُمْ مَوْلُوْدٌ يَعْقِرُهَا. قَالُوْا: فَمَا عَلامَةُ ذَلِكَ الْمَوْلُوْدِ؟ فَوَاللهِ لا نَجِدُهُ إِلاَّ قتلْنَاهُ. قَالَ: فَإِنَّهُ غُلامٌ أَشْقَرُ، أَزْرَقُ، أَصْهَبُ، أَحْمَرُ. وَكَانَ فِيْ المَدِيْنَةِ شَيْخَانِ عَزِيْزَانِ مَنِيْعَانِ لأَحَدِهِمَا ابْنٌ يَرْغَبُ بِهِ عَنِ النَّاكِحِ، وَلِلآخِرِ ابْنَةٌ لا يَجِدُ لَهَا كُفُؤًا، فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا مَجْلِسٌ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تُزَوِّجَ ابْنَكَ؟ فَقَالَ: لا أَجِدُ لَهُ كُفُؤًا. قَالَ: فَإِنَّ ابْنَتِيَ كُفُؤٌ لَهُ، فَأَنَا أُزَوِّجُكَ. فَزَوَّجَهُ، فَوَلَدُ بَيْنَهُمَا ذَلِكَ الْمَوْلُوْدُ، وَكَانَ فِيْ المَدِيْنَةِ ثَمَانِيَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُوْنَ فِيْ الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُوْنَ، فَلَمَّا قَالَ لهُمْ صَالِحٍ: إِنَّمَا يَعْقِرُهَا مَوْلُوْدٌ فِيْكُمْ اخْتَارُوْا ثَمَانِي نِسْوَةٍ قَوَابِلَ مِنَ القَرْيَةِ، وَجَعَلُوْا مَعَهُنَّ شُرَطًا، كَانُوْا يَطُوْفُوْنَ فِيْ الْقَرْيَةِ، فَإِذَا وَجَدُوْا الْمَرْأةَ تَمخضُ نَظَرُوا إِلَى وَلَدِهَا؛ إِنْ كَانَ غُلامًا قَلَبْنَهُ فَنَظَرُوْا مَا هُوَ، وَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً أَعْرَضْنَ عَنْهَا، فَلَمَّا وَجَدُوْا ذَلِكَ الْمَوْلُوْدَ صَرَخَ النّسْوَةُ: هَذَا الَّذِيْ يُرِيْدُ

стр. 3426

رَسُوْلُ اللهِ صَالِحٍ، فَأَرَادَ الشُّرَطَ أَنْ يَأْخُذُوْهُ، فَحَالَ جَدَّاهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، وَقَالا: لَوْ أَنَّ صَالِحًا أَرَادَ هَذَا قَتَلْنَاهُ. فَكَانَ شَرَّ مَوْلُوْدٍ، وَكَانَ يَشُبُّ فِيْ الْيَوْمِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِيْ جُمْعَةٍ، ويَشُبُّ فِي جُمُعَةٍ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي الشَّهْرِ، وَيَشُبُّ فِيْ الشَّهْرِ شَبَابَ غَيْرِهِ فِي السَّنَةِ، فَاجْتَمَعَ الثَّمَانِيَةُ الَّذِيْنَ يُفْسِدُوْنَ فِي الأَرْضِ وَلا يُصْلِحُوْنَ، فَقَالُوْا: اسْتَعْمِلُوْهُ عَلَيْنَا لِمَنْزِلَتِهِ وَشَرَفِ جَدَّيْهِ، فَكَانُوْا تِسْعَةً، وَكَانَ صَالِحٍ ﵇ لا يَنَامُ مَعَهُمْ فِيْ الْقَرْيَةِ، كَانَ يَبِيْتُ فِي مَسْجِدِهِ، فَإِذَا أَصْبَحَ أتاهُمْ، فَوَعَظَهُمْ وَذَكَّرَهُمْ، وَإِذَا أَمْسَى خَرَجَ إِلَى مَسْجِدِه فَبَاتَ فِيْهِ. قَالَ: وَأَرَادُوْا أَنْ يَمْكُرُوا بِصَالِحٍ ﵇، فَمَشَوْا عَلَى شُرفِ طَرِيْقِ صَالِحٍ، فَاخْتَبَأَ فِيْهِ ثَمَانِيَةٌ، وَقَالُوْا: إِذَا خَرَجَ عَلَيْنَا قَتَلْنَاهُ، وَأتيْنَا أَهْلَهُ فَبَيَّتْنَاهُمْ. فَأَمَرَ اللهُ تَعَالَى الأَرْضَ فَاسْتَوَتْ عَلَيْهِمْ، فَاجْتَمَعُوْا وَمَشَوُا إِلَى النَّاقَةِ وَهِيَ عَلَى حَوْضِهَا قَائِمَةٌ، فَقَالَ الشَّقِيُّ لأَحَدِهِمْ: ائْتِهَا فَاعْقِرْهَا، فَأَتَاهَا، فَتَعَاظَمَهُ ذَلِكَ، فَأَضْرَبَ عَنْ ذَلِكَ، فَبَعَثَ آخَرَ فَأَعْظَمَهُ ذَلِكَ، فَبَعَثَ فَجَعَلَ لا يَبْعَثُ رَجُلاً إِلاَّ تَعَاظَمَهُ أَمْرُهَا حَتَّى مَشَى إِلَيْهَا، وَتَطَاوَلَ فَضَرَبَ عُرْقُوْبَهَا، فَوَقَعَتْ، فَرَكَضَ فَرَأَى رَجُلٌ مِنْهُمْ صَالِحًا، فَقَالَ: أَدْرِكِ النَّاقَةَ فَقَدْ عُقِرَتْ، فَأَقْبَلَ وَخَرَجُوْا يَتَلَقَّوْنَهُ ويَعْتَذِرُوْنَ: يَا نبَيَّ اللهِ! إِنَّمَا عَقَرَهَا فُلانُ، إِنَّهُ لا ذَنْبَ لَنَا. قَالَ: فَانْظُرُوْا هَلْ تَدْرُكُوْنَ فَصِيْلَهَا؟ فَإِنْ أَدْرَكْتُمُوْهُ فَعَسَى اللهُ أَنْ

