← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.

стр. 3466

(٦) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِالرَّهْطِ التَّسْعَةِ مِنْ ثَمُودَ وهم يشتملون على ما ذكرنا من قبائح ثمود، ويزيدون عليها قبائح أخرى. قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨)﴾ [النمل: ٤٨]؛ أي: لا يتركون من الفساد شيئًا، ولا يفعلون من الصالحات شيئًا. قال الضحاك رحمه الله تعالى: كان هؤلاء التسعة عظماء المدينة (١). وروى عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله تعالى قال: كانوا يقرضون الدراهم والدنانير (٢). ويروى مثله عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى (٣).

стр. 3467

وهذا سفالة لا تليق بالعظماء والأكابر؛ فلعلهم كانوا يأمرون بذلك من يفعله، كما يفعله الآن في هذه الأمة فسَّاق الحكام، ينهون عن مثل ذلك جهراً ويأمرون به سراً ليختلسوا أموال الناس، كما يفعلون كذلك مع الصاغة والصناع الذين يضربون السكة (١) من مصانعتهم، وموافقتهم على الزَّغَل وزيادة العيار. وقال زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى: كانوا يكسرون الدراهم، وذلك من الفساد في الأرض (٢). وقيل: كانوا يتبعون عورات الناس ولا يسترون عليهم (٣). والظاهر أن الفساد أعم من ذلك، وما ذكر بعض أفراده. وقال في "القاموس": الفساد: أخذ المال ظلمًا (٤). وقال حكاية عن صالح ﵇: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٥٠) وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ (١٥١) الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (١٥٢)﴾ [الشعراء: ١٥٠ - ١٥٢]. يعني: التسعة رهط؛ لأن الله تعالى وصفهم بذلك في الآية السابقة، وكان الفساد متمحضًا فيهم لا يخالطه شيء من الصلاح، ولا سهم لهم فيه.

стр. 3468

قال في "الكشاف": وأسماؤهم عن وهب: الهُديد بن عبد ربه، غَنْم ابن غنم، رئباب بن مُهَرَّج، مِصْدَع بن مُهَرَّج، عُمير بن كُرْدبة، عاصم بن مخرمة، سُبَيط بن صدقة، سمعان بن صفي، قُدار بن سالف (١). والهديد مصغر. وغَنْم بن غنم: بفتح المعجمة، وإسكان النون فيهما. ورئباب: بكسر الراء بعدها همزة. ابن مهرج: بضم الميم، وفتح الراء مشددة. ومصدع: بكسر الميم، وفتح الدال المهملة. وعمير: مصغر. ابن كردبة: بضم الكاف، وإسكان الراء، والدال المهملة بعدها موحدة. وسبيط: بضم المهملة، وفتح الموحدة؛ مصغر. وصفي: فعيل غير مصغر. وقدار: بضم القاف، وتخفيف الدال المهملة؛ وقيل: بفتح القاف، وتشديد الدال، واقتصر عليه في "القاموس". وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في التسعة الرهط؛ قال: كان أساميهم: رعمى، ورعيم، وهرمى، وهريم،

стр. 3469

وذات، وهوات، ورباب، ومسطع، وقدار بن سالف عاقر الناقة (١). وهرمى على وزن حرمى، وهوات مشدَّد. وقال مجاهد، وغيره: إن ثمود لما عقروا الناقة وَعَدَهم صالح ﵇ بالعذاب بعد ثلاثة أيام، فاتفق هؤلاء التسعة - وكان منهم عاقر الناقة - وتحالفوا على أن يأتوا دار صالح ﵇ ليقتلوه وأهلَه، قالوا: فإن كان كاذبًا في وعيده أوقعنا به ما يستحق، وإن كان صادقًا كنا عجلناه قبلنا، وشفينا نفوسنا؛ فذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: ٤٩] أي: ما حضرنا قتلهم ﴿وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩) وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾ [النمل: ٤٩، ٥٠] (٢). قال ابن عباس ﵁: أتى التسعة رهط إلى دار صالح ﵇ شاهرين سيوفهم، فقتلتهم الملائكة ﵈ رضخاً بالحجارة، فكانوا يرون الحجارة ولا يرون من يرميها (٣). وقال قتادة: خرجوا مسرعين إلى صالح ﵇، فسلط الله عليهم مَلَكًا بيده صخرة فقتلهم. وقال السُّدِّي في قوله: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ

стр. 3470

أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ [النمل: ٥١] بالحجارة، أو بالصخرة، أو بالخسف ﴿وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥١] (١). أي: بالصيحة التي أهلكتهم؛ صاح جبريل ﵇ بهم صيحة فخمدوا، وكان ذلك ضحوة يوم الأحد، وكان عقر الناقة يوم الأربعاء (٢). فقد اشتملت قصة هؤلاء الرهط التسعة على قبائح زيادة على ما تقدم من أعمال ثمود، ليتعين اجتنابها على كل مسلم. ١ - فمنها: المكر والفتك . قال الله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ [النمل: ٥٠، ٥١]. وفيه إشارة إلى أن عاقبة المكر وخيمة. وفي كتاب الله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣]. ومن عجيب أمر المكر أن صاحبه يمكر بالمسلم وهو يبصر من حيث يمكر، وكيف يتوصل إلى أذاه، ولا يبصر ما يترتب على مكره بأخيه من سوء العاقبة، بل قد يبصر ما يصلح به مكره من جهة، ولا يبصر ما يفسد مكره من جهة أخرى، ويبصر ما يضر به أخاه خفية،

стр. 3471

ويخفى عليه ما ينساق إلى نفسه من ضرر فعله حتى ينفذ فيه أمر الله تعالى، ويظهر فيه سر مكره من حيث لا يشعر كما قال تعالى: ﴿وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠)﴾ [النمل: ٥٠]. ومن هنا يجب على العبد أن يكون خائفًا من مكر الله تعالى أبدًا خصوصًا في حال مخالفته لأمره مع انغماره في بره. ٢ - ومنها: قرض الدينار والدرهم، وكسرهما . وهذا من أعظم الفساد في الأرض؛ فإن الدراهم والدنانير إذا كانت تامة صحاحاً قام معناها وظهرت فائدتها، وإذا قرضت أو كسرت صارت سلعة، وبطلت فائدتها، فأضر ذلك بالناس. وفي قرضها من اختلاس أموال الناس وإفساد معاملتهم ما لا يخفى. وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه الحاكم عن عبد الله المزني رضي الله تعالى عنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن تكسر سكة المسلمين الجائزة بينهم إلا من بأس (١). ومَرَّ سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى برجل قد جلد فقال: ما هذا؟ قالوا: رجل يقطع الدراهم والدنانير. قال: هذا من الفساد في الأرض، ولم ينكر جلده.

