← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.

стр. 3536

وروى الخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَاتَ مِن أُمَّتِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوْط نقَلَهُ اللهُ إِلَيْهِمْ حَتَّى يُحْشَرَ مَعَهُمْ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ سَبْعَة مِنْ خَلْقِهِ مِنْ فَوْقِ سَبع سَمَاوَاتِهِ، وَرَدَّدَ اللَّعْنَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ ثَلاثًا، وَلَعَنَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَعْنَةً تَكْفِيهِ، فَقَالَ: مَلْعُون مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، مَلْعُونٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، مَلْعُون مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، مَلْعُونٌ مَنْ أتَى شَيْئًا مِنَ الْبَهَائِمِ، مَلْعُونٌ مَنْ عَقَّ وَالِدَيْهِ، مَلْعُونٌ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأةٍ وابْنَتِهَا، مَلْعُونٌ مَنْ غَيَّرَ حُدُودَ الأَرْضِ، مَلْعُون مَنِ ادَّعَى إِلَى غَيْرِ مَوَالِيهِ" (٢). وروى ابن الجوزي في كتاب "ذم الهوى" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَبَّلَ غُلامًا بِشَهْوَةٍ عَذَّبَهُ اللهُ بِالنَّارِ ألفَ سَنَةٍ، وَمَنْ جَامَعَهُ لَمْ يَجِدْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ - وَريحُهَا يُوْجَدُ مِنْ

стр. 3537

مَسِيْرَةِ خَمْسِمئَةِ عَامٍ - إِلاَّ أَنْ يَتُوْبَ" (١). وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: يحشر اللوطيون يوم القيامة في صورة القردة والخنازير (٢). وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: من خرج من الدنيا على حالٍ خرج من قبره على تلك الحال؛ حتى إن اللوطي يخرج يعلق دبره على دبر صاحبه مفتضحين على رؤوس الخلائق يوم القيامة (٣). وقال فضيل بن عياض ﵁: لو أن لوطيًا اغتسل بكل قطرة من السماء لقي الله تعالى غير طاهر (٤). وقال مجاهد رحمه الله تعالى: لو أنه اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسًا (٥). رواهما ابن الجوزي في "ذم الهوى ". وروى فيه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "لَمْ يَعْلُ فَحْلٌ فَحْلاً حَتَّىْ كَانَ قَوْمُ لُوْطٍ؛ فَإِذَا عَلا الفَحْلُ الْفَحْلَ

стр. 3538

ارْتَجَّ أَوْ اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ ، فَاطَّلَعْتِ الْمَلائِكَةُ تَعْظِيْمَا لفِعْلِهِمَا؛ قَالُوا: يَا رَبِّ! أَلا تَأمُرُ الأَرْضَ أَنْ تُعَزِّرَهُما، وَتَأْمُرُ السّمَاءَ أَنْ تَحْصِبَهُمَا؟ فَيَقُوْلُ: إِنِّي حَلِيْمٌ لا يَفُوْتَنِي شَيْءٌ" (١). وروى الطبراني عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : " إِذَا كَثُرَتِ اللّوْطِيَّةُ رَفَعَ اللهُ تَعَالَى يَدَهُ عَنِ الْخَلْقِ فَلا يُبَالِي فِي أَيِّ وَادٍ أَهْلَكَهُمْ" (٢). وقلت ملمِّحاً بالحديثين ذامًّا للوطية: [من الرمل] يا لِقَوْمِ هَلَكوا إِذْ سَلَكُوا ... طُرقًا ضَلُّوا بِها وَارْتَبَكُوا أَخَذُوا فِي سُوْءِ أَفْعالٍ بِها ... حُرماتُ الدِّيْنِ مِنْها انتهَكوا إسْتَباحُوا الْمُرْدَ لَمَّا أَنَّهُم ... لِمُباحاتِ الْعَذارى تَرَكُوا وَتَفاشَوا بَيْنَهُم أَسْرارَ ما ... كانَ حَتْماً سَتْرُهُ وَانْهَتَكُوا وَعَصَوْا رَبَّهُمُ مَعْصِيَةً ... عَرْشُهُ مِنْ قُبْحِها يَحْتَرِكُ فَاسْتَحَقُّوا الْمَقْتَ لَمَّا اقْتَحَمُوا ... لُجَّةَ الإِثْمِ وَفِيها اعْتَرَكُوا قالَ خَيْرُ الْخَلْقِ: مَهْما كَثُرَتْ ... فِي الْوَرى اللاَّطَةُ مِنْهُمُ أَفِكُوا رُفِعَتْ عَنْهُمُ يَدُ اللهِ إِذاً ... لا يُبالِي أَيَّ وادٍ هَلَكُوا

стр. 3539

* فائِدَةٌ زائِدَةٌ وَتنبِيْهٌ لَطِيْفٌ: ورد أن العرش يهتز لأمور أخرى غير ما ذكر. فروى ابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة"، وأبو يعلى، والبيهقي في "الشعب" عن أنس، وابن عدي في "الكامل" عن بريدة قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : " إِذَا مُدِحَ الفَاسِقُ غَضبَ الرَّبُّ، وَاهْتَزَّ لِذَلِكَ الْعَرْشُ" (١). وروى ابن عدي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْيَتِيْمَ إِذَا بَكَى اهْتَزَّ عَرْشُ الرَّحْمَنِ لِبُكَائِهِ" (٢). وذكره الذهبي في كتاب "العلو" وضعفه، من طريق عمرو بن يوسف القطعي، عن عمر ﵁، وزاد فيه: "يَقُوْلُ اللهُ تَعَالَى لِمَلائِكَتِهِ ﵈: مَنْ أَبْكَى عَبْدِيَ وَأَنَا أَخَذْتُ أَبَاهُ وَوَارَيْتُهُ فِيْ التُّرَابِ؟

