← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

٣ - ومنها: الأخذ بالرأي في مصادمة النص . وروى الخطيب البغدادي في كتاب "شرف أصحاب الحديث" عن أبي بكر أحمد بن عبد الرحمن النسفي المقرئ قال: كان مشايخنا يسمون أبا بكر بن إسماعيل أبا ثمود؛ لأنه كان من أصحاب الحديث، فصار من أصحاب الرأي؛ يقول الله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧] (١). قلت: وهذا استنباط حسن. أو معنى: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾: دلَلْناهم على الحق والخير بنبينا صالح، فكان ينص الدين لهم عن وحي، وهم يختارون رأي أنفسهم على نصه والاقتداء به، ولذلك قال الله تعالى حكاية عنه: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (٦٣)﴾ [هود: ٦٣]. والبينة هي المشافهة بالوحي المفيدة لليقين، ومكافحة الحق. وقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ﴾ [هود: ٦٣]؛ أي: بمخالفة الوحي. ففيه تربية لهم، وتخويف من العصيان الحاصل بمخالفة النص.

стр. 3432

٤ - ومنها: بغض الناصحين، والأنفة من قول النصيحة . قال تعالى حكاية عن صالح ﵇: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (٧٩)﴾ [الأعراف: ٧٩]. ذكر الحارث بن أسد المحاسبي في بعض كتبه: أن عمر رضي الله تعالى عنه كان يقول: لا خير في قوم لا يكونون ناصحين، ولا خير في قوم لا يحبون الناصحين (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن من أكبر الذنب عند الله تعالى أن يقول الرجل لأخيه: اتق الله، فيقول: عليك بنفسك؛ أنت تأمرني (٢)؟ ٥ - ومنها: طاعة المترفين والمفسدين، وموافقتهم على ما هم عليه . قال الله تعالى حكاية عن صالح ﵇: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢]. وإنما أكده بقوله: ﴿وَلَا يُصْلِحُونَ﴾ إشارة أن فسادهم مصمت لا صلاح معه، وليس لهم خصلة صالحة. قال في "الكشاف": استعير لامتثال الأمر، وارتسامه طاعة الآمر

стр. 3433

المطاع؛ إذ جعل الأمر مطابقًا على المجاز الحكمي، والمراد الآمر، ومنه قولهم: علي إمرة مطاعة، انتهى (١). وفيه من المبالغة ما لا يخفى؛ فإنه يدل على أن أمرهم صار أمرًا متعارفاً فيهم بحيث لا يحيدون عن طريقه، ولا يأخذون في أمر يخالفه. ومن هذا القبيل عصيان الأمر، ولذلك جمع بينهما في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١) قَالَ يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ [طه: ٩٠ - ٩٣]. فوقع عصيان الأمر في كلام موسى ﵇ كما وقعت طاعة الأمر في كلام أخيه ﵉، وهو أبلغ من طاعة الآمر وعصيان الْمَعْصِيِّ. وأيضا في النهي عن طاعة أمر المسرفين النهي عن التشبه بهم في أمرهم - وإن غابوا أو هلكوا - فإنه مذموم مطلقًا، سواء كان الحامل عليه رجاؤهم إياهم وخوفهم منهم، أو استحسان أمرهم وموافقتهم في رأيهم. وقد أخبر الله في كتابه بأن هلاك كل قرية كان من مكر أكابرهم، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا وَمَا يَمْكُرُونَ إِلَّا بِأَنْفُسِهِمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (١٢٣)﴾ [الأنعام: ١٢٣].

стр. 3434

وإنما خصص الأكابر لأنه أقوى على استتباع الناس والمكر بهم، والناس يتبعونهم ما لا يتبعون غيرهم؛ إما رغبة فيما عندهم، وإما رهبة منهم. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ [الإسراء: ١٦]. أي: أمرناهم بالطاعة، فحملتهم الأنفة على المخالفة والفسق، وإنما خصهم بذلك لأنهم أسرع إلى الحماقة، وأقدر على الفجور ابتلاء من الله تعالى لهم وبهم. ومن هنا جعل بعضهم قوله: ﴿أَمَرنَا﴾ منقولاً من أمرنا لهم إمارة، أو جعلناهم أمراً، واستدل له بقراءة يعقوب: "آمرنا" - بالمد -، والرواية عن أبي عمرو: "وأمَّرنا" - بالتشديد - (١). وقال الله تعالى: ﴿وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (٥٩)﴾ [هود: ٥٩]. فنص على أنهم اتبعوا أكابرهم، فهلكوا وأبعدوا كما قال: ﴿أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (٦٠)﴾ [هود: ٦٠]. وشتَّان بين اتباع الأخيار واتباع الأشرار.

стр. 3435

ولقد قلت: [من الرَّمل] إِنَّما كانَ هَلاكُ الْغابِرِيْنَ ... بِاتِّباعِ الْقَوْمِ أَمْرَ الْمُفْسِدِيْنَ كَمْ وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ ما دُمِّرَتْ ... أَهْلُها إِلاَّ بِفِسْقِ الْمُتْرَفِيْنَ فَاعْتَزِلْ عَنْهُمْ وَلا تَمْشِ عَلَى ... ما مَشَوْا وَاسْلُكْ طَرِيْقَ الْعارِفِيْنَ قادَةٌ فِي الْخَيْرِ مَنْ يَسْلُكْ عَلى ... سَمْتِهِمْ يَقْفُ الْكِرامَ السَّالِفِيْنَ فَاتَّصِفْ ما كانَ فِي وَصْفِ الْهُدى ... غُنْيَةٌ دُونَ اتِّصافِ الْواصِفِيْنَ ٦ - ومن أخلاق ثمود: التطير بأهل الخير واليُمن، أو مطلق الطيرة والتشاؤم . قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥) قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٤٦) قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ [النمل: ٤٥ - ٤٧]. وكانوا قد قحطوا ومنعوا المطر، فقالوا: ما منعنا الغيث إلا بسبب صالح ومَنْ تَبِعه. وفي الحديث: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ". رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن عمران بن حصين رضي الله تعالى