стр. 3472

٣ - ومنها: اتباع عورات الناس، وتقصُّد فضيحتهم . وذلك منهي عنه في شريعتنا. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجَسَّسُوا﴾ [الحجرات: ١٢]. وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن أبي برزة الأسلمي رضي الله تعالى عنه، وأبو يعلى عن البراء ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الإِيمَانُ قَلْبَهُ! لا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ، وَلا تتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِم؛ فَإِنَّ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَةَ أَخِيْهِ الْمُسْلِمَ يَتَّبِعُ اللهُ عَوْرتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرتَهُ يَفضَحْهُ وَلَوْ فِي جَوْفِ بَيْتِهِ" (١). ٤ - ومنها: التعاون على الإثم، وخصوصاً على قتل المؤمن، والتحاض على ذلك، والتحالف عليه . وكل ذلك من أقبح المعاصي. روى الترمذي وحسنه، عن أبي هريرة، وأبي سعيد رضي الله تعالى عنهما كليهما، عن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّ أَهْلَ السَّمَاءِ وَأَهْلَ الأَرْضِ اشْتَرَكُوا فِيْ دَمِ مُؤْمِنٍ لَكَبَّهُمُ اللهُ فِي النَّارِ" (٢).

стр. 3473

وتقدم حديث: "مَنْ أَعَانَ عَلَىْ قَتْلِ مُسْلِمٍ وَلَوْ بِشطْرِ كَلِمَةٍ لَقِيَ اللهَ مَكْتُوْبًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِن رَحْمَةِ اللهِ" (١). ٥ - ومنها: العزم على القتل، والحلف عليه، والعزم على الكذب والجحود، والحلف عليهما . وكل ذلك ليس من أفعال المؤمنين. قال النبي ﷺ : "يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ عَلَى كُلِّ خُلُقٍ لَيْسَ الْخِيَانة وَالْكَذِبَ" (٢). وهذا وغيره من أنواع الفساد في الأرض فاشٍ في هذه الأعصار. وقد روى البيهقي في "الشعب" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنه قرأ هذه الآية: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ [النمل: ٤٨] الآية؛ قال: وكم اليوم في كل قبيلة من الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون (٣).

стр. 3474

وإذا كان هذا في أيام مالك بن دينار وزمانه، فما ظنك بزمانك وإخوانه؟ والعاقل من لا يغتر بترهات الزمان، ولا يثق من زمانه بعهد ولا أمان، بل يعلم أن الموت ولو بعد حين آت، وأنه كادح إلى ربه كدحاً فملاقيه، ويعتبر بأحوال الأمم السالفة كيف لم يَدفع الموت عنهم قواهم، ولا أبعد الحِمام عنهم ثراؤهم وغناهم، وما انتفعوا بطول الأعمار ولا بسَعة الديار، ملكوا البلاد بَرهة، وفتكوا بنواحيها، ثم هلكوا فكأنْ لم يغنَوا فيها. وقد روى الدينوري في "المجالسة" عن سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: أنه كان يستحسن شعر عدي بن زيد حيث يقول: [من الخفيف] أَيْنَ أَهْلُ الدِّيارِ مِن قَوْمِ نُوحٍ ... ثُمَّ عادٌ مِنْ بَعْدِهِم وَثَمُودُ بَيْنَما هُم عَلى الأَسِرَّةِ وَالأَنْـ ... ـماطِ أَفْضَتْ إِلى التُّرابِ الْخُدُودُ ثُمَّ لَمْ يَنْقَضِ الْحَدِيْثُ وَلَكِنْ ... بَعْدَ ذا الْوَعْدُ كُلُّهُ وَالْوَعِيْدُ وَأَطِبَّاءُ بَعْدَهَمُ لَحِقُوهُمْ ... ضَلَّ عَنْهُمْ سُعُوْطهُمُ واللّدُودُ وَصَحِيْحٌ أَضَحَى يَعُوْدُ مَرِيضًا ... وَهْوَ أَدْنىَ لِلْمَوْتِ مِمَّنْ يَعُوْدٌ (١) وفي معنى البيتين الأخيرين ما رواه أبو نعيم وغيره: أن الربيع بن خثيم رحمه الله تعالى أنه أصابه فالج، فقيل له: لو تداويت؟

стр. 3475

فقال: هممت، ثم ذكرت عاداً وثمود، وقرونا بين ذلك كثيرًا؛ كانت فيهم الأوجاع، وكان فيهم الأطباء، فهلك المُدَاوي والمُدَاوى (١). ويروى لأبي العتاهيَة: [من الكامل] إِنَّ الطَّبِيبَ بِطِبِهِ وَدَوائِهِ ... لا يَسْتَطِيع دِفاعَ مَكْرُوهٍ أَتَى ما لِلطَّبِيْبِ يَمُوتُ بِالدَّاءِ الَّذِي ... قَدْ كانَ يُبْرِي مِنْهُ فِيما قَدْ مَضى ذَهَبَ الْمُداوَى وَالْمُداوِي وَالَّذِي ... جَلَبَ الدَّواءَ وَباعَهُ وَمَنِ اشْتَرَى وقد ذكرنا في التشبه بالأنبياء ﵈ أن استحسان التداوي، أو ترك التداوي إنما هو باعتبار النية، لأن الأعمال بالنيات؛ والله الموفق. * تَنْبِيْهٌ: ليس في كتاب الله تعالى ما يدل على أن الله تعالى كلَّف قومَ نوح، أو قوم هود، أو قوم صالح بالصَّلاة مع قطع النظر عن كون الصلاة ذات ركوع وسجود وقيام وقعود أو لا. بل دل الكتاب على أن هؤلاء لم يقبلوا الإيمان بالكلية، ولا صدقوا الرَّسل في كونهم مرسلين، وإنما تكون الشرائع بعد قبول الإيمان، ومن ثَمَّ قال دانيال ﵇ في نعت أمة محمد ﷺ : يصلون صلاة لو صلاها قوم نوح ما غرقوا، أو عاد ما أرسلت عليهم

