← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.

стр. 3501

المربوب، وتوسَّع في طلبها، فاستوجب أوسع العقوبة كما قال تعالى: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ [مريم: ٦٧ - ٦٩]؛ أي: تكبراً وتجبراً ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ [مريم: ٧٠]. وهذه العقوبة التي يظهر سلطانها في الآخرة تظهر أماراتها في الدنيا بالطبع على القلوب بحيث إن ذويها لا يهتدون إلى خير، ولا تظهر عليهم آثار الرحمة لانتزاعها من قلوبهم، بل تظهر منهم آثار القسوة والجبروت. قال الله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ [غافر: ٣٥]. وقرأ أبو عمرو، وابن ذكوان هذه الآية بتنوين قلب على وصفه بالتكبر والتجبر لأنه منبعهما، كما يقال: سمعت أذني، ونظرت عيني، ووعى قلبي (١). وهو أحسن من حَمْلِه على حذف المضاف؛ أي: على كل ذي قلب؛ فإن القلب في الحقيقة هو المتكبر الجبار؛ فإن الجوارح كالرعية له المنقادة إليه، فقد يبعثها في مقتضى طبعه وخلقه، فتظهر منها آثار جبروته، وقد ينطوي بطبعه وخلقه دونها لضعفه وعدم تمكنه بما يعرض عليه من عجز أو فقر، ثم لا يخفى منه ذلك الخلق حتى تظهر

стр. 3502

منه فلتات عند إمكانه الغرض، فيعلم من حاله أنه لولا العجز والقصور لتبسط في إظهار تلك الآثار كما قال رسول الله ﷺ في الحديث الذي رواه ابن منيع، وابن أبي أسامة، وأبو الشيخ عن علي رضي الله تعالى عنه: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيُكْتَبُ جَبَّاراً وَما يَمْلِكُ غَيْرَ أَهْلِ بَيْتِهِ" (١). وروى أبو نعيم في "حليته" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: مر رسول الله ﷺ في طريق، ومرت امرأة سوداء، فقال لها رجل: الطريق. فقالت: الطريق؟ الطريق يَمْنة وَيسْرة. فقال النبي ﷺ : "دَعُوْهَا؛ فَإِنَّهَا جَبَّارَةٌ" (٢). وفي رواية: أن النبي ﷺ مر في طريق وامرأة جالسة تسأل من مر بها، فقال لها بعض أصحابه: الطريق، الطريق. فقالت: إن شاء أخذ يمنة أو يسرة. فقال النبي ﷺ : "تَزْعُمُ أَنَّهَا مِسْكِيْنَةٌ". فقالَ: "إِنَّ ذَاكَ فِي قَلْبِهَا".

стр. 3503

فقد أطلت في هذا الفصل استغناء به عن عقد باب في النهي عن التشبه بالجبارين، ونمرود كان من أشدهم جبروتًا، وسائر أعماله الآتية ناشئة عن جبروته قبحه الله تعالى. ٤ - ومن أعمال نمرود وقومه ما لم يرد الشرع به من العقوبات، وخصوصًا لمن لا يستحق عقوبة، والمُثلة، وتعذيب الناس في غير قصاص ولا تأديب مأذون فيه . فإن هذا من جملة التمرد، والعناد، والظلم، والعتو، والفساد كما يقع كثيرًا من ظَلمة الولاة وعُتاة الأجناد. وقد روى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود عن هشام بن حكيم ابن حزام: أنه من بالشام على أناس وقد أقيموا في الشمس، وصبَّ على رؤوسهم الزيت، فقال: ما هذا؟ قيل: يعذبون في الخراج. فقال: أما إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ يُعَذِّبُ الَّذِيْنَ يُعَذّبُوْنَ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا". وفي رواية: وأميرهم يومئذ عمير بن سعد على فلسطين، فدخل عليه فحدثه، فأمر بهم فحُلوا. وفي رواية أن هشام بن حكيم رضي الله تعالى عنهما وجد رجلًا وهو على حمص يشمِّس ناسًا من القبط في أداء الجزية (١).

стр. 3504

٥ - ومنها: أخذ الرجل بذنب غيره . وهذا يقع لحكام هذا العصر كثيرًا؛ ربما تغيَّب الرجل فأخذوا أباه أو أمه، أو أخاه، أو قريبه، وربما أخذوا جاره وألزموه بإحضاره. روى الإمام البيهقي في "سننه" عن عمرو بن أوس قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره حتى جاء إبراهيم ﵇؛ قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧]؛ قال: بلغ ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم: ٣٨] (١). وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانوا قبل إبراهيم ﵇ يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم ﵇، فبلغ: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى (٣٨)﴾ [النجم: ٣٨]؛ لا يؤخذ أحد بذنب غيره (٢). وذكر ابن عبد ربه في كتاب "العقد" عن الشيباني قال: ورد على الحجاج بن يوسف سليك بن سلكة فقال: أصلح الله الأمير! أعرني سمعك، واغضض عني بصرك، واكفف عني غربك (٣)؛ فإن سمعت خطأ أو زللاً فدونك والعقوبة. قال: قل. قال: عصى عاصٍ من عرض العشيرة، فحلق على اسمي، وهدم منزلي، وحرم عطائي.

стр. 3505

قال: هيهات أو ما سمعت قول الشاعر: [من الكامل] جانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ وَقَدْ ... تُعْدِي الصِّحاحَ مَبارِكُ الجُربِ وَلَرُبَّ مَأخُوْذٍ بِذَنْبِ عَشِيْرَةٍ ... وَنَجا الْمُقارِفُ صاحِبُ الذَّنْبِ فقال: أصلح الله الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا. قال: وما ذاك؟ قال: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (٧٩)﴾ [يوسف: ٧٨، ٧٩]. فقال الحجاج: علي بيزيد بن أبي مسلم. فمثل بين يديه، فقال: افكك لهذا عن اسمه، واصكك له بعطائه، وابن له منزله، وأمر منادياً ينادي: صدق الله وكذب الشاعر (١). ٦ - ومنها: اتخاذ الشرط والجلاوزة، ومن يأخذ الناس ويروعهم . وهذا يتفق في هذه الأمة، وقد جاء أنه من أشراط الساعة. ولا بأس للوالي باتخاذ من يرسله وراء الخصوم، ومن يباشر بين يديه الحدود والتعزيرات، وإنما المنكر ترويع البرآء، وأخذ الناس بالظلم والعنف، ومعاقبتهم بالتمثيل والتنكيل، وحمل الجلاوزة للأسواط التي هي مثل أذناب البقر ونحوها لترويع الناس.