стр. 3436

عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَطَيَّرَ وَلا مَنْ تُطُيِّرَ لَهُ، أَوْ تَكَهَّنَ أَوْ تُكُهِّنَ لَهُ، أَوْ سَحَرَ أَوْ سُحِرَ لَهُ" (١). ٧ - ومنها: طاعة النساء . فإن قدار ومصدعاً إنما حملهما على عقر الناقة طاعتهما لصدوف وعنيزة. ومن هنا كان عاقر الناقة أشقى الأولين كما قال تعالى: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ [الشمس: ١٢]. وقاتل علي رضي الله تعالى عنه أشقى الآخرين، كما رواه الطبراني، وأبو يعلى بسند جيد، من حديث صهيب رضي الله تعالى عنه (٢)؛ لأنهما اشتركا في أن الحامل لكل منهما على ما فعل طاعة النساء. أما عاقر الناقة فقد علمت، وأما قاتل علي فهو عبد الرحمن بن مُلجم المرادي سافر من مكة إلى الكوفة ليقتل عليًا ﵁، فلقي بها امرأة من تيم الرباب يقال لها: قطام بنت الشحنة، وقد قتل علي رضي الله تعالى عنه أباها وأخاها يوم النهروان، وكانت فائقة في الجمال، فلما رآها التبست بعقله ونسي حاجته التي جاء لها، فخطبها فأبت عليه إلا أن يجوز

стр. 3437

إليها ثلاثة آلاف، وعبداً وقينة، ويقتل علياً رضي الله تعالى عنه، وقالت: إن أصبته شفيت نفسك ونفسي، ونفعك معي العيش، وإن قتلت فما عند الله خير من الدنيا. فقال: ما جاء بي إلى المصر إلا قتل علي، ثم شد عليه وهو رضي الله تعالى عنه في صلاة الصبح فضربه، ثم قتل ابن ملجم الملعون الخبيث، ولم يظفر بما طلب من نكاح قطام الخبيثة (١). وروى القضاعي، وابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "طَاعَةُ النِّسَاءِ نَدَامةٌ" (٢). وروى ابن عدي نحوه من حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنهم (٣). وروى الدارقطني في "الأفراد" عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "لا يَزَالُ الرِّجَالُ بِخَيْرٍ مَا لَمْ يُطِيْعُوْا النِّسَاءَ" (٤).

стр. 3438

٨ - ومنها: الوقوع في المعصية والإثم والبلاء رغبة في ذوات الجمال . كما وقع لمصدع وقدار. وقلَّ أن يرغب أحد في نكاح امرأة لمالها، أو لجمالها، أو لعزها إلا كانت عليه فتنة في دينه، ولذلك جاء الشرع بالترغيب في ذات الدين إذا دار الأمر بين دَيِّنة غير جميلة، وجميلة غير ديِّنة. ويدل له حديث الأئمة الستة إلا الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "تُنْكَحُ الْمَرْأةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحُسْنِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِيْنِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (١)؛ أي: إن اخترت غيرها عليها لمال أو حسن أو جمال. ولعله إنما قدم المال لأن الناس في ذات المال أرغب، ثم في ذات الحسب، ثم في ذات الجمال، ورغبتهم في ذات الدين المجرد عما قبله قليلة. وكم من أحمق رماه الطمع في المال، أو الرغبة في الحسب، أو الغرام بالجمال في شوهاء، أو شمطاء، أو دفراء، أو ناقصة الخلقة، فوقع في البلاء المحيط والشر الدائم. وقد روى البزار عن عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى

стр. 3439

عنه: أن النبي ﷺ -منهاِ قال في حديث: "وَلا عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوْا امْرَأَةً مِنْ أَجْلِ حُسْنِهَا فَقَلَّ أَنْ لا تَأْتِيَ بِخَيْر، وَلَكِنْ ذَوَاتُ الدِّيْنِ وَالأَمَانَةِ فَابْتَغُوْهُنَّ" (١). وروى الطبراني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأةً لعِزِّهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ ذُلًّا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزدْهُ اللهُ إِلاَّ فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ دَنَاءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأةً لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلاَّ لِيَغُضَّ بَصَرَهُ، أَوْ يَحْفظَ فَرْجَهُ، أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيْهَا، وَبَارَكَ لَهَا فِيْهِ" (٢). ٩ - ومنها: القيادة، ودعوة المرأة الرجل إلى نفسها أو إلى غيرها . كما علمت من فعل عنيزة وصدوف قبحهما الله تعالى، وهذا من أكبر الكبائر لأنهما لم يدعوان مصدعًا وقدارًا إلى النكاح المباح، بل المحرم. والقيادة من النساء قبيحة جداً، لكنها من الرجال أقبح. وأول من قاد من خلق الله الشيطان، ومن أولاد آدم فيما بلغنا عنيزة بنت غنم الثمودية؛ قادت على بناتها لمصدع، ووعدته بهن إن