стр. 3476

الريح العقيم، أو ثمود ما أخذتهم الصيحة. رواه عبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٢، ٢٣]؛ قال: ذكر لنا أن دانيال ﵇ نعت هذه الأمة فقال؛ وذكره. قال قتادة: فعليكم بالصلاة؛ فإنها خُلُق من أخلاق المؤمنين حَسَنٌ (١). وروى الدينوري في "المجالسة" عن عبد الرحمن بن الحارث، عن عمر بن حفص؛ قال: وكان رحمه الله تعالى من خيار الناس قال: كان عند أبي وجدي ورقةٌ يتوارثونها قبل الإسلام بزمان، فيها: بسم الله، وقوله الحق، وقول الظالمين في تباب: هذا الذكر لأمة تأتي في آخر الزمان يأتزرون على أوساطهم، ويغسلون أطرافهم، ويخوضون في البحر إلى عدوهم، فيهم صلاة لو كانت في قوم نوح ما هلكوا بالطُّوفان، وفي قوم ثمود ما هلكوا بالصيحة. قال: فأخبرني أنهم جاؤوا إلى النبي ﷺ ، فأمرهم أن يحتفظوا بها (٢). والظاهر أن أول ما شُرعت الصلاة ذات الفعال - وإن لم يكن على مثل صلاة هذه الأمة سواء - لإبراهيم ﵇.

стр. 3477

روى ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما ابتلي بهذا الدين فقام به كله إلا إبراهيم ﵇؛ قال الله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: ١٢٤]. قيل: ما الكلمات؟ قال: سهام الإسلام ثلاثون سهمًا؛ عشرة في براءة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢]، إلى آخرها، وعشرة في أول سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١]، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ [المعارج: ١]، ﴿وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ (٢٦)﴾ [المعارج: ٢٦] الآيات، وعشرة في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَات﴾ [الأحزاب: ٣٥]، إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتب له براءة؛ قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] (١). وروى الحاكم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: إن الله تعالى أنزل على إبراهيم ﵇ مما أنزل على محمد ﷺ : ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢] إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوية: ١١٢]، و ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ [المؤمنون: ١] إلى قوله تعالى: ﴿فِيهَا خلِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ١١]، ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية، والتي في سأل: ﴿الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ [المعارج: ٢٣]، فلم يف بهذه السهام إلا إبراهيم، ومحمد صلى الله عليهما وسلم (٢).

стр. 3478

وروى الإمام أحمد في "الزهد"، وأبو نعيم عن نوف البَكَالي رحمه الله تعالى قال: قال إبراهيم ﵇: يا رب! إنه ليس في الأرض أحد يعبدك غيري. فأنزل الله تعالى ثلاثة آلاف ملك، فأمَّهم ثلاثة أيام (١). أي: أمَّهم في الصلاة كما تقدم [عن] (٢) كعب رحمه الله تعالى أن الله تعالى أنزل ملائكة يصلون مع إبراهيم ﵈. فالظاهر أن أول من كلف بالصلاة فأقامها إبراهيمُ ﵇ وآل بيته، وأول من كلف بها فلم يقمها قومُه. فالمقيم الصلاةَ متشبه بإبراهيم وآل بيته ﵈، وتاركها متشبه بقوم إبراهيم فمن بعدهم ممن كلف بها فتركها. وإنما قيدنا الصلاة بذات الأفعال احترازاً عن الصلاة بمعنى الدعاء والاستغفار؛ فإنها مشروعة لسائر الأمم، ولذلك أمر نوح وهود وصالح ﵈ أقوامهم بالاستغفار، فمن ترك الاستغفار إصراراً على العصيان فهو متشبه بقوم نوح فمن بعدهم من الأمم المصرة. ***

стр. 3479

(٧) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِنَمْرُودَ وَقَوْمِهِ

стр. 3480

(٧) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِنَمْرُودَ وَقَوْمِهِ وهو بضم النون، وداله مهملة كما في "القاموس" (١). وهو كما رواه ابن أبي حاتم عن السدي رحمه الله تعالى: نمرود ابن كوش بن كنعان بن سام بن نوح ﵇. وهو أول ملكٍ ملكَ في الأرض شرقها وغربها (٢). وهو أول من لبس التاج، وأول من دعا إلى عبادة نفسه قبحه الله تعالى. وروى عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة رحمه الله تعالى قال: كنا نحدَّث أن ملكاً يقال له: نمرود بن كنعان هو أول ملك تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح ببابل (٣). وروى ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨]؛ قال:

стр. 3481

نمرود بن كنعان، يزعمون أنه أول من ملك في الأرض (١). وقوله: نمرود بن كنعان، نسبه إلى جده ليجمع بينه وبين ما سيق عن السدي، وهو أحد الملكين الكافرين اللذين ملكا الأرض. قال مجاهد رحمه الله تعالى: ملك الأرض مشرقها ومغربها أربعة: مؤمنان وكافران؛ فالمؤمنان: سليمان بن داود ﵉، وذو القرنين، والكافران: بخت نصر، ونمرود، لم يجمع ملكها غيرهم؛ أي: لم يملك جميعها غيرهم. رواه عبد بن حميد، وابن جرير (٢). قال القرطبي: وهو أول من صلب، وأول من قطع الأيدي والأرجل (٣). قيل: وكان له كهَّان ومنجِّمون، فقالوا له: يولد في بلدك هذا في هذه السنة غلام يغير دين أهل الأرض، ويكون هلاكك وزوال ملكك على يده. وقيل: وجدوا ذلك في كتب الأنبياء ﵈. وقيل: رأى منامًا فعبر بذلك، فأمر بعزل النساء عن الرجال، ووكل بكل رجل رجالاً، وإذا حاضت المرأة خلِّي بينها وبين بعلها،