стр. 3427

يَرْفَعَ عَنْكُمُ العَذَابَ. فَخَرَجُوْا يَطْلُبُوْنَهُ، فَلَمَّا رَأَى أُمَّهُ تَضْظَّرِبُ أتىْ جَبَلاً يُقَالُ لَهُ: الْقَارَّةُ قَصِيْرًا، فَصَعِدُوا وَذهبُوا لِيَأْخُذُوْهُ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَى الْجَبْلِ فَطَالَ فِي السَّمَاءِ حَتَّىْ مَا تَنَالُهُ الطَّيْرُ، وَدَخَلَ صَالِحٍ الْقَرِيَةَ، فَلَمَّا رَآهُ الْفَصِيْلُ بَكَى حَتَّىْ سَألَتْ دُمُوْعُهُ، ثُمَّ اسْتَقْبَلَ صَالِحًا، فَرَغَا رَغْوَةً، ثُمَّ رَغَا أُخْرَى، ثُمَ رَغَا أُخْرَى، فَقَالَ صَالِحٍ لِقَوْمِهِ: لكُلِّ رَغْوَة أَجَلٌ، فَتَمَتَّعُوْا فِيْ دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامِ، ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوْبٍ. أَلا إِنَّ آيَةَ الْعَذابِ تصْبحُ وُجُوْهُكُمْ مُصْفَرَّة، وَالْيَوْمِ الثَّانِي مُحْمَرَّة، وَالْيَوْمِ الثالِثِ مُسْودَّة، فَلَمَّا أَصْبَحُوْا إِذَا وُجُوْهُهُمْ كَأَنَّهَا طُلِيَتْ بِالْخَلُوْقِ؛ صَغِيْرُهُمْ وَكَبِيْرُهُمْ، ذَكَرُهُمْ وَأُنْثَاهُمْ، فَلَمَّا أَمْسَوْا صَاحُوْا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلا قَدْ مَضَىْ يَوْمٌ مِنَ الأَجَلِ، وَحَضَرَكُمُ الْعَذَابُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوْا الْيَوْمَ الثَّانِيْ إِذَا وُجُوْهُهُمْ مُحْمَرَّةٌ كَأَنَّهَا خُضِبَتْ بِالدِّمَاءِ، فَصَاحَوْا، وَضَجُّوْا، وَبَكَوْا، وَعَرفُوْا أَنَّهُ الْعَذَابُ، فَلَمَّا أَمْسَوْا صَاحَوْا بِأَجْمَعِهِمْ: أَلا قَدْ مَضى يَوْمَانِ مِنَ الأَجْلِ وَحَضَرَكُمُ الْعَذَابُ، فَلَمَّا أَصْبَحُوْا الْيَوْمَ الثالِثَ قَامُوْا وَوُجُوْهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ كَأَنَّمَا طُلِيَتْ بِالْقَارِ، فَصَاحَوْا جَمِيْعًا: أَلا وَقَدْ حَضَرَكُمُ الْعَذَابُ فتكَفَّنُوْا وَتَحَنَطُوْا، وَكَانَ حَنُوْطُهُمُ الصَّبْرُ وَالْمَغِرَةُ، وَكَانَتْ أَكْفَانُهُمْ الأَنْطَاع، ثُمَّ أَلْقَوْا أَنْفُسَهُمْ بِالأَرْضِ فَجَعَلُوْا يَقَلِّبُوْنَ أَبْصَارَهُمْ فَيَنْظِرُوْنَ إِلَى السَّمَاءِ مَرَّةً، وَإِلَى الأَرْضِ مَرَّةً، فَلا يَدْرُوْنَ مِنْ أَيْنَ يَأْتِيْهِمُ الْعَذَابُ؛ مِنْ فَؤْقِهِمْ مِنَ السَّمَاءِ، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْ

стр. 3428

الأَرْضِ، خَسْفًا أَوْ قَذْفًا، فَلَمَّا أَصْبَحُوْا الْيَوْمَ الرَّابعَ أتتهُمْ صَيْحَةٌ مِنَ السَّمَاءِ فِيْهَا كُلُّ صَاعِقَةٍ، وَصَوْتُ كُلِّ شَيْءٍ لَهُ صَوْتٌ فِيْ الأَرْضِ، فَتَقَطعَتْ قُلُوْبُهُمْ فِيْ صُدُوْرِهِمْ، فَأَصْبَحُوْا فِيْ دِيَارِهِمْ جَاثِمِيْنَ" (١). وروى البخاري عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ لما نزل الحجر في غزوة تبوك أمرهم أن لا يشربوا من بئرها، ولا يستقوا منها، فقالوا: قد عَجَنَّا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين، ويهريقوا ذلك الماء (٢). وعن نافع، عن ابن عمر: فأمرهم رسول الله ﷺ أن يهريقوا ما استقوا من بيارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كانت تردها الناقة (٣). وعن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن النبي ﷺ لما مر بالحجر قال: "لا تَدْخُلُوا مَساكِنَ الَّذِيْنَ ظَلَمُوا إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا باكِيْنَ أَنْ يُصِيْبَكُمْ ما أَصابَهُمْ"، ثم تقنَّع بردائه وهو على الرحل (٤). وقال عبد الرزاق: عن معمر: ثم قنع رأسه، وأسرع حتى جاوز الوادي (٥).

стр. 3429

وفي ذلك دليل على استحباب التقنع والإسراع لمن مر بمقابر الكفار، وأماكن الكفر، ومواقع العذاب، وعلى كراهية الدخول إلى ديار الكفار والظالمين فضلاً عن استيطانها إلا أن يكون الداخل إليها باكياً معتبراً. وقد دل على إباحة النظر إليها على وجه الاعتبار قوله تعالى حكاية عن ثمود: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ [النمل: ٥٢]. وإذا كان النبي ﷺ قد نهى عن دخول مساكن ثمود وأمثالهم إلا لمن كان باكياً وجِلاً معتبراً فما ظنك بالتشبه بهم فيما انطووا عليه وقد كانوا على خبائث؟ ١ - فمنها: الكفر، والتكذيب، وعبادة الأوثان، والزنا . كما تقدم نظائر ذلك في قوم نوح، وهود ﵉. ٢ - ومنها: محاجة أهل الحق في أصول الديانات ميلاً مع الهوى . قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥]. قال قتادة: إذا القوم بين مصدق بالحق ونازل عنده، ومكذب بالحق وتاركه؛ في ذلك كانت خصومتهم (١). وقال مجاهد في قوله: ﴿فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ﴾ [النمل: ٤٥]:

стр. 3430

مؤمن وكافر، قولهم: صالح مرسل من ربه، وقولهم: ليس بمرسل. رواهما عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وغيرهم (١). وقد بين الله تعالى من خصومتهم، فقال: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ [الأعراف: ٧٥، ٧٦]. والمخاصمة في الباطل مذمومة. قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾ [البقرة: ٢٠٤]، الآيات. وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "أَبْغَضُ الرِّجَالِ إِلَى اللهِ الأَلَدُّ الْخَصِيْمُ" (٢). وروى الترمذي، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "كَفَى بِكَ إِثْمًا أَنْ لا تَزَالَ مُمَارِيًا، وَكَفَى بِكَ ظَالِمًا أَنْ لا تَزَالَ مُخَاصِمًا، وَكَفَى بِكَ كَاذِبًا أَلاَّ تَزَالَ مُحَدِّثًا إِلاَّ حَدِيْثًا فِيْ ذَاتِ اللهِ (٣).

стр. 3431

٣ - ومنها: الأخذ بالرأي في مصادمة النص . وروى الخطيب البغدادي في كتاب "شرف أصحاب الحديث" عن أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن النسفي المقرئ قال: كان مشايخنا يسمون أبا بكر بن إسماعيل أبا ثمود؛ لأنه كان من أصحاب الحديث، فصار من أصحاب الرأي؛ يقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] (١). قلت: وهذا استنباط حسن. أو معنى: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: دلَلْناهم على الحق والخير بنبينا صالح، فكان ينص الدين لهم عن وحي، وهم يختارون رأي أنفسهم على نصه والاقتداء به، ولذلك قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾ [هود: ٦٣]. والبينة هي المشافهة بالوحي المفيدة لليقين، ومكافحة الحق. وقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣]؛ أي: بمخالفة الوحي. ففيه تربية لهم، وتخويف من العصيان الحاصل بمخالفة النص.