стр. 3540

فَيَقُوْلُوْنَ: رَبُّنَا أَعْلَمُ بِهِ، فَيَقُوْلُ: اشْهَدُوْا: لَمَنْ أَرْضَاهُ أُرْضِيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " (١). وروى ابن عدي أيضا عن علي أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَزَوَّجُوا وَلا تُطَلِّقُوا؛ فَإنَّ الطَّلاقَ يَهْتَزُّ مِنْهُ الْعَرْشُ" (٢). وقال أبو طالب المكي رحمه الله تعالى في "القوت": يقال: إن العرش يهتز ويغضب الله تعالى لثلاثة أعمال: قتل النفس بغير نفس، وإتيان الذكر الذكرَ، وإتيان الأنثى الأنثى (٣). وروى الحافظ أبو جعفر محمد بن عثمان العبسي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ما من شيء كان في بني إسرائيل إلا سيكون في هذه الأمة مثل أن رجلًا من بني إسرائيل كانت له امرأة جميلة فأولع به رجل، يخبره عنها أنها كذا وكذا بالفحش، قال: كيف أصنع ولها علي دين؟ قال: أنا أسلفك ما عليك. فطلقها، ثم تزوجها ذاك الرجل بعده، فلما تزوجها أخذه بدينه، فاشتد عليه، فقال: اتق الله؛ فإنك لم تزل بي حتى فعلت، فلم يقلع عنه حتى أجَّره نفسه، فبينما هو ذات يوم وأكلا طعامًا، فجعل يصب عليهما

стр. 3541

الماء بكى، اهتز العرش، فقال تعالى: رحمتي سبقت غضبي (١). والمراد من اهتزاز العرش لهذه الأمور المبالغة في تهويلها كما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠)﴾ [مريم: ٨٨ - ٩٠]. ويجوز أن يكون اهتزاز العرش على حقيقته، وله وجهان: الأول: أن هذه الأمور لشدة كراهية الله تعالى لها يغضب، فتضطرب الملائكة ﵈ لغضبه، فيهتز العرش بسبب اضطرابهم؛ فإن حملة العرش منهم وهم أقرب الملائكة إلى الله تعالى - ولا أعني قرب المسافة - فهم أشد غضبًا لله، واضطرابًا لغضبه. والثاني: أن الله تعالى لا يبعد على قدرته أن يخلق في العرش إدراكاً لهذه الأمور وقبحها، فيضطرب لذلك. وفي العزم تأليف جزء لطيف في هذا المعنى. * تَنْبِيْهٌ: قال الله تعالى حكاية عن لوط ﵇ قال: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨) رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩) فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠)﴾ [الشعراء:

стр. 3542

١٦٨ - ١٧٠] الآية؛ وفيه أمران: الأول: أن بغض هذه الفاحشة من أخلاق الأنبياء ﵈، بل هو من أخلاق الله تعالى لأن الله تعالى لعن فاعل ذلك ثلاثاً كما في الحديث السابق، وسماه فاحشة وخبيثة. بل ينبغي لكل ذي طبع سليم بغض هذا العمل فاعليةً؛ لأنه عدول عن محل الحرث، وإلمام بمحل الأذى، ومفعوليةً لأنه على خلاف الحكمة، وعكس الوضع الإلهي لأن الله تعالى خلق الذكر للفاعلية، والأنثى للمفعولية، وإذا انبعث كل منهما لما خلق له الآخر فقد خالف الأمر، وعارض الحكمة. فينبغي للعبد - وإن كان بغض كل معصية واجباً عليه - أن يكون لهذه المعصية أشد بغضًا ومقتًا وكراهية، وعنها أشد بعداً وإبعاداً ونفاراً؛ فإن هذا واجب على كل مسلم مكلف. ثم يجب عليه بغض من فعله، أو عزم على فعله، وبُغض من أصر عليه، وأكب عليه أشد وجوباً. وإنما قال لوط ﵇ لقومه: ﴿قَالَ إِنِّي لِعَمَلِكُمْ مِنَ الْقَالِينَ (١٦٨)﴾ [الشعراء: ١٦٨] إشارة إلى أن المعصية هي التي توجب بغض مرتكبها، ولم يصرح ببغضهم لأنه كان يستضعف نفسه عن مقاومتهم، فلو قال: إني لكم من القالين، أو: إني أبغضكم، فواجههم بالقلى والبغض، لقابلوه بالشتم وغيره؛ ألا ترى إلى جرأتهم عليه وقولهم له قبل ذلك: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾ [الشعراء: ١٦٧]، ولذلك قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ

стр. 3543

آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ [هود: ٨٠]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما بعث الله تعالى نبيًّا بعد لوط ﵇ إلا في عز من قومه. رواه سعيد بن منصور، وأبو الشيخ (١). وروى البخاري في "الأدب المفرد"، والترمذي وحسنه، وآخرون، وصححه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "رَحِمَ اللهُ لُوْطًا؛ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيْدٍ - يَعْنِي اللهَ فَمَا بَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ نبِيًّا إِلاَّ فِي ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ" (٢). وليس في هذا الحديث حط من رتبة لوط ﵇، بل فيه تنزيل له في رتبته، فإن كل نبي فالله تعالى ركنه إلا أنهم متفاوتون؛ فمنهم أولو العزم من الرسل، وهؤلاء لا يبالون بالناس كثروا أم قلوا، وهم خمسة: محمد، وإبراهيم، وموسى، ونوح، وعيسى ﵈. وأما غيرهم فلا يضرهم أن يأخذهم ما يأخذ البشر؛ فإن في طبع كل إنسان - وإن كمل يقينه وإيمانه - أن يستضعف نفسه إذا كان وحده

стр. 3544

أو في جماعة عن عدوه إذا كان شديد العداوة شديد القوة، كثير العدد قوي العُدد. ومن ثم قال النبي ﷺ : "فَمَا بَعَثَ اللهُ بَعْدَهُ نبِيًّا إِلاَّ فِيْ ثَرْوَةٍ مِنْ قَوْمِهِ". والثروة كثرة العدد من الناس، وكذلك من المال. الأمر الثاني: قوله تعالى حكاية عن لوط ﵇: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾ [الشعراء: ١٦٩] فيه أوجه: أحدها: أن يكون معناه: نجني وأهلي من شؤم عملهم وعذابه. وعليه اقتصر البيضاوي (١)، وذلك لأن النجاة بمعنى الخلاص، فلو أراد الخلاص من نفس أعمالهم لأشعر بصدور شيء منها أو من أهله، وهم براء من ذلك. والوجه الثاني: أن يكون (نجني) مضمنًا معنى: أجنبني، وقِني. وعليه: فالمعنى أن لوطًا ﵇ سأل من ربه أن يجنبه وأهله، ويطهرهم من الوقوع في هذا العمل، وذلك لا يناقض عصمة الأنبياء ﵈ لأنهم لا يأمنون مكر الله. والوجه الثالث: أن يكون معناه: نجني من مشاهدة أعمالهم الخبيثة؛ فإنهم كانوا يتظاهرون بها فعلاً وحكاية، وذلك لأن لوطًا ﵇ ما كان يمكنه المهاجرة عنهم، ولا الخروج من بين