стр. 3482

وكانوا لا يجامعون في الحيض، فإذا طهرت حيل بينهما، فرجع آزر والد إبراهيم إلى امرأته، فوجدها قد طهرت، فواقعها، فحملت بإبراهيم ﵇ (١). قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما حملت أم إبراهيم ﵇ به قالت الكهان لنمرود: إن الغلام الذي أخبرناك به قد حملت أمه الليلة، فأمر بقتل الغلمان، فلما دنت ولادة أم إبراهيم وأخذها المخاض خرجت هاربة مخافة أن يظفروا به فيقتلوه، فلما وضعته لفَّته في خرقة، وتركته في نهر يابس في حلفاء، ثم رجعت فأخبرت به بعلها، فانطلق إليه أبوه وحفر له سرباً، فواراه فيه، وسد عليه بصخرة مخافة السباع، وكانت أمه تختلف إليه فترضعه، وكان يشب كل يوم كشهر، وكل شهر كسنة، فلما بلغ خمسة عشر شهراً قال لأمه: أخرجيني، فأخرجته عشاء، فنظر وتفكر في خلق السموات والأرض، وقال: إن الذي خلقني ورزقني، وأطعمني وسقاني لربي الذي لا إله غيره. وقيل: مكث في السرب سبع سنين. وقيل: ثلاث عشرة. وقيل سبع عشرة. ثم نظر في السماء فرأى كوكباً، فناظر أمه أو أباه في ألوهيته

стр. 3483

وألوهية القمر والشمس حتى أبطلها (١). وقيل: كانت هذه المناظرة مع قومه حين برز للناس فوجدهم يعبدون الكواكب، وناظر أباه في عبادة الأصنام، وكان أبوه يصنع الأصنام ويعطيها لإبراهيم ليبيعها، فيذهب بها إبراهيم وينادي عليها: من يشتري ما يضره ولا ينفعه، فلا يشتريها أحد، فإذا باتت عنده ذهب بها إلى نهر فضرب رؤوسها، فقال: اشربي استهزاءً بأبيه وقومه، وما هم عليه من الضلالة والجهالة (٢). وبالغ في نصيحتهم باللطف تارة، وبالعنف أخرى، وآخرًا تبرأ منهم. وكان من مناظرته لهم في عبادة الأصنام أن قال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤)﴾ [الأنبياء: ٥٢ - ٥٤]؛ أي: في خطأ بيِّن ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَالَ بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦) وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧)﴾ [الأنبياء: ٥٥ - ٥٧]. قال مجاهد، وقتادة: إنما قال ذلك إبراهيم سراً من قومه، ولم يسمع ذلك منه إلا رجل واحد، فأفشاه عليه، وهو القائل: ﴿قَالُوا

стр. 3484

سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ [الأنبياء: ٦٠]. رواه عنهما ابن جرير، وابن المنذر، وغيرهما (١). قال السدي رحمه الله تعالى: كان لهم في كل سنة عيد، وكانوا إذا رجعوا من عيدهم دخلوا على الأصنام فسجدوا لها، ثم عادوا إلى منازلهم، فلما كان العيد قال أبو إبراهيم له: يا إبراهيم! لو خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا، فخرج معهم إبراهيم ﵇، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه، وقال: إني سقيم؛ يقول: أشتكي رجلي. ذكره الثعلبي، وغيره (٢). وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٩]: مطعون. رواه ابن جرير (٣). وقال سفيان رحمه الله تعالى: طعين. قال: وكانوا يفرون من الطاعون. رواه ابن أبي حاتم (٤). فلما مضوا عنه نادى في آخرهم - وقد بقي ضعفاء الناس - فقال: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٥٧] إلى آخره، فسمعوه منه. ثم رجع إلى بيت الأصنام فإذا قد جعلوا طعامًا فوضعوه بين يديها، وقالوا: إذا رجعنا وقد برَّكت الآلهة طعامنا أكلنا، فلما نظر

стр. 3485

إبراهيم ﵇ إليهم وإلى مما بين أيديهم من الطعام قال لهم استهزاء: ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١)﴾ [الصافات: ٩١]، فلما لم يجيبوه قال: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ [الصافات: ٩٢، ٩٣]، وجعل يكسرها بفأس في يده حتى لم يبق إلا الصنم الكبير؛ علق الفأس في عنقه، ثم خرج كما قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا﴾ [الأنبياء: ٥٨]؛ أي: حطامًا ﴿إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ (٥٨)﴾ [الأنبياء: ٥٨]، فلما رجعوا من عيدهم، ورأوا أصنامهم مكسرة ﴿قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا﴾ [الأنبياء: ٥٩ - ٦١]؛ كرهوا أن يأخذوه بغير بينة (١). قال ابن إسحاق رحمه الله تعالى: لعلهم يحضرون عقابه نصرة لآلهتهم (٢). فلما جاؤوا به ﴿قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣)﴾ [الأنبياء: ٦٢، ٦٣]. غضب على الأصنام، ولم يرض أن تعبد الصغار معه، فكسرهم وأراد إظهار الحجة عليهم كما قال: ﴿فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا

стр. 3486

عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧) قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ [الأنبياء: ٦٥ - ٦٨]. فلما اجتمعوا لحرق إبراهيم ﵇ حبسوه في بيت، وبنوا له بنيانًا كالحظيرة، ثم جمعوا له الحطب شهراً، وأوقدوا على الباب أيامًا، فلما تأججت النار لم يقدروا على إلقائه فيها، فجاءهم الشيطان وعلَّمهم عمل المنجنيق فعملوه، ووضعوه، وألقوه في النار، فصارت عليه بردًا وسلاماً. قال مقاتل: ولما أخرج نمرود إبراهيم ليحرقه بالنار قال له: يا إبراهيم! من ربك الذي تدعوننا إليه؟ قال: ربي الذي يحمى ويميت؛ أي: يوجد ويعدم. قال: أنا أحيي وأميت .. إلى آخر المناظرة (١). وقال غير مقاتل: كانت هذه المناظرة قبل ذلك. قال بعضهم: كان نمرود يحتكر الطعام، وكانوا إذا احتاجوا إلى الطعام يشترونه منه، فإذا دخلوا عليه سجدوا له، فدخل إبراهيم ﵇ ولم يسجد، فقال له: مالك لا تسجد؟ قال: أنا لا أسجد إلا لربي.

