ورواه ابن أبي حاتم عن أبي مالك (١).
وذكر الثعلبي في "العرائس" عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: إنما كان الذي عمل الفاحشة من قوم لوط ثلاثين رجلاً ونيفاً لا يبلغون الأربعين، فأهلكهم الله جميعاً؛ أي: لعدم إنكار الباقين على المرتكبين.
وفي قوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨)﴾ [هود: ٧٨] استفهام إنكاري معناه: لا رشيد فيهم؛ إذ لو كان لنهاهم، فلما تتابعوا في الغي هَلَكوا.
وعن ابن عباس: لو كان في قوم لوط أربعة يصلون رفع عنهم العذاب.
ومن هنا أوحى الله تعالى إلى لوط ﵇ أن يسري بأهله بقطع من الليل ليتمحضوا للشر، فلا يبقى فيهم من يدفع الله بهم عنهم، وكان أهل لوط أربعة عشر نفسا منهم امرأته، فلما أصابها ما أصاب القوم وهلكت؛ كانوا ثلاثة عشر مؤمناً نجوا بإيمانهم مع لوط ﵇، كما رواه ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى (٢).
وروى عبد بن حميد، وابن المنذر عن وهب بن منبه ﵀
стр. 3572
تعالى قال: إن الله تعالى ليحفظ بالعبد الصالح القبيل من الناس (١)؛ والله الموفق.
***
(٩) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشبُّهِ بِقَومِ شُعيْبٍ ﵇
وهم أول المطففين.
قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥] الآية.
روى ابن عساكر عن إسحاق بن بشر عن ابن القطامي، وكان نسَّابة عالماً بالأنساب؛ قال: هو يثروب بالعبرانية، وشعيب بالعربية ابن عيفا بن يَوْبَب بن إبراهيم ﵇ (١).
ويثروب: بمثناة تحتية مفتوحة، ومثلثة ساكنة، وراء، وواو بَعْدَها موحدة.
وعيفا: بمهملة مفتوحة، وتحتية ساكنة، وبالفاء.
ويوبب على وزن جعفر: أوله مثناة تحتية، وبعد الواو موحدتان.
وقيل: اسمه في التوراة: ميكائيل، واسمه بالسريانية: جرير،
стр. 3575
وبالعبرانية: شعيب بن سخر بن لاوى بن يعقوب ﵇.
وقيل: شعيب بن يوبه - بهاء عوض الموحدة الثانية - ابن مدين ابن إبراهيم.
وقيل: شعيب بن صفوان بن عيفا بن ثابت بن مدين.
وقيل غير ذلك.
وكان ابن بنت لوط ﵇ (١).
وقيل: كان زوجًا لبنت لوط ﵇ (٢).
وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه بعث بعد يوسف بن يعقوب ﵈، بعثه الله تعالى إلى مدين، وهم أصحاب الأيكة، وهي الغَيضة المُخْصِبة.
وقيل: هما طائفتان.
وقيل: بعث إليهما وإلى أصحاب الرس.
وكان قومه يعبدون الأصنام، ويقطعون السبيل، ويطففون المكيال والميزان، ويأكلون أموال الناس بالباطل، فلما تمادوا في ذلك أهلكهم الله تعالى بالصيحة والظُّلة.
وقيل: أهلك الله مدين بالصيحة، وأصحاب الأيكة بالظلة. رواه ابن عساكر من طريق إسحاق بن بشر عن عكرمة، والسدي، وقالا:
стр. 3576
ما بعث الله تعالى نبياً مرتين إلا شعيباً ﵇ (١).
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فلما عتا أهل مدين على الله تعالى أخذتهم الرجفة، وذلك أن جبريل ﵇ صاح عليهم صيحة رجفت منها الجبال والأرض، فخرجت أرواحهم من أبدانهم، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ [الأعراف: ٧٨]. أخرجه ابن عساكر، وغيره (٢).
وروى ابن عسكر أيضاً عن جبلة بن عبد الله قال: بعث الله تعالى جبريل ﵇ إلى أهل مدين شطر الليل ليأفكهم بمغانيهم، فألفى رجلاً قائماً يتلو كتاب الله، فهابه أن يهلكه فيمن يهلك، فرجع إلى المعراج، فقال: اللهم أنت سبوح قدوس، بعثتني إلى مدين لأفك مغانيهم، فأصبت رجلاً قائماً يتلو كتاب الله، فأوحى الله تعالى إليه: ما أعرفني به! هو فلان بن فلان، فابدأ به؛ فإنه لم يدفع عن محارمي إلا موادعاً (٣).
وفي هذا الأثر إطلاق المعرفة على الله تعالى، وقد منعها الأكثرون لعدم الورود.
والمراد بالكتاب الذي كان يتلوه: صحف إبراهيم ﵊.
стр. 3577
وقد روى إسحاق بن بشر، ومن طريقه ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن شعيبا ﵇ كان يقرأ الكتب التي أنزلها الله تعالى على إبراهيم ﵇ (١).
وروى أيضاً أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠] قال: كانوا أصحاب غيضة بين ساحل البحر إلى مدين ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾ [الشعراء: ١٧٧]، ولم يقل أخوهم، أي: كما قال في أهل مدين: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] لأنه لم يكن من جنسهم ﴿أَلَا تَتَّقُونَ﴾ [الشعراء: ١٧٧] (٢).
وقال في قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ [الشعراء: ١٨٩]: أرسل الله عليهم سموماً من جهنم، فأطاف بهم سبعة أيام حتى أنضجهم الحر، فحميت بيوتهم، وغلت مياههم في الآبار والعيون، فخرجوا من منازلهم ومجالسهم هاربين والسموم معهم، فسلط الله تعالى عليهم الشمس من فوق، فغشيتهم حتى تقلقلت منها جماجمهم، وسلط الله عليهم الرمضاء من تحت أرجلهم حتى تساقطت لحوم أرجلهم، ثم نشأت لهم ظلة كالسحابة السوداء، فلما رأوها ابتدروها يستغيثون بظلها حتى إذا كانوا تحتها جميعاً أطبقت عليهم، فهلكوا ونجَّى الله شعيباً ﵇ والذين آمنوا معه (٣).