стр. 3545

أظهرهم لأنه مأمور بدعوتهم، فطلب النجاة مما هو فيه بما شاءه الله تعالى. ويدل على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾ [الأنبياء: ٧٤، ٧٥]. وقد قيل: في الآية حذفُ مضافٍ تقديره: في أهل رحمتنا. قال الزهريّ رحمه الله تعالى: إن لوطاً ﵇ لما عذَّبَ اللهُ تعالى قومَه لَحِقَ بإبراهيم ﵇، فلم يزل معه حتى قبضه الله إليه. أخرجه ابن عساكر، وغيره (١). وفيه إشارة إلى أن مَنْ أبغضَ أعداءَ الله، وقَلاهُم، وعاداهم، واستوحش منهم، وطلب من الله تعالى أن يخرجه من بينهم، وأخلص في ذلك، عوضه الله تعالى بصحبة أوليائه والكينونة معهم. وفيه إشارة إلى أن من آوى الله تعالى آواه الله تعالى إليه، وكيف لا يكون لوطاً قد آوى إلى ركن شديد وقد آوى إلى الله تعالى بقوله: ﴿رَبِّ نَجِّنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ (١٦٩)﴾ [الشعراء: ١٦٩]. وإلى هذا أشار ﷺ بقوله في الحديث: "رَحِمَ اللهُ لُوْطًا؛ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيْدٍ" (٢).

стр. 3546

٢ - ومن أخلاق قوم لوط: البخل بالحقوق الواجبة، ومنع أبناء السبيل حقوقهم، وترك الصدقة . روى ابن عساكر، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن الذي حمل قوم لوط على إتيان الرجال دون النساء أنهم كانت لهم ثمار في منازلهم وحوائطهم، وثمار خارجة على ظهر الطريق، وأنهم أصابهم قحط وقلة من الثمار، فقال بعضهم لبعض: إنكم إن منعتم ثماركم هذه الظاهرة من أبناء السبيل كان لكم فيها عيش. قالوا: بأي شيء نمنعها؟ قال: اجعلوا سنتكم: من أخذتم في بلادكم غريباً سننتم فيه أن تنكحوه، وأغرموه أربعة دراهم؛ فإن الناس لا يظهرون ببلادكم إذا فعلتم ذلك. فذلك الذي حملهم على الخبث العظيم الذي لم يسبقهم إليه أحد من العالمين (١). ٣ - ومنها: النكاية باللواط، والسطوة بالأعراض . كما يدل عليه أثر ابن عباس هذا المذكور، وربما وقع مثل ذلك من كثير من فساق الجبابرة إذا أرادوا نكاية من ناوأهم وعاداهم، فربمَا احتالوا عليه حتى تمكنوا منه، فربما أمروا فساق عُلُوجهم ورجال خَدَمهم باللواطة به، وهذا من أشنع الظلم وأقبح الفسق، لا يتجرأ عليه من في قلبه مثقال ذرة من إيمان.

стр. 3547

٤ - ومن أعمال قوم لوط القبيحة، ودأبهم الخبيث: النظر إلى الأمرد الجميل، ومصافحته، وتقبيله، وغمز أعضائه، والحديث معه بما يؤدي إلى طلب ذلك الفعل به، وكلُّه حرام. ومن هذا القبيل طلب بعض الفساق من الأمرد المتصدي لسقي القهوة وغيرها زمزمة الفنجان منه بأن يتقدم من يسقيه بارتشاف شيء مما في الفنجان استسقاءً لريقه، وربما احتج بعض فساقهم بالحديث: "سُؤْرُ الْمُؤْمِنِ شِفَاءٌ" (١). وهذا من أضل الضلال، وإن كان على سبيل المزاح والدعابة. روى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" عن أبي سهل رضي الله تعالى عنه قال: سيكون في هذه الأمة قوم يقال [لهم] (٢) اللوطيون على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل (٣). وهذا الأثر في حكم الحديث المرفوع؛ لأن مِثْلَه لا يقال من قبل الرأي.

стр. 3548

وإذا تأملت وجدت الأصناف الثلاثة موجودة الآن. وروى ابن أبي الدنيا أيضًا عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى أنه قال: لو أن رجلًا عبث بين أصبعين من أصابع رجل يريد الشهوة لكان لواطًا (١). وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن منصور الحمصي قال: كنا في مجلس الفضل بن زياد ومعنا محمد بن الفيرزار الصوفي، فنظر إلى رجل من أصحاب الحديث بين يديه محبرة، وهو ينظر في دفتر يلاحظ غلاما جميلًا، ويضحك أحيانا في وجهه، فقال له: يا فتى! أقبل إلي. فأقبل، قال: هل كتبت الحديث؟ قال: نعم، قد كتبت منه كثيرًا، ووعيت منه علمًا. قال: فما تحفظ في تكرار النظر شيئًا؟ قال: لا. قال: سبحان الله! ونسيت ما يجب عليك أن تذكره، وضيعت ما ينبغي لك أن تحفظه؟ هل تحفظ ما سأل جرير البجلي رضي الله تعالى عنه النبيَّ ﷺ عن نظرة الفُجاءة، قال: فأمرني أن أصرف بصري عنه، وفي بعض الحديث أنه قال: "الأُوْلَى لَكَ، وَالأُخْرَى عَلَيْكَ" (٢).

стр. 3549

قال: صدقت. قال: أفما لك في رسول الله ﷺ أسوة، وفي قوله قدوة؟ إني لك من الناصحين، وعليك من المشفقين؛ إن كنت تريد أن تنظر إلى الحور الحسان، وتسكن القصور والخيام، وتطوف عليك الغلمان والولدان، فاحفظ طرفك عن نظر لا تأمن عاقبته وضرره عليك في معادك (١). وروى أبو نعيم عن أبي عصمة قال: كنت عند ذي النون رحمه الله تعالى وبين يديه فتى حسن يملي عليه شيئًا، قال: فمرت امرأة ذات جمال وخلق؛ قال: فجعل الفتى يسارق النظر إليها، قال: ففطن ذو النون، فلوى عنق الفتى، وأنشأ يقول: [من البسيط] دَعِ الْمَصُوْغَاتِ مِنْ ماءٍ وَمِنْ طِيْنِ ... وَاشْغَلْ هَواكَ بُحُورٍ خُرْدٍ عِيْنِ (٢) ٥ - ومنها: التجاهر باللواط فعلاً أو حكاية ، أو بما يلازم الجماع من رهز، أو شخير؛ ولو على وجه المزاح، أو التمسخر كما يفعله بعض الفسقة، بل التجاهر بالمعصية مطلقا. قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾ [النمل: ٥٤]؛ أي: وأنتم تعلنون بها فيبصر بعضكم بعضاً.