стр. 3440

عقر الناقة، وصدوف بنت المحيا قادت على نفسها لقدار، ووعدته بنفسها إن عقر الناقة. والمتشبهات بهما في ذلك ملعونات. ١٠ - ومنها: الاغترار بالدنيا، والتأنق في جمعها وبنيانها، وإتقان البنيان وإحكامه أملاً وأشراً . كما تقدم نظيره في عاد، لكن تميزت عنهم ثمود باتخاذ بيوتهم من الجبال؛ إذ كان الواحد منهم يبني البيت من المدر فكان ينهدم وبانيه حي، فاتخذوا من الجبال بيوتاً، وكانوا يغترون بطول الأعمار، وكثرة الزروع والثمار، وسعة الأموال، وحسن الحال، ولا يخافون هجوم الموت عليهم. ولذلك قال لهم أخوهم صالح ﵇: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨)﴾ [الشعراء: ١٤٦ - ١٤٨]؛ أي: ثمرها لطيف يانع نضيج ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ [الشعراء: ١٤٩]. أي: حاذقين بنحتها وصناعتها. وهذه البيوت إلى هذا الوقت باقية في مدائن الحجر بطريق الحاج الشامي بين مبرك الناقة وقرية العلا، ينظر إليها الناس ويعتبر بها من كان من أهل البصائر والاعتبار. وقد أرشد الله تعالى السائرين في الأرض من هذه الأمة إلى النظر في آثار الأمم الماضية ليتذكروا ما صار لهم من الهلاك وخلو البلاد عنهم بعد ما عَمَروا وعمَّروا، فقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ

стр. 3441

فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾ [الروم: ٩]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [غافر: ٢١]. وقرأ ابن عامر (١): ﴿كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٢١) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢٢)﴾ [غافر: ٢١، ٢٢] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٠٩)﴾ [يوسف: ١٠٩]. ١١ - ومن قبائح ثمود: سوء الأعمال مع طول الأعمار . وكذلك حال قوم نوح، وقوم هود إلا أن قوم صالح تميزوا عنهم باتخاذ البيوت من الجبال كما قال تعالى: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ [الفجر: ٩].

стр. 3442

قال مجاهد في تفسيرها: خرقوا الجبال فجعلوها بيوتاً. رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١). وروى هؤلاء عن ابن عباس نحوه (٢). وروى الترمذي، والحاكم وصححاه، والطبراني بإسناد صحيح، عن أبي بكرة رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً قال: يا رسول الله! أي الناس خير؟ قال: "مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَحَسُنَ عَمَلُهُ". قال: فأي الناس شر؟ قال: "مَنْ طَالَ عُمُرُهُ وَسَاءَ عَمَلُهُ" (٣). وقلت: [من الطويل] أَلا إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْ طالَ عُمُرُه ... وَقَدْ ساءَ مِنْهُ قَوْلُهُ وَفِعالُهُ فَبُعْداً لَهُ ما كانَ أَقْبَحَ حالَهُ ... وَأَقْبَحُ مِنْ دُنْياهُ حالًا ماَلُهُ ١٢ - ومنها: الأشر والبطر، والفرح بالدنيا، والبخل بها، والتأنق في تحصيلها وتحصينها، والشره، والإعجاب بالنفس، وبما لهَا أو

стр. 3443

مِنها، والأمن من مكر الله تعالى، وكفران نعمه. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠) وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣) فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤)﴾ [الحجر: ٨٠ - ٨٤]؛ أي: من الأموال والأملاك. وقوله: ﴿آمِنِينَ﴾؛ أي: من عذاب الله وقضائه؛ يحسبون أن بيوتهم تمنعهم منه أو من مكره، أو من اللصوص والأعداء. وقال الله تعالى حكاية عن صالح ﵇ يقول لقومه: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا﴾ [الشعراء: ١٤٦]؛ أي: في الحجر، أو في الدنيا ﴿آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ [الشعراء: ١٤٦ - ١٤٩]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أي: أَشِرين بَطِرين. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وقيل: فرحين. وقال مجاهد رحمه الله تعالى: شرهين. رواه عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٢).

стр. 3444

والشره - بالتحريك - كما في "الصحاح": غلبة الحرص. ويقال منه: شره، وشرهان، كما في "القاموس" (١). وقال قتادة رحمه الله تعالى في الآية: معجبين بصنعكم. رواه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٢). وفي القراءة الأخرى: ﴿فَارِهِينَ﴾، وهو في "تفسير ابن عباس"، وغيره بمعنى: حاذقين (٣). وقال عبد الله بن شداد رحمه الله تعالى: يتخيرون. وقال الضَّحَّاك رحمه الله تعالى: حاذقين: كيسين. رواهما عبد ابن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم (٤). والكياسة والحذق بمعنى ذكاء القلب والظرافة، وبها يحصل تخير الشيء. وذلك أنهم كانوا يختارون في نحت البيوت ما هو الأوفق لنفوسهم من الهيئة، والصورة، والسعة والضيق.