стр. 3506

وأول من اتخذ الأعوان والشرط في الظلم والجور: نمرود. وقد روى أبو نعيم في "الحلية" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى: أنه مر ومعه بعض صحابه بشرطي نائم، وقد حان وقت الصلاة، فذهب صاحبه يحركه، فصاح سفيان به، فقال: يا أبا عبد الله! يصلي. قال: دعه لا صلى الله عليه، فما استراح الناس حتى نام هذا. وعنه أنه قال: إن استرشدك أحد من هؤلاء الطريق فلا ترشده (١). ٧ - ومنها: التنجيم والتكهن، وتصديق المنجم والكاهِن . وهذا هو الغالب الآن على أكثر الولاة والحكام حتى القضاة، بحيث إن من يتكهن لهم أو ينجم متسترًا بالتجفر والأوفاق (٢)، خصوصًا إذا وافق ما يخبرهم به قدرًا ولو في أمر جزئي يحبونه ويعظمونه، ويصلونه ويكرمونه، ولو كذب في عشر رجاء أن يصح خبره في واحدة. وإنما يباح من علم النجوم ما يعرف به أوقات الصلاة ومراسم العبادة، وما عدا ذلك فهو من أعمال الجاهلية. وأول من خاض في ذلك بغير علم: نمرود وقومه. قال الله تعالى حكاية عن إبراهيم ﵇: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ (٨٨) فَقَالَ إِنِّي سَقِيمٌ (٨٩)﴾ [الصافات: ٨٨، ٨٩].

стр. 3507

أوهم قومه أنه يعتقد ما يعتقدونه في النجوم من نسبة النفع والضرر، والصحة والسقم إليها. قال زيد بن أسلم: أرسل إليه ملكهم؛ يعني: نمرود فقال: إن لنا عيدًا فاخرج إليه، قال: فنظر إلى نجم فقال: إن ذا النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي، فتولوا عنه مدبرين. أخرجه ابن أبي حاتم (١). وقال سعيد بن المسيب: كايد نبي الله عن دينه. أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢). قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: تعلَّموا من النجوم ما تهتدوا به في ظلمات البر والبحر، ثم أمسكوا (٣). وأخرجه ابن السني، والديلمي من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما مرفوعًا، ولفظه: " تَعَلَّمُوْا مِنْ أَمْرِ النّجُوْمِ مَا تَهْتَدُوْنَ بِهِ فِيْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَانتهوا" (٤). وقال منصور الفقيه فيما ذكره عنه الخطيب في كتاب "القول في النجوم ": [من المتقارب]

стр. 3508

إِذا كُنْتَ تَزْعُمُ أَنَّ النُّجُو ... مَ تَضُرُّ وَتَنْفَعُ مَنْ تَحْتها فَلا تُنْكِرَنَّ عَلى مَنْ يَقُو ... لُ بِأَنَّكَ بِاللهِ أَشْرَكْتَها (١) وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَتَى عَرَّافًا أَوْ كَاهِنًا فَصَدَّقَهُ بِمَا يَقُوْلُ، فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَىْ مُحَمَّدٍ ﷺ " (٢). وروى الطبراني في "الكبير" عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أتى كَاهِنًا فَسَأَلَهُ عَنْ شَيْءٍ، حُجِبَتْ عَنْهُ التَّوْبَةُ أَرْبَعِيْنَ لَيْلَةً؛ فَإِنْ صَدَّقَهُ بِمَا قَالَهُ كَفَرَ" (٣). ٨ - ومنها: منع أحد الزوجين عن الآخر خشية حصول الولد ، وهو تعنت ممنوع منه، والعزل في معناه، وهو مكروه لقوله ﷺ : "ذَاكَ الْوَأْدُ الْخَفِيُّ". رواه مسلم (٤). ودليل الجواز قول جابر رضي الله تعالى عنه: كنا نعزل على عهد النبي ﷺ فلم ينهنا. رواه مسلم أيضًا (٥).

стр. 3509

٩ - ومنها: قتل الأطفال، والأمر بقتلهم . وهو من أقبح أنواع القتل المحرم، ومن ثم لا يباح قتل ذراري المشركين، وقد أوجب الشرع الشريف في الجنين الغرة، مع أنه لم تتحقق له حياة لعظم إتلاف النفوس عند الله تعالى. وأما قتل الخضر ﵇ للغلام فشيء أمره الله تعالى به لما سبق في علم الله تعالى من أنه لو عاش لأرهق أبويه طغيانًا وكفراً. ١٠ - ومنها: القتل من حيث هو، والأمر به ما لم يكن قصاصاً ولا حداً . وهذا معلوم من أحوال نمرود وغيره من جبابرة الملوك. روى الإمام أحمد عن مرثد بن عبد الله، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: سئل رسول الله ﷺ عن القاتل والآمر، فقال: "قُسِّمَت النَّارُ سَبعِيْنَ جُزْءًا؛ لِلآمِرِ تِسْعَةٌ وَسِتُوْنَ جُزْءًا، وَلِلْقَاتِلِ جُزْءٌ، وَحَسْبُهُ (١)؛ أي: ويكفيه جزؤه. وقوله: "قُسِّمَتِ النَّارُ"؛ أي: المعدَّه في عقوبة القتل. ١١ - ومنها: عبادة الكوكب، واعتقاد أنهَا مؤثرة، وأنها تضر وتنفع . وقال منصور الفقيه كما رواه عنه ابن السبكي، وغيره: [من مجزوء الرَّجز]

стр. 3510

مَنْ كانَ يَخْشَى زُحَلاً ... أَوْ كانَ يَرْجُو الْمُشْتَرِي فَإِنّنَي مِنْهُ وَلَوْ ... كانَ أَبِي الأَدْنى بَرِي (١) ١٢ - ومنها: اتخاذ الأصنام، وعبادتها . وهو من أقبح أنواع المعاصي، وأشد الكفر. وقريب من اتخاذها عمل آلات اللهو المحرمة، وقد علمت أن أول من اتخذها أولاد قابيل. ١٣ - ومنها: اعتقاد أن الحذر يدفع القدر . وقد روى الديلمي عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ قال: "لا يَنْفَعُ حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ" (٢). ورواه الحاكم في "المستدرك"، ولفظه: "لا يُغْنِي حَذَرٌ مِنْ قَدَرٍ" (٣). ١٤ - ومنها: الفرار من الطاعون مع أنه لا يرد شيئًا من قدر الله تعالى . قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦)﴾ [الأحزاب: ١٦].