стр. 3487

قال له نمرود: فمن ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيى ويميت (١). واعلم أني لم أرد أن أذكر القصص بأطرافها في هذا الكتاب، وإنما أذكر مَحالًّا يقع الانتقاد فيها على تلك الأمم ليجتنب التشبه بهم فيها، وقد اشتمل ما ذكرناه فيها عن نمرود وقومه على أمور قبيحة: ١ - فمنها: لباس ما هو من زي النساء من التاج المتخذ من الحرير المكلل بالدر والياقوت وغير ذلك، ومن الأردية والأقبية المتخذة من ذلك مما يحرم على الرجال . وقد حكى ابن دقيق العيد عن بعضهم: أن الحكمة في تحريم الحرير التشبه بالكفار. واستَدَلَّ له الحافظُ زين الدين العراقي بحديث حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تَلْبَسُوا الدِّيْبَاجَ وَالْحَرِيْرَ، وَلا تَشْرَبُوْا فِيْ آنِيَةِ الذَّهَبِ وَالْفِضةِ، وَلا تأْكُلُوْا فِيْ صِحَافِهَا؛ فَإِنَّهَا لَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَكُمْ فِي الآخِرَةِ". رواه الأئمة الستة (٢). وروى الشيخان، وأبو داود، والنسائي عن ابن عمر: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رأى حلة سيراء عند باب المسجد فقال:

стр. 3488

يا رسول الله! لو اشتريت هذه ولبستها يوم الجمعة، وللوفد إذا قدموا عليك. فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذهِ مَنْ لا خَلاقَ لَه" (١). ٢ - ومنها: الدعوة إلى عبادة النفس، وإعطائها فوق حقها . ونمرود في ذلك أسبق من فرعون، والمتشبهون بهما في ذلك هم الدجاجلة، وهم على قسمين: فمنهم من يدعو إلى اتباعه جهارًا. إما لدعوة النبوة كالدجاجلة الثلاثين المشار إليهم بقوله ﷺ ."إِنَّ بَيْنَ يَدَي السَّاعَةِ ثَلاثِيْنَ دَجَّالاً كَذَّابًا". رواه الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٢). روي أن هؤلاء يدَّعون النبوة. وفي حديث آخر: إنهم سبعون (٣). وإما لدعوى الألوهية كالأعور الذي يقتله عيسى ﵇، وهو الذي أنذر به كلُّ ذنبي كما روى الترمذي عن أنس رضي الله تعالى

стр. 3489

عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ نبَيٍّ إِلاَّ وَقَدْ أَنْزَرَ أُمَّتَهُ الأَعْوَرَ الْكَذَّابَ، أَلا إِنَّهُ أَعْوَرٌ وَإِن رَبَّكُمْ لَيْسَ بِأَعْوَر، مَكْتُوْب بَيْنَ عَيْنَيْهِ: كَفَرَ" (١). ومنهم: من يدعو إلى اتباعه وعبادته بالمعنى المفهوم من حاله كمن يريد من الناس أن يرفعوه في المجالس، ويعظِّموه في الخطاب لتزكية نفسه لا لغرض ديني، وهذا حال أكثر المفترين الجاهلين أقدارهم، المتعدين أطوارهم، بل هو حال كل ذي نفس إلا ما رحم ربي. قال سهل بن عبد الله التستَري رحمه الله تعالى: للنفس سر، وما ظهر ذلك السر على أحد إلا على فرعون حيث قال: أنا ربكم الأعلى (٢). وقد بيَّن شيخ الإسلام الجد رحمه الله تعالى هذا السر، فقال في التحذير من النفس في ألفيته المسماة بِـ: "الجوهر الفريد في أدب الصوفي والمريد": [من الرّجز] مَطْلُوبُها بِأَنْ نكُوْنَ ضِدَّا ... لِلَّهِ فِي مَطْلُوْبِهِ وَندَّا قَدْ طَلَبَ الثَّناءَ وَالْمَدْحَ لَه ... وَهْيَ تُرِيْدُ أَنْ تَكُوْنَ مِثْلَه وَطالَبَ الْعِبادَ أَنْ يَجْتَنِبوا ... خِلافَهُ وَهْيَ كَذَاكَ تَطْلُبُ وَطَلَبَ الْوَصْفَ بِجُودٍ وَكَرَم ... وَطَلَبَتْ ذَاكَ لَها وَلا جَرَم

стр. 3490

وإنَّهُ مالِكُهُم ... وَطَلَبَتْ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ وَجَل وقد زدنا هذه الأبيات إيضاحًا في "منبر التوحيد". ٣ - ومن أخلاق نمرود: التجبر - وهو التكبر - وقهر الغير، والاستيلاء عليه، أو على ماله، أو عرضه . والجبار: كل عات متمرد. والمتكبر الذي لا يرى لأحد عليه حقًا، فهو بين الجبرية [والجبرياء - مكسورتين - والجبرية] (١) - بكسرات - والجبروة، والجبروتي، والجبروت [- محركات -] (٢)، والتجبار، والجبروة - مفتوحات - والجبروة، والجبروت - مضمومتين - كما في "القاموس" (٣). والتجبر إنما يظهر ممن في قلبه القسوة والاحتقار للغير، والاستصغار له، ورؤية الفضل لنفسه فقط، ودعوى الحول والقوة لها. وقد قال رسول الله ﷺ : "الْجَبَرُوْتُ فِيْ الْقَلْبِ". رواه الحافظ أبو بكر بن لال في "مَكَارِمِ الأَخْلاقِ"، وأبو نعيم عن جابر رضي الله تعالى عنه (٤). وكان نمرود أول ملك تجبر في الأرض، وهو صاحب الصرح