стр. 3445

وحاصله أن حذقهم كان في دنياهم وما لا يجدي، وهذا حال أكثر الناس كما قال الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)﴾ [الروم: ٦ - ٨]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الروم: ٧]: يعني: معايشهم؛ متى يغرسون، ومتى يزرعون، ومتى يحصدون. وفي رواية: يعرفون عمران الدنيا وهم في أمر الدين جهال. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وقال الحسن رحمه الله تعالى: ليبلغ من حذق أحدهم بأمر دنياه أنه يقلب الدرهم على ظفره، فيخبرك بوزنه، وما يحسن يصلي. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم. وكل ذلك من ثمرات البطر. قال أبو إسحاق الزجاج: والبطر: الطغيان بالنعمة (٢). وهذا يرجع إلى كفران النعمة، أو هو أعظم أنواع الكفران،

стр. 3446

والكفران أشد أسباب زوال النعم، وهو بلاء سائر الأمم الهالكة كما قال الله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ [القصص: ٥٨]. قلت: وفي الآية دليل على أن القوم وأهل القرية إذا بطروا المعيشة تهدَّموا وانفكَّ أمرهم، فلا يعودون إلى ما كانوا عليه، وقلما خربت قرية من القرى ورحل أهلها بسبب البطر فعادت إلى ما كانت عليه من العمارة - وإن رجعوا إليها - وهذا أمر مشاهد. * تنبِيْهٌ: في قول صالح ﵇: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦)﴾ [الشعراء: ١٤٦] إشارةٌ إلى أن الموت لا يترك أحداً؛ أي: أتتركون أنتم في الدنيا ولم يترك فيها قبلكم أحد، وهذا مما لا يكون. وقد كان بمكة شاب له أبوان مقعدان يقوم عليهما، ويحملهما إلى المسجد الحرام، فمات، فقال رسول الله ﷺ : "لا يَتْرُكُ الْمَوْتُ أَحَدًا لأَحَدٍ؛ لَوْ تَرَكَ أَحَداً لأَحَدٍ لترَكَ ابْنَ الْمُقْعَدَيْنِ". رواه البيهقي في "سننه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (١).

стр. 3447

١٣ - ومن أعمال ثمود، وأخلاقهم: تعيير أهل الدين بحرفتهم ونحوها مما تعده النفوس الطاغية نقصاناً . ألا ترى إلى قولهم لصالح ﵇ وقد قال لهم: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤)﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٤]. قال في "الكشاف": المسَحَّر: الذي سحر كثيرًا حتى غلب على عقله (١). وروى عبد بن حميد عن [عاصم] أنه قرأ: ﴿مِنَ الْمُسَحَّرِينَ﴾ مشدَّدةً، وقال: المسحر: السوقة الذي ليس بملك (٢). وفي "القاموس": المسحر كمعظم: المحترف. واعلم أن من عير العالم أو الصالح بحرفته أو كسبه الذي لا يخالف فيه الشرع فهو أشبه الناس بثمود، وكذلك تعييره بالفقر أو بشيء من المباحات كتناول الطعام والشراب. وقد قيل في معنى قولهم لصالح: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥)﴾ [الشعراء: ١٨٥]: إنه من السحر - بالفتح وإسكان الحاء المهملة، وقد يضم أوله، ويقال بفتحتين أيضًا - وهو الرئة؛ أي: ممن لهم رئة يحتاجون إلى الطعام والشراب، وكل ذي رئة يكل ويشرب، وهو قريب من قول قريش:

стр. 3448

﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: ٧] (١). ١٤ - ومنها: اكتساب الإثم، ورمي البريء به . فإن حالهم في الأشر والبطر مقرر بحيث إن الله تعالى أخبر به عنهم، ثم كانوا يرمون به صالحًا كما قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤) أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥) سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ [القمر: ٢٣ - ٢٦]. وهذا الخُلق من شر الأخلاق، وأعظم الآثام. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (١١٢)﴾ [النساء: ١١٢]. وقال بعض السلف: بحسب ابن آدم من الشر أن لا يكون صالحاً، ويقع في الصالحين. ١٥ - ومنها: الاستكثار من الشر . وقد قرئت الآية: ﴿مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾ [القمر: ٢٦] على صفة أفعل التفضيل. قال في "الكشاف": وهو الأبلغ في الشرارة. قال: والأَخْير والأَشَر أصل قولهم: هو خير منه وشر منه، وهو أصل مرفوض.

стр. 3449

وقد حكى ابن الأنباري: تقول العرب: هو أخير وأشر، وما أخيره وما أشره (١). والشرارة والشرية نقيض الخير، كما في "القاموس" (٢). ويقال فيه: شررت يا رجل - مثلثًا -. وقد روى ابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيْحُ لِلْخَيْرِ مَغَالِيْقُ لِلشَّرِ، وإنَّ مِنَ النَّاسِ نَاسًا مَفَاتِيْحُ لِلشَّرِّ مَغَالِيْقُ لِلْخَيْرِ، فَطُوْبَى لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيْحَ الْخَيْرِ عَلَىْ يَدَيْهِ، وَويلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللهُ مَفَاتِيْحَ الشَرِّ عَلَىْ يَدَيْهِ" (٣). واعلم أن الإكثار من الشر يوجب معرفة المكثر منه به كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: مَنْ أَكْثَرَ من شيء عُرِف به؛ كما رواه ابن أبي شيبة، والعسكري في "الأمثال" (٤). ١٦ - ومنها: الطغيان . قال الله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾ [الشمس: ١١]. والطغوى، والطغو، والطغيان - بضم الطاء، وكسرها -: مجاوزة القدر، أو الغلو في الكفر، أو الإسراف في المعاصي والظلم، أو الارتفاع.

стр. 3450

قال في "الكشاف": والباء فيه؛ أي: في قوله تعالى: ﴿بِطَغْوَاهَاَ﴾ مثلها في: كتبت بالقلم (١)، يجعلها للاستعارة؛ أي: متقوية بطغواها. وقال القاضي: بسبب طغواها؛ يجعلها للسببية (٢). قلت: ويحتمل أن تكون بمعنى مع، أو في؛ أي: كذبت متلبسة بطغياها مصاحبة له. وجعلها آخرون للتعدية؛ أي: بعذابها التي وعدت به (٣). والطغوى اسم العذاب كالطاغية كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ [الحاقة: ٥]؛ أي: الصيحة المجاوزة للحد في الشدة، والأخذ، والطغيان بسبب حلول الغضب والهلاك بالإنسان. قال الله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ [طه: ٨١]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ يقول: لا تظلموا (٤). وقال ابن زيد رحمه الله تعالى: الطغيان فيه أن يأخذه بغير حله.