стр. 3511

وذكر أبو الحسن المدائني: أنه قلما فر من الطاعون أحد فسلم. واستنبطه الشيخ تقي الدين السبكي من هذه الآية، وهو ظاهر. وقال ولده الشيخ تاج الدين: إنه مجرب، وليس ببعيد أن يجعل الله تعالى الفرار منه سببًا لقصر العمر. وقال ابن قتيبة في "مختلف الحديث": حدثني سهل قال: حدثني الأصمعي عن بعض البصريين: أنه هرب من الطاعون، فركب حماراً ومضى بأهله نحو سفوان، فسمع حاديًا يحدو خلفه وهو يقول: [من الرَّجز] لَنْ يُسْبقَ الله عَلى حِمارِ ... وَلا عَلى ذِي ميعةٍ طَيَّارِ أَوْ يأتِي الْحَتْفُ عَلى مِقْدارِ ... قَدْ يُصْبحُ اللهُ أَمام السَّارِي ثم وقع به الطاعون قبل الصباح، فهلك منه (١). وروى الشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه خرج إلى الشام حتى إذا كان بِسَرْغ لقيه أمراء الأجناد؛ أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام. قال ابن عباس: فقال عمر: ادع لي المهاجرين الأولين، فد عوتهم، فاستشارهم، فاختلفوا، فقال: ارتفعوا عني. ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم، فاختلفوا، فقال: ارتفعوا عني.

стр. 3512

فقال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجِرة الفتح، فدعوتهم، فلم يختلف عليه رجلان؛ فقالوا: نرى أن نرجع بالناس ولا ندعهم على هذا الوباء. فنادى عمر رضي الله تعالى عنه في الناس: إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه. فقال أبو عبيدة ﵁: أفرارًا من قدر الله؟ [فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله] (١)، أرأيت لو أن لك إبلاً كثيرة فهبطت واديًا له عُدْوتان؛ إحداهما خصبة، والأخرى جَدْبة، ألست إن رعيت الخصبة رعيتها بإذن الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه - وكان متغيباً في بعض حاجته - فقال: إن عندي من هذا لعلمًا؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بأَرْضٍ فَلا تَقْدُمُوْا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ". قال: فحمد اللهَ عمرُ، ثم انصرف (٢). وسرغ - بفتح السين المهملة، وإسكان الراء، وبالغين المعجمة - مدينة بالشام افتتحها أبو عبيدة بن الجراح هي واليرموك، والجابية، والرمادة متصلة.

стр. 3513

وفي "المطالع" عن مالك: أن سرغ قرية بوادي تبوك من طريق الشام، وهي آخر عمل الحجاز (١). قال أبو عمر بن عبد البر: الطاعون موت شامل لا يحل لأحد أن يفر من أرض نزل فيها إذا كان من ساكنيها، ولا أن يقدم عليه إذا كان خارجًا عن الأرض التي نزل بها. وقال ابن السبكي: مذهبنا - وهو الذي عليه الأكثر - أن النهي عن الفرار منه للتحريم؛ قال: واتفقوا على جواز الخروج لشغل غرض غير الفرار (٢). ويدل للتحريم ما رواه الإمام أحمد، وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "الْفَارُّ مِنَ الطَّاعُوْنِ كَالفَارِّ مِنَ الزَّحْفِ" (٣). ورواه الإمام أحمد، وابن خزيمة في "صحيحه" عن جابر ﵁، وزاد فيه: "وَالصَّابِرُ فِيْهِ كَالصَّابِرِ فِي الزَّحْفِ" (٤). وقد علم من قصة عمر المارَّة رضي الله تعالى عنه: أن الامتناع من دخول بلد الطاعون ليس من الفرار منه ولا فيه معناه، وإنما هو من باب الأخذ بالحزم والحذر، والدفع للأوهام المشوشة، والخوف عليه

стр. 3514

من سوء الاعتقاد. ومن هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "لا يُوْرَدُ مُمْرِضٌ عَلَىْ مُصِحٍّ". رواه الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجه (١). وحديثه أيضًا: "لا عَدْوَى، وَلا طَيَرَةَ، وَلا هَامَّةَ، وَلا صَفَرَ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُوْمِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ". رواه البخاري (٢). وفي قوله: "مِنَ الْمَجْذُومِ" بعد نفي الطيرة والعدوى إشارةٌ إلى أن ذلك ليس من هذا الباب، وكذلك الحديث. قيل: بل هو من باب الخوف على ضعفاء الأمة من سوء الاعتقاد، وإلا فقد أخذ النبي ﷺ بيد مجذوم فوضعها مَعَهُ في القصعة، وقال: "كل بسم الله، ثقةً بالله، وتوكلاً عليه". رواه ابن خزيمة في "صحيحه" (٣). وأمَّا وجه النهي عن الفرار من بلد الطاعون فقال بعض العلماء: إن الطاعون إذا وقع في البلد عمَّ جميعَ من فيه بمداخلة سببه، فلا يفيد الفرار منه مع ما ينضاف إلى ذلك من مشقات السفر المزعجة للبدن، المضاعِفة للألم، ومن ثم كان الأصح أن تصرفات الصحيح في بلد الطاعون حال وقوعه كتصرفات المريض مرض الموت.