стр. 3550

قال الثعلبي، وغيره: كانوا لا يستترون عتوًا منهم، وتمردًا (١). وروى عبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] قال: كانوا يعملون الفاحشة في المجالس (٢). ورويا وسعيد بن منصور، وابن أبي حاتم، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" عن مجاهد في الآية قال: كان يجامع بعضهم بعضاً في المجالس. وفي رواية: في مجالسهم. ونقله الشعبي في "تفسيره" (٣). ونقل عنه في كتاب "العرائس" قال: كان الرجال يجامعون الرجال في الطريق، ويشخرون. * تنبِيْهٌ: روى أبو نعيم من طريق الإمام أحمد في "الزهد" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: ما أتى قوم في ناديهم المنكر إلا عند هلاكهم (٤).

стр. 3551

٦ - ومنها: تعييب وتعيير من يتحرج عن إتيان الذكران، وشتمه بالإعراض عن الصبيان إلى النسوان، واستقلال عقله واستضعاف رأيه . قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ [الأعراف: ٨٢]. قال مجاهد: أي: عن أدبار الرجال وأدبار النساء؛ يقولون ذلك استهزاء بهم. أخرجه ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وقال قتادة: عابوهم واللهِ بغير عيب، وذموهم بغير ذم بأنهم يتطهرون من أعمال السوء. أخرجه ابن جرير، وأبو الشيخ (٢). واعلم أن ذلك يتفق كثيرًا في زمانك في مجالس الفسقة المرتكبين لذلك المرتبكين في مهاوي المهالك، فربما عابوا من يميل إلى النساء، وذكروه في موضع السخف والإزراء، ولا شك أنهم في هذا الفعل موافقون لقوم لوط، مطابقة النعل بالنعل. وقد قلت في ذلك: [من الرجز]

стр. 3552

إِنْ قُلْتَ لِمَنْ يَلُوطُ يَوْمًا هَلا ... كُنْتُمْ مِمَّنْ يُراقِبُونَ الإلاَّ عَنْ ذاكَ غِنًى بِفِعْلِ ما قَدْ حَلاَّ ... ما كانَ جَوابَ قَوْمِ لُوطٍ إِلاَّ ٧ - ومنها: قطع الطريق، والظلم، وتغريم المال بغير حق، والإكراه على الفاحشة، والحكم بالباطل، وإلزام من دعي إلى فاحشة أن يجيب داعيه إليها . قال الله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ﴾ [العنكبوت: ٢٨، ٢٩]. قال البيضاوي: تتعرضون للسابلة بالقتل وأخذ المال، أو بالفاحشة حتى انقطعت الطريق، أو تقطعون سبيل النسل بالإعراض عن الحرث، وإتيان ما ليس بحرث، انتهى (١). وروى الثعلبي عن معاوية رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : أن قوم لوط كانوا يجلسون في مجالسهم وعند كل رجل منهم قصعة فيها حصى، فإذا مر بهم عابر سبيل حذفوه، فأيهم أصابه كان أولى به، وذلك قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] (٢). وقوله: كان أولى به؛ أي: كان أولى بنكاحه وتغريمه من غيره عندهم، فأي رجل منهم أصاب غريبًا أخذه وغرَّمه ثلاث دراهم، ثم

стр. 3553

نكحه، فإن امتنع هو عَليه أو خاصمه فيه أحدٌ قضى قاضيهم به لمن أصابه حصاه، ولذلك قيل في المثل: أظلم أو أجور من قاضي سدوم (١). نقله الوالد رحمه الله تعالى في "تفسيره". فاعلم أن زمانك مشحون بمن يتشبه بقوم لوط من ظلمة الأجناد في الإكراه على اللواط، واسترقاق الأحرار، وربما تنازع جنديان أو سكمانيان في غلام حر يقضى به لأحدهما، وربما حكم بالولد لغير والده، حتى إن الشرع ربما عجز عن انتقاذ غلام ممن يستولي عليه منهم، وعن دفع صولته عنه، وهل هذا إلا إرقاق أو استرقاق للأحرار، واقتحام في النار. وكذلك من يلجئ مملوكه إلى طاعته في ذلك فإنه مقتحم في النار، هالك مستهلك، فإن اعتقد حل ذلك فإنه كافر، وكذا لو تأول عليه قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣] يكفر كما نص عليه الشيخ كمال الدين بن الزملكاني في كتاب "الرد على ابن تيمية". وما أحق من يفعل هذه الخبائث بالوعيد في قوله تعالى: ﴿وَمَا هِىَ﴾ حجارة قوم لوط ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٣]. وفي الحديث: أن النبي ﷺ سأل جبريل ﵇ عن هذه الآية، فقال: يعني: ظالمي أمتك؛ ما من ظالم منهم إلا وهو يعرض حجر يسقط عليه من ساعة إلى ساعة. ذكره البيضاوي، وغيره (٢).

стр. 3554

قال ربيعة الرأي: رمى الله تعالى قوم لوط بحجارة من سجيل، فلا ترفع هذه العقوبة عن من عمل عملَ قوم لوط. أخرجه ابن المنذر (١). ٨ - ومن أعمال قوم لوط: إتيان المرأة في دبرها . قال الله تعالى حكاية عن لوط ﵇: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء: ١٦٥، ١٦٦]. فإن (من) في قوله تعالى ﴿مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦] يجوز أن تكون بيانية، ويجوز أن تكون تبعيضية. وعليه: فيكون فيه إشارة إلى المحل المباح من الزوجة، فيكون فيه تعريض بأنهم كانوا يفعلون ذلك بنسائهم. وقوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ [الشعراء: ١٦٦]؛ أي: متجاوزون عن محل الحرث إلى الدبر. ويؤيده قول مجاهد في قوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ [الشعراء: ١٦٦]: تركتم أقبال النساء إلى أدبار الرجال وأدبار النساء. أخرجه ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٢).

