← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.

стр. 386

٤٢ - ومنها: الاستغفار للعلماء: روى الترمذي وصححه، عن أبي أسامة ﵁ قال: ذُكِر لرسول الله ﷺ رجلان؛ أحدهما عابد، والآخر عالم، فقال رسول الله ﷺ : "فَضْلُ الْعالِمِ عَلَىْ الْعابِدِ كَفضْلِيَ عَلَىْ أَدْناكُمْ". ثم قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله، وَمَلائِكَتَهُ، وَأَهْلَ السَّماواتِ، وَأَهْلَ الأَرْضِ، حَتَّىْ النَّمْلَةَ فِيْ جُحْرِها، وَحَتَّىْ الْحُوْتَ، لَيُصَلُّوْنَ عَلَىْ مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ" (١). وصلاة الملائكة بمعنى: الاستغفار. ويدل عليه ما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيْقًا إِلَىْ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضَىً بِما يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِيْ السَّماواتِ وَمَنْ فِيْ الأَرْضِ، حَتَّىْ الْحِيْتَانُ فِيْ الْماءِ، وَفَضْلُ الْعالِمِ عَلَىْ الْعابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَىْ سائِرِ الْكَواكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَماءَ وَرثةُ الأَنْبِياءِ، وَإِنَّ الأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِيْنارًا، وَلا دِرْهَماً، وَإِنَّما وَرَّثُوْا الْعِلْمَ؛ فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ" (٢).

стр. 387

٤٣ - ومنها: الاستغفار لمحبي أبي بكر، وعمر رضي الله تعالى عنهما, ولعن مبغضيهما: روى ابن باكُويه الشيرازي في كتاب "الألقاب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ فِيْ سَماءِ الدُّنْيا ثَمانِيْنَ ألفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُوْنَ لِمَنْ أَحَبَّ أَبا بَكْرٍ، وَعُمَرَ، وَفِيْ السَّماءِ الثَّانِيَةِ ثَمَانِيْنَ ألفَ مَلَكٍ يَلْعَنُوْنَ مَنْ يُبْغِضُ أَبا بَكْرٍ وَعُمَرَ" (١). ٤٤ - ومنها: الاستغفار لصُوَّام رمضان: روى البيهقي بسند صالح، عن جابر بن عبد الله ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "أُعْطِيَتْ أُمتِيْ فِيْ شَهْرِ رَمَضانَ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ نبِي قَبْلِيْ: أما واحِدَةٌ فَإنَّهُ إِذا كانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضانَ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِمْ، وَمَنْ نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِ لَمْ يُعَذِّبْهُ أَبَداً. وَأما الثانِيَةُ: خُلُوْفُ أَفْواهِهِمْ حِيْنَ يُمْسُوْنَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ ريحِ الْمِسْكِ.

стр. 388

وَأَمَّا الثَّالِثة: فَتَسْتَغْفِرُ لَهُمُ الْمَلائِكَةُ فِيْ كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ. وَأَمَّا الرَّابِعَةُ: فَإِنَّ الله ﷺ يَأْمُرُ جَنَّتَهُ فَيَقُوْلُ: اسْتَعِدّيْ، وَتَزَينيْ لِعِبَادِيْ؛ أَوْشَكَ أَنْ يَسْتَرِيْحُوْا مِنْ تَعَبِ الدُّنْيَا إِلَىْ دارِيْ وَكَرامَتِيْ. وَأَمَّا الْخامِسَةُ: فَإِنَّهُ إِذا كانَ آخِرُ لَيْلَةٍ غَفَرَ اللهُ لَهُمْ جَمِيْعاً". فقال رجل من القوم: هي ليلة القدر؟ قال: "لا، ألمْ تَرَ إِلَىْ الْعُمَّالِ يَعْمَلُوْنَ، فَإِذا فَرَغُوْا مِنْ أَعْمالِهِمْ وُفُّوْا أُجُوْرَهُمْ! " (١). ٤٥ - ومنها: الاستغفار لعائد المريض: روى ابن أبي الدنيا في "المرض والكفارات" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا عادَ الرَّجُلُ أَخًا مَرِيْضًا فِيْ اللهِ تَعالَىْ مَشَىْ مَعَهُ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُوْنَ لَهُ، وَكانَ يَخُوْضُ فِيْ الرَّحْمَةِ، حَتَّىْ إِذا دَخَلَ عَلَيْهِ غَرِقَ فِيْها" (٢). ٤٦ - ومنها: الاستغفار لمن قال: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت: روى الإِمام أحمد في "الزهد" عن عبد الله بن إبراهيم قال: مر يحيى ابن زكريا على قبر دانيال النبي ﵈ قال: فسمعه وهو في القبر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة، وقهر العباد بالموت، قال: فسمع ثم

стр. 389

مضى، قال: فناداه مناد من السماء: يا يحيى! أنا الذي تعززت بالقدرة، وقهرت العباد بالموت، من قالها استغفر له السَّماوات والأرض ومن فيهن (١). ٤٧ - ومنها: الاستغفار لكافة المؤمنين ، مع التنصيص في استغفارهم على التائبين، والمتبعين سبيل الله تعالى، ومع الدُّعاء لهم بالنَّجاة من النار والفوز بالجنة وانجاز الموعود والتوفيق، كما في قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ [الشورى: ٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [غافر: ٧ - ٩]. فينبغي للإنسان أن يقتدي بالملائكة ﵈ في الدُّعاء، والاستغفار لإخوانه المؤمنين؛ فإن في ذلك فضلاً كثيرًا، وأجراً غزيراً. روى الطبراني في "معجمه الكبير" عن عُبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِناتِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعا وَعِشْرِيْنَ مَرَّةً كانَ مِنَ الَّذِيْنَ يُسْتَجابُ لَهُمْ، وُيرْزَقُ