стр. 3451

رواهما ابن أبي حاتم (١). واعلم أن الطغيان قد يكون في طلب المال كما فسرت به هذه الآية، فيكون تناول أموال الناس بالباطل. وقد يكون بسبب الغنى بالمال، ومنه قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦، ٧]. ولا أدري أي الطغيانين أشد إثمًا؛ لأن الأول سببه عدم الرضا بما قدره الله تعالى، والطمع فيما لم يأذن فيه الله، والثاني بسبب الطمع وعدم القناعة، والحسد، ومنازعة أمر الله تعالى، والكل مهلكات. ومن فتح عليه باباً من الطغيان يوشك أن لا يدع منه باباً إلا دخله، ولا حالًا إلا تلبس به، فيخشى عليه أن يهلك بالطاغية التي هلكت بها ثمود، أو ما يشاكلها. قال عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنهما: منهومان لا يشبعان: صاجا علم، وصاجا دنيا؛ فأما صاجا العلم فيزداد رضى الرحمن، ثم قرأ: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وأما صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾ [العلق: ٦، ٧]. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي موقوفًا (٢). وروى صدره الطبراني، والقضاعي مرفوعاً عنه، والبزار عن ابن عباس،

стр. 3452

وابن عدي عن أنس رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله ﷺ : "مَنْهُوْمَانِ لا يَشْبَعَانِ: طَالِبُ عِلْمٍ، وَطَالِبُ دُنْيَا" (١). وقد مثل بعض الحكماء طلب الدنيا بشرب ماء البحر لا يروي (٢). وأبلغ ما يشبه به الطغيان، وتناول أموال الناس واستملاؤها بالنار؛ كما ألقي فيها الحطب والحلفاء قويت، وكلما قويت أكلت ما ألقي فيها من ذلك، فهي تطلب في المرة الثانية من الأحطاب أكثر مما طلبت أولًا. ١٧ - ومنها: نقض عهد الله وميثاقه . وفي معنى ذلك عدم الوفاء بالنذر؛ فإن ذلك من أفعال ثمود حيث روح في القصة أنهم عاهدوا صالحاً ﵇ إن أخرج لهم الناقة من الصخرة أن يؤمنوا به ويتبعوه، فلما أخرجها لهم أَنِفوا

стр. 3453

من قول الحق (١). وروى الحاكم وصححه، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: لما من النبي ﷺ بالحجر قال: "لا تَسْألُوا الآيَاتِ؛ فَقَدْ سَأَلَهَا قَوْمُ صَالح فَبَعَثَ اللهُ لَهُمُ النَّاقَةَ، فَكَانَتْ تَرِدُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ وَتَصْدُرُ مِنْ هَذَا الْفَجِّ، فَعَتَوا عَنْ أَمْرِ رَبِهِم، فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ، فَأهْمَدَ اللهُ مَنْ تَحْتَ أَدِيْمِ السَّمَاءِ مِنْهُم إِلاَّ رَجُلاً وَاحِدًا كَان فِيْ حَرَمِ اللهِ تَعَالَى". قيل: من هو؟ قال ﷺ : "أبَو رِغَالٍ". قال: "فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ الْحَرَمِ أَصَابَهُ مَا أَصَابَ قَوْمَهُ" (٢). ورغال - بكسر الراء، وبالغين المعجمة - قال في "القاموس": في "سنن أبي داود"، و"دلائل النبوة"، وغيرهما عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ حين خرجنا معه إلى الطائف فمررنا بقبر، فقال: "هَذَا قَبْرُ أَبِي رِغَالٍ، وَهُوَ أَبُو ثَقِيْفٍ، وَكَانَ مِنْ ثَمُوْدَ، وَكَانَ بهَذَا الْحَرَمِ يَدفَعُ عَنْهُ، فَلَمَّا خَرَجَ أَصَابَتْهُ النِّقْمَةُ الَّتِي أَهْلَكَت قَوْمَهُ بِهَذا الْمَكَانِ، فدُفِنَ فِيْهِ". الحديث. قال: وقول الجوهري: وكان دليلاً للحبشة حين توجهوا إلى مكة فمات في الطريق؛ غير جيد. قال: وكذا قول ابن سِيْده: وكان عبدًا لشعيب، وكان عشَّاراً

стр. 3454

جائراً، انتهى (١). وتمام الحديث الذي ذكره: "وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ دُفِنَ مَعَهُ غُصْنٌ مِنْ ذَهَب؛ إِنْ أَنتمْ نَبَشْتُمْ عَنْهُ أَصَبْتُمُوهُ". فابتدره الناس فاستخرجوا منه الغصن (٢). ١٨ - ومنها: تضييع الأمانة، والتعدي عليها . فإن الناقة كانت أمانة الله عندهم ووديعته لديهم، فخانوه فيها فعقروها، والمتعدي على الوديعة والأمانات ضامنٌ في شريعتنا، وآثم، ولعل هذا في سائر الملل؛ لأن حفظ الأمانة مكتوب على كل إنسان مكلف، بل لم يسقط الضمان فيها عن صغير ولا مجنون. وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ [الأحزاب: ٧٢]. وروى ابن جرير بسند ضعيف، عن الحكم بن عمير رضي الله تعالى عنه - وكان من أصحاب النبي ﷺ قال: قال النبي ﷺ : "إِنَّ الأمَانَةَ وَالْوَفَاءَ نزلا عَلَى ابنِ آدَمَ مَعَ الأنْبِيَاءِ، فَأُرْسِلُوا بِهِ؛ فَمِنهُمْ