стр. 3555

وقول ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى حكاية عن قوم لوط: ﴿أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٨٢)﴾ [الأعراف: ٨٢]: من أدبار الرجال، ومن أدبار النساء. أخرجه ابن جرير، وابن المنذر (١). ونحوه عن مجاهد (٢). وروى البيهقي عن أبي المعتمر قال: سألت عليًا رضي الله تعالى عنه وهو على المنبر عن إتيان النساء في أدبارهن، فقال: سفلت سفل الله بك؛ أما سمعت قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الأعراف: ٨٠] (٣)؟ وروى هو وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال على المنبر: سلوني. فقال ابن الكواء: تؤتى النساء في أعجازهن؟ فقال علي: سفلت سفل الله بك؛ ألم تسمع إلى قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ [الأعراف: ٨٠] (٤)؟

стр. 3556

ففهم أمير المؤمنين علي رضي الله تعالى عنه أن إتيان المرأة في الدبر قبيح، وأنه من أعمال قوم لوط من مسمى الفاحشة. وإنما كان ذلك ولو من الحليلة فاحشة لأنه محل القذر والأذى، ولذلك حرم إتيان الحائض بنص القرآن العظيم مع أن الدبر ليس محلاً لطلب الولد الذي هو أصل مشروعية النكاح. وروى الإمام أحمد، والبزار - ورجالهما رجال الصحيح - والنسائي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ في الذي يأتي المرأة في دبرها قال: "تِلْكَ اللُّوْطِيَّةُ الصُّغْرَى" (١). قلت: وتسميتها بالصغرى لا يقتضي أنها من الصغائر كما لا يقتضي تسمية الرياء بالشرك الأصغر أنه صغيرة، بل هما من الكبائر، وسميا أصغر وصغرى بالنسبة إلى الشرك الذي هو الكفر، وإلى إتيان أدبار الذكران. وإنما لم يجب الحد بالتلوط بالحليلة، بل التعزير لشبهة التمتع، والحد يدرأ بالشبهة. وروى الطبراني - ورواته ثقات - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أتَى النِّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنَّ فَقَدْ كَفَرَ" (٢)؛

стр. 3557

أي: قارب أن يكفر، أو هو محمول على استحلال ذلك كما في حديث: "مَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ فَقَدْ كَفَرَ" (١). وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن أبي صخرة جامع بن شداد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كَانَ اللِّوَاطُ فِي النِّسَاءِ قَبْلَ أَنْ يَكُوْنَ فِي الرِّجَالِ بِأرْبَعِيْنَ سَنَةٍ" (٢). وسئل طاوس عن الرجل يأتي المرأة في عجيزتها، قال: إنما بدأ قوم لوط ذاك؛ صنعَهُ الرجال بالنساء، ثم صنعَهُ الرجال بالرجال. أخرجه ابن أبي الدنيا، وابن عساكر (٣). ٩ - ومن أعمال قوم لوط: إتيان المرأة المرأة . وهو خلاف ما في حديث الحسن الآتي، لكن يدل عليه ما رواه ابن أبي الدنيا، والبيهقي، وابن عساكر عن حذيفة ﵁ قال: إنما حقَّ القول على قوم لوط حتى استغنى النساء بالنساء، والرجال بالرجال (٤).

стр. 3558

وما روى هؤلاء عن محمد بن علي ﵁ أنه سئل: هل عذب الله نساء قوم لوط بعَمل رجالهن؟ قال: إن الله أعدل من ذلك؛ استغنى الرجال بالرجال، والنساء بالنساء (١). وروى ابن أبي الدنيا عن الزهريّ قال: كنت في مجلس عروة، فأتانا سالم بن عبد الله فقال: استأذنت على امرأتان، فقالت الصغرى: أرأيت المرأة تضطجع إلى جنب المرأة فتصيب منها من اللذة ما تصيب من زوجها؟ قال: فأمرت بإخراجهما. فقلت: قد أهلك الله قومًا ركب بعضهم بعضًا، ولو وليت من هذا الأمر شيئًا لرجمتهما بالحجارة. قال عروة: ولكني لو وليت من هذا الأمر شيئًا لضربتهما ضربًا مبرحًا. قال الزهريّ: والقول ما قاله عروة. قلت: وكذلك مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه: أن عليهما التعزير إذا كانتا مختارتين (٢).

стр. 3559

وأما ما رواه البيهقي في "السنن" عن واثلة بن الأسقع رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سِحَاقُ النِّسَاءِ زِنًا بَيْنَهُنَّ" (١)، فإنما سماه زنا من حيث الحرمة لا من حيث الحد. ورواه ابن أبي الدنيا بلفظ: "سِحَاقُ النِّسَاءِ بَيْنَهُنَّ لِوَاطٌ " (٢)، وهو شاهد لطيف لما ذكرناه من أن السحق من أعمال قوم لوط، ومن هنا أخذ سالم ما تقدم عنه. وأما حديث الحسن الآتي أن إتيان النساء بعضهن لبعض زادته هذه الأمة على قوم لوط، فإن صح فهو محمول على أنه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم أن هذه الفعلة كَانت من أعمَال قَوم لوط أيضًا. على أن هذه الأمة مسبوقة بهذه الخصلة من غير قوم لوط، فقد روى ابن أبي الدنيا عن جعفر بن محمد بن علي رضي الله تعالى عنهم: أنه جاءته امرأتان قد قرأتا القرآن، فقالتا: هل تجد غشيان المرأة المرأة في كتاب الله تعالى؟ فقال: نعَم، هن اللواتي كن على عهد تُبَّع، وهن صواحب الرَّسِّ، يقطع لهن سبعون جلباباً من نار، ودرع من نار، ونطاق من نار، وتاج من نار، وخفاف من نار، ومن فوق ذلك ثوب غليظ جاف جلف منتن من نار؛ أَعْلِموا هذا نساءكم (٣).

стр. 3560

وفي كلامه إشارة إلى أنهم سموا أصحاب الرس بفعل نساءهم، والمشهور أنهم سموا باسم بئر لهم. والرس: البئر المطوية بالحجارة. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الرس بئر بأذربيجان. أخرجه ابن أبي حاتم (١). وعنه: الرس قرية من ثمود. أخرجه ابن جرير (٢). وعنه: أنه سأل كعبًا عن أصحاب الرس؛ قال: صاحب يس الذي قال: ﴿يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠)﴾ [يس: ٢٠]، فرَسَّه قومه؛ أي: دفنوه في بئر بالأحجار. أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر (٣). وقومه أهل أنطاكية. وقال قتادة: أصحاب الرس قوم شعيب. أخرجه ابن المنذر، وابن عساكر (٤). وقال عكرمة: أصحاب الرس رسوا نبيهم بالبئر. أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٥). ورسُّوا نبيهم؛ بمعنى دفنوه؛ أي: أخفوه في البئر، وحبسوه فيها.