стр. 3432

٤ - ومنها: بغض الناصحين، والأنفة من قول النصيحة . قال تعالى حكاية عن صالح ﵇: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾ [الأعراف: ٧٩]. ذكر الحارث بن أسد المحاسبي في بعض كتبه: أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا خير في قوم لا يكونون ناصحين، ولا خير في قوم لا يحبون الناصحين (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن من أكبر الذنب عند الله تعالى أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك؛ أنت تأمرني (٢)؟ ٥ - ومنها: طاعة المترفين والمفسدين، وموافقتهم على ما هم عليه . قال الله تعالى حكاية عن صالح ﵇: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢]. وإنما أكده بقوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ إشارة أن فسادهم مصمت لا صلاح معه، وليس لهم خصلة صالحة. قال في "الكشاف": استعير لامتثال الأمر، وارتسامه طاعة الآمر

стр. 3433

المطاع؛ إذ جعل الأمر مطابقًا على المجاز الحكمي، والمراد الآمر، ومنه قولهم: علي إمرة مطاعة، انتهى (١). وفيه من المبالغة ما لا يخفى؛ فإنه يدل على أن أمرهم صار أمرًا متعارفاً فيهم بحيث لا يحيدون عن طريقه، ولا يأخذون في أمر يخالفه. ومن هذا القبيل عصيان الأمر، ولذلك جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٠ - ٩٣]. فوقع عصيان الأمر في كلام موسى ﵇ كما وقعت طاعة الأمر في كلام أخيه ﵉، وهو أبلغ من طاعة الآمر وعصيان الْمَعْصِيِّ. وأيضا في النهي عن طاعة أمر المسرفين النهي عن التشبه بهم في أمرهم - وإن غابوا أو هلكوا - فإنه مذموم مطلقًا، سواء كان الحامل عليه رجاؤهم إياهم وخوفهم منهم، أو استحسان أمرهم وموافقتهم في رأيهم. وقد أخبر الله في كتابه بأن هلاك كل قرية كان من مكر أكابرهم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ [الأنعام: ١٢٣].

стр. 3434

وإنما خصص الأكابر لأنه أقوى على استتباع الناس والمكر بهم، والناس يتبعونهم ما لا يتبعون غيرهم؛ إما رغبة فيما عندهم، وإما رهبة منهم. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦]. أي: أمرناهم بالطاعة، فحملتهم الأنفة على المخالفة والفسق، وإنما خصهم بذلك لأنهم أسرع إلى الحماقة، وأقدر على الفجور ابتلاء من الله تعالى لهم وبهم. ومن هنا جعل بعضهم قوله: ﴿أَمَرنَا﴾ منقولاً من أمرنا لهم إمارة، أو جعلناهم أمراً، واستدل له بقراءة يعقوب: "آمرنا" - بالمد -، والرواية عن أبي عمرو: "وأمَّرنا" - بالتشديد - (١). وقال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾ [هود: ٥٩]. فنص على أنهم اتبعوا أكابرهم، فهلكوا وأبعدوا كما قال: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾ [هود: ٦٠]. وشتَّان بين اتباع الأخيار واتباع الأشرار.

стр. 3435

ولقد قلت: [من الرَّمل] إِنَّما كانَ هَلاكُ الْغابِرِيْنَ ... بِاتِّباعِ الْقَوْمِ أَمْرَ الْمُفْسِدِيْنَ كَمْ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ ما دُمِّرَتْ ... أَهْلُها إِلاَّ بِفِسْقِ الْمُتْرَفِيْنَ فَاعْتَزِلْ عَنْهُمْ وَلا تَمْشِ عَلَى ... ما مَشَوْا وَاسْلُكْ طَرِيْقَ الْعارِفِيْنَ قادَةٌ فِي الْخَيْرِ مَنْ يَسْلُكْ عَلى ... سَمْتِهِمْ يَقْفُ الْكِرامَ السَّالِفِيْنَ فَاتَّصِفْ ما كانَ فِي وَصْفِ الْهُدى ... غُنْيَةٌ دُونَ اتِّصافِ الْواصِفِيْنَ ٦ - ومن أخلاق ثمود: التطير بأهل الخير واليُمن، أو مطلق الطيرة والتشاؤم . قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ [النمل: ٤٥ - ٤٧]. وكانوا قد قحطوا ومنعوا المطر، فقالوا: ما منعنا الغيث إلا بسبب صالح ومَنْ تَبِعه. وفي الحديث: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ". رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن عمران بن حصين رضي الله تعالى
следующие страницы →