стр. 3455

رَسُولُ اللهِ، وَمِنْهُمْ نبَيٌّ، وَمِنْهُمْ نبِيٌّ رَسُولٌ، وَنزلَ الْقُرْآنُ وَهُوَ كَلامُ اللهِ، وَنزلَتِ الْعَرَبِيَّةُ وَالْعَجَمِيَّةُ، فَعَلِمُوا أَمْرَ الْقُرْآنِ، وَعَلِمُوا أَمْرَ السُّنَنِ بِأَلْسِنَتِهِم، وَلَمْ يَدع اللهُ شَيْئًا مِنْ أَمْره مِمَّا يَأْتُوْنَ وَمِمَّا يَجْتَنِبُوْنَ - وَهِيَ الْحُجَجُ عَلَيْهِمْ - إِلاَّ بيَّنَهُ لَهُمْ، فَلَيْسَ أَهْلُ لِسَانٍ إِلاَّ وَهُمْ يَعْرِفُوْنَ الْحَسَنَ مِنَ الْقَبِيْحِ، ثُمَّ الأَمَانة أَوَّلُ شَيْءٍ يُرْفَعُ وَيَبْقَىْ أثَرُهَا فِيْ صُدُوْرِ قُلُوْبِ النَّاسِ، ثُمَّ يُرْفَعُ الْوَفَاءُ وَالْعَهْدُ وَالذِّمَمُ، وَتَبْقَىْ الْكُتُبُ؛ فَعَالِمٌ يَعْمَلُ، وَجَاهِل يَعْرِفُهَا ويُنْكِرُهَا وَلا يَحْمِلُهَا حَتَى وَصَلَ إِليَّ وإلَى أُمَّتِي، فَلا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلاَّ هَالِكٌ، وَلا يغْفلُهُ إِلاَّ تَارِكٌ، وَالْحَذَرَ؛ أَيُّهَا النَّاسُ، وإيَّاكُم وَالْوَسْوَاسَ الْخَنَاسَ؛ فَإِنَّمَا يَبْلُوْكُمْ؛ أَيُّكُم أَحْسَنُ عَمَلاً" (١). وروى البخاري في "تاريخه"، وأبو داود، والترمذي، والحاكم - وصححاه - عن أبي هريرة، والدارقطنيُّ عن أبي بن كعب، وهو والحاكم عن أنس، والطبرانيُّ عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنهم، كلهم عن النبي ﷺ أنه قال: "أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلا تَخُنْ مَن خَانَكَ " (٢).

стр. 3456

وروى الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا إِيْمَانَ لِمَنْ لا أَمَانة لَهُ، وَلا دِيْنَ لِمَنْ لا عَهْدَ لَه" (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "ثَلاثٌ لَيْسَ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ فِيْهِنَّ رُخْصَةٌ: بِرُّ الْوَالِدَيْنِ مُسْلِمًا كَانَ أَوْ كَافِرًا، والوفاءُ بالعهد لمُسْلمٍ كَانَ أَوْ كَافِرًا، وَأَدَاءُ الأَمَانَةِ إِلَىْ مُسْلِمٍ كَانَ أَوْ كَافِرٍ" (٢). ١٩ - ومنها: إقرار أهل المعاصي على معصيتهم، وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . فإن عاقر الناقة واحد أو اثنان، أو هما مع مساعدة السبعة النفر، فنسب الله تعالى العقر إليهم أجمعين، فقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)﴾ [الشمس: ١٤]، فسلط العذاب عليهم أجمعين لأنهم لم يأخذوا على يد الظالم منهم، بل كانوا راضين بعقر الناقة، والرضا بالمعصية عين المعصية.

стр. 3457

وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه عن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَا مِنْ قَوْمٍ يُعْمَلُ فِيْهِم بِالْمَعَاصِي هُمْ أَعَزُّ وَأَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ، ثُمَّ لَم يُغَيِّرُوْهُ إِلاَّ عَمَّهُمُ اللهُ مِنْهُ بِعَذَابٍ" (١). ٢٠ - ومنها: ذبح الحيوان الموقوف لغير ضرورة داعية؛ كالشاة الموقوفة على الفقراء ليأكلوا من لبنها، والبعير الموقوف على من يحج من المساكين، والفرس الموقوفة على من يجاهد منهم، فليس لأحد أن يمسه بسوء، فمن فعل ذلك كان متشبهاً بثمود في عقر الناقة، وقد كان لبنها مسبلاً عليهم، والملك فيها كان لله وحده. وكذلك الموقوف من العقارات وغيرها في شريعتنا الملكُ فيها لله تعالى على الأصح، فالخيانة في الأوقاف بالإتلاف والتخريب والتعمير والبيع من هذا القبيل. بل كذلك الخيانة في الأموال المشتركة بين المسلمين كمال المصالح؛ كل ذلك فاعله متشبه بثمود في خيانتهم. ٢١ - ومنها: الاعتداء في الصدقة . روى الحاكم وصححه، والبيهقي من طريقه عن قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ بعثه ساعياً