стр. 3491

ببابل. أخرجه عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة (١). وروى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن زيد بن أسلم: أن أول جبار كان في الأرض نمرود، كان جباراً أربعمئة سنة، فعذبه الله تعالى ببعوضة دخلت منخره، فمكث أربعمئة سنة يضرب رأسه بالمطارق؛ أي: ليسكن إليه، وأرحم الناس به من جمع يديه ثم ضرب بهما رأسه (٢). والتجبر من أعظم الكبائر. قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾ [إبراهيم: ١٥]. وروى الترمذي، والحاكم في "المستدرك"، والبيهقي عن أسماء بنت عُميس رضي الله تعالى عنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَخَيَّلَ وَاخْتَالَ، وَنسِيَ الْكَبِيرَ الْمُتَعَال، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ تَجَبَّرَ وَاعْتَدَى، وَنَسِيَ الْجَبَّارَ الأَعْلَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ سَهَا وَلَهَا، وَنَسِيَ الْمَقَابِرَ وَالْبِلَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ عَتَا وَطَغَى، وَنَسِيَ الْمُبْتَدَا وَالْمُنتهَى، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتل الدُّنْيَا بِالدّينِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ يَخْتل الدّينَ بِالشُّبُهَاتِ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ طَمَعٌ يَقُودُهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ هَوًى يُضِلُّهُ، بِئْسَ الْعَبْدُ عَبْدٌ رَغَبٌ يُذِلُّه" (٣).

стр. 3492

وتخيل، واختال بمعنى: تكبر، والعطف تفسيري. والمعنى أنه لم يدع من الخيلاء بابًا حتى دخله، أو تخيل تكلف الخيلاء، واختال فعلها من غير تكلف. ويختل الدنيا بالدين؛ أي: يطلبها بعمل الآخرة. ويختل الدين بالشبهات؛ أي: يروغ عنه، ويخادع فيه. وروى ابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى قال: آية الجبار القتل بغير حق (١). وعن عكرمة رحمه الله تعالى قال: لا يكون الرجل جباراً حتى يقتل نفسين (٢). كأنه أخذه من قوله تعالى حكاية عن القبطي لموسى: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ١٩]. وروى ابن جرير عن الشعبي رحمه الله تعالى قال: من قتل رجلين فهو جبار، ثم تلا الآية (٣). وروى ابن أبي حاتم عن سفيان رحمه الله تعالى قال: الجبار الشقي الذي يقتل على الغضب (٤).

стр. 3493

وعن العوَّام بن حَوشب رحمه الله تعالى قال: إنك لا تكاد تجد عاقاً إلا تجده جبارًا، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢)﴾ [مريم: ٣٢] (١). وكذلك شأن الأنبياء ﵈ كلهم. وعن النبي ﷺ أنه قال: "أَرَأَيْتُمْ سُلَيْمَانَ وَمَا أَعْطَاهُ اللهُ مِنْ مُلْكِهِ؛ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَىْ السَّمَاءِ تَخَشُّعَا للهِ تَعَالَى حَتَّى قَبَضَهُ الله". أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد عن سلامان بن عامر الشيباني بلاغًا (٢). وقال الله تعالى لأفضلهم ﷺ : ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥]؛ أي: لست عليهم بمسلَّط تفعل بهم ما تريد، إنما أنت داع، ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ [ق: ٤٥]. ونظيره قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ (٢١) لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ (٢٢)﴾ [الغاشية: ٢١، ٢٢]؛ أي: بمتسلط. ويقال: منه سوطر عليهم، ويسيطر، وتسطير. ويقال: تصيطر - بالصاد - بمعناه. ومعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥]، النهي -وإن

стр. 3494

كان لفظه الخبر - ولذلك قال مجاهد في تفسيره: لا تتجبر عليهم (١). وقال قتادة في الآية: إن الله كره لنبيكم الجبرية، ونهى عنها، وقدم فيها (٢). رواهما ابن جرير، وابن المنذر. وروى الحاكم في "المستدرك" عن جرير ﵁ قال: أتي النبي ﷺ برجل تَرْعُد فرائصه فقال: "هَوِّنْ عَلَيْكَ؛ فَإِنَّمَا أنا ابْنُ امْرَأةٍ مِنْ قُرَيْشٍ كَانَتْ تَأْكُلُ الْقَدِيْدَ فِي هَذهِ الْبَطْحَاءِ"، ثم تلا جرير: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّارٍ﴾ [ق: ٤٥] (٣). وكذلك ينبغي للعلماء الذين هم ورثة الأنبياء التواضع، والتنزه عن التكبر والتجبر؛ فإن منشأهما الجهل بالأمور، وخصوصاً الجهل بمعرفة النفس. والأنبياء أعرف الناس بأخلاق النفوس، ومع ذلك قال قائلهم: ﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ﴾ [يوسف: ٥٣]. وقد جاء عن النبي ﷺ التعوذ من شر النفس (٤)، فالعالم إذا جهل بنفسه تكبر، ثم تجبر، فإذا علم بنفسه تواضع.

стр. 3495

ومن هنا قال ﷺ : "تَوَاضَعُوا لِمَن تَعْلَّمُوْنَ مِنْهُ، وَتَوَاضَعُوْا لِمَن تُعَلّمُوْنَ، وَلا تَكُوْنُوا جَبَابِرَةَ الْعُلَمَاءِ". أخرجه الخطيب في "الجامع" (١). وقال عمر رضي الله تعالى عنه: لا تكونوا جبابرة العلماء، فلا يفي علمكم بجهلكم (٢). قال حجة الإسلام رحمه الله تعالى في "الإحياء": ما أعز على بسيط الأرض عالما يستحق أن يقال: إنه عالم، ثم إنه لا يحركه عز العلم وخيلاؤه، فإن وجد ذلك فهو صديق زمانه، فلا ينبغي أن يفارق، بل يكون النظر إليه عبادة، فضلاً عن الاستفادة من أنفاسه وأحواله. قال: ولو عرفنا ذلك - ولو في أقصى الصين - لسعينا إليه رجاء أن تشملنا بركته، وتسري إلينا سيرته وسجيته، وهيهات، فأنى يسمح آخر الزمان بمثلهم، بل يَعِزُّ في زماننا عالم يختلج في نفسه الأسف والحزن على فوات هذه الخصلة، فذلك أيضًا إما معدوم وإما عزيز، ولولا بشارة النبي ﷺ بقوله: "سَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ مَنْ تَمَسَّكَ بِعُشْرِ