стр. 390

بِهِمْ أَهْلُ الأَرْضِ" (١). ومن فضل الترحم، والاستغفار لهذه الأمة بالخصوص ما رواه الخطيب البغدادي في "تاريخه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ دُعاءٍ أَحَبُّ إِلَىْ اللهِ تَعالَىْ مِنْ أَنْ يَقُوْلَ الْعَبْدُ: اللهُمَّ ارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحْمَةً عامَّةً" (٢). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن مَعروف الكَرخي قال: من قال كل يوم: اللهم أصلح أمة محمَّد، اللهم فرج عن أمة محمَّد، اللهم ارحم أمة محمَّد ﷺ ، كُتِب من الأبدال (٣). ٤٨ - ومنها: الصَّلاة على الصفِّ الأول من المصلين مرتين ، وعلى الصف الثاني مرة، وعلى ميامن الصفوف، وعلى الذين يَصِلَون الصفوفَ، وعلى من ينتظر الصلاة، ومن في وجهه أثر السجود، وعلى الْمُتَعَمِّمِيْنَ يوم الجمعة، وعلى من يصلي على النبي ﷺ ، وعلى الرجل ما دامت مائدته موضوعة، وعلى المقتنين للأغنام،

стр. 391

وعلى المتسحِّرين، وعلى الصَّائم إذا أكُل بين يديه، وعلى من فَطَّر صائمًا، وعلى عائد المريض، وعلى زائر أخيه، وعلى من يسلم على أخيه، وعلى من يردُّ السلام، وعلى معلِّم الخير، وعلى العبد عند ختم القرآن، وعلى من قرأ سورة (آل عمران) يوم الجمعة، وعلى المجاهد ما دام سلاحه عليه، وعلى الذاكرين الله كثيراً، والمسبحين الله بكرة وأصيلاً، بل على سائر أمة محمَّد ﷺ . والصلاة من الملائكة ﵈ في هذه الأماكن، وأمثالها بمعنى: الترحم، والاستغفار. ٤٩ - ومنها: صلاتهم على النبي ﷺ ، وسيأتي عدها من خصالهم في محله إن شاء الله تعالى . والتشبه بهم في ذلك بالمعنى؛ أي: بالدعاء لهؤلاء بلفظ الاستغفار، ونحوه، لا بلفظ الصَّلاة؛ لأن الأكثرين على أنَّ الصلاة لا تشرع إلا على الأنبياء والملائكة، ولا تشرع على غيرهم إلا بالتبعية لهم. وأمَّا أدلة ما أشرنا إليه: فروى الإِمام أحمد بإسناد لا بأس به، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ الصَّفِّ الأَوَّلِ"، قالوا: يا رسول الله! وعلى الثاني؟ قال: "إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ الصَّفِّ الأَوَّلِ"، الحديث (١).

стр. 392

وروى -أيضًا بإسناد جيد، عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ الصَّفّ الأَوَّلِ، أَوِ الصُّفُوْفِ الأُوَلِ" (١). وروى أبو داود، وابن ماجه بإسناد حسن، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ مَيامِنِ الصُّفُوْفِ" (٢). وروى ابن خزيمة في "صحيحه" عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأتي الصف إلى ناحيتيه، فيمسح مناكبنا، أو صدورنا، ويقول: "لا تَخْتَلِفُوْا فتخْتَلِفَ قُلُوْبُكُمْ"، قال: وكان يقول: "إِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ الَّذِيْنَ يَصِلُوْنَ الصُّفُوْفَ الأُوَلَ" (٣). وروى هو، والإمام أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وقال: على شرط مسلم، عن عائشة رضي الله تعالى عنها،

стр. 393

عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ الذِيْنَ يَصِلُوْنَ الصُّفُوْفَ" (١). وروى الإِمام أحمد عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْعَبْدَ إِذا جَلَسَ فِيْ مُصَلاَّهُ بَعْدَ الصَّلاةِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ، قالَ: وَصَلاتُهُمْ عَلَيْهِ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ ارْحَمْهُ" (٢). قلت: هذا الحديث أحد الأدلة لما بيناه من معنى الصلاة من الملائكة على المذكورين، والله الموفق. وروى مسلم، وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزالُ الْعَبْدُ فِيْ صَلاةٍ ما دامَ الْعَبْدُ فِيْ مُصَلاهُ يَنتظِرُ الصَّلاةَ، وَالْمَلائِكَةُ يَقُوْلُوْنَ: اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ" (٣). وروى أبو نعيم عن عُبيد بن عُمير قال: لا تَزالُ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّيْ عَلَى الْعَبْدِ ما دامَ أَثَرُ السُّجُوْدِ فِيْ وَجْهِهِ (٤). وروى الطبراني في "معجمه الكبير" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى

стр. 394

عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله وَمَلائِكَتُهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ أَصْحابِ الْعَمائِمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ" (١). قلت في منظومتي المسماة بِـ: "الفوائد المجتمعة في خصائص يوم الجمعة": وَاللهُ وَالأَمْلاكُ كُلُّهُمْ مَعَه ... صَلُّوْا عَلَىْ الْمُعَمَّمِ يَوْمَ الْجُمُعَهْ وروى أبو نعيم في "الحلية"، والضياء في "المختارة" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّىْ عَلَيَّ صَلاةً صَلَّتِ الْمَلائِكَةُ عَلَيْهِ ما صَلَّىْ عَلَيَّ، فَلْيُكْثِرْ عَبْدٌ، أَوْ لِيُقِلَّ" (٢). وروى ابن ماجه عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه رضي الله تعالى عنه عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ مُسْلِمٍ يُصَلِّيْ عَلَيَّ إِلاَّ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ، فَلْيُقِلَّ عَبْدٌ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لِيُكْثِرَ" (٣). وروى أبو بكر بن عاصم في "فضل الصلاة" على النبي ﷺ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنَّ النبي ﷺ قال: "مَنْ صَلَّىْ عَلَيَّ صَلاةً

