فاقتدوا بهم، وعملوا مثل أعمالهم، أنهم متعرضون بذلك لمثل ما نزل بالأمم من العذاب.
أو المعنى: أولم يتبين لمن ورث أرضاً من بعد أهلها؛ فإن كل ذي أرض مملوكة مشتملة على مساكن ومزارع ومنافع لا بد أن يذهب ويتركه، فيرثها غيره.
والاستفهام للتوبيخ؛ أي: أيليق ويحسن لمن ورث أرضاً هلك عنها صاحبها بعد بطره وغروره، وكان هلاكه بسبب إصراره على معاصيه أن يقلدوه في الغرور والتمادي في الذنوب، ويعمل مثل عمله؟ إنه متعرض لمثل ما نزل به أن ينزل به، فلو نشاء أن نؤاخذه بذنوبه ما كان له عمل صالح يدفع عنه العقوبة والعذاب.
وقوله: ﴿وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٠٠] معطوف عطف الجملة بعضها على بعض؛ أي: ونحن نطبع على قلوبهم فلم يهتدوا إلى هذا الأمر، فهم لا يسمعون الترهيب فيرهبوا، ولا الترغيب فيرغبوا، ولا المواعظ فيتعظوا.
والحاصل: أن من تشبه بأحد من الهالكين فيما هلكوا فقد عرض نفسه لمثل ما هلكوا به إلا أن يلطف الله به فيتوب؛ نسأل الله تعالى التوبة والمغفرة، فإنه وليُّ ذلك والقادرُ عليه.
وأما ما ذكرناه عن الأمم الهالكين مما اتفقوا عليه من الجرأة والإصرار، فمن تأمل قصصهم وما كانوا يجيبون به رسلهم، وإغلاظهم
стр. 3607
لهم، ومناقضة أوامرهم، والمبادرة إلى تكذيبهم، والمداومة منهم على ذلك كله، تحقق جرأتهم على الله، وإصرارهم على معاصيه، وسبب ذلك كله الجهل؛ فإن الجرأة إنما تكون على من يملك المجترئ منه ضرر أو أذى يوصله إليه، وهذا محال؛ فإن الله تعالى ذو البطش الشديد، والفعَّال لما يريد، وهو من وراء خلقهم كلهم محيط بكبيرهم وصغيرهم، منزَّه عن صفات الحَدَث، ووصول الضرر، متعال عن كل ضرر وسوء وأذى، وهو الضار النافع، المعطي المانع، المنعم المنتقم، فالمجترئ عليه لم يدع من الجهل شيئاً.
وقد روى الدينوري في "المجالسة" عن القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم: أنه سمع رجلاً يقول: ما أجرأَ فلانًا على الله!
فقال القاسم: إن ابن آدم أهون وأضعف من أن يكون جريئاً على الله تعالى، ولكن ما أقلَّ معرفتَه بالله (١)!
وكذلك الإصرار أصله الجهل بالله، والجهل بعذابه وانتقامه مع استحسان ما عليه المُصِرُّ من الضلال، وإعجابه بما له من الرأي الخالي عن الحكمة؛ كَشَفَ اللهُ تعالى عنَا غَمْرةَ الجهل، ورفع عنا سَكْرة الهوى.
(١٠) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِفِرْعَونَ وَقَوْمِهِ
وهو أول من خضَّب بالسَّواد، وسخر النَّاس في الأعمال الشَّاقة، وبنأنه بالآجر، وصلب، وقطع الأيدي والأرجل من خِلافٍ ظلماً.
وفرعون في الأصل: اسم لكل من ملك مصر.
وقيصر: لمن ملك الروم.
وكِسْرى: لمن ملك الفرس.
والنَّجاشي: لمن ملك الحبشة.
وتُبَّع: لمن ملك اليمن.
ويقال فرعون لكل عاتٍ متمرد؛ كأنَّه مأخوذ من اسم فرعون.
ومنه قولهم: تفرعن، إن تخلَّق بخلق الفراعنة، كما في "القاموس" (١).
ومنه سُمي أبو جهل: فرعون هذه الأمة، كما في الحديث (٢)؛
стр. 3610
ونبه عليه الجوهري (١).
وقال صاحب "الكشاف": ولعتو الفراعنة اشتقوا: تفرعن فلان: إذا عتى وتجبر (٢).
ومن لطائف الإمام عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى، وهو من مشاهير شعره: [من البسيط]
إِنِّي امْرؤٌ ليْسَ في دِيْنِي لغَامِزَةٌ ... لِينٌ وَلَسْتُ عَلَى الإسْلامِ طَعَّاناً
فَلا أَسُبُّ أَبا بَكرٍ وَلا عُمَراً ... وَلنْ أَسُبَّ مَعَاذَ الله عُثْمَانَا
ولا الزُّبيرَ حَوَاريَّ الرَّسُولِ ولا ... أهْدِي لِطَلْحَة شَتْمًا عزَّ أوْ هَانا
ولا أقولُ عَلِيٌّ فِي السَّحَابِ إذاً ... قَدْ قُلْتُ واللهِ ظُلْماً ثُمَّ عُدْوَانا
ولا أقولُ بِقَولِ الجَهْمِ إنَّ لَه ... قَولاً يُضَارعُ أَهْلَ الشِّرْكِ أَحْيَانا
стр. 3611
ولا أقولُ تَخلَّى عَنْ خَلِيقَتِهِ ... ربُّ العبادِ وَوَلَّى الأَمْرَ شَيْطَانا
ما قالَ فِرْعَونُ هذا في تَجَبُّرِهِ ... فِرْعَونُ مُوسَى وَلا هَامَانُ طُغْيَانا (١)
قال وهب بن مُنبِّهٍ رحمه الله تعالى: فرعونُ موسى هو فرعونُ يوسف: عاش حتى بعث الله إليه موسى.
وقال الأكثرون: هو غيره (٢).
وتأولوا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جَاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذَا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولًا﴾ [غافر: ٣٤] على نسبة أحوال الآباء إلى الأولاد، وكان اسم فرعون موسى - وهو المراد عند الإطلاق -: مصعب بن الوليد، وكان قصيراً.
روى ابن قتيبة في "مختلف الحديث" عن الحسن رحمه الله تعالى: ما كان طول فرعون إلا ذراعاً، وكانت لحيته ذراعاً (٣).
وروى أبو الشيخ بن حيان في كتاب "النتف والنوادر" عن الحسن
стр. 3612
قال: كان فرعونُ عِلجاً من أهل أصبهان طولُهُ أربعةُ أشبارٍ (١).
وعن أبي حُبابٍ قال: كانت لحية فرعون طولها سبعة أشبار، وكانت خضراء (٢).
وروى الطَّبراني في "الأوسط" عن أبي بكر الصِّديق رضي الله تعالى عنه قال: أُخبرتُ أن فرعون كان أثرم (٣).
والثرم - بفتح المثلثة، والراء -: سقوطُ الثنيَّةِ؛ يُقال: ثَرِمَ كفَرِحَ.
وعن مجاهدٍ قال: كان فرعون من أهل إصطخر.
وأخرجه ابن أبي حاتم، ولفظه: كان فارسياً من أهل إصطخر (٤).
وأخرج عن الحسن قال: كان فرعون علجاً من همدان (٥).
وعن ابن لهيعة: أن فرعون كان من أبناء مصر (٦).
وعن عليِّ بن أبي طلحة: أن فرعون كانَ قبطياً ولد زنا، طوله سبعة أشبار (٧).
وروى هو وأبو الشيخ عن محمَّد بن المنكدر رحمه الله تعالى قال: عاش فرعون ثلاثمئة، منها مئتان وعشرون سنة لم ير فيها ما يُقْذِي عينه،
стр. 3613
ودعاه موسى ﵇ ثمانين سنة (١).
وروى أبو الشَّيخ عن إبراهيم بن مقسم الهُذلي قال: مكث فرعون أربعمئة سنة لم يصدع له رأس.
وعن أبي الأشرس قال: مكث فرعون أربعمئة سنة في الشباب، يغدو فيه ويروح (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى قال: كان يُغْلَقُ دونَ فرعون ثمانون باباً (٣).
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾ [هود: ٩٦، ٩٧].
فانظر كيف ذم الله تعالى فرعون وذم أتباعه، وبين أنَّ أمره غير رشيد، فلا يليق التشبه في أمره حيث ذمه الله تعالى، وأخبر أنه ليس برشيد.
وقال تعالى ناهياً موسى وهارون ﵉ عن اتباع طريق فرعون وقومه: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩].
وكان من أمر فرعون أنه كفر بالله تعالى، وادَّعى الربوبية لنفسه،
стр. 3614
واستعبد بني إسرائيل، وذبح أبناءهم حين قيل له: يولد في هذا العام من بني إسرائيل مولود يكون ذهاب ملكك على يديه، فأمر بذبح الأبناء، وأخفى الله تعالى حَمْلَ أمِّ موسى عنه، ولما ولدته ألهمها الله تعالى أن تضعه في التابوت فتلقيه في اليم، ففعلت، فالتقطه آل فرعون، ثُمَّ رباه الله تعالى في بيت فرعون بعد أن رجعه إلى أمه فأرضعته كما قصَّ الله تعالى ذلك في الكتاب العزيز، ثم لما كبر موسى ﵇ وبلغ ثلاثين سنة، وَكَزَ القِبطيَّ فقضى عليه، ثم خرج من المدينة خائفاً يترقب حتَّى ورد ماء مدين، فسقى لِبِنتي شعيب ﵇، ثم تزوج بإحداهما، وسار بأهله بعد عشر حِجج، فآنس من جانب الطُّور ناراً فكلمه الله تعالى، ثم أرسله إلى فرعون، وأرسل معه أخاه هارون يدعوانه إلى الله تعالى، ويأمرانه أن يرفع العذاب عن بني إسرائيل ويرسلهم معهما، والقصة طويلة جداً، وليس الغرض بيانها هنا، وإنَّما المراد سبر قبائح فرعون وقومه تحذيراً من التشبه بهم فيها.
فمن قبائح فرعون وقومه:
١ - الكفر بالله تعالى، وعبادة ما سواه، ودعوى الألوهيَّة والربوبية .
وذلك غاية الجهل إذ زعم أنَّه رب وعبد.
قال الله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، فهذه الآية دالة على أن فرعون كان له آلهة يعبدها.
стр. 3615
قيل: كان يعبد الشمس.
وروى ابن أبي حاتم عن سليمان التيمي: أنه سأل الحسن رحمهما الله تعالى: أكان فرعون يعبد شيئاً؟
قال: إي والله؛ إنَّما كان يعبد.
قال سليمان: بلغني أنَّه كان يجعل في عنقه شيئاً يعبده.
قال: وبلغني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّه كان يعبد البقر (١).
زاد الثعلبي عن ابن عباس: أن فرعون كان إذا رأى بقرة حسناء يعبدها (٢).
وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان لفرعون آلهة يعبدها (٣).
قلت: ولا يمنع ذلك أن يكون له آلهة يعبدها علانية كما يعرف من الآية، إذ لو لم يعرف الملأ منه ذلك لم يقولوا له: ﴿وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ﴾ [الأعراف: ١٢٧]، ولعله كان يُسِرُّ عبادتها عن العوام، ويبديها للخواص.
وذكر الثعلبي عن الحسن: أنَّ فرعون كان يعبد تَيْساً (٤).
стр. 3616
وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: كان صَنَعَ فرعون لقومه أصناماً صغارًا، وأمرهم بعبادتها، وقال: أنا ربكم، وهذه الأصنام، فذلك قوله: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ [النازعات: ٢٤] (١).
والمشهور عن ابن عبَّاس أنّه كان يقرأ: ﴿ويذروك وإلهتك﴾ - أي: بكسر الهمزة، وفتح اللام، والألف بعدها - وكان يفسرها: وعبادتك (٢).
تبعه المفسرون، وابن الأنباري في المصاحف (٣).
وروى ابن جرير، وابن الأنباري عن الضَّحَّاك نحوه (٤).
وروى ابن عساكر عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "كَلِمَتَانِ قَالَهُمَا فِرْعَونُ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] إِلَى قوْلهِ ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] كانَ بَيْنَهمَا أَرْبَعُوْنَ عَامًا، فَأخَذَهُ اللهُ نكَالَ الآخِرَةِ وَالأُوْلَى" (٥).
وروى الدّينوري في "المجالسة" عن محمَّد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: لما قال فرعون لقومه: ما علمت لكم من إله غيري
стр. 3617
نشر جبريل ﵇ أجنحة العذاب، فأوحى الله تعالى إليه: أَنْ مَهْ يا جبريل؛ إنَّما يعجل بالعقوبة من يخاف الفوت، فأمهل بعد هذه المقالة أربعين سنة حتَّى قال: ﴿فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، فذلك قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥] حين غَرَّقه الله وجنوده (١).
وروى عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة في قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥]؛ قال: عقوبة الدنيا والآخرة (٢).
وروى عبد بن حميد، وابن المنذر عن الحسن مثله (٣).
وهذا بناء على أن فرعون معاقب في الآخرة عقوبة الكفار؛ فإنه مات على الكفر، ولا ينفعه قوله حين أدركه الغرق: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]؛ نكب عن الإيمان أوان القبول، وبالغ فيه حين لا يقبل.
وفي الحديث عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في الآية: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "قالَ لِي جِبْرِيْلُ: يَا مُحَمَّد! لَو رَأيتَنِي وَأنَا آخِذٌ مِن
стр. 3618
حَالِ البَحْرِ فَأُدْنِيهِ فِي فِيهِ".
وفي رواية: "فِي فِيِّ فِرعونَ مَخَافةَ أنْ تُدرِكَهُ الرَّحمَةُ". رواه الإمام أحمد، والترمذي؛ وحسنه باللفظ الأول، وصححه باللفظ الثاني هو وابن حبان، والحاكم (١).
وهذا لم يكن من جبريل إلا بأمر الله تعالى، أو لما علم أنَّه ليس من أهل أن يرحم، ويدل عليه حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قَالَ لِي جِبْرِيْلُ: مَا أَبْغَضْتُ شَيْئاً مِن خَلْقِ اللهِ مَا أَبْغَضْتُ إِبْلِيْسَ يَوْمَ أُمِرَ بِالسُّجُودِ فَأَبَى أَنْ يَسْجُدَ، وَمَا أَبْغَضْتُ شَيْئاً أَشَدَّ بُغْضًا مِن فِرْعَونَ، فَلَمَّا كَانَ يَومُ الغَرَقِ خِفْتُ أَنْ يَعْتَصِمَ بِكَلِمَةِ الإِخْلاصِ فَينْجُو، فَأَخَذْتُ قَبْضَةً مِن حَمْأَةٍ فَضَرَبْتُ بِهَا فِي فَمِهِ، فَوَجَدْتُ اللهَ عَلَيْهِ أَشَدَّ غَضَبًا مِنِّي، فَأمَرَ مِيْكَائِيْلَ ﵇ ليُعَيّرَهُ، فَقَالَ: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] ". أخرجه أبو الشيخ (٢).
وبهذا علم أن قوله: "مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ" لم يكن كراهة للإيمان، ولا رضى بالكفر؛ فإن الرضى بالكفر كفر.
стр. 3619
ولمَّا فهم ذلك الزمخشري حمله فهمه أن أنكر هذه اللفظة في الحديث، وقال: إنَّها من زيادات الباهتين لله ولملائكته (١)، وليس كما قال، وهو مخطئ فيه؛ فقد صحت هذه اللفظة في الحديث، وأطبقت عليها رواية الثقات من حديث ابن عباس، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . "قَالَ لِي جِبْرِيْلُ ﵇: لَوْ رَأَيْتَنِي يَا مُحَمَّد وَأَنَا أَغُطُّ فِرعَونَ بِإِحْدَى