стр. 3561

وروى ابن إسحاق، وابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : " إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يَوْمَ الْقيَامَةِ الْعَبْدُ الأَسْوَدُ، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى بَعَثَ نبِيًّا إِلَىْ أَهْلِ قَرْيَتِهِ فَلَمْ يُؤْمِنْ بِهِ مِنْ أَهْلِهَا أَحَدٌ إِلاَّ ذَلِكَ الأَسْوَدُ، ثُمَّ إِنَّ أَهْلَ الْقَرْيَة عَدَوْا عَلَى النَّبِي فَحَفَرُوْا لَهُ بِئْرًا فَأَلْقَوْهُ فِيْهَا، ثُمَّ أَطْبقُوْا عَلَيْهِ بِحَجْرٍ ضَخْم فَكَانَ ذَلِكَ الأَسْوَدُ يَذْهَبُ فَيْحْتَطِبُ عَلَى ظَهْرِ؛ ، ثُمَّ يَأْتيْ بِحَطَبِهِ فَيَبِيْعُهُ، فَيَشْتَرِي طَعَامًا وَشَرَابًا، ثُمَّ يَأْتِي بِهِ إِلَىْ تِلْكَ الْبِئْرِ، فَيَرْفَعُ تِلْكَ الصَّخْرَةَ، فَيُعِيْنُهُ اللهُ تَعَالَىْ عَلَيْهَا، فَيُدْلِي طَعَامَهُ وَشَرَابَه ثُمَّ يَرُدُّهَا كَمَا كَانَت، فَكَانَ كَذَلِكَ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُوْنَ، ثُمَّ إِنَّهُ ذَهَبَ يَوْمًا يَحْتَطِبُ كَمَا كَانَ يَصْنعُ، فَجَمَعَ حَطَبَهُ وَحَزَمَ حُزْمَتَهُ وَفَرَغَ مِنْهَا، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَحْمِلَهَا وَجَدَ سِنَةً، فَاضْطَجَعَ فَنَامَ، فَضَرَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَى أُذُنِهِ سَبع سِنِيْنَ ناَئِمًا، ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ فتَمَطَّى يَتَحَوَّلُ لِشِقِّهِ الآخَرِ، فَاضْطَجَعَ فَضَرَبَ اللهُ تَعَالَى عَلَىْ أُذُنِهِ سَبع سِنِيْنَ أُخْرَى، ثُمَّ إِنَّهُ هَبَّ فَاحْتَمَلَ حُزْمَتَهُ وَلا يَحْسِبُ إِلاَّ أَنَّهُ نَامَ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، فَجَاءَ إِلَى الْقَرْيَةِ فَبَاعَ حُزْمَتَه ثُمَّ اشْتَرَىْ طَعَامًا وَشَرَابًا كَمَا كَانَ يَصْنعَ ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى الْحُفْرَةِ فِي مَوَضِعِهَا الَّتِي كَانَتْ فِيْهِ، فَالْتَمَسَهُ فَلَمْ يَجِدْهُ، وَقَدْ بَدَا لِقَوْمِهِ فِيْهِ بدَاء، فَاستخْرَجُوْهُ فآمَنُوْا بِهِ وَصَدَّقُوْهُ، وَكَانَ النَّبِيُّ يَسْألُهُمْ عَنْ ذَلِكَ الأَسْوَدِ: مَا فَعَلَ؟ فَيقُوْلُوْنَ لَهُ: مَا نَدرِي حَتَّى قُبِضَ ذَلِكَ النَّبِيُّ، فَأَهَبَّ اللهُ الأَسْوَدَ مِنْ نومَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ؛ إِنَّ ذَلِكَ الأَسْوَدَ لأَوَّلُ مَنْ يَدْخلُ الْجَنَّةَ" (١).

стр. 3562

وذكر هذا الحديث الشيخ مجد الدين الفيروز أبادي في "القاموس"، وذكر أن ذلك الأسود كان يقال له: عبود - على وزن سفود - وأنه يضرب به المثل لمن نام طويلاً (١). وبما ذكرته هنا استغنيت عن عقد باب، أو فصل في النهي عن التشبه بأصحاب الرس. ١٠ - ومن أعمال قوم لوط: أمور اشتملت عليها أحاديث، وآثار نذكرها هنا. فروى ابن عساكر، والخطيب في "تاريخيهما" بسند ضعيف، عن الحسن البصري - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "عَشْرُ خِصَالٍ عَمِلَهَا قَوْمُ لُوْطٍ أُهْلِكُوْا بِهَا، وَتَزَيْدهَا أُمَّتِي بِخصْلَةٍ: إِتْيَانُ الرّجَالِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، وَرَمْيُهُم بِالْجَلاهِقِ، وَالْخَذَفُ، وَلَعبُهُمْ بِالْحَمَامِ، وَضَرْبُ الدُّفُوْفِ، وَشِرْبُ الْخُمُوْرِ، وَقَصُّ اللّحْيَةِ، وَطُوْلُ الشَّارِبِ، وَالصَّفِيْرُ، وَالتَّصْفِيْقُ، وَلِبَاسُ الْحَرِيْرِ، وَتَزِيْدُها أُمَّتِي بِخصْلَةِ: إِتْيَان النِّسَاءِ بَعْضِهِنَّ بَعْضًا" (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، والبيهقي عن سفيان رحمه الله تعالى قال: سمعت أن لعباً بالجلاهق، ولعباً بالحمام هو من

стр. 3563

عمل قوم لوط (١). والْجُلاهِق - بضم الجيم، وتخفيف اللام، وكسر الهاء، وبالقاف -: البندق الذي يرمى به، وهو فارسي معرب. وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] قال: الصَّفر، ولعب الحمام، والجلاهق، وحل أزرار القباء (٢)؛ وكأنهم كانوا يفعلون ذلك ولا إزار عليهم ولا سراويل، فيكون سبباً لكشف العورة. وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا هلكَتْ سَدُوْمُ وَمَا حَوْلَهَا مِنَ الْقُرَى حَتَّىْ اسْتَاكُوا بِالْمِسْواكِ، وَمَضَغُوا العلْكَ فِي الْمَجَالِسِ" (٣). وإنما ذم الاستياك من حيث فعلُه في المجالس على وجه الاحتقار لمن فيه، وعدم الاعتناء بالجليس، وترك الحياء منه. وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، والمفسرون، وصححه الحاكم، عن أم هانئ بنت أبي طالب رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] قال: "كَانُوا