стр. 395

صَلَّىْ اللهُ وَمَلائِكَتُهُ عَلَيْهِ عَشْراً؛ فَلْيُقِلَّ عَبْدٌ أَوْ لِيُكْثِرَ". وروى الإِمام أحمد بسند حسن، عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: من صلى على رسول الله ﷺ صلاةً، صلَّى اللهُ عليه وملائكته سبعين صلاة، فلْيُقِلَّ عبدٌ من ذلك أو ليُكْثِرَ (١). وروى الطبراني بأسانيد قريبة للحُسْنِ، عن أبي طلحة ﵁ قال: دخلت على رسول الله ﷺ وأسارير وجهه تَبْرُقُ - فقلت: يا رسول الله! ما رأيتك أطيب نفسًا, ولا أظهر بِشراً من يومك هذا، قال: "وَما لِيَ لا تَطِيْبُ نَفْسِيْ، وَيَظْهَرُ بِشْرِيْ! صاِئما فارَقَنِيْ جِبْرِيْلُ ﵇ السَّاعَةَ، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! مَنْ صَلَّىْ عَلَيْكَ مِنْ أُمَّتِكَ صَلاةً كَتَبَ اللهُ لَهُ بِها عَشْرَ حَسَناتٍ، وَمَحَا عَنْهُ عَشْرَ سَيئاتٍ، وَرَفَعَهُ بِها عَشْرَ دَرَجَاتٍ، وَقالَ لَهُ الْمَلَكُ مِثْلَ ما قالَ لَكَ، قُلْتُ: يا جِبْرِيْلُ! وَما ذاكَ الْمَلَكُ؟ قال: إِنَّ الله وَكَّلَ لَكَ مَلَكًا مِنْ لَدُنْ خَلْقِكَ إِلَىْ أَنْ بَعَثَكَ؟ لا يُصَلِّيْ عَلَيْكَ أَحَدٌ مِنْ أُمَتِكَ إِلاَّ قالَ: وَأَنْتَ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْكَ" (٢). وقوله: "إِنَّ الله وَكَّلَ بِكَ مَلَكًا"؛ أي: يحفظك من لَدُن خلقك إلى بعثك، ثم هو معك؟ لا يصلي عليك أحد إلا قال له: "وَأَنْتَ صَلَّىْ اللهُ عَلَيْكَ".

стр. 396

وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَزالُ تُصَلِّيْ عَلَىْ أَحَدِكُمْ ما دامَتْ مائِدَتُهُ مَوْضُوْعَةً" (١). وروى محمَّد بن سعد في "طبقاته" عن بعض الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ تَرُوْحُ عَلَيْهِمْ ثَلاثةٌ مِنَ الْغَنَمِ إِلاَّ باتَتِ الْمَلائِكَةُ تُصَلِّيْ عَلَيْهِمْ حَتَّىْ تُصْبحَ" (٢). وروى الإِمام أحمد بإسناد قوي، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "السَّحُوْرُ كُلُّهُ بَرَكَةٌ؛ فَلا تَدَعُوْهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جَرْعَةً مِنْ ماءٍ؛ فَإِنَّ الله وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ الْمُتَسَحِّرِيْنَ" (٣). وروى ابن حبان في "صحيحه"، والطبراني في "معجمه الأوسط"، وأبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمر ﵁ قالت (٤): قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ وَملائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ الْمُتَسَحِّرِيْنَ" (٥).

стр. 397

وروى الترمذي وصححه، وابن ماجه، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، وغيرهم عن أم عمار رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ دخل إليها، فقدمت إليه طعاما، فقال: "كُلِيْ"، فقالت: "إني صائمة"، فقال رسول الله ﷺ : "الصَّائِمُ إِذا أكَلَتْ عِنْدَهُ الْمَفاطِيْرُ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ ﵈" (١). وفي رواية: "إِنَّ الصَائِمَ تُصَليْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ إِذا أُكِلَ عِنْدَهُ حتَّى يَفْرُغُوْا" (٢). وربما قال: "حَتَّىْ يَشْبَعُوْا". وروى ابن ماجه، والبيهقي عن بُريدة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لبلال رضي الله تعالى عنه: "الْغَداءَ يا بِلالُ"، فقال: إني صائم، فقال رسول الله ﷺ : "نأكُلُ رِزْقَنا، وَفَضْلَ رِزْقِ بِلالٍ فِيْ الْجَنَّةِ، شَعَرْتُ يا بِلالُ أَنَّ الصَّائِمَ تُسَبِّحُ عِظامُهُ، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُ الْمَلائِكَةُ ما كُلَ عِنْدَه" (٣). قلت: لعل صلاة الملائكة ﵈ على الصَّائم إذا أكل عنده،

стр. 398

واستغفارهم له لكونه في ذلك متخلقاً بأخلاقهم لأنهم قد يحضرون الطعام وهم لا يأكلون ولا يشربون، كما سيأتي، والله الموفق. وروى الطَّبراني في "معجمه الكبير" عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ فَطَّرَ صائِمًا عَلَىْ طَعامٍ وَشَرابٍ مِنْ حَلالٍ، صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ فِيْ ساعاتِ شَهْرِ رَمَضانَ، وَصَلَّىْ عَلَيْهِ جِبْرِيْلُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ" (١). وروى الإِمام أحمد، وأبو يعلى، والبيهقي في "سننه" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِذا عادَ الرَّجُلُ أَخاهُ الْمُسْلِمَ مَشَىْ فِيْ خِرَافَةِ الْجَنَّةِ -أي: مجتناها- حَتَّىْ يَجْلِسَ، فَإِذا جَلَسَ غَمَرَتْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِنْ كانَ غُدْوَةً صَلَّىْ عَلَيْهِ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ حَتَّىْ يُمْسِيَ، وَإِنْ كانَ عِشاءً صَلَّىْ عَلَيْهِ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ حَتَّىْ يُصْبحَ" (٢). وروى الترمذي وحسنه، ولفظه: "ما مِنْ مُسْلِمٍ يَعُوْدُ مُسْلِماً غُدْوَةً إِلاَّ صَلَّىْ عَلَيْهِ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ حَتَّىْ يُمْسِيَ، وإنْ عادَهُ عَشِيَّةً صَلَّىْ عَلَيْهِ