стр. 3458

فقال له: "لا تَخْرُجْ حَتَّىْ تُحَدِّثَ بِرَسُوْلِ اللهِ ﷺ ". فلما أراد الخروج أتى رسول الله ﷺ ، فقال له رسول الله ﷺ : "يَا قَيْسُ! لا تَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَىْ رَقْبَتِكَ بَعِيْرٌ لَهُ رُغَاءٌ، أَوْ بَقَرَةٌ لهَا خِوَارٌ، أو شَاةٌ لهَا يَعَارٌ، ولا تَكُنْ كأبي رِغَالٍ". فقال سعد: يارسول الله! وما أبو رغال؟ فقال: "مُصَدِّقٌ بَعَثَهُ صَالِحٌ ﵇ فَوَجَدَ رَجُلاً بِالطَّائِفِ فِيْ غُنِيْمَةٍ قَرِيْبَةٍ مِنْ الْمِئَةِ شَصَاصٍ إِلاَّ شَاةً وَاحِدَةً، وَابْنٍ لَهُ صَغِيْرٍ لا أُمَّ لَهُ، فَلَبَنُ تِلْكَ الشَّاةِ عَيْشُهُ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُ الغَنَمِ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: أَنا رسُوْلُ رسُوْلِ اللهِ. فَرَحَّبَ، وَقَالَ: هَذهِ غَنَمِي؛ فَخُذْ مَا أَحْبَبْتَ. فَنَظَر إِلَىْ الشَّاةِ اللَّبُوْنِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: هَذَا الْغُلامُ كَمَا تَرَى لَيْسَ لَهُ طَعَائم وَلا شَرَابٌ غَيْرُهَا. قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ اللَّبَنَ فَأَنَا أُحِبُّهُ. فَقَالَ: خُذْ شَاتَيْنِ مَكَانها، فَأَبَىْ عَلَيْهِ، فَلَمْ يَزَلْ يزِيْدَهُ وَيَبْذُلُ حَتَّى بَذَلَ لَهُ خَمْسَ شِيَاهٍ شَصَائِصَ مَكَانها، فَأَبَى عَلَيْهِ، فَلَمَّا رَأَىْ عَمَدَ إِلَى قَوْسِهِ فَرَمَاهُ، فَقَتَلَهُ، وَقَالَ: مَا يَنْبَغِي لأَحِدٍ أَنْ يَأْتِي رَسُوْلَ اللهِ ﵇ بِهَذَا الْخَبَرِ قَبْلِي، فَأَتَى صَاحِبُ الْغَنَمِ صَالِحًا النَّبِيَّ، فَقَالَ صَالِحُ: اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا رِغَالٍ، اللَّهُمَّ الْعَنْ أَبَا رِغَالٍ".

стр. 3459

فَقَالَ سعد: يا رسول الله! أعف قيسًا من السعاية (١). * فائِدَةٌ: من عتو الحجاج بن يوسف: ما أخرجه المعافى بن زكريا في "الأنيس والجليس" عن عوانة قال: خطب الحجاج الناس بالكوفة، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل العراق! تزعمون أنا من بقية ثمود؟ وتزعمون أني ساحر؟ وتزعمون أن الله علمني اسمًا من أسمائه أقهركم به؟ وأنتم أولياؤه بزعمكم؟ وأنا عدوه؟ فبيني وبينكم كتاب الله : ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [هود: ٦٦]، فنحن بقية الصالحين إن كنا من ثمود. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ [طه: ٦٩]، والله أعدل في حكمه من أن يعلم عدواً من أعدائه اسمًا من أسمائه يهزم به أولياءه. ثم حمي وكثر كلامه، فتحامل على رمانة المنبر فحطمها، فجعل الناس يتلاحظون بينهم وهو ينظر إليهم: يا أعداء الله! ما هذا الترامز؟ إنا حُذيا الظبي السانح، والغراب الأبقع، والكوكب ذي الذنب. ثم أمر بذلك العود فأصلح قبل أن ينزل عن المنبر (٢).

стр. 3460

والحُذَيا كالثريا من: حذوته - بالحاء المهملة، والذال المعجمة -: تَبعته، وعملت مثل عمله. قال ابن الأنباري: الحذيا أن يحذى الرجل الرجل، فيقول: افعل كذا حتى أفعله، ثم يفعل كفعل أخيه. ومعنى كلام الحجاج: إنا نفعل بالناس من الخير والشر ما يتوقعونه من سنوح الطير، وشؤم الغراب، وإشارة الكوكب المذنب؛ فإن الناس يرجون بالأول حصول الخير واليُمن، ويخافون من الثاني وقوع البلاء والسوء، ويستدلون بالثالث على حدوث النوائب والنوازل، فكان يقول: إن أمره محقق، وإنه ظاهر التأثير في الخير والشر، وهذا من غلوه في عتوه. ***

стр. 3461

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ «وهو كتابٌ فرِيدٌ فِي بَابهِ يشتَمل على بَيَان مَا يتشبَّهُ بهِ المسلمُ وَمَا لَا يتشبَّهُ بهِ» تَألِيف العَلَّامَةِ نَجْمِ الدِّينِ الغزِّيِّ محمَّدِ بْنِ محمَّدِ العَامِريِّ القُرَشِيِّ الغَزيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعيِّ المولُودِ بِدِمَشق سَنَة ٩٧٧ هـ، وَالمتَوفَّى بِهَا سَنَة ١٠٦١ هـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى تَحقِيقَ وَدِرَاسَة لَجْنَة مختصَّة منَ المحققينَ بِإِشْرَافِ نُورِ الدِّين طَالِب المُجَلَّد السَّابِعُ دَارُ النَّوادِرِ