стр. 3564

يَجْلِسُوْنَ بِالطرِيْقِ، فَيَخْذِفُوْنَ أَبْنَاءَ السَّبِيْلِ، وَيَسْخَرُوْنَ مِنْهُمْ " (١). ورواه الثعلبي، ولفظه: سألت رسول الله ﷺ عن قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩] ما المنكر الذي كانوا يأتون؟ قال: كانوا يخذفون أهل الطريق ويسخرون بهم (٢). وروى ابن مردويه عن جابر رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي ﷺ نهى عن الخذف، وهو قول الله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]. ونحوه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٣). والخَذْف - بفتح الخاء المعجمة، وإسكان الذال المعجمة، وبالفاء -: رميك بحصاة، أو نواة، أو نحوهما تأخذ بين سبابتيك تخذف بها؛ قاله في "القاموس" (٤). وقال الجوهري: الرمي بالحصا (٥)؛ أي: ونحوه بالأصابع.

стр. 3565

وروى ابن أبي الدنيا عن علي رضي الله تعالى عنه قال: من أخلاق قوم لوط الجلاهق، والصفير، والخذف، ومضغ العلك (١). وروى الثعلبي عن مكحول قال: عشرة في هذه الأمة من أخلاق قوم لوط: مضغ العلك، وتطريف الأصابع بالحناء، وحل الإزار، وتنقيض الأصابع؛ أي: تفقيعها، والعمامة التي تلف بها على الرأس، والسُّكينية، ورمي الجلاهق، والصفير، والخذف، واللوطية (٢). وروى الديلمي - بسند واه - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "عَشْرَةٌ مِنْ أَخْلاقِ قَوْمِ لُوْطٍ: الْخَذْفُ فِيْ النَّادِي، وَمَضْغُ الْعِلْكِ، وَالسِّوَاكُ عَلَى ظَهْرِ الطَّرِيْقِ، وَالصَّفِيْرُ فِي الْحَمامِ، وَالْجلاهِقُ، وَالْعَمَامَةُ الَّتِيْ لا يَتَلَحَّى بِهَا، وَالسُّكِيْنيةُ، وَالتَّطْرِيْفُ بِالْحِنَّاءِ، وَحَلُّ إِزَارِ الأَقْبِيَةِ، وَالْمَشي بِالأَسْوَاقِ وَالأَفْخَاذُ بَادِيَةٌ" (٣). وما أشبه هذه الأخيرة بعادة الدروز، والتيامنة، والنصيرية، ومن والاهم من ترك السراويل والإزار، ورفع أذيال الثياب إلى الركبة. وروى البخاري في "تاريخه"، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عائشة رضي الله تعالى عنها في قوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ

стр. 3566

الْمُنْكَرَ﴾ [العنكبوت: ٢٩]؛ قالت: الضراط (١). وروى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم: أنه سئل عن المنكر في الآية؛ قال: كانوا يتضارطون في مجالسهم، يضرط بعضهم على بعض (٢). ويحتمل التضارط في كلامه حقيقة الضراط. ويحتمل أنه أراد الإضراط بالفم؛ كان يفعله بعضهم بحضور الآخرين، وهذا يفعله في هذه الأزمان كثير من المساخر والمضحكين. وذكر شيخ الإسلام والدي في تفسير المنكر زيادة على ما تقدم: الفساء؛ أي: في المجالس، وكشف العورة، وتشبيك الأصابع، واللعب بالنرد، ولباس المصبغات، وتشبه الرجال بالنساء، وتشبه النساء بالرجال - أي: في الأفعال والهيئات - والتشاتم، والمُكس. وقال الطرشوشي في "سراج الملوك": روي أن قوم لوط كانت فيهم عشر خصال فأهلكهم الله تعالى بها: كانوا يتغوطون في الطرقات، وتحت الأشجار المثمرة، وفي المياه الجارية، وفي شطوط الأنهار، وكانوا يخذفون الناس بالحصا فيعورونهم، وإذا اجتمعوا في المجلس

стр. 3567

أظهروا المنكر بإخراج الريح منهم، واللطم على رقابهم، وكانوا يرفعون ثيابهم قبل أن يتغوطوا؛ أي: قبل وصولهم إلى الغائط، ويأتون بالطامة الكبرى؛ وهي اللوطية، ويلعبون بالحمام، ويرمون بالجلاهق، وضرب الدفوف، وقص اللحية، وتطويل الشارب، والتصفق، ولبس الحمرة، انتهى (١). وقوله: واللطم على رقابهم يحتمل أنه كان يفعله الواحد منهم فيصك نفسه بنفسه ليضحك غيره، أو كان يصفعه غيره فيرضى، ويثبت لذلك ليضحك الحاضرين. وكلاهما مذموم يفعله الآن مساخر الناس ومضحكوهم، ولا ينكره منكر منهم. وقد اشتمل ما ذكرناه هنا عن قوم لوط على نحو أربعين خصلة؛ منها ما هو محرم في شريعتنا، ومنها ما هو مكروه أو خلاف الأولى، وليس منها ما هو مندوب إليه إلا ما كان من العمامة كما وقع في أثر مكحول؛ فإنها سيما المسلمين كما علمت. وما وقع من ذكر العمامة في كلامه مطلقاً محمول على تكبير العمامة زيادة عن العادة، أو تلطيفها وتزيينها، والتأنق في لفها وتكويرها، أو تعويجها، أو الميل بها إلى زي النساء كما يفعله كثير ممن لا خَلاق لهم؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 3568

أو المراد يقول مكحول: التي يلف بها على الرأس: أن تكور على الرأس، وتلف عليه شيئًا فشيئاً، ولعله خلاف الأولى، ولم أر فيه نصًا سوى كلام مكحول هذا. وحمله بعض العلماء على العمامة الصَّمَّاء، وهي التي ليست مُحَنَّكَة ولا لها ذؤابة. وروى أبو عبيد في "الغريب": أن النبي ﷺ أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط (١). وفسر هو والجوهري، وابن كثير وغيرهم الاقتعاط: بأنه شد العمامة على الرأس من غير أن يجعل منها شيئًا تحت الحنك، وهو موافق لقوله في حديث ابن عباس: والعمامة التي لا يتلحى لها. وسئل الشيخ عز الدين بن عبد السلام عن النهي عن الاقتعاط، فأجاب بأنه محمول على الكراهة دون التحريم. ونقل القاضي أبو الوليد بن رشد من أئمة المالكية أن مجاهداً نظر يومًا إلى رجل قد اعتم ولم يتحنك، فقال: اقتعاط كاقتعاط الشيطان؟ تلك عمامة الشيطان، وعمائم قوم لوط (٢). وروى أبو بكر الخلال عن عمران المنقري قال: هذه الأعمة التي لا تجعل تحت الحنك عمةُ قوم لوط (٣).