стр. 399

سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ حَتَّىْ يُصْبحَ، وَكانَ لَهُ خَرِيْفٌ فِيْ الْجَنَّةِ" (١). وقوله: "وَكانَ لَهُ خَرِيْفٌ فِيْ الْجَنَّةِ" يحتمل وجهين: الأول: أنه أراد به النخل التي تخرص. والمعنى: كان له خريف نخيل مباحة له، كما أن النخل يخرص ليباح لمالكه التصرف فيه، ويدل عليه قوله في الرواية الأخرى: "مَشَىْ فِيْ خِرافَةِ الْجَنَّةِ"؛ أي: مجتناها. ومنه الخريف لثلاثة أشهر بين القيظ والشتاء؛ تخترف فيها الثمار؛ أي: تجتنى. والوجه الثاني: أن يكون أراد بالخريف السنة والعام؛ من باب تسمية الكل باسم البعض. ومنه الحديث: "يَهْوِيْ سَبْعِيْنَ خَرِيْفًا"؛ أي: عامًا. والمعنى: وكان له مسافة عام في الجنة. وروى الإِمام أبو بكر بن باكُويه الشيرازي في "الألقاب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ الله وَكَّلَ بِعائِدِ السَّقِيْمِ مِنَ السَّاعَةِ الَّتِيْ تَوَجَّهَ إِلَيْهِ فِيْها سَبْعِيْنَ ألفَ مَلَك يُصَلُّوْنَ عَلَيْهِ إِلَىْ مِثْلِها مِنَ الْغَدِ". وروى الطَّبراني في "الأوسط" عن أبي رَزين العقيلي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا رَزَيْنٍ! إِنَّ الْمُسْلِمَ إِذا زارَ أَخاهُ الْمُسْلِمَ

стр. 400

شَيَّعَهُ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ يُصَلُّوْنَ عَلَيْهِ؛ اللهُمَّ كَما وَصَلَهُ فِيْكَ فَصِلْه" (١). وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا سَلَّمَ الْمُسْلِمُ عَلَىْ الْمُسْلِمِ فَرَدَّ عَلَيْهِ، صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ سَبْعِيْنَ مَرَّةً" (٢). قلت: يحتمل أن يكون الضمير عائدًا على المبتدئ بالسلام؛ لأن الشرط عقد على فعله. ويحتمل أن يكون عائدًا على الرادِّ؛ لأنه الأقرب إلى الضمير. وعليه: فالمبتدئ بالسلام شريكه في صلاة الملائكة ﵈؛ لأنه هو الذي كان سببًا في تحصيل صلاة الملائكة له، والله الموفق. وروى الطبراني في "الكبير"، والضياء في "المختارة" عن أبي أمامة ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ، حَتَّىْ النَّمْلَةَ فِيْ جُحْرِها، وَحَتَّىْ الْحُوْتَ فِيْ الْبَحْرِ، لَيُصَلُّوْنَ عَلَىْ مُعَلِّمِ [الناس] الْخَيْر" (٣). وروى الطبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن جابر رضي الله

стр. 401

تعالى عنه، والبزار عن عائشة ﵂ قالا: قال رسول الله ﷺ : "مُعَلِّمُ الْخَيْرِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُل شَيْءٍ، حَتَىْ الْحِيْتانُ فِيْ الْبِحارِ" (١). وروى البيهقي عن أبي الدَّرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ غَدا يُرِيْدُ الْعِلْمَ لا يَتَعَلَّمُهُ إِلاَّ لِلَّهِ تَعَالَىْ، فَتَحَ اللهُ لَهُ بَاباً إِلَىْ الْجَنَّةِ، وَفَرَشَتْ لَهُ الْمَلائِكَةُ أَكْنافَهَا، وَصَلَّتْ عَلَيْهِ مَلائِكَةُ السَّمَاواتِ، وَحِيْتانُ الْبَحْرِ، وَلِلْعالِمِ مِنَ الْفَضْلِ عَلَىْ الْعابِدِ كَالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَىْ أَصْغَرِ كَوْكَبٍ فِيْ السَّماء، وَالْعُلَماءُ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ ﵈؛ إِنَّ الأَنْبِياءَ لَمْ يُوَرِّثُوْا دِيْناراً، وَلا دِرْهَمًا، وَلَكِنَّهُمْ وَرثُوْا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظِّهِ، وَمَوْتُ الْعالِمُ مُصِيْبَةٌ لا تُجْبَرُ، وثُلْمَةٌ لا تُسَدُّ، وَهُوَ نَجْم طُمِسَ، مَوْتُ قَبِيْلَةٍ أَيْسَرُ مِنْ مَوْتِ عالِمٍ" (٢). وقد سبق هذا الحديث بلفظ آخر، وفي هذا اللفظ زيادة. وقوله: "لا يتعلمُهُ إِلاَّ للهِ ... إلى آخره"؛ يشير إلى أن هذا الثواب، وصلاة الملائكة إنما يكون للمخلصين من العلماء، وهو كذلك. وقد روى الطبراني في "الأوسط" بسند جيد، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "عُلَمَاءُ هَذِهِ الأمَّةِ رَجُلانِ:

стр. 402

رَجُل آتاهُ اللهُ عِلْمًا، فَبَذَلَهُ لِلنَّاسِ، وَلَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهِ طَمَعاً، وَلَمْ يَشْتَرِ بِهِ ثَمَنًا، فَذَلِكَ تَسْتَغْفِرُ لَهُ حِيْتانُ الْبَحْرِ، وَدَوابُّ الْبَرِّ، وَالْطَّيْرُ فِيْ جَوِّ السَّماءِ. وَرَجُل آتاهُ اللهُ عِلْماً، فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبادِ اللهِ، وَأَخَذَ بِهِ طَمَعا، وَشَرَىْ بِهِ ثَمَناً، فَذَلِكَ يُلْجَمُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ، وَيُنادِيْ مُنادٍ: هَذا الَّذِيْ آتاهُ اللهُ عِلْماً فَبَخِلَ بِهِ عَنْ عِبادِ اللهِ، وَأَخَذَ عَلَيْهِ طَمَعاً، وَشَرَىْ بِهِ ثَمَناً، وَكَذَلِكَ حَتَّىْ يَفْرُغَ الْحِسابُ" (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "مَنْ خَتَمَ الْقُرْآنِ أَوَّلَ النَّهارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ حَتَّىْ يُمْسِيَ، وَمَنْ خَتَمَهُ آخِرَ النَّهارِ صَلَّتْ عَلَيْهِ الْمَلائِكَةُ حَتَّىْ يُصْبحَ" (٢). وروى أبو عُبيد في "فضائل القرآن" عن إبراهيم التَّيمي رحمه الله تعالى قال: كان يقال: إذا ختم الرجل القرآن في أول النهار صلت عليه الملائكة بقيةَ يومه، وإذا ختمه أول الليل صلت عليه الملائكة بقيةَ ليلته.