стр. 3496

مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ نَجَا" (١) لكان جديراً بنا أن نقتحم - والعياذ بالله - ورطة اليأس والقنوط مع ما نحن عليه من سوء أعمالنا. قال: ومن لنا أيضًا بالتمسك بعشر ما كانوا عليه، وليتنا تمسكنا بعشر عشره، فنسأل الله تعالى أن يعاملنا بما هو أهله، وأن يستر علينا قبائح أعمالنا كما يقتضيه كرمه وفضله، انتهى (٢). وهذا الذي قاله رضي الله تعالى عنه لا يتوصل إلى فهمه الآن كما فهمه إلا بقوارع الوعيد لمن وفقه الله تعالى، ونبهه لإيرادها على نفسه الأمَّارة بالسوء حتى تنزجر عن الطغيان والجبروت. وقد روى الترمذي وحسنه، وغيره عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَزَالُ الرَّجُلُ يَتَكَبَّرُ وَيَذْهَبُ بِنَفْسِهِ حَتَّىْ يُكْتَبَ فِي الْجَبَّارينَ، فَيُصِيْبَهُ مَا أَصَابَهُمْ" (٣)؛ أي: من العذاب والفتنة والهلاك.

стр. 3497

وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "تَحَاجَّت النَّارُ وَالْجَنَّةُ، فَقَالَتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بِالْمُتَكَبِرِينَ وَالْمُتَجَبِرِينَ، وَقَالَتِ الْجَنَّةُ: فَمَا لِي لا يَدْخُلُنِي إِلاَّ ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسقَطُهُمْ وَعجزُهُم؟ فَقَالَ اللَّهُ لِلْجَنَّةِ: أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَقَالَ لِلنَّارِ: أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمْ مِلْؤُهَا". الحديث (١). وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "يَخْرُجُ عُنُقٌ مِنَ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ عَيْنَانِ تُبْصِرَانِ، وَأُذْناَنِ تَسْمَعَانِ، وَلِسَان يَنْطِقُ يَقُوْلُ: إِنِّي وُكّلْتُ بِثَلاثَةٍ: بِكُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ، وَبِكُلِّ مَنْ دَعَا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَالْمُصَوّرِينَ" (٢). وعن محمد بن واسع رحمه الله تعالى قال: دخلت على بلال بن أبي بردة فقلت له: يا بلال! إن أباك حدثني عن أبيه؛ يعني: أبا موسى الأشعري ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ فِي جَهَنَّمَ وَادِيًا فِي الْوَادِي بِئْرٌ يُقَالُ لَهُ: هَبْهَب، حَقًّا عَلَىْ اللهِ أَنْ يُسْكِنَهُ كُلَّ جَبَّارٍ، فَإِيَّاكَ يَا بِلالُ أَنْ

стр. 3498

تَكُوْنَ مِمَّنْ يَسْكُنُهُ". أخرجه الطبراني في "الأوسط"، وسنده حسن (١). وروى الطبراني في "الكبير" عن عمرو بن شعواء ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "ستةٌ لعَنتهم، وكلُّ نبيٍّ مجاب: الزائد في كتاب الله، والمكذِّب بقدَرِ الله، والمستحِلّ من عِترتي ما حرَّم الله، والتارك لسنتي، والمستأثر بالغي، والمتجبر بسلطانه ليعِزَّ من أذلَّه الله، ويُذِلّ من أعزَّه الله" (٢). وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "البر والصلة" عن يحيى بن أبي كثير رحمه الله تعالى قال: قال سليمان بن داود ﵉: يا معشر الجبابرة! كيف تصنعون إذا وضع المنبر للقضاء؟ يا معشر الجبابرة! كيف تصنعون إذا لقيتم ربكم الجبار فرادى (٣)؟ وروى أبو نعيم في "الحلية" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى قال: عليك بالقصد في معيشتك، وإيّاك أن تتشبه بالجبابرة، وعليك بما تعرف من الطعام والشراب، واللباس، والمركب، ولتكن أهل مشورتك أهل التقوى، وأهل الأمانة، ومن يخشى الله (٤).

стр. 3499

ويحصل التشبه بالجبارين بكل فعل أو قول يشعر برؤية النفس، ورؤية ما لها دون ما عليها، والإعجاب برأيها وحالها كالتبختر، ورفع الصدر، والمرح في المشي، وتصعير الخد للناس، والتقدم عليهم في المجالس، والطعن عليهم بما في طيه تبرئة النفس منه، وكالتحجب والتمتع بالخُدَّام والأعوان، وغير ذلك. قال ابن وهب: جلست إلى عبد العزيز بن أبي رَوَّاد، فمس فخذي فخذه، فنحيت بسرعة، فأخذ ثيابي فجرني إلى نفسه، وقال لي: لم تفعلون بي ما تفعلون بالجبابرة، وإني لا أعرف رجلاً منكم شراً مني. نقله في "الإحياء" (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: أول من مشت الرجال معه وهو راكب: الأشعث بن قيس الكندي، ولقد أدركت السلف وهم إذا نظروا إلى رجل راكب ورجل تحصر معه قالوا: قاتله الله؛ جبارٌ (٢). وعن سليمان بن عنز: أنه لقي كريب بن أبرهة راكباً وراءه غلام له، فقال: سمعت أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه يقول: لا يزال العبد يزداد من الله بعداً كما مُشي خلفه (٣). وعن الحسن البصري رحمه الله تعالى قال: أمَ والله لئن تدقدقت

стр. 3500

لهم الهماليج، ووطئت الرجال أعقابهم؛ إن ذل المعصية في قلوبهم، ولقد أبى الله أن يعصيه عبد إلا أذله (١). وروى الحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ يكره أن يطأ أحد عقبه، ولكن يمين أو شمال (٢). وروى الإمام أحمد عنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يأكل متكئاً، ولا يطأ عقبه رجلان (٣). وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ لا يدفع عنه الناس، ولا يضربون عنه (٤). وكل هذه الأمور الظاهرة على الجوارح والهيئات إنما تنشأ عن جبروت القلب، وكلما تمكن الجبروت من القلب ظهرت تلك الأمور على الجوارح، وهي المعبَّر عنها بالتجبر، وعن فاعلها بالجبار، وإنما تَعَظَّم وتكثر بعظمة الجبروت في القلب، وبقدر عظمة وظهور تلك الأمور الناشئة عنه تكون العقوبة لارتكاب العبد الذليل المخلوق من غير شيء، ثم من شيء تافه حقير، ثم نزع إلى ما لا يليق به من صفات