стр. 3515

وأيضاً لو توارد الناس على الخروج من البلد بقي من وقع به الطاعون عاجزاً عن الخروج، فضاعت مصالح المرضى لفقد من يتعهدهم، والموتى لفقد من يجهزهم؛ والله أعلم. ١٥ - ومن قبائح قوم نمرود: تسمية الحق والعدل ظلماً في قولهم: ﴿مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩)﴾ [الأنبياء: ٥٩] . وفي معناه محمد المعروف منكرًا، والقيام بالحق تعديًا، كما يتفق لحكام زماننا من إنكار فسقتهم على من ينكر أخذ المكوس، أو يعرض إليهم في رفع الظلامات، ويقولون: إنه خائن في مال السلطان، مقصر في أمر الخزينة، وربما كان هذا ذنبًا عظيمًا عندهم، وربما جعلوه سببًا لعزل كثير من الولايات. والحاصل أنهم يسمون الأمانة خيانة، والخيانة أمانة، وهذه من أقبح أخلاق النماردة. ١٦ - ومنها: حضور من يضرب، أو يقتل، أو يهان ظلماً حيث قالوا: ﴿فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١)﴾ [الأنبياء: ٦١] كما تقدم عن ابن إسحاق . وهذا محرم في شريعتنا لمن لا يقدر على الدفع عن المظلوم، وهو حال غوغاء الناس ورذالهم في اتباع من يمثل به ويطاف به ليقتل أو ليعزر، وهو لا يستحق شيئًا من ذلك، وكذلك مشاهدة كل منكر من غير إنكار لمن يمكنه التغيب عنه أو الإنكار. وقد روى البيهقي بسند حسن، عن ابن عباس رضي الله تعالى

стр. 3516

عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقِفَنَّ عِنْدَ رَجُلٍ يُقْتَلُ مَظْلُوْمًا؛ فَإِنَّ اللَّعْنَةَ تَنْزِلُ عَلَى مَن حَضَرَه". قال: وقال رسول الله ﷺ : "لا يَنْبَغِي لامْرِئٍ شَهِدَ مَقَامًا فِيهِ حَقٌّ إِلاَّ تَكَلَّمَ بِهِ؛ فَإِنَّهُ لَنْ يُقَدمَ أَجَلُهُ، وَلَنْ يَحْرِمَهُ رِزْقًا هُوَ لَهُ" (١). قال في "الإحياء": وهذا الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دُور الظلمة والفسقة، ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره. قال: ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز. قال: ولهذا اختار جماعة من السلف العزلة لمشاهدتهم المنكرات في الأسواق والأعياد والمجامع، وعجزهم عن التغيير، وهذا يقتضي لزوم الحجرة، انتهى (٢). ومن هنا يعرف تحريم الدوران في الأسواق حين تزين بالحرير والصور لبشارة ونحوها للنظر إليها، والتنزه فيها. وقد نص على تحريمه ابن الرفعة، وغيره؛ وإن وقع ذلك ممن يتظاهر في أزمنتنا بالعلم فلا يعتد به لأنهم ليسوا بقدوة، ولا تورطهم

стр. 3517

في ذلك يعارض به منقول المذهب؛ والله الموفق. ١٧ - ومن أعمال النماردة: الردة وجحود الحق بعد الاعتراف به . ألا ترى أنهم نكسوا على رؤوسهم بعد ما رجعوا إلى أنفسهم، وقالوا: ﴿إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤)﴾ [الأنبياء: ٦٤]؟ والردة من أعظم أنواع الكفر، ويكفي في تهويل أمرها أن المرتد لا يقر بعهد ولا أمان، ولا يقبل منه إلا الإسلام أو يقتل، ولا يدفن في مقابر المسلمين. روى الإمام أحمد، والبخاري، والأربعة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ بَدَّلَ دِيْنَهُ فَاقْتُلُوْهُ" (١). ورواه الطبراني من رواية عصمة بن مالك رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "مَنِ ارْتَدَّ عَنْ دِيْنِهِ" (٢). ١٨ - ومنها: العقوبة بحرق النار . ويحرم في شريعتنا تعذيب الحيوان بالنار فضلاً عن الإنسان

стр. 3518

لقوله ﷺ : "لا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إِلاَّ رَبُّ النَّارِ". رواه أبو داود عن ابن مسعود ﵁ (١). والمراد برب النار الذي خلقها قطعًا. وما روي عن الخلفاء الأربعة من تحريق اللوطي بالنار فإنه كان حين لم يبلغهم الحديث. ١٩ - ومنها: الإشارة بالأمر من غير رَوِيَّة ولا تأمُّل، والإشارة بالسوء وبما لا يحل فعله . ألا ترى إلى قولهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨]؛ فإن هذا كان إشارة من بعضهم حين تجاوزوا في أمر إبراهيم ﵇، وتشاوروا فيه. وروى ابن جرير عن مجاهد قال: تلوت هذه الآية على عبد الله ابن عمر رضي الله تعالى عنهما فقال: أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم ﵇ بالنار؟ قلت: لا. قال: رجل من أعراب فارس؛ يعني: الأكراد (٢).

стр. 3519

وقرأت بخط والدي رحمه الله تعالى: أن الكردي الذي أشار بالتحريق يقال له: هِزَر. وقال "الكشاف": إن الذي أشار بإحراقه نمرود (١). ٢٠ - ومنها: التقليد لغير من هو قدوة، وضعف الرأي ، والاسترواح في الدين لما وقع في محاورتهم لإبراهيم ﵇ حين قال لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣)﴾ [الأنبياء: ٥٢، ٥٣]. قال في "الكشاف" عند هذه الآية: ما أقبح التقليد، والقول المتقبَّل بغير برهان! وما أعظم كيد الشيطان للمقلدين حتى استدرجهم إلى أن قلدوا آباءهم في عبادة التماثيل، وعفَّروا بها جباههم، وهم معتقدون أنهم على شيء، وجادون في نصرة مذهبهم، مجادلون لأهل الحق على باطلهم، وكفى أهل التقليد سُبة أن عبدة الأصنام منهم، انتهى (٢). ولم يكن التقليد مخصوصًا بقوم إبراهيم ﵇، بل هو شأن سائر الأمم يدعوهم إليه مترفوهم، ويحتجون به لهم وعنهم؛ لأن بطرهم وإترافهم منعهم من النظر في الأمور، وأخذها من أدلتها مستروحين إلى التقليد لأنهم يجدونه أهون عليهم. ولقد حكى الله تعالى التقليد عن الأمم بعد أن ذم به قريشًا، فقال:

стр. 3520

﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ [الزخرف: ٢٢، ٢٣]. وإنما قالت قريش: مهتدون، ولم يقولوا كالأمم: مقتدون زعمًا منهم أنهم أرباب العقول كآبائهم، وأنهم لم يقلدوهم إلا في هدى، وهم كاذبون في ذلك، ولذلك رد الله عليهم بقوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾ [الزخرف: ٢٤]. إنما قال: ﴿بِأَهْدَى﴾ على وجه إرخاء العنان للخصم ليظهر عليه الحجة كأن يقول: هب أن ما أنتم عليه وآباؤكم من قبلكم هدى -وإن كان ليس من الهدى في شيء- فلو جئتكم بأهدى منه أكنتم تتبعونه وتؤمنون به؟ وفيه دليل على أن الأهدى والأصح أولى بالعمل به، بل لا يعدل عنه: ﴿قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٢٤)﴾ [الزخرف: ٢٤]. وهذا غاية العناد، ونهاية الامتناع عن قبول الحق، وإغراق في الحمية، وغلو في التهالك والضلال؛ فلذلك عوجلوا بالعقوبة بالقحط والقتل كما قال تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (٢٥)﴾ [الزخرف: ٢٥]. ٢١ - ومنها: الجهل، والحيرة، والحماقة . قال ابن جريح: خرج إبراهيم ﵇ من النار يعرق لم

стр. 3521

تحرق النار إلا وثاقه، فأخذوا شيخًا منهم، فجعلوه على نار كذلك، فاحترق. ورواه ابن المنذر، وأخرجه عنه ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ [الأنبياء: ٧٠]: ألقوا شيخاً في النار منهم لأن يصيبوا نجاته كما نجا إبراهيم، فاحترق (١). أراد ابن جريح أن الله تعالى رد كيدهم في نحورهم، فخسروا صاحبهم حين رأوا النار صارت برداً وسلامًا على إبراهيم، فحسبوها أنها كذلك على غيره، فألقوا صاحبهم فيها ليبصروا نجاته منها، وأي غباوة وجهل أعظم من هذا؛ يرون الوثاق قد احترق، وإبراهيم قد نجا، والبصيرة تشهد بذلك أن نجاته مع احتراق الوثاق إنما هي معجزة له تصديقًا لما جاء به من الحق، وإبطال أمر آلهتهم، فزعموا أن هذه الخصوصية لكل من ألقي في تلك النار. وقيل: إن ذلك الشيخ المحترق أبو لوط عم إبراهيم، قال: إن النار لم تحرق إبراهيم من أجل قرابته مني، فأرسل الله عنقاً من النار فأحرقته. رواه عبد بن حميد عن سليمان بن صرد (٢). ٢٢ - ومنها: الاحتكار . وهو شراء القوت في زمن الغلاء، وحبسه ليبيعه عندما تمس حاجة الناس إليه بأغلى من ثمنه الذي اشتراه به؛ وهو حرام.

стр. 3522

وذهب بعض العلماء إلى تحريم الاحتكار في كل شيء العموم أكثر الأحاديث. روى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ خَاطِئٌ، وَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللهِ وَرَسُوْلهِ" (١). وروى الإمام أحمد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنِ احْتَكَرَ الطَّعَامَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فَقَدْ بَرِئ مِنَ اللهِ، وَبَرِئ اللهُ تَعَالَى مِنْهُ" (٢). وروى الحاكم وصححه عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمُحْتَكِرُ مَلْعُوْنٌ". وروى ابن ماجه عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْجَالِبُ مَرْزُوْقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُوْنٌ " (٣). وعنه رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:

стр. 3523

"مَنِ احْتَكَرَ عَلى الْمُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ اللهُ بِالجُذَامِ والإِفْلاسِ" (١). وروى ابن عساكر عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَمَنَّى عَلَى أُمَّتِي الْغَلاءَ ليْلَةً وَاحِدًةً أَحْبَطَ اللهُ عَمَلَهُ أَرْبَعِيْنَ سَنَةً" (٢). والأحاديث في هذا الباب كثيرة. * لَطِيْفَةٌ: روى الثعلبي وإسناده، وذكره القرطبي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ امْتَنَّ عَلَى ابْنِ آدَمَ بِثَلاثٍ بَعْدَ ثَلاثٍ: بِالرِّيْحِ بَعْدَ الرُّوحِ؛ فَلَوْلا أَنَّ الرِّيْحَ تَقَعُ بَعْدَ الرُّوْحِ مَا دَفَنَ حَمِيْمٌ حَمِيْمًا، وَبِالدُّوْدَةِ فِي الْحَبَّةِ؛ فَلَوْلا أَنَّ الدُّوْدَةَ تَقَعُ فِي الْحَبَّةِ لاكْتَنَزَهَا الْمُلُوْكُ وَكَانَت خَيْرًا لَهُمْ مِنَ الدَّنَانِيْرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَبِالْمَوْتِ بَعْدَ الْكِبَرِ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْبُرُ حَتَّىْ يَملَّ نَفْسَهُ وَيَملَّهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ وَأَقْرِبَاؤُهُ، فَكَانَ الْمَوْتُ خَيْرًا لَهُ"، وفي رواية: "أَسْتَرَ لَهُ" (٣).

стр. 3524

٢٣ - ومنها: السجود لغير الله تعالى . كما يفعله الأجناد مع ملوكهم من تقبيل الأرض بين أيديهم المستلزم لسجودهم، وكما يفعله بعض الناس لبعضٍ من الانحناء كالرَّاكع. وقد نقل الحافظ ولي الدين العراقي الإجماع على تحريمه، فإن قصدوا بذلك العبادة كان كفراً. وقال رسول الله ﷺ : "لَوْ كُنْتُ آمُرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ الْمَرْأةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا". رواه الإمام أحمد عن معاذ ﵁، والترمذي عن أبي هريرة، وابن ماجه عن عبد الله بن أبي أوفى، والحاكم وصححه، واللفظ له، عن بريدة، وأبو داود، والحاكم وصححه عن قيس بن سعد رضي الله تعالى عنهم أجمعين (١). وسيأتي الكلام على ذلك في النهي عن التشبه بأهل الكتاب أيضًا؛ والله الموفق. * لَطِيْفَةٌ: انظر في حكمة الله تعالى كيف بلغ نمرود الغاية في التجبر والقوة، فقتله الله تعالى بما بلغ الغاية في الضعف وهو البعوض، فقد