стр. 3578
وكلام ابن عباس هذا والذي سبق عنه مُشْعِران بأن أهل مدين غير أصحاب الأيكة، وأنهما أمتان بعث الله تعالى إليهما شعيباً ﵇، غير أن مخازيهما وقبائحهما متشابهة.
وعلى قول من يقول: إنما بعث مرة إلى أمة واحدة هم أهل مدين، وهم أصحاب الأيكة، فقال محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: إن أهل مدين عذبوا بثلاثة أصناف من العذاب: أخذتهم الرجفة في دارهم حتى خرجوا منها، فلما خرجوا منها أصابهم فزع شديد، فَفَرَقوا أن يدخلوا البيوت أن تسقط عليهم، فأرسل الله تعالى عليهم الظلة، فدخل تحتها رجل فقال: ما رأيت كاليوم ظلة أطيب ولا أبرد؛ هلموا أيها الناس، فدخلوا جميعاً تحت الظلة، فصاح فيهم جبريل ﵇ صيحة واحدة، فماتوا جميعاً. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
وقال أبو عبد الله البجلي: أبو جاد، وهواز، وكلمن، وسعفص، وقرشت أسماء ملوك مدين، وكان ملكهم في زمن شعيب كلمن، فقالت أخت كلمن تبكيه: [من مجزوء الرمل]
كَلمُنْ قَدْ هَدَّ رُكْنِي ... هُلْكُهُ وَسْطَ الْمَحَلَّة
سَيِّدُ الْقَوْمِ أَتاهُ الـ ... ـحَتْفُ نارٌ وَسْطَ ظُلَّة
جَعَلَتْ نارٌ عَلَيْهِمْ ... دارَهُمْ كَالْمُضْمَحِلَّة (٢)
стр. 3579
واعلم أن قوم شعيب ﵇ انطووا على عظائم بها هلكوا.
١ - منها: الكفر بالله تعالى ، وعبادة الأوثان: وهو أقبحها.
٢ - ومنها: كفران النعم كالصحة، والفراغ، والأمن، والخصب، ورخص الأسعار، وعدم رعاية النعم بالطاعة، وعدم الخوف من تحولها عنهم اغتراراً بالله تعالى، وبَطَراً وأَشَراً.
قال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤].
وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْر﴾ قال: رخص السعر ﴿وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ﴾ [هود: ٨٤] قال: غلاء السعر. رواه ابن جرير، وأبو الشيخ (١).
قلت: في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْر﴾ تذكير بالشكر، والحذر من الكفر، وكأنه أراد: إني أراكم بخير؛ فاشكروه بالطاعة، وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط بكم عذابه إن كفرتم نعمة ذلك الخير، وأعرضتم عن شكره كما تقول لمن يشكو إليك من الدهر ونقصان الحظ: أنت بنعمةٍ مِنَ الله وخيرٍ؛ فلا يليق بك أن تشكو، بل يليق بك أن تشكر.
وأقول: [من الوافر]
стр. 3580
وَكَمْ لِلَّهِ مِنْ نِعَمٍ عَلَيْنا ... عَجِزْنا أَنْ نَقُوْمَ لَها بِشُكْرِ
فَكَيْفَ لَنا الشِّكايَةُ مِنْ بَلاءٍ ... وَأَوْلَى أَنْ نُقابِلَهُ بِصَبْرِ
فَبِالشُّكْرِ الْمَزِيْدُ مِنَ الْعَطايا ... ثَواباً لا نُعادِلُهُ بِأَجْرِ
فَقَدْ سَلَكَ الأُوْلَى عُرِفُوا بِشُكْرٍ ... وَقَدْ هَلَكَ الأُوْلَى عَجِلُوا بِكُفْرِ
فَصَبْراً يا أَخا الْبَلْوى وَصَبْراً ... فَإِنَّ الصَّبْرَ مَقْرُونٌ بِنَصْرِ
٣ - ومنها: الخيانة في المكيال والميزان - وهو من الكبائر - ومثله الخيانة في الذَّرْع، ونحوه .
قال الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين ١ - ٦].
روى النسائي، والطبراني، وابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما قدم رسول الله ﷺ المدينة كانوا من أخبث الناس كيلاً، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾، فأحسنوا الكيل بعد ذلك (١).
وقال السدي: قدم رسول الله ﷺ المدينة وبها رجل يقال له: جهينة، له مكيالان يكيل بأحدهما، ويكتال بالآخر، فأنزل الله
стр. 3581
تعالى هذه الآية (١).
وروى ابن ماجه، والحاكم وصححه، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: "يَا مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ! خَمْسٌ إِذَا ابْتُلِيتُمْ بِهِنَّ - وَأَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تُمْرِكُوهُنَّ -: لَمْ تَظْهَرِ الْفَاحِشَةُ فِي قَوْمٍ قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوا بِهَا إِلاَّ فَشَا فِيهِم الطَّاعُونُ وَالأَوْجَاعُ الَّتِي لَمْ تَكُنْ مَضَتْ فِي أَسْلافِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِلاَّ أُخِذُوا بِالسِّنِينَ وَشِدَّةِ الْمَؤونَةِ وَجَوْرِ السُّلْطَانِ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَمْنَعُوا ركَاةَ أَمْوَالِهِمْ إِلاَّ مُنِعُوا الْقَطْرَ مِنْ السَّمَاءِ وَلَوْلا الْبَهَائِمُ لَمْ يُمْطَرُوا، وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللَّهِ وَعَهْدَ رَسُولهِ إِلا سَلَّطَ اللهُ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأخَذوا بَعْضَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ، وَمَا لَمْ يَحْكُمْ أَئِمَّتُهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ وَتَخيَّرُوا فِيْمَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلاَّ جَعَلَ اللَّهُ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ" (٢).
* لَطِيْفَةٌ:
مما اتفق لنا في بعض المجالس وكنت قد ذكرت هذا الحديث أن قلت: سبحان الله! لو قلت لغني مُثرٍ مِنْ مَنَعَةِ الزكاة: هل لك في أكلة أو شربة وأنت بها في خفارتي وشفاعتي، أو صدقة مني عليك؟ لغَضِبَ واستنكف عن أكلها، ولم يغضب على نفسه إذ جعلته في خفارة كلاب عصره وحمير مصره لأنه استوجب بمنع الزكاة أن
стр. 3582
لا يرزق ولا يمطر، ولولا الكلاب والحمير وأمثالها لم يمطر، فهو في صدقتها ومنتها في كل رزق تمطره السماء أو تنبته الأرض؛ فافهم!
* تنبِيْهٌ:
يتناول وعيد المطففين من طفف لنفسه، ومن طفف لغيره، وهو أخبث منه، ومن رضي أن يطفف له.
روى ابن مردويه - وأصل الحديث عند التّرمذي - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا مَعْشَرَ الْمَوَالِي! إِنَّ اللهَ خَصَّكُمُ بِخصْلَتَيْنِ بِهِمَا هَلَكَت الْقُرُوْنُ مِنْ قَبْلِكُمُ: الْمِكْيَالَ، وَالْمِيْزَانَ".
وفي رواية: "يَا مَعْشَرَ التُّجَارِ! وُلِّيْتُمْ أَمْرَيْنِ" (١).
قال بعض العلماء: إنما نادى الموالي على الرواية الأولى لأن التجار جرت عادتهم بأن مواليهم وخدمهم يتولون لهم الكيل والوزن، فناداهم لأنهم هم المباشرون، وذنبهم أعظم لأنهم ممن يبيع دينه بدنيا غيره.
ونادى التجار على الرواية الثانية لرضاهم بما يفعله مواليهم، وفعل مواليهم ناشئ عن أمرهم في الغالب.
стр. 3583
وروى الحاكم في "المستدرك" عن عبد الرحمن الأعرج قال: رأيت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يقرأ: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ [المطففين: ١]، وهو يبكي؛ قال: هو الرجل استأجر الرجل أو الكيَّال، وهو يعلم أنه يحيف في كيله، فوزره عليه (١).
وروى (٢) ابن ماجه عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "شَرُّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَبْدٌ أَذْهَبَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِه" (٣).
وروى الخِلَعي في "فوائده" من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "شر البرية" (٤).
ومن التطفيف: الأخذ بصنجة، والإعطاء بغيرها.
قال خلف بن حوشب: هلك قوم شعيب ﵇ من شعيرة إلى شعيرة؛ كانوا يأخذون بالرزينة، ويعطون بالخفيفة (٥).
قلت: وهذا حال كثير من تجار هذه الأعصار حتى لا يكاد يوافق ميزان لميزان، ولا مثقال لمثقال.
стр. 3584
ومن التطفيف: أن يشتري بنقد، ثم يعطي عنه نقد غيره يحصل بدفعه عنه تفاوت ولو في دانق ونحوه، خصوصاً إذا خرج الحاكم على الناس في الصرف، وخالف النقد تخريجه بزيادة أو نقص، وذلك ما لم يجعل من القابض رضى ومسامحةٌ ظلمٌ، وأكلُ مال أخيه بالباطل.
٤ - ومن أعمال قوم شعيب ﵇: البخس .
وهو أعم من إخسار المكيال والميزان.
قال الله تعالى حكاية عن شعيب ﵇ يخاطب قومه: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: ٨٥].
قال القرطبي: البخس النقص.
قال: وهو يكون في السلعة بالتعييب، والتزهد فيها، والمخادعة عن القيمة، والاحتيال في التزيد في المكيال والنقصان منه، وكل ذلك من أكل المال بالباطل، وهو منهي عنه في الأمم المتقدمة على ألسنة الرسل ﵈، انتهى (١).
وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن قوم شعيب كانوا قوماً طغاة بغاة يجلسون على الطريق يبخسون الناس أموالهم حتى يشتروها، وكان أول من سن ذلك هم، وكانوا إذا دخل عليهم الغريب يأخذون دراهمه ويقولون: دراهمك زيوف، فيقطعونها، ثم
стр. 3585
يشترونها منه بالبخس؛ يعني: بالنقصان، فذلك قوله: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: ٨٥] (١).
٥ - ومنها: الإفساد في الأرض .
قال تعالى حكاية عن شعيب يخاطبهم: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ٨٥].
وقد علمت أن ابن عباس حمله على بخس الناس خصوصاً الغرباء، وهو تفسير للإفساد ببعض أنواعه، وهو شامل لسفك الدماء، والنميمة، والعمل بالمعاصي.
وتقدم نظيره في تسعة رهط.
وفي قوله: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾؛ أي: الانكفاف عن الإفساد، والبخس، وإيفاء الكيل بما يبعث الله لكم من الكسب الخالي عن ذلك خير لكم من طلب زائد عن ذلك بطريق البخس والإفساد.
﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾؛ أي: مصدقين بقدر الله تعالى، وأنه لا يكون لكم من ذلك إلا ما قَسَمه لكم وقدَّره.
ونحوه قوله: ﴿وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ٨٥، ٨٦].
стр. 3586
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رزق الله.
وقال قتادة: حظكم من ربكم خير لكم. أخرجه ابن جرير (١).
٦ - ومنها - وهو من جنس ما قبله -: قطع الطريق .
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ٨٦]؛ أي: ممن قبلكم من قوم لوط ومن قبلهم، وكيف هلكوا.
وقال ابن عباس ﵁: كانوا يقعدون على الطرقات المفضية إلى شعيب، فيتوعدون من أراد المجيء إليه، ويصدونه عنه، ويقولون: إنه كذاب فلا تذهب إليه كما كانت قريش تفعله بالنبي ﷺ . رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).
وقال أبو هريرة ﵁: هذا نهي عن قطع الطريق، وأخذ السَّلَب، وكان ذلك من فعلهم. نقله الثعلبي، وغيره (٣).
وقطع الطريق وإخافته من الكبائر.
стр. 3587
وروى ابن جرير عن أبي هريرة، أو غيره - شك أبو العالية (١) - أن النبي ﷺ ليلة أسري به على خشبة في الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته، ولا شيء إلا خرقته قال: "ما هَذا يا جِبْرِيْلُ؟ ".
قال: مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه، ثم تلا: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ﴾ [الأعراف: ٨٦] الآية (٢).
٧ - ومنها: الجلوس في طرقات المسلمين ومَمارِّهم بقصد أذيتهم ، والوقوع فيهم، والنظر إلى ما لا يحل النظر إليه، وغير ذلك.
وهذا قد صار الآن في أكثر الناس وعادتهم خصوصاً على أبواب بيوت القهوة المُحْدَثة.
وقد صدق عليه تمثيلهم في الحديث بالخشبة التي على الطريق تعلق بثوب من يمر بها فتخرقه.
وقد روى الشيخان، وأبو داود عن أبي سعيد ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إِيَّاكُمْ وَالْجُلُوسَ فِي الطُّرُقَاتِ".
قالوا: يا رَسولَ الله! ما لنا بدٌّ من مجالسِنا نتحدَّث فيها.
فقال رسول الله ﷺ : "فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ الْمَجْلِسَ فَأَعْطُوا الطَّرِيقَ حَقَهُ".
قالوا: وما حقُّه؟
стр. 3588
قال: "غَضُّ الْبَصَرِ، وَكَفُّ الأَذَى، وَرَدُّ السَّلامِ، وَالأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَر" (١).
وروى ابن أبي شيبة عن مالك بن التيهان رضي الله تعالى عنه قال: اجتمعت منا جماعة عند رسول الله ﷺ ، فقلنا: يا رسول الله! إنا أهل سافلة وأهل عالية نجلس هذه المجالس، فما تأمرنا؟
قال: "أَعْطُوْا الْمَجَالِسَ حَقَّهَا".
قلنَا: وما حقُّها؟
قالَ: "غُضُّوْا أَبْصَارَكُمْ، وَرُدُّوْا السَّلامَ، وَأَرْشِدُوْا الأَغْمَارَ، وَأْمُرُوا بِالْمَعْرُوْفِ وَانْهَوْا عَنِ الْمُنْكَر" (٢).
والأغمار - جمع غمر؛ بضم المعجمة - وهو: الجاهل الغِرُّ الذي لم يجرِّب الأمور.
وفي حديث البراء رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: "فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلاَّ أَنْ تَجْلِسُوْا فَاهْدُوْا السَّبِيْلَ، وَرُدُّوْا السَّلامَ، وَأَعِيْنُوْا الْمَظْلُوْمَ". رواه ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والترمذي (٣).
وروى ابن أبي شيبة عن أبي الهذيل رحمه الله تعالى قال: كانوا
стр. 3589
يكرهون أن يتخذوا المجالس أن يعدوها للسفهاء (١).
وأنت خبير بأن المجالس الآن إنما تعد وتتخذ للسفهاء، وهو خلاف ما كان عليه السلف.
٨ - ومنها: المكس، وأخذ العشور التي لم يأت بها الشرع .
روى أبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾ [الأعراف: ٨٦] قال: هم العُشَّار (٢) - بضم المهملة، وتشديد الشين المعجمة -: جمع عاشر، وهو من يعشر الناس؛ أي: يأخذ عشر أموالهم.
والعَشَّار - بالفتح، والتشديد - قابض العشر.
ولا يحل منه إلا عشر ما فيه الزكاة بشرطه، وما سواه مكس وظلم. قال القرطبي - بعد أن نقل عن السدي في الآية أن قوم شعيب كانوا عشارين متقبلين -: قال علماؤنا: ومثلهم اليوم هؤلاء المكَّاسون الذين يأخذون من الناس ما لا يلزمهم شرعاً من الوظائف المالية بالقهر والحبس، فضمنوا ما لا يجوز ضمان أصله من الزكاة، والمواريث، والملاهي، انتهى (٣).
стр. 3590
والمكس ظلم مرتب على شيء لم يرتبه الشرع، فيدخل في ذلك ما يأخذه القاضي من أحد الخصمين وإن لم يكتب له صكاً، وقد نوَّعوه وأحدثوا له أسماء كحجة الدعوى، وحجة الكفالة، وحجة الوكالة، وأجرة المقدم، والخدمة، فرتبوه على أمور أحدثوها لا يوافقها الشرع ربما سموه محصولاً.
ومن ذلك أن القاضي يأخذ ممن استحق وصية من ميت ثلث ما يأخذه، وربما أخذوا لخدامهم غلمانية، أو صبيانية، أو أمانة، أو مهردارية، وصارت هذه الأمور متعارفة عندهم لا ينكرونها.
وكذلك ما يأخذه القضاة رسماً على الأنكحة ومحاسبة على مال اليتيم وقسمه.
والذي يقره الشرع من ذلك ما كان في مقابلة القسمة بين الورثة الطالبين لها، أو لو كان فيها يتيم ولم يطلب الباقون فيأخذون أجر مثله ممن يقسم له، وكذلك أجرة مثل محاسبته لو حاسب بالطريق المذكور، فأما ما يؤخذ للقاضي والمباشر لذلك نائبه فلا أعرف لأخذهم له وجهاً، وكذلك ما يؤخذ للوالي من الديات، ويسمونه عشر الدم، بل ربما أخذوه من أهل المحلة أو القرية التي يقتل فيها القتيل عمداً أو خطأ، أو من أهل القتيل.
وأقبح منه ما يأخذه القاضي كشفاً، ويتجاوزون فيه، وإنما يباح منه أجرة مثل الكاشف ممن طلب الكشف، وما يؤخذ للوالي أيضاً من الزاني، أو السارق، أو الشارب ولو بالتهمة، أو من كل مَن عزَّره
стр. 3591
القاضي، وكذلك اليسق الذي يؤخذ على الديون التي تثبت عند القاضي، ومن الأسواق، ومَن يمر بها من الجلاَّبين ببضاعة أو غيرها، وما يؤخذ على الفواكه وسائر المبيعات من قوت أو حيوان أو ثياب، وما يؤخذ عداداً على المواشي التي ترعى في كلأ مباح، وما يؤخذ من حانات الخمر وبيوت القمار، وكذلك ما يأخذه البوابون على أبواب المدن أو الخانات، وكذلك ما يجمع للعرفاء وشيوخ الحِرف والحارات لكونهم كذلك، وما يأخذه بعض من يعزر بهم من المعزر على كل سوط درهماً، ونحو ذلك من الغرامات، فكلُّ هذا مُكس محرم، ومرتكبه مرة واحدة فاسق معذب بالنار إلا أن يتوب أو يعفو الله تعالى عنه، فإن اعتقد حله كان كافراً مخلداً في النار.
قال الحافظ الذهبي في كتاب "الكبائر": وجابي المكس، وكاتبه، وآخذه من جندي وشيخ وصاحب زاوية شركاءُ في الإثم، أكَّالون للسُّحت، انتهى (١).
وحرمة ذلك بنص القرآن.
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ١٨٨].
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: ٤٢].
стр. 3592
وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، عن عقبة ابن عامر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مكْسٍ" (١).
وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" عن نَوف البَكَالي قال: بايتُّ علياً رضي الله تعالى عنه، فأكثر الخروج والدخول والنظر في السماء، وقال: إن نبي الله داود ﵇ قال: إن هذه ساعة لا يسأل الله فيها عبد مسلم شيئاً إلا أن يكون شاعراً، أو عريفاً، أو عاشراً، أو شرطياً، أو صاحب كوبة - وهي الطبل - أو صاحب عرطبة - وهي الطنبور - (٢).
والمراد بالشاعر الذي يأثم بشعره.
٩ - ومن أعمال قوم شعيب: تلقي الركبان للبيع، وتغرير الجلابين والغرباء .
وهو داخل في معنى البخس.
وتقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنهم كانوا طغاة بغاة، يجلسون على الطريق فيبخسون الناس أموالهم حتى يشتروها، وكان أول من سن ذلك هم.
стр. 3593
١٠ - ومنها: قرض الدرهم والدينار، وكسرها بغير غرض صحيح .
قال ابن وهب في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧]:
قال مالك رحمه الله تعالى: كانوا يكسرون الدراهم والدنانير.
قال القرطبي: وكذلك قال جماعة من المفسرين المتقدمين؛ كسعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم.
قال: وكسرهما ذنب عظيم (١).
وتقدم نظير ذلك من أعمال التسعة رهط.
وروى أبو الشيخ عن ربيعة بن أبي هلال: أن ابن الزبير عاقب في قرض الدراهم (٢).
وقال محمد بن كعب القرظي: عذب قوم شعيب في قطعهم الدراهم، وهو قوله تعالى: ﴿أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ [هود: ٨٧].
رواه ابن جرير، وابن المنذر (٣).
وقال ابن زيد: نهاهم شعيب ﵇ عن قطع هذه الدنانير والدراهم، فقالوا: إنما هي أموالنا نفعل فيها ما نشاء؛ إن شئنا قطعناها،
стр. 3594
كان شئنا طرحناها. رواه ابن جرير، وأبو الشيخ (١).
وهو يدل على أن من أعمالهم مقابلة النص بالرأي والمقايس، كما فعل إبليس قبحهم الله تعالى.
وقال سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: قطع الدراهم والدنانير المثاقيل التي قد جازت بين الناس، وعرفوها من الفساد في الأرض. رواه عبد الرزاق، وابن المنذر، وأبو الشيخ (٢).
وخرَّجا نحوه عن زيد بن أسلم (٣).
* تَنْبِيهٌ:
من الفساد في الأرض الزَّغل، وضرب مثل السكة التي يضربها الإمام، إلا أن الزاغل يُدخل في الذهب والفضة غيرهما من المعادن كالفضة في الذهب، والنحاس فيهما، لكن ما يدخله أكثر ما يدخله ضارب السك الإمام، وهو من أشد الحرام.
ولفظ الزغل - بمنقوطتين - مُحْدَث مأخوذ من: زغله؛ كمنعه؛ أي: صبَّه ومجَّه؛ لأن الزاغل يصب على النقدين غيرهما، ويمجه فيهما.
стр. 3595
أو: من أزغل الطائر فرخه: إذا زقه.
١١ - ومنها: السخرية والاستهزاء بالمؤمنين، وبالمصلين وحَمَلة القرآن، وأهل العلم، والتهكُّم عليهم، والتكبر عليهم، واحتقارهم .
وكل ذلك حرام.
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ [هود: ٨٧].
قال قتادة: قالوا: إنك لأنت الحليم الرشيد استهزاء به. رواه ابن جرير، وغيره (١).
وقال الأحْنف بن قيس: إن شعيباً ﵇ كان أكثر الأنبياء ﵈ صلاة. أخرجه ابن عساكر (٢).
وقال الأعمش في قوله: ﴿أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾؛ قال: أقراءتك.
رواه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٣).
سميت القراءة صلاة لأنها عمدتها.
стр. 3596
ونظيره الحديث الآخر: "يَقُوْلُ اللهُ: قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيني وَبَيْنَ عَبْدِي" (١)؛ يعني: الفاتحة.
وقال تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا﴾ [الأعراف: ٨٨] الآية.
وقد سبقهم إلى الاستكبار والسخرية بأولياء الله تعالى قوم نوح ﵇ كما قال تعالى: ﴿وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ﴾ مِنَّا ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ﴾ [هود: ٣٨ - ٣٩].
١٢ - ومنها: التعيير بالأمراض ونحوها من بلاء الله تعالى إذا مسَّ المؤمن تمحيصاً لذنوبه يعده الفاجر عيباً للمؤمن ونقصاً، وكذلك التعيير بالفقر وقلة الشر .
قال الله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾ [هود: ٩١].
روى ابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا﴾ قال: كان ضرير البصر (٢).
стр. 3597
وروى أبو الشيخ عن سفيان رحمه الله تعالى في الآية قال: كان أعمى.
وكان يقال: خطيب الأنبياء ﵈ (١).
وروى هو وابن عساكر عن سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه قال في الآية: كان أعمى، وإنما عَمِيَ من بكائه من حب الله (٢).
وروى الواحدي من حديث شدَّاد بن أوس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "بَكَى شُعَيْبُ ﵇ مِن حُبِّ اللهِ حَتَّى عَمِيَ، فَردَّ اللهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ" (٣).
ولعل تعبير قوله: (كان) قبل ردّ بصره إليه، ويجوز أن يكون بعده، والعدو قد يستصحب من عدوه حالة بلاء تقدمت له فيعيِّره به وإن عوفي منه.
وكذلك قد ينسب العدو ما يراه من عدوه من كمال أو قوة إلى غيره لأنه يريد غيظه كيفما كان، كما قال قوم شعيب له: ﴿وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ [هود: ٩١] قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في الآية: فو الله
стр. 3598
الذي لا إله غيره ما هابوا جلال ربهم، ما هابوا إلا العشيرة. أخرجه أبو الشيخ (١).
وروى الترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "يَا مَعْشَرَ مَنْ أَسْلَمَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يُفْضِ الأيْمَانُ إِلَىْ قَلْبِهِ! لا تُؤْذُوا الْمُسْلِمِيْنَ وَلا تُعَيِّرُوْهُمْ "، الحديث (٢).
* تنبِيْهٌ:
روى الطبراني في "الأوسط"، وابن مردويه في "تفسيره" بإسناد صحيح، عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ . "إِنَّ نَاسًا مِن أُمَّتِيْ يُعَذَّبُوْنَ بِذُنُوْبِهِمْ فَيَكُوْنُوا فِي النَّارِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَكُوْنُوْا، ثُمَّ يُعَيِّرُهُمْ أَهْلُ الشِّرْكِ: مَا نَرَى مَا أَنتمْ فِيْهِ مِنْ تَصْدِيْقِكُمْ يَنْفَعُكُمْ، فَلا يَبْقَىْ مُوَحِّدٌ إِلاَّ أَخْرَجَهُ اللهُ مِنَ النَّارِ".
ثُمَّ قَرَأَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ : ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] (٣).
ففي هذا الحديث دليل أن تعيير الفاجر المؤمن وغيره من الأخلاق الذميمة تبقى مع أهل النار في النار.
стр. 3599
ويدل له أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨].
والحكمة في ذلك: أن تكون أخلاقهم معهم شاهداً عليهم باستحقاقهم ما هم فيه من العذاب ليكون سبب عذابهم خالداً، فيخلد معهم عذابهم.
وفي الحديث أيضا إشارة إلى أن المُعَيَّر ببلاء الله تعالى يكون تعييره سبباً لنجاحه وتمام إسعاده حتى يكون ذلك نافعاً للموحدين وهم في نار جهنم، ينفعهم تعيير الكفار لهم بعذاب الله الذي ما نزل بهم إلا تمحيصاً لذنوبهم، فيكون تعييرهم إياهم سبباً لخروجهم من النار، وهو زيادة نكال للمعيرين لهم، وعند ذلك تشتد ندامتهم على ما فرطوا فيه من الإيمان والتوحيد والإسلام، فيودون لو كانوا مثلهم.
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد"، وابن أبي شيبة، والبيهقي في "البعث"، وغيرهم عن ابن عباس، وأنس ﵁ أنهما تذاكرا هذه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢]، فقالا: هذا حيث يجمع الله تعالى بين أهل الخطايا من المسلمين والمشركين في النار، فيقول المشركون: ما أغنى عنكم ما كنتم تعبدون، فيغضب الله لهم، فيخرجهم بفضل رحمته (١).
* تنبِيْهٌ ثانٍ:
قال الله تعالى حكاية عن شعيب ﵇: ﴿وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ
стр. 3600
شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩].
وهذا فيه إشارة إلى أن التحذير من أعمال الأمم السالفة، والتنفير عن التشبه بهم خلق نبوي قديم، وأَن التذكير بالأمم الماضية ليس إلا للتنفير عن مثل أعمالهم التي كانت سبباً لهلاكهم، وأن الشقاق والجدال من أخلاق قوم شعيب وأعمالهم، وأنه يفضي بصاحبه إلى التصميم على رأي النفس ومتابعة الهوى حتى يكون ذلك مانعًا للمرء عن اتباع الحق، فيكون من الهالكين.
وفي قوله: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ تلميح بأنهم كانوا مرتكبين مثل أعمالهم.
وقد سبق أن عمل قوم لوط كان فاشياً في أصحاب الرَّسِّ، وهم أصحاب الأيكة على بعض الأقوال، وهذا غير بعيد لأن الشر متى فتح بابه تتابع الناس عليه لميلهم إلى التقليد، وبذلك يشتد طمع الشيطان فيهم، ولا تجد باباً من الشر فُتح إلا واتسع بعد فتحه خرقُه، وبَعُد على كل مؤمن رتقُه.
* تنبِيْهٌ ثالِثٌ:
الخصال التي توارد عليها الأمم الهالكة عشر: الكفر، وقسوة القلب، والظلم، والبطر، والجرأة، والإصرار، والأمن من مكر الله، ونقض المواثيق والعهود، وكفران النعم، والاغترار بالله.
قال كعب الأحبار لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: في التوراة:
стр. 3601
من يظلم يخرب بيته.
فقال أبو هريرة: وذلك في كتاب الله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: ٥٢] (١).
وروى الدينوري في "المجالسة": أن هذه القصة صارت بين كعب وابن عباس رضي الله تعالى عنهم (٢).
وروى أبو نعيم عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أنه قال: إنما هلك من كان قبلنا لحبسهم الحق حتى يشترى منهم، وبسطهم الظلم حتى يفتدى منهم (٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾؛ أي: فلم يؤمنوا ولم يجيبوا، ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [الأنعام: ٤٢].
البأساء: الشدة والفقر، والضراء: الضر والآفات.
وروى أبو الشيخ عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى في قوله: ﴿بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾؛ قال: خوف السلطان، وغلاء الأسعار (٤).
وما ذكرته شامل لهذا ولغيره.
﴿لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢]؛ أي: يتذللون لنا فيتوبون إلينا.
стр. 3602
﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: ٤٣].
قال قتادة رحمه الله تعالى في الآية: عاب الله عليهم القسوة عند ذلك - أي: عند بأس الله - فتضعضعوا لعقوبة الله تعالى بارك الله فيكم، ولا تتعرضوا لعقوبة الله - أي: ثانياً - بالقسوة؛ فإنه عاب ذلك على قوم قبلكم. رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ (١).
والبأس: العذاب، والبأساء: نوع منه، أو أبلغ منه لزيادة الساء.
فإن قلنا بالأول فالوجه في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا﴾ [الأنعام: ٤٣]، ولم يقل: بأساؤنا أن التضرع والاستكانة إلى الله تعالى مطلوبان مأمور بهما عند كل نوع من أنواع البلاء والشدة والعذاب، لا يختص بنوع منه دون نوع، ومن ثم استحب الاسترجاع إذا انقطع شِسع النعل.
وإن قلنا بالثاني فالوجه فيه أن التضرع والاستكانة مطلوبان عند كل بأس وإن كان قليلاً، لا يختص به الشديد البالغ منه؛ فإن البلاء إذا نزل بالعبد فإنما يُنزله الله به تذكرة له وتنبيهاً، فإذا لم ينتبه ولم يتذكر دلَّ ذلك على خذلانه، ومن ثم قال : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾؛ أي: من الرخاء وسعة الرزق وكثرة النعم.
стр. 3603
﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤].
قال محمد بن النضر الحارثي رحمه الله تعالى في قوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾؛ قال: أُمهلوا عشرين سنة. رواه ابن أبي حاتم، وغيره (١).
والمبلس: الآيس، المكتئب، المُجْهَد، والمكروب المتغير الوجه الذي نزل به من الشر ما لا يدفعه، ومنه سمي إبليس.
قال تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: ٤٥]؛ أي: على استئصالهم بالعذاب.
روى البيهقي في "الشعب" عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِذَا رَأَيْتَ اللهَ يُعْطِي الْعَبْدَ فِي الدُّنْيَا وَهُوَ مُقِيْمٌ عَلَىْ مَعَاصِيْهِ مَا يُحِبُّ فَإنَّمَا هُوَ اسْتِدرَاجٌ"، ثم تلا رسول الله ﷺ : ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ [الأنعام: ٤٤]، الآية، والآية التي بعدها (٢).
وقال الله : ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ﴾؛ أي: فكذبوه أو عصوه ﴿إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ﴾؛ أي: فيرجعوا عن المعاصي ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ﴾ قال ابن عباس: مكان الشدة الرخاء ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾؛ قال: حتى كثروا وكثرت
стр. 3604
أموالهم. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
وعن قتادة: حتى كثروا.
وعن مقاتل: بطروا ولم يشكروا ربهم. رواهما الثعلبي (٢).
﴿وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥]؛ قال قتادة في الآية: قالوا: قد أتى على آبائنا مثل هذا فلم يكن شيئاً.
﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤ - ٩٥]؛ قال: بَغَتَ القومَ أمرُ اللهِ، وما أخذ الله قوماً قط إلا عند سكونهم، وغرتهم، ونعمتهم؛ فلا تغتروا بالله، إنه لا يغتر بالله إلا القوم الفاسقون. رواه عبد بن حميد، وابن أبي حاتم (٣).
ثم قال تعالى مشيراً إلى أنهم لو قابلوا النعمة بالشكر الذي هو الطاعة، ولم يغتروا بها، ولم يبطروا، ولم ينسوا نعمها، لدامت عليهم وزادت، وبورك فيها: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾؛ أي: آمنوا بالله ورسله، واتقوا المعاصي.
﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: بالمطر، والنبات الكثيرين النافعين.
стр. 3605
﴿وَلَكِنْ كَذَّبُوا﴾؛ أي: وعصوا ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٦) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ﴾؛ أي: فدعاهم الأمن إلى التمادي في الغرور والضلال ليلاً ونهاراً.
﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف: ٩٦ - ٩٩].
ووضع الظاهر موضع المضمر تفخيمًا وتهويلاً لأمر الأمن من المكر.
قال هشام بن عروة: كتب رجل إلى صاحب له: إذا أصبت من الله شيئاً يسرُّك فلا تأمن أن يكون فيه مكر، وإنّه لا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون. أخرجه ابن أبي حاتم (١).
ثم قال تعالى محذِّراً لهذه الأمة من مثل ما نزل بالأمم: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأعراف: ١٠٠].
ونقل البغوي عن قتادة، ويعقوب أنهما قرءا: (أوَلم نهد) - بالنون - (٢).
والمعنى - والله أعلم -: أوَلَم يتبين لمن وَرِثوا الأرض بعد الأمم الهالكة بسبب التمادي في المعاصي - والوارثون هم هذه الأمة -
стр. 3606
فاقتدوا بهم، وعملوا مثل أعمالهم، أنهم متعرضون بذلك لمثل ما نزل بالأمم من العذاب.
أو المعنى: أولم يتبين لمن ورث أرضاً من بعد أهلها؛ فإن كل ذي أرض مملوكة مشتملة على مساكن ومزارع ومنافع لا بد أن يذهب ويتركه، فيرثها غيره.
والاستفهام للتوبيخ؛ أي: أيليق ويحسن لمن ورث أرضاً هلك عنها صاحبها بعد بطره وغروره، وكان هلاكه بسبب إصراره على معاصيه أن يقلدوه في الغرور والتمادي في الذنوب، ويعمل مثل عمله؟ إنه متعرض لمثل ما نزل به أن ينزل به، فلو نشاء أن نؤاخذه بذنوبه ما كان له عمل صالح يدفع عنه العقوبة والعذاب.
وقوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] معطوف عطف الجملة بعضها على بعض؛ أي: ونحن نطبع على قلوبهم فلم يهتدوا إلى هذا الأمر، فهم لا يسمعون الترهيب فيرهبوا، ولا الترغيب فيرغبوا، ولا المواعظ فيتعظوا.
والحاصل: أن من تشبه بأحد من الهالكين فيما هلكوا فقد عرض نفسه لمثل ما هلكوا به إلا أن يلطف الله به فيتوب؛ نسأل الله تعالى التوبة والمغفرة، فإنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
وأما ما ذكرناه عن الأمم الهالكين مما اتفقوا عليه من الجرأة والإصرار، فمن تأمل قصصهم وما كانوا يجيبون به رسلهم، وإغلاظهم
стр. 3607
لهم، ومناقضة أوامرهم، والمبادرة إلى تكذيبهم، والمداومة منهم على ذلك كله، تحقق جرأتهم على الله، وإصرارهم على معاصيه، وسبب ذلك كله الجهل؛ فإن الجرأة إنما تكون على من يملك المجترئ منه ضرر أو أذى يوصله إليه، وهذا محال؛ فإن الله تعالى ذو البطش الشديد، والفعَّال لما يريد، وهو من وراء خلقهم كلهم محيط بكبيرهم وصغيرهم، منزَّه عن صفات الحَدَث، ووصول الضرر، متعال عن كل ضرر وسوء وأذى، وهو الضار النافع، المعطي المانع، المنعم المنتقم، فالمجترئ عليه لم يدع من الجهل شيئاً.
وقد روى الدينوري في "المجالسة" عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم: أنه سمع رجلاً يقول: ما أجرأَ فلانًا على الله!
فقال القاسم: إن ابن آدم أهون وأضعف من أن يكون جريئاً على الله تعالى، ولكن ما أقلَّ معرفتَه بالله (١)!
وكذلك الإصرار أصله الجهل بالله، والجهل بعذابه وانتقامه مع استحسان ما عليه المُصِرُّ من الضلال، وإعجابه بما له من الرأي الخالي عن الحكمة؛ كَشَفَ اللهُ تعالى عنَا غَمْرةَ الجهل، ورفع عنا سَكْرة الهوى.
(١٠) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِفِرْعَونَ وَقَوْمِهِ
وهو أول من خضَّب بالسَّواد، وسخر النَّاس في الأعمال الشَّاقة، وبنأنه بالآجر، وصلب، وقطع الأيدي والأرجل من خِلافٍ ظلماً.
وفرعون في الأصل: اسم لكل من ملك مصر.
وقيصر: لمن ملك الروم.
وكِسْرى: لمن ملك الفرس.
والنَّجاشي: لمن ملك الحبشة.
وتُبَّع: لمن ملك اليمن.
ويقال فرعون لكل عاتٍ متمرد؛ كأنَّه مأخوذ من اسم فرعون.
ومنه قولهم: تفرعن، إن تخلَّق بخلق الفراعنة، كما في "القاموس" (١).
ومنه سُمي أبو جهل: فرعون هذه الأمة، كما في الحديث (٢)؛
стр. 3610
ونبه عليه الجوهري (١).
وقال صاحب "الكشاف": ولعتو الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان: إذا عتى وتجبر (٢).
ومن لطائف الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، وهو من مشاهير شعره: [من البسيط]
إِنِّي امْرؤٌ ليْسَ في دِيْنِي لغَامِزَةٌ ... لِينٌ وَلَسْتُ عَلَى الإسْلامِ طَعَّاناً
فَلا أَسُبُّ أَبا بَكرٍ وَلا عُمَراً ... وَلنْ أَسُبَّ مَعَاذَ الله عُثْمَانَا
ولا الزُّبيرَ حَوَاريَّ الرَّسُولِ ولا ... أهْدِي لِطَلْحَة شَتْمًا عزَّ أوْ هَانا
ولا أقولُ عَلِيٌّ فِي السَّحَابِ إذاً ... قَدْ قُلْتُ واللهِ ظُلْماً ثُمَّ عُدْوَانا
ولا أقولُ بِقَولِ الجَهْمِ إنَّ لَه ... قَولاً يُضَارعُ أَهْلَ الشِّرْكِ أَحْيَانا