стр. 3501

المربوب، وتوسَّع في طلبها، فاستوجب أوسع العقوبة كما قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ [مريم: ٦٧ - ٦٩]؛ أي: تكبراً وتجبراً ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ [مريم: ٧٠]. وهذه العقوبة التي يظهر سلطانها في الآخرة تظهر أماراتها في الدنيا بالطبع على القلوب بحيث إن ذويها لا يهتدون إلى خير، ولا تظهر عليهم آثار الرحمة لانتزاعها من قلوبهم، بل تظهر منهم آثار القسوة والجبروت. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥]. وقرأ أبو عمرو، وابن ذكوان هذه الآية بتنوين قلب على وصفه بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما، كما يقال: سمعت أذني، ونظرت عيني، ووعى قلبي (١). وهو أحسن من حَمْلِه على حذف المضاف؛ أي: على كل ذي قلب؛ فإن القلب في الحقيقة هو المتكبر الجبار؛ فإن الجوارح كالرعية له المنقادة إليه، فقد يبعثها في مقتضى طبعه وخلقه، فتظهر منها آثار جبروته، وقد ينطوي بطبعه وخلقه دونها لضعفه وعدم تمكنه بما يعرض عليه من عجز أو فقر، ثم لا يخفى منه ذلك الخلق حتى تظهر

стр. 3502

منه فلتات عند إمكانه الغرض، فيعلم من حاله أنه لولا العجز والقصور لتبسط في إظهار تلك الآثار كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن منيع، وابن أبي أسامة، وأبو الشيخ عن علي رضي الله تعالى عنه: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُكْتَبُ جَبَّاراً وَما يَمْلِكُ غَيْرَ أَهْلِ بَيْتِهِ" (١). وروى أبو نعيم في "حليته" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: مر رسول الله ﷺ في طريق، ومرت امرأة سوداء، فقال لها رجل: الطريق. فقالت: الطريق؟ الطريق يَمْنة وَيسْرة. فقال النبي ﷺ : "دَعُوْهَا؛ فَإِنَّهَا جَبَّارَةٌ" (٢). وفي رواية: أن النبي ﷺ مر في طريق وامرأة جالسة تسأل من مر بها، فقال لها بعض أصحابه: الطريق، الطريق. فقالت: إن شاء أخذ يمنة أو يسرة. فقال النبي ﷺ : "تَزْعُمُ أَنَّهَا مِسْكِيْنَةٌ". فقالَ: "إِنَّ ذَاكَ فِي قَلْبِهَا".

стр. 3503

فقد أطلت في هذا الفصل استغناء به عن عقد باب في النهي عن التشبه بالجبارين، ونمرود كان من أشدهم جبروتًا، وسائر أعماله الآتية ناشئة عن جبروته قبحه الله تعالى. ٤ - ومن أعمال نمرود وقومه ما لم يرد الشرع به من العقوبات، وخصوصًا لمن لا يستحق عقوبة، والمُثلة، وتعذيب الناس في غير قصاص ولا تأديب مأذون فيه . فإن هذا من جملة التمرد، والعناد، والظلم، والعتو، والفساد كما يقع كثيرًا من ظَلمة الولاة وعُتاة الأجناد. وقد روى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود عن هشام بن حكيم ابن حزام: أنه من بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس، وصبَّ على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج. فقال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِيْنَ يُعَذّبُوْنَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا". وفي رواية: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه فحدثه، فأمر بهم فحُلوا. وفي رواية أن هشام بن حكيم رضي الله تعالى عنهما وجد رجلًا وهو على حمص يشمِّس ناسًا من القبط في أداء الجزية (١).

стр. 3504

٥ - ومنها: أخذ الرجل بذنب غيره . وهذا يقع لحكام هذا العصر كثيرًا؛ ربما تغيَّب الرجل فأخذوا أباه أو أمه، أو أخاه، أو قريبه، وربما أخذوا جاره وألزموه بإحضاره. روى الإمام البيهقي في "سننه" عن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره حتى جاء إبراهيم ﵇؛ قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]؛ قال: بلغ ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم: ٣٨] (١). وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانوا قبل إبراهيم ﵇ يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم ﵇، فبلغ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم: ٣٨]؛ لا يؤخذ أحد بذنب غيره (٢). وذكر ابن عبد ربه في كتاب "العقد" عن الشيباني قال: ورد على الحجاج بن يوسف سليك بن سلكة فقال: أصلح الله الأمير! أعرني سمعك، واغضض عني بصرك، واكفف عني غربك (٣)؛ فإن سمعت خطأ أو زللاً فدونك والعقوبة. قال: قل. قال: عصى عاصٍ من عرض العشيرة، فحلق على اسمي، وهدم منزلي، وحرم عطائي.

стр. 3505

قال: هيهات أو ما سمعت قول الشاعر: [من الكامل] جانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ وَقَدْ ... تُعْدِي الصِّحاحَ مَبارِكُ الجُربِ وَلَرُبَّ مَأخُوْذٍ بِذَنْبِ عَشِيْرَةٍ ... وَنَجا الْمُقارِفُ صاحِبُ الذَّنْبِ فقال: أصلح الله الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا. قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ [يوسف: ٧٨، ٧٩]. فقال الحجاج: علي بيزيد بن أبي مسلم. فمثل بين يديه، فقال: افكك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطائه، وابن له منزله، وأمر منادياً ينادي: صدق الله وكذب الشاعر (١). ٦ - ومنها: اتخاذ الشرط والجلاوزة، ومن يأخذ الناس ويروعهم . وهذا يتفق في هذه الأمة، وقد جاء أنه من أشراط الساعة. ولا بأس للوالي باتخاذ من يرسله وراء الخصوم، ومن يباشر بين يديه الحدود والتعزيرات، وإنما المنكر ترويع البرآء، وأخذ الناس بالظلم والعنف، ومعاقبتهم بالتمثيل والتنكيل، وحمل الجلاوزة للأسواط التي هي مثل أذناب البقر ونحوها لترويع الناس.
следующие страницы →