стр. 3462

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3463

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ (٧)

стр. 3464

جَميعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م ردمك: ٧ - ٨٤ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤَسَّسَة دَار النَّوادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللِّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِرِ الكُوَيْتِيَّةِ ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦ هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com - info@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م - نُورُ الدِّين طَالِب - المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنْفِيذِي

стр. 3465

(٦) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالرَّهْطِ التَّسْعَةِ مِنْ ثَمُودَ

стр. 3466

(٦) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالرَّهْطِ التَّسْعَةِ مِنْ ثَمُودَ وهم يشتملون على ما ذكرنا من قبائح ثمود، ويزيدون عليها قبائح أخرى. قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ [النمل: ٤٨]؛ أي: لا يتركون من الفساد شيئًا، ولا يفعلون من الصالحات شيئًا. قال الضحاك رحمه الله تعالى: كان هؤلاء التسعة عظماء المدينة (١). وروى عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى قال: كانوا يقرضون الدراهم والدنانير (٢). ويروى مثله عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى (٣).

стр. 3467

وهذا سفالة لا تليق بالعظماء والأكابر؛ فلعلهم كانوا يأمرون بذلك من يفعله، كما يفعله الآن في هذه الأمة فسَّاق الحكام، ينهون عن مثل ذلك جهراً ويأمرون به سراً ليختلسوا أموال الناس، كما يفعلون كذلك مع الصاغة والصناع الذين يضربون السكة (١) من مصانعتهم، وموافقتهم على الزَّغَل وزيادة العيار. وقال زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى: كانوا يكسرون الدراهم، وذلك من الفساد في الأرض (٢). وقيل: كانوا يتبعون عورات الناس ولا يسترون عليهم (٣). والظاهر أن الفساد أعم من ذلك، وما ذكر بعض أفراده. وقال في "القاموس": الفساد: أخذ المال ظلمًا (٤). وقال حكاية عن صالح ﵇: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢]. يعني: التسعة رهط؛ لأن الله تعالى وصفهم بذلك في الآية السابقة، وكان الفساد متمحضًا فيهم لا يخالطه شيء من الصلاح، ولا سهم لهم فيه.

стр. 3468

قال في "الكشاف": وأسماؤهم عن وهب: الهُديد بن عبد ربه، غَنْم ابن غنم، رئباب بن مُهَرَّج، مِصْدَع بن مُهَرَّج، عُمير بن كُرْدبة، عاصم بن مخرمة، سُبَيط بن صدقة، سمعان بن صفي، قُدار بن سالف (١). والهديد مصغر. وغَنْم بن غنم: بفتح المعجمة، وإسكان النون فيهما. ورئباب: بكسر الراء بعدها همزة. ابن مهرج: بضم الميم، وفتح الراء مشددة. ومصدع: بكسر الميم، وفتح الدال المهملة. وعمير: مصغر. ابن كردبة: بضم الكاف، وإسكان الراء، والدال المهملة بعدها موحدة. وسبيط: بضم المهملة، وفتح الموحدة؛ مصغر. وصفي: فعيل غير مصغر. وقدار: بضم القاف، وتخفيف الدال المهملة؛ وقيل: بفتح القاف، وتشديد الدال، واقتصر عليه في "القاموس". وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في التسعة الرهط؛ قال: كان أساميهم: رعمى، ورعيم، وهرمى، وهريم،

стр. 3469

وذات، وهوات، ورباب، ومسطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة (١). وهرمى على وزن حرمى، وهوات مشدَّد. وقال مجاهد، وغيره: إن ثمود لما عقروا الناقة وَعَدَهم صالح ﵇ بالعذاب بعد ثلاثة أيام، فاتفق هؤلاء التسعة - وكان منهم عاقر الناقة - وتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ﵇ ليقتلوه وأهلَه، قالوا: فإن كان كاذبًا في وعيده أوقعنا به ما يستحق، وإن كان صادقًا كنا عجلناه قبلنا، وشفينا نفوسنا؛ فذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] أي: ما حضرنا قتلهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾ [النمل: ٤٩، ٥٠] (٢). قال ابن عباس ﵁: أتى التسعة رهط إلى دار صالح ﵇ شاهرين سيوفهم، فقتلتهم الملائكة ﵈ رضخاً بالحجارة، فكانوا يرون الحجارة ولا يرون من يرميها (٣). وقال قتادة: خرجوا مسرعين إلى صالح ﵇، فسلط الله عليهم مَلَكًا بيده صخرة فقتلهم. وقال السُّدِّي في قوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ

стр. 3470

أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ [النمل: ٥١] بالحجارة، أو بالصخرة، أو بالخسف ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥١] (١). أي: بالصيحة التي أهلكتهم؛ صاح جبريل ﵇ بهم صيحة فخمدوا، وكان ذلك ضحوة يوم الأحد، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء (٢). فقد اشتملت قصة هؤلاء الرهط التسعة على قبائح زيادة على ما تقدم من أعمال ثمود، ليتعين اجتنابها على كل مسلم. ١ - فمنها: المكر والفتك . قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥٠، ٥١]. وفيه إشارة إلى أن عاقبة المكر وخيمة. وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. ومن عجيب أمر المكر أن صاحبه يمكر بالمسلم وهو يبصر من حيث يمكر، وكيف يتوصل إلى أذاه، ولا يبصر ما يترتب على مكره بأخيه من سوء العاقبة، بل قد يبصر ما يصلح به مكره من جهة، ولا يبصر ما يفسد مكره من جهة أخرى، ويبصر ما يضر به أخاه خفية،
следующие страницы →