стр. 3569

لكن نقل الشيخ جمال الدين يوسف بن عبد الهادي في كتاب "رفع الملامة عن استخراج أحكام العمامة": أن الصحيح من مذهب الإمام أحمد عدم كراهية العمامة التي لم تحنك إذا لم تكن صماء بأن كان لها ذؤابة بعد أن قرر ثبوت ذلك من فعله ﷺ . قال: والأَقْعَطُ هُو الأصمُّ الَّذي لا يخرج منه شيء. يقال: حمار أقعط: إذا كان مقطوع الذنب. وأما السكينية في حديث ابن عباس ومكحول فهي - بضم السين المهملة، وفتح الكاف، وياء النسبة - فهي الطرة السكينية، وهي طرة العمامة تخرج منها على غير الطريقة المسنونة من سدلها بين الكتفين كأن تخرج من أحد الجانبين يتشبه الرجال بها بالنساء. وفي "الصحاح"، و"القاموس" أن الطرة السكينية منسوبة إلى سكينة بنت الحسين، والمراد أنها كانت تؤثرها وتستحبها فنسبت إليها، لا أنها أول من ابتدعتها، أو هي أول من ابتدعها من نساء هذه الأمة (١). وروي في حديث مكحول السكينة - بفتح السين من غير ياء النسبة -، وحمل على تكلفها تصنعًا ورياء؛ والصواب الأول. ١١ - ومن أخلاق قوم لوط وأعمالهم: النميمة، وبها هلكت امرأة لوط . وروى البيهقي، وابن عساكر، وأبو القاسم الأصبهاني في

стр. 3570

"الترغيب"عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]؛ قال: إنما كانت خيانتهما النميمة؛ يعني: امرأة نوح، وامرأة لوط (١). وروى عبد الرزاق، وابن أبي الدنيا، والمفسرون، والحاكم وصححه، والأصبهاني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه قال في قوله تعالى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠]: لم يكن زنا، ولكن امرأة نوح كانت تخبر أنه مجنون، وامرأة لوط كانت تخبر بالضيف إذا نزل (٢). ولا شك أن نمها ذلك كان ضرباً من القيادة على المرد، وذلك كان حال قومها، فالقيادة على المرد من أقبح أعمالهم قاتلهم الله تعالى، وهي من أقبح الحرام، ولعلها أقبح من القيادة على النساء. ١٢ - ومنها: إقرار المنكر، وترك النهي عنه وترك الأمر بالمعروف، بل كانوا ينهون عنه ويأمرون بالمنكر . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨]: ينهاكم. أخرجه أبو الشيخ (٣).

стр. 3571

ورواه ابن أبي حاتم عن أبي مالك (١). وذكر الثعلبي في "العرائس" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: إنما كان الذي عمل الفاحشة من قوم لوط ثلاثين رجلاً ونيفاً لا يبلغون الأربعين، فأهلكهم الله جميعاً؛ أي: لعدم إنكار الباقين على المرتكبين. وفي قوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨] استفهام إنكاري معناه: لا رشيد فيهم؛ إذ لو كان لنهاهم، فلما تتابعوا في الغي هَلَكوا. وعن ابن عباس: لو كان في قوم لوط أربعة يصلون رفع عنهم العذاب. ومن هنا أوحى الله تعالى إلى لوط ﵇ أن يسري بأهله بقطع من الليل ليتمحضوا للشر، فلا يبقى فيهم من يدفع الله بهم عنهم، وكان أهل لوط أربعة عشر نفسا منهم امرأته، فلما أصابها ما أصاب القوم وهلكت؛ كانوا ثلاثة عشر مؤمناً نجوا بإيمانهم مع لوط ﵇، كما رواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى (٢). وروى عبد بن حميد، وابن المنذر عن وهب بن منبه ﵀

стр. 3572

تعالى قال: إن الله تعالى ليحفظ بالعبد الصالح القبيل من الناس (١)؛ والله الموفق. ***

стр. 3573

(٩) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِقَومِ شُعَيبٍ ﵇

стр. 3574

(٩) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشبُّهِ بِقَومِ شُعيْبٍ ﵇ وهم أول المطففين. قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥] الآية. روى ابن عساكر عن إسحاق بن بشر عن ابن القطامي، وكان نسَّابة عالماً بالأنساب؛ قال: هو يثروب بالعبرانية، وشعيب بالعربية ابن عيفا بن يَوْبَب بن إبراهيم ﵇ (١). ويثروب: بمثناة تحتية مفتوحة، ومثلثة ساكنة، وراء، وواو بَعْدَها موحدة. وعيفا: بمهملة مفتوحة، وتحتية ساكنة، وبالفاء. ويوبب على وزن جعفر: أوله مثناة تحتية، وبعد الواو موحدتان. وقيل: اسمه في التوراة: ميكائيل، واسمه بالسريانية: جرير،

стр. 3575

وبالعبرانية: شعيب بن سخر بن لاوى بن يعقوب ﵇. وقيل: شعيب بن يوبه - بهاء عوض الموحدة الثانية - ابن مدين ابن إبراهيم. وقيل: شعيب بن صفوان بن عيفا بن ثابت بن مدين. وقيل غير ذلك. وكان ابن بنت لوط ﵇ (١). وقيل: كان زوجًا لبنت لوط ﵇ (٢). وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه بعث بعد يوسف بن يعقوب ﵈، بعثه الله تعالى إلى مدين، وهم أصحاب الأيكة، وهي الغَيضة المُخْصِبة. وقيل: هما طائفتان. وقيل: بعث إليهما وإلى أصحاب الرس. وكان قومه يعبدون الأصنام، ويقطعون السبيل، ويطففون المكيال والميزان، ويأكلون أموال الناس بالباطل، فلما تمادوا في ذلك أهلكهم الله تعالى بالصيحة والظُّلة. وقيل: أهلك الله مدين بالصيحة، وأصحاب الأيكة بالظلة. رواه ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن عكرمة، والسدي، وقالا:
следующие страницы →