стр. 403

قال: وكانوا يحبون أن يختموا في أول النهار، أو في أول الليل (١). وروى في "الحلية" نحوه عن عَبدة بن أبي لُبابة (٢). وفيها عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي قال: إذا قرأ الرجل القرآن نهارًا صلت عليه الملائكة حتَّى يمسي، وإذا قرأه ليلاً صلت عليه الملائكة حتَّى يصبح. قال الأعمش: فرأيت أصحابنا يعجبهم أن يختموه أول النهار وأول الليل (٣). وفي هذه الرواية أن الملائكة يصلون على القارئ أول النهار وأول الليل، وإن لم يختمه. وروي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا خَتَمَ الْعَبْدُ الْقُرْآنَ صَلَّىْ عَلَيْهِ عِنْدَ خَتْمِهِ سِتُّوْنَ ألفَ مَلَكٍ" (٤). وفي هذا الحديث: أن صلاتهم عليه لا تتقيد بأن يكون الختم أول

стр. 404

النهار، أو أول الليل، أو في غيرهما. وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَرَأَ السُّوْرَةَ الَّتِيْ يُذْكَرُ فِيْها آلُ عِمْرانَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صلَّىْ اللهُ عَلَيْهِ وَمَلائِكَتُهُ حَتَّىْ تَجِبَ الشَّمْسُ" (١)؛ أي: تسقط للغروب. وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمَلائِكَةُ تُصَلِّيْ عَلَىْ الْغازِيْ ما دامَتْ حَمَائِلُ سَيْفِهِ فِيْ عُنُقِهِ" (٢). وقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣]. قال أبو العالية في الآية: صلاة الله: ثناؤه، وصلاة الملائكة: الدعاء (٣). وقال سعيد بن جبير فيها: الله يغفر لكم، وتستغفر لكم الملائكة.

стр. 405

رواهما ابن أبي حاتم. وقال الأزهري: الصلاة من الله الرحمة (١). وقال غيره: الرحمة مع التعظيم (٢). قلت: وفي قوله في الآية: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] إشارة إلى أن معنى الصلاةِ الرحمةُ. أو المعنى: وكان بالمؤمنين -أي: بعامَّتِهم- رحيماً؛ فإن ذكروا الله كثيرًا، وسبحوه بكرة وأصيلاً، خصهم بالرحمة المقرونة بالتعظيم، المخصوصة باسم الصَّلاة. وروى الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم، والبيهقي في "الدلائل" عن سليم بن عامر قال: جاء رجل إلى أبي أمامة رضي الله تعالى عنه فقال: يا أبا أمامة! إني رأيت في منامي أن الملائكة يصلون عليك كلما دخلت، وكلما خرجت، وكلما قمت، وكلما جلست. فقال أبو أمامة: اللهم غفراً، دعونا عنكم، وأنتم لو شئتم صلت عليكم، ثم قرأ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢) هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤١ - ٤٣] الآية (٣).

стр. 406

ونقل الثعلبي، والبغوي عن أنس ﵁ (١)، ورواه عبد بن حميد، وابن المنذر مرسلاً، قال [مجاهد] (٢): لما نزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! ما أنزل الله عليك خيراً إلا أشرَكَنا فيه، فنزلت ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] (٣). وروى ابن المنذر عن ابن جريج في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]. قال: لما نزلت جعل الناس يهنؤنه بهذه الآية (٤). وقال أُبي بن كعب ﵁: ما أنزل الله فيك خيراً إلا أخلطنا به معك إلا هذه الآية، فنزل ذكر المؤمنين في الآية الأخرى (٥). وروى ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري: أنه سئل عن قوله: "اللهم صل على محمَّد وعلى آل محمَّد، كما صليْت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم"؟ قال: أكرم الله أمة محمَّد ﷺ فصلى عليهم كما صلى على الأنبياء، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣].

стр. 407

أشار سفيان إلى أن آل محمَّد أمته، وأن آل إبراهيم ذريته الأنبياء. وروى عبد الرزاق، وغيره عن الحسن في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٣] قال: إن بني إسرائيل سألوا موسى ﵇: هل يصلي ربك؛ فكان ذلك كبر في صدر موسى، فأوحى الله تعالى إليه: أخبرهم بأني أصلي، وأن صلاتي: إن رحمتي سبقت غضبي (١). وأخرجه عبد بن حميد بنحوه عن شَهْر بن حَوشب، وزاد فيه: "ولولا ذلك هلكوا" (٢). وروى ابن مردويه عن عبد الله بن الزبير ﵄: أنَّ النبي ﷺ ليلة أسري به قال له جبريل: إن ربك يصلي، قال: "يا جِبْرِيْلُ! كَيْفَ يُصَلِّيْ؟ " قال: يقول: سُبُّوْحٌ قُدُّوْسٌ رَبُّ الْمَلائِكَةِ وَالرُّوْحِ، سَبقَتْ رَحْمَتِيْ غَضَبِيْ (٣). وعن عطاء بن أبي رباح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قُلْتُ لِجِبْرِيْلَ: هَلْ يُصَلِّيْ ربكَ؟ "قال: "نعم"، قلت: "وَما صَلاتُهُ؟ " قال: "سُبُّوْحٌ قُدُوْسٌ، تغلب رحمتي غضبي" (٤).

стр. 408

قلت: إنما سأل جبريل النبي ﷺ هذا السؤال في ليلة الإسراء، كما في حديث ابن الزُّبير، وكان بمكة قبل أن ينزل عليه آيتا الأحزاب: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، و ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] , فإن سورة الأحزاب مدنية. وروى ابن أبي شيبة عن مصعب بن سعد قال: إذا قال العبد: سبحان الله، قالت الملائكة: وبحمده، وإذا قال: سبحان الله وبحمده، صلوا عليه (١). ٥٠ - ومن خصال الملائكة ﵈: لعن أهل المعاصي الْمُصِرِّين عليها بحيث لا يتوبون منها, ولا يستحيون من الله تعالى، خصوصاً الكفار . ثم وردت آثار بأنهم يلعنون أهل معاص مخصوصين. والتشبه بهم في لعن الموصوفين بالمعاصي، دون لعن المعين بذاته واسمه جائزٌ. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: ١٦١]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].