стр. 3525

ثبت أن بعوضة دخلت دماغه، ودامت فيه حتى قتلته. ولطف أبو علي الحسن بن رشيق القيرواني في قوله: [من الكامل] قَدْ كُنْتُ لا أَقْوى عَلى حَمْلِ ... وَبكَ اسْتَعَنْتُ عَلى الضعِيْفِ الْمُوْذي ماَ لي بَعَثْتَ إِلَيَّ أَلْفَ بَعُوضَةٍ ... وَبَعَثْتَ واحِدَةً إِلى نَمْرُوذِ وقد استعمل نمروذ بالذال المعجمة، والذي في "القاموس" أنه بالمهملة، ولعلهما جائزان، أو هو باللغة السريانية بالمعجمة، فعرب بالمهملة (١). ونظير ما ذكرناه في نمرود تعذيب فرعون وقومه بالجراد، والقمل، والضفادع؛ وما يعلم جنود ربك إلا هو . ***

стр. 3526

(٨) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِقَومِ لُوطٍ ﵇

стр. 3527

(٨) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِقَومِ لُوطٍ ﵇ وهم أول من أتى في الدُّبر، وهي أشنع فعلة فعلوها بعد الكفر بالله تعالى. قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الأعراف: ٨٠]. أي: واذكر لوطًا، وهو ابن أخي إبراهيم ﵉، أو ابن عمه، وهو لوط بن هاران بن تارخ المسمى في القرآن العظيم: آزر. وكان من أمر لوط ﵇ أنه هاجر مع عمه إبراهيم ﵇ من أرض الكوفة إلى الشام، فنزل إبراهيم فلسطين، ولوط الأردن، فأرسله الله تعالى في أهل سَدوم وأربع قرى تليها، وكانوا من أخبث الناس وأشدهم كفراً. قال ابن إسحاق: كان لهم ثمار وقرى لم يكن في الأرض مثلها، فقصدهم الناس، فآذوهم، فعرض لهم إبليس لعنه الله في سورة شيخ، فقال: إن فعلتم بهم كذا وكذا - يعني: إتيان الدبر - تنحوا

стр. 3528

عنكم، ففعلوا، واستحكم فيهم ذلك (١). قال الحسن: وكانوا لا ينكحون إلا الغرباء (٢). وقال آخرون: إنما فعلوا ذلك لطلب اللذة وقضاء الشهوة. وتقدم عن الكلبي: أن أول من فعل به ذلك إبليس قبحه الله حين أخصبت بلادهم، وكان لوط ﵇ ينهاهم، ويؤنب عليهم، وهو دائمون على طغيانهم حتى أهلكهم الله تعالى؛ أمر جبريل ﵇ فرفع مدائنهم حتى سمع أهل السماء صياح الديكة ونباح الكلاب، ثم قلبها بهم، وأتبعوا بحجارة من سجيل منضود مسوَّمة. وقد اشتملوا على خبائث: ١ - منها: الكفر بالله تعالى . - ومنها: عمل الفاحشة المشهورة عنهم؛ أعني: إتيان الذكور، وهي من أكبر الكبائر. وحد فاعلها عند الشافعي رضي الله تعالى عنه كحد الزنا، وعلى المفعول به الجلد. وقال مالك، وأحمد رضي الله تعالى عنهما: يرجم اللوطي؛ أُحْصِنَ، أم لا (٣).

стр. 3529

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ينظر أعلى شاهق في القرية فيلقى منه منكسًا، ثم يتبع بالحجارة (١). وبه قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه (٢). ومهما أطلق عمل قوم لوط فالمراد به ذلك، كما في قوله ﷺ : "مَلْعُوْنٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ" - ثلاثًا -. رواه الإمام أحمد، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وصححه ابن حبان (٣). ولا ينبغي أن يراد به سائر أعمالهم الآتية؛ لأن منها ما هو حرام في شريعتنا. ولم يسبق قوم لوط إلى هذه الفعلة أحد بنص القرآن العظيم. وقال عمرو بن دينار رحمه الله تعالى: ما نزا ذكر على ذكر في الدنيا حتى كان قوم لوط. أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، والبيهقي، وغيرهم (٤). وهذا يدل على أنهم سبقوا البهائم التي سيأتي عنها أنها تعمل

стр. 3530

عمل قوم لوط كالخنزير، والحمار. ولقائل أن يقول: إنما سبقوا إليها غيرهم من الناس أو من الثقلين كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الأعراف: ٨٠] لأن أحداً مخصوص بالعقلاء، وكذلك العالمون. وذلك من البهائم وإن كان غير المعهود منها إنما يتعجب منه، ولا يطلب فيه الإنكار على سبيل التعييرة؛ لأنها غير مكلفة. وذهب بعض الملاحدة إلى أن قوم لوط سُبقوا إلى ذلك - أي: من البشر - وهو ضلال ومصادمة للقرآن العظيم. ولا يقال: إن إبليس سبقهم إلى ذلك حين دعاهم إلى نفسه كما نقلناه عن الكلبي، بل نقول: إن الذي في القرآن أنهم لم يسبقوا إلى ذلك من حيث الفاعلية لا من حيث المفعولية، فهم أول من فعل ذلك، وإبليس أول من فعل به ذلك، وأول ما فعلوا ذلك هم بإبليس لعنه الله وإياهم. وأمَّا ما رواه أبو أحمد العسكري في كتاب "المواعظ والزواجر" عن خالد بن يزيد قال: سئل وهب بن منبه عن قوله : ﴿إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾ [الكهف: ٩٤]: ما فسادهم؟ قال: كانوا يلاوطون الناس (١).

стр. 3531

فهو محمول على أن يأجوج ومأجوج كانوا بعدهم، أو في زمانهم لما رواه أبو بكر بن مردويه عن عبيد بن عمير: أن ذا القرنين حج ماشياً، فسمع به إبراهيم ﵇، فتلقاه (١). فهذا الأثر يدل على أنهم كانوا وقوم لوط في زمان واحد؛ فإن إبراهيم ﵇ بقي زمانًا بعد هلاك قوم لوط. ولا يَرِدُ على ذلك ما ذكر في الأثر مما يدل على أن يأجوج ومأجوج أمتان قديمتان لأنا نقول: إنهم - وإن تقدموا قوم لوط زمانًا - فإن هذا الفساد لم يكن منهم حتى فعله قوم لوط. وعلى ما ذكره وهب في تفسير قوله تعالى حكاية عن القوم الذين وجدهم الإسكندر ذو القرنين: ﴿قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (٩٤)﴾ [الكهف: ٩٤]: هذه إشارة إلى أن من غلب عليه عمل قوم لوط إذا لم يهلكه الحد أو يصلحه فينبغي أن يُهجر، ويطرد، ويحبس عن مخالطة السالمين من ذلك لئلا يفسدهم؛ ألا ترى أن ذلك كان سبباً لسد ذي القرنين على يأجوج ومأجوج؟ ومن هنا قال إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه بتعذيب اللوطي كالزاني.

стр. 3532

بل روى البيهقي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: أول من اتهم بالأمر القبيح - يعني: عمل قوم لوط - اتهم به رجل على عهد عمر رضي الله تعالى عنه، فأمر عمر بعض شباب قريش أن لا يجالسوه (١). وقيل: إن فساد يأجوج ومأجوج أنهم كانوا يأكلون الناس. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حبيب الأوصابي (٢). وممَّا لم أجده منقولًا، وهو مما يتعين بيانه أنك إذا تأملت القرآن وجدته مصرحًا بذم الفاعلية؛ ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (٨١)﴾ [الأعراف: ٨٠، ٨١]؟ وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ لُوطٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٦١) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٦٢) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٦٣) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٤) أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء: ١٦٠ - ١٦٦]؟ وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (٥٥)﴾ [النمل: ٥٤، ٥٥]؟

стр. 3533

وقوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾ [العنكبوت: ٢٨، ٢٩]؟ فقد وقع التصريح في كتاب الله تعالى بذم الفاعلية، ولم يقع التصريح بذم المفعولية مع أنها أفحش لِوجوه: أحدها: أن ذم المفعولية مفهوم بالأولوية؛ فإنه إذا ذم ذلك فاعلية والذكر محل الفاعلية من حيث عدول الفاعل عن المأتي المأذون له فيه فكيف بالمفعولية، والذكر ليس بمحل لها بالكلية؟ الثاني: أن الوجه فيه أنهم إنما كانوا يفعلونه بالغرباء لما سبق عن الحَسَن، ثم فشا فيهم حتى دعتهم الشهوة إلى فعل بعضهم ببعض. الثالث: أن المفعولية - وإن كانت أقبح - إلا أن الفاعلية أسبق، وهي داعية للمفعولية، فإن اعتياد الذَّكَر أن يفعل به الفاحشة يؤدي به إلى مرض الأُبْنة، فيصير طالباً للمفعولية بعد ما كان مطلوبًا، أو مكرهًا عليها، فكان الفاعل عليه إثم فعله، وإثم ما أدى إليه فعله من انتهاء المفعول فيه إلى طلب المفعولية وانقلاب حاله. الرابع: أن الفاعلية ربما عدها الجاهل محمودة منه، بل ربما أدى به الجهل إلى التمدح بها والإنكار على من ينكر عليه؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ [النمل: ٥٦]، ﴿وَمَا

стр. 3534

كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ [الأعراف: ٨٢]؟ أي: يمتنعون عن إتيان الذُّكران، ويستنكفون منه، ويعدونه طهارة. وإنما أطلقوا التطهر على امتناعهم منه تهكمًا واستهزاء، فكان ذلك منهم أقبح من فعلهم، فقد أساؤوا عملاً، وقولاً، وأدبًا، واستطالوا على البرآء من فواحشهم، ولذلك امتن الله تعالى على لوط ﵇ بهلاكهم، فقال تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾ [الأنبياء: ٧٤، ٧٥]. ونسب عمل الخبائث إلى القرية، وأراد أهلها مجازاً مبالغة في التنفير عن الخبائث من حيث إن المكان الذي تعمل فيه صار مذموماً، تُعَدُّ النجاة منه والبعد عنه نعمة ومنة، فكيف بالفاعل؟ ! وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾ [الأعراف: ٨٣]؛ أي: الباقين حتى هلكت معهم لأنها كانت ترضى عملهم، وتدلهم على الغرباء، ودلتهم على أضياف لوط، ولذلك قال تعالى للوط ﵇: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ [هود: ٨١]. ولقد كانت نجاته بطلب منه إلى الله تعالى، ولجأ إليه حين واجهوه بالسوء كما قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧) قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾ [الشعراء: ١٦٧، ١٦٨]؛ أي: المبغضين غاية البغض ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا

стр. 3535

يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾ [الشعراء: ١٦٩]؛ أي: من شؤمه وعذابه. قال تعالى: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠) إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ (١٧١) ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ [الشعراء: ١٧٠ - ١٧٣]. أي: مطرًا عظيمًا هائلاً فظيعاً، وهو الحجارة كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ [هود: ٨٢، ٨٣]؛ أي: من الظالمين بمثل جريرتهم، أو مطلقًا من هذه الآية ببعيد. وفيه إيماء إلى أن من يعمل عملهم حري بمثل هلاكهم، وهو وعيد شديد للمتلوطين. والآثار والنصوص المشيرة إلى النهي عن ذلك، والتنفير منه كثيرة. ومن غُرر الأخبار ما روى الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي مِن بَعْدِي عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ " (١). وروى أبو داود الطيالسي، والطبراني، والبيهقي عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا أتى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَهُمَا زَانِيَانِ " (٢).

стр. 3536

وروى الخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ مِن أُمَّتِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوْط نقَلَهُ اللهُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يُحْشَرَ مَعَهُمْ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ سَبْعَة مِنْ خَلْقِهِ مِنْ فَوْقِ سَبع سَمَاوَاتِهِ، وَرَدَّدَ اللَّعْنَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلاثًا، وَلَعَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَعْنَةً تَكْفِيهِ، فَقَالَ: مَلْعُون مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، مَلْعُون مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ أتَى شَيْئًا مِنَ الْبَهَائِمِ، مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، مَلْعُونٌ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأةٍ وابْنَتِهَا، مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ حُدُودَ الأَرْضِ، مَلْعُون مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ" (٢). وروى ابن الجوزي في كتاب "ذم الهوى" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَبَّلَ غُلامًا بِشَهْوَةٍ عَذَّبَهُ اللهُ بِالنَّارِ ألفَ سَنَةٍ، وَمَنْ جَامَعَهُ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ - وَريحُهَا يُوْجَدُ مِنْ

стр. 3537

مَسِيْرَةِ خَمْسِمئَةِ عَامٍ - إِلاَّ أَنْ يَتُوْبَ" (١). وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: يحشر اللوطيون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير (٢). وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من خرج من الدنيا على حالٍ خرج من قبره على تلك الحال؛ حتى إن اللوطي يخرج يعلق دبره على دبر صاحبه مفتضحين على رؤوس الخلائق يوم القيامة (٣). وقال فضيل بن عياض ﵁: لو أن لوطيًا اغتسل بكل قطرة من السماء لقي الله تعالى غير طاهر (٤). وقال مجاهد رحمه الله تعالى: لو أنه اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسًا (٥). رواهما ابن الجوزي في "ذم الهوى ". وروى فيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "لَمْ يَعْلُ فَحْلٌ فَحْلاً حَتَّىْ كَانَ قَوْمُ لُوْطٍ؛ فَإِذَا عَلا الفَحْلُ الْفَحْلَ

стр. 3538

ارْتَجَّ أَوْ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ، فَاطَّلَعْتِ الْمَلائِكَةُ تَعْظِيْمَا لفِعْلِهِمَا؛ قَالُوا: يَا رَبِّ! أَلا تَأمُرُ الأَرْضَ أَنْ تُعَزِّرَهُما، وَتَأْمُرُ السّمَاءَ أَنْ تَحْصِبَهُمَا؟ فَيَقُوْلُ: إِنِّي حَلِيْمٌ لا يَفُوْتَنِي شَيْءٌ" (١). وروى الطبراني عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إِذَا كَثُرَتِ اللّوْطِيَّةُ رَفَعَ اللهُ تَعَالَى يَدَهُ عَنِ الْخَلْقِ فَلا يُبَالِي فِي أَيِّ وَادٍ أَهْلَكَهُمْ" (٢). وقلت ملمِّحاً بالحديثين ذامًّا للوطية: [من الرمل] يا لِقَوْمِ هَلَكوا إِذْ سَلَكُوا ... طُرقًا ضَلُّوا بِها وَارْتَبَكُوا أَخَذُوا فِي سُوْءِ أَفْعالٍ بِها ... حُرماتُ الدِّيْنِ مِنْها انتهَكوا إسْتَباحُوا الْمُرْدَ لَمَّا أَنَّهُم ... لِمُباحاتِ الْعَذارى تَرَكُوا وَتَفاشَوا بَيْنَهُم أَسْرارَ ما ... كانَ حَتْماً سَتْرُهُ وَانْهَتَكُوا وَعَصَوْا رَبَّهُمُ مَعْصِيَةً ... عَرْشُهُ مِنْ قُبْحِها يَحْتَرِكُ فَاسْتَحَقُّوا الْمَقْتَ لَمَّا اقْتَحَمُوا ... لُجَّةَ الإِثْمِ وَفِيها اعْتَرَكُوا قالَ خَيْرُ الْخَلْقِ: مَهْما كَثُرَتْ ... فِي الْوَرى اللاَّطَةُ مِنْهُمُ أَفِكُوا رُفِعَتْ عَنْهُمُ يَدُ اللهِ إِذاً ... لا يُبالِي أَيَّ وادٍ هَلَكُوا

стр. 3539

* فائِدَةٌ زائِدَةٌ وَتنبِيْهٌ لَطِيْفٌ: ورد أن العرش يهتز لأمور أخرى غير ما ذكر. فروى ابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة"، وأبو يعلى، والبيهقي في "الشعب" عن أنس، وابن عدي في "الكامل" عن بريدة قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : " إِذَا مُدِحَ الفَاسِقُ غَضبَ الرَّبُّ، وَاهْتَزَّ لِذَلِكَ الْعَرْشُ" (١). وروى ابن عدي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْيَتِيْمَ إِذَا بَكَى اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِبُكَائِهِ" (٢). وذكره الذهبي في كتاب "العلو" وضعفه، من طريق عمرو بن يوسف القطعي، عن عمر ﵁، وزاد فيه: "يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ ﵈: مَنْ أَبْكَى عَبْدِيَ وَأَنَا أَخَذْتُ أَبَاهُ وَوَارَيْتُهُ فِيْ التُّرَابِ؟

стр. 3540

فَيَقُوْلُوْنَ: رَبُّنَا أَعْلَمُ بِهِ، فَيَقُوْلُ: اشْهَدُوْا: لَمَنْ أَرْضَاهُ أُرْضِيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (١). وروى ابن عدي أيضا عن علي أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَزَوَّجُوا وَلا تُطَلِّقُوا؛ فَإنَّ الطَّلاقَ يَهْتَزُّ مِنْهُ الْعَرْشُ" (٢). وقال أبو طالب المكي رحمه الله تعالى في "القوت": يقال: إن العرش يهتز ويغضب الله تعالى لثلاثة أعمال: قتل النفس بغير نفس، وإتيان الذكر الذكرَ، وإتيان الأنثى الأنثى (٣). وروى الحافظ أبو جعفر محمد بن عثمان العبسي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما من شيء كان في بني إسرائيل إلا سيكون في هذه الأمة مثل أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له امرأة جميلة فأولع به رجل، يخبره عنها أنها كذا وكذا بالفحش، قال: كيف أصنع ولها علي دين؟ قال: أنا أسلفك ما عليك. فطلقها، ثم تزوجها ذاك الرجل بعده، فلما تزوجها أخذه بدينه، فاشتد عليه، فقال: اتق الله؛ فإنك لم تزل بي حتى فعلت، فلم يقلع عنه حتى أجَّره نفسه، فبينما هو ذات يوم وأكلا طعامًا، فجعل يصب عليهما
следующие страницы →