стр. 409

قال قتادة في قوله: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩]: من ملائكة الله، والمؤمنين. رواه ابن جرير، وغيره (١). وأكثر المفسرين أن هذه الآية في علماء أهل الكتاب الذين كتموا صفة محمَّد ﷺ ، وغيرها مما في كتاب الله تعالى. وذهب آخرون إلى أنها عامة فيمن كتم علماً من علوم الدِّين سئل عنه من محتاج إليه، ولم يكن ثَمَّ من بينه غيره (٢). وعليه حمل الحديث: "فَمَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ، أُلجِمَ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ" (٣). وفي لفظ: "مَنْ كتَمَ عِلْما مِمَّا يَنْفَعُ اللهُ بِهِ النَّاسَ فِيْ أَمْرِ الدّيْنِ ألجَمَهُ اللهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ بِلِجامٍ مِنْ نارٍ" (٤). رواهما ابن ماجه؛ بالأول عن أنس، وبالثاني عن أبي سعيد. وفي الباب أحاديث أخرى. ويؤيده ما في "صحيح البخاري"، وغيره عن أبي هريرة ﵁ قال: لولا آيتان (٥) في كتاب الله ما حدثت أحدًا بشيء أبدًا، ثم تلا هذه الآية:

стр. 410

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] الآية (١). وروى الإِمام أحمد، وأبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لتلْعَنُ أَحَدَكُمْ إِذا أَشارَ إِلَىْ أَخِيْهِ بِحَدِيْدَة، وإنْ كانَ أَخاهُ لأَبِيْهِ وَأُمِّهِ" (٢). وأخرجه مسلم، والترمذي بمعناه (٣). وروى الشِّيرازي في "الألقاب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دَخَلَ الْحَمامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ لَعَنَهُ الْمَلَكانِ". وروى أبو بكر بن السُّنِّي عن عُمير بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ دَعا رَجُلًا بِغَيْرِ اسْمِهِ لَعَنتهُ الْمَلائِكَة" (٤). وهذا محمول على ما لو دعاه بغير اسمه ليهينه، ويؤذيه، ونحو ذلك. فأما إذا لم يعرف اسمه فناداه بنحو: (يا رجل)، فلا بأس. ويدل على ذلك: ما أخرجه الإِمام عبد الله بن المبارك في "الزُّهد"

стр. 411

عن أبي مريم الغَسَّاني: أن رجالاً من الجند خرجوا ينتضلون؛ منهم سعيد ابن عامر رضي الله تعالى عنه، فبينما هم كذلك إذا أصابهم الحر، فوضع سعيد قَلَنْسُوتهُ عن رأسه - وكان رجلًا أصلع -، فلما رأى سعيد صاح به الواصف في شيء ذكره من رميته: يا أصلع -وهو لا يعرفه -، فقال له سعيد: إن كنتَ لَغَنِيًا أن تلعنك الملائكة، فقال رجل منهم: ومم تلعنه الملائكة؟ قال: من دعا امرأً بغير اسمه لعنته الملائكة ﵈ (١). وروى الشيخ الإِمام الفقيه الزاهد نصر المقدسي في كتاب "الحجة على تارك المحجة" عن شداد بن أوس ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَتانِيْ جبْرِيْلُ وَمِيْكائِيْلُ وَإِسْرافِيْلُ ﵈ مَعَ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ سَبْعُوْنَ ألفًا، فَقَالُوْا: يَا مُحَمَّدُ! إِنَّ الله يُقْرِئُكَ السَّلامَ، وَيقُوْلُ لَكَ: بَلِّغْ أُمَّتَكَ أَنَّ مَنْ ماتَ مِنْهُمْ وَهُوَ مُفارِقٌ الْجَماعَةَ لَمْ يَشَمَّ رائِحَةَ الْجَنَّةِ وَلَوْ كانَ أكثَرَ أَهْلِ الأَرْضِ عَمَلاً، وَمَنْ تَرَكَ الْجَماعَةَ لَعَنْتُهُ أَنا وَمَلائِكَتِيْ، وَقَدْ لَعَنْتُهُ فِيْ التَّوْراةِ وَالإِنْجِيْلِ وَالزَّبُوْرِ، وَتارِكُ الْجَماعَةِ يُصْبحُ وُيمْسِيْ فِيْ لَعْنَتِيْ وَسَخَطِيْ" (٢). وروى ابن لاَل، وابن عساكر عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَفْتَىْ بِغَيْرِ عِلْم لَعَنَتْهُ مَلائِكَةُ السَّماءِ وَالأَرْضِ" (٣).

стр. 412

وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النبي ﷺ قال: "مَنْ سَبَّ أَصْحَابِي، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ" (١). وروى فيه عن عبادة بن الصَّامت ﵁، عن النبي ﷺ : أنه قال: "مَنْ ظَلَمَ أَهْلَ الْمَدِيْنَةِ وَأَخافَهُمْ [فأخفه]، وعَلَيْهِ (٢) لَعْنَةُ الله وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ" (٣). وفي الباب عن جابر، وغيره. وروى الدَّارقطني في "الأفراد" عن أنس ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "مَنْ غَشَّ أُمَّتِيْ فَعَلَيْهِ لَعْنة الله وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ"، قالوا: يا رسول الله! وما الغش؟ قال: "أَنْ يَبْتَدِعَ لَهُمْ بِدْعَةً فَيُعْمَلَ بِها" (٤). وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَثَّلَ بِأَخِيْهِ - وفي رواية: مَنْ مَثَّلَ بِحَيَوانٍ - فَعَلَيْهِ

стр. 413

لَعْنَةُ اللهِ، وَالْمَلائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ" (١). وروى الإِمام أحمد، والحاكم عن أبي بكر (٢) رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُوْرِ الْمُؤْمِنِيْنَ شَيْئاً فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَداً مُحاباةً، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ" (٣). وروى البزار عن ثوبان، والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا، أَوْ آوَىْ مُحْدِثا، أَوِ ادَّعَىْ إِلَىْ غَيْرِ أَبِيْهِ، أَوْ تَوَلىْ غَيْرَ مَوالِيْهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ صَرْفًا وَلا عَدْلاً" (٤). وروى الحاكم في "تاريخ نيسابور" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَهَيأ لِلنَّاسِ بِقَوْلهِ وَلِباسِهِ وَخالَفَ فِيْ ذَلِكَ فِيْ أَعْمالِهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ الله وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ".

стр. 414

وروى مسلم، وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ تَوَلَّىْ قَوْما بِغَيْرِ إِذْنِ مَوالِيْهِ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ، لا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ صَرْفاً، وَلا عَدْلاً" (١). وأخرجه ابن جرير من حديث سعيد بن زيد ﵁، ولفظه: "مَنْ تَوَلَّىْ مَوْلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِ مَوالِيْهِ ... "، الحديث (٢). وروى أبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال رسول الله ﷺ : "مَنْ رَاع مُؤْمِناً، لَعَنتهُ الْمَلائِكَةُ" (٣). وروى أبو داود، والنسائيُّ، وابن ماجه، والبيهقيُّ عن ابن عبَّاس ﵄: أن النبي ﷺ : قال: "مَنْ قُتِلَ فِيْ عِمّيَا أَوْ رِمّيَا تَكُوْنُ بَيْنَهُمْ بِحَجَرٍ أَوْ بِسَوْطٍ فَعَقْلُهُ عَقْلُ خَطاءٍ، وَمَنْ قُتِلَ عَمْداً فَقَوَدُ يَدَيْهِ، فَمَنْ حالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ" (٤). روى ابن عساكر عن معاوية بن صالح، عن بعضهم قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ وَالْمَلائِكَةُ رَجُلاً تأنثَ، وَامْرَأة تَذَكرتْ، وَرَجُلاً تَحَصَّرَ بَعْدَ يَحْيى بْنِ زكرِيَّا، وَرَجُلاً قَعَدَ عَلَىْ الطَّرِيْقِ يَسْتَهْزِئُ مِنْ أَعْمَىْ،

стр. 415

وَرَجُلاَ شَبعَ مِنَ الطَّعامِ فِيْ يَوْمِ مَسْغَبَةِ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط"، والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَلَّ سَخِيْمَتَهُ -يعني: الغائط - عَلَىْ طَرِيْقِ عَام مِنْ طَرِيْقِ الْمُسْلِمِيْنَ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِيْنَ" (٢). وروى الشيخان، وأبو داود، والنَسائي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا دَعَا الرَّجُلُ امْرَأتهُ إِلَىْ فِراشِهِ فَلَمْ تأتِهِ فَباتَ غَضْبانَ، لَعَنَتْها الْمَلائِكَةُ حَتَّىْ تُصْبحَ" (٣). وفي رواية للشيخين، والنسائي: "إِذا باتَتِ الْمَرْأة هاجِرَة فِراشَ زَوْجِها, لَعَنتها الْمَلائِكَةُ حَتَّىْ تُصْبحَ" (٤). ورواه أبو نعيم، ولفظه: "لا تَهْجُرُ امْرَأةٌ فِراشَ زَوْجِها إِلاَّ

стр. 416

لَعَنَتْها مَلائِكَةُ اللهِ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَرْأة إِذا خَرَجَتْ مِنْ بَيْتها وَزَوْجُها كارِهٌ، لَعَنَها كُلُّ مَلَك فِيْ السَّماءِ، وَكُلُّ شَيْء مَرَّتْ عَلَيْهِ، غَيْرِ الإِنْسِ وَالْجِنِّ حَتَّىْ تَرْجِعَ" (٢). وروى ابن ماجه، والطَّبراني عن واثلة ﵁: أنّ النبي ﷺ قال: "مَنْ باعَ عَيْباً لَمْ يُبيِّنْهُ، لَمْ يَزَلْ فِيْ مَقْتِ اللهِ، وَلَمْ تَزَلِ الْمَلائِكَةُ تَلْعَنُهُ" (٣). واللعنة من الله تعالى: الإبعاد والطرد. ومن الملائكة والناس: طلب ذلك منه ، أو الإخبار بطرد الملعون، وإبعاده عن حضرة القرب. ومن ثَمَّ قال أكثر العلماء: لا يجوز لعن المُعيَّن؛ لأنه لا يعلم بماذا يختم له. نعم، من مات على الكفر يجوز لعنه.

стр. 417

فأما لعن العصاة بالوصف؛ كلعن الظالم، جائزٌ. ثم إن الإبعاد والطرد إذا حق من الله تعالى لبعض عباده، فقد حق للملائكة والنَّاس لعنه لأنه تصديق الله تعالى. ومن ثمَّ قال ﷺ للشيطان الذي عرض له في صلاته: "ألعَنُكَ بِلَعْنَةِ الله" (١). ومن هنا: فكل من لعنه الله تعالى فهو ملعون عند الملائكة ﵈. وما سبق فيما ورد التنصيص على لعن الملائكة فيه لطوائف مخصوصة. وبقي طوائف ورد لعن الله تعالى لهم فهم ملعونون -أيضًا - عند الملائكة، فينبغي الإشارة إلى ذلك. قال الله تعالى في حق إبليس -وهو أول المَلاعين -: ﴿فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٧٧) وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [ص: ٧٧، ٧٨]. وقال تعالى في اليهود: ﴿غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]. وروى الإِمام أحمد، والشيخان عن عائشة وابن عباس معًا رضي الله تعالى عنها: أنَّ رسول الله ﷺ [قال]: "لَعَنَ اللهُ الْيَهُوْدَ وَالنَّصارَىْ؛ اتَّخَذُوْا قُبُوْرَ أَنْبِيائِهِمْ مَساجِد" (٢).

стр. 418

وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْيَهُوْدَ؛ إِنَّ الله حَرَّمَ عَلَيْهِمُ الشُّحُوْمَ فَباعُوْها، وَأَكلُوْا أثمانهَا، وَإِنَّ الله إِذا حَرَّمَ عَلَىْ قَوْمٍ أكلَ شَيْءٍ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ" (١). وروى الشيخان، والنَّسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ السَّارِقَ؛ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فتقْطَعُ يَدُهُ، وَيسْرِقُ الْحَبْلَ فتقْطَعُ يَدُه" (٢). وروى الإمام مالك في "الموطأ"، والإمام أحمد، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن ابن عباس، وابن ماجه عن أبي هريرة، والطَّبراني في "الكبير" عن أبي بكرة قالوا ﵃: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْمُتَشَبِّهاتِ مِنَ النِّساءِ بِالرّجالِ، وَالْمُتَشَبِّهِيْنَ مِنَ الرِّجالِ بِالنِّساءِ" (٣). وروى الإِمام أحمد، ومسلم عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال:

стр. 419

"لَعَنَ اللهُ آكِلَ الرَّبا، وَمُوْكِلَهُ، وَشاهِدَيْهِ، وَكاتِبَهُ؛ هُمْ فِيْه سَواءٌ" (١). وروى أبو داود، والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عمر ﵄، والترمذي، وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه، والطَّبراني في "الكبير" عن عثمان بن أبي العاص ﵃ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْخَمْرَ، وَشارِبَها، وَساقِيَها، وَبائِعَها، وَمُبْتاعَها، وَعاصِرَها، وَمُعْتَصِرَها، وَحامِلَها، وَالْمَحْمُوْلَةَ إِلَيْهِ، وَآكِلَ ثَمَنِهَا" (٢). وروى الإِمام أحمد، والشيخان، والنَّسائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ مَنْ مَثَّلَ بِالْحَيَوانِ" (٣). وروى الإِمام أحمد، ومسلم عن جابر ﵁ قال: رأى النبي ﷺ

стр. 420

حمارًا قد وُسِمَ في وجهه، فقال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذَا" (١). ورويا، والترمذي عن علي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ لَعَنَ والِدَه (٢)، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ آوَىْ مُحْدِثًا، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ غَيَّرَ مَنارَ الأَرْضِ" (٣). وروى الخرائطي في "مساوئ الأخلاق" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ الله سبعةً من خَلْقِه من فوقِ سَبع سماوات"، فردَّد اللعنة على واحد منهم ثلاث مرات، ولعن كل واحد منهم لعنةً لعنةً، وقال: "مَلْعُوْنٌ، مَلْعُوْنٌ، مَلْعُوْنٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ، مَلْعُوْنٌ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ الْمَرْأة وبِنْتِها، مَلْعُوْنٌ مَنْ سَبَّ شَيْئًا مِنْ والِدَيْهِ، مَلْعُوْنٌ مَنْ أتىْ شَيْئاً مِنَ الْبَهائِمِ، مَلْعُوْنٌ مَنْ غَيَّرَ حُدُوْدَ الأَرْضِ، مَلْعُوْنٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، مَلْعُوْنٌ مَنْ تَوَلَّىْ غَيْرَ مَوالِيْهِ" (٤). ولعبد الرزاق نحوه من حديث ابن عباس (٥). ورواه الطبراني، والحاكم وصححه، وأشار المنذري إلى تحسينه (٦)،

стр. 421

من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ سَبْعَةً مِنْ خَلْقِهِ مِنْ فَوْقِ سَبع سَمَاواتٍ، ورَددَ اللعْنَةَ عَلَىْ واحِدٍ مِنْهُمْ ثَلاثا، وَلَعَنَ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُمْ لَعْنةً تَكْفِيْهِ، قالَ: مَلْعُوْنٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ، مَلْعُوْنٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ، مَلْعُوْنٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْط، مَلْعُوْنٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَىْ، مَلْعُوْن مَنْ أتَىْ شَيْئا مِنَ الْبَهائِمِ، مَلْعُوْن مَنْ عَقَّ والِدَيْهِ، مَلْعُوْنٌ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأة وَابْنَتِها، مَلْعُوْنٌ مَنْ غَيرَ حُدْوُدَ الأَرْضِ، مَلْعُوْن مَنِ ادَّعَىْ إِلَىْ غَيْرِ مَوالِيْهِ" (١). وروى ابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيرَ تُخُوْمَ الأَرْضِ، لعَنَ اللهُ مَنْ كَمَّهَ أَعْمَىْ عَنِ السَّبِيْلِ، وَلعَنَ اللهُ مَنْ سَبَّ والِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ تَوَلَىْ غَيْرَ مَوالِيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ، قالَها ثَلاثا فِيْ عَمَلِ قَوْمِ لُوْطٍ" (٢).

стр. 422

وروى أبو داود، والترمذي وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي" (١). وأخرجه ابن ماجه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "لَعْنَةُ اللهِ عَلَىْ الرَّاشِيْ وَالْمُرْتَشِيْ" (٢). وروى الإِمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن ثوبان رضي الله تعالى عنه، والحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ الَّذِيْ يَمْشِيْ بَيْنَهُمَا" (٣). نعم، يستثنى من الراشي من يدفع بالرشوة الظلم عن نفسه (٤). والرائش حكمه حكم موكله. وروى الإِمام أحمد، والستة عن ابن عمر، والثلاثة الأولون والنسائي عن عائشة، وهؤلاء وابن ماجه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى

стр. 423

عنهم قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْواصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْواشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة" (١). وروى الإِمام أحمد، والستة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللْهُ الْواشِماتِ وَالْمُسْتَوْشِماتِ، وَالْمُتَنَمّصاتِ، وَالْمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيّراتِ لِخَلْقِ اللهِ" (٢). وروى الإِمام أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن علي ﵁، والإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، والنسائي عن ابن مسعود، والترمذي عن جابر، وابن ماجه عن ابن عباس، والإمام أحمد والبيهقي عن أبي هريرة ﵁، كلهم عن النبي ﷺ

стр. 424

قال: "لَعَنَ اللهُ الْمُحَللَ، وَالْمُحَلَّلَ لَه" (١). وروى البيهقي في "السنن" عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ النَّائِحَةَ، وَالْمُسْتَمِعَةَ، وَالْحالِقَةَ (٢)، وَالسَّالِقَةَ (٣)، وَالْواشِمَةَ، وَالْمُوْتشَمَةَ" (٤). وروى هو، والإمام أحمد، وأبو داود عن أبي سعيد، والطَّبراني في "الكبير" عن ابن عمر، وابن عباس ﵃: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ" (٥).

стр. 425

وروى الإِمام مالك في "الموطأ"، والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ زائِراتِ الْقُبُوْرِ، وَالْمُتَّخِذِيْنَ عَلَيْها الْمَساجِدَ وَالسُّرُجَ" (١). وروى ابن ماجه، والطبراني في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْخامِشَةَ وَجْهَها، وَالشَاقَّةَ جَيْبَها، وَالدَّاعِيَةَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُوْرِ" (٢). وروى الطبراني في"الكبير" عن ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ سبَّ أَصْحابِيْ" (٣). وروى الديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَلْعُوْن مَنْ لَعِبَ بِالشَّطْرَنج" (٤).
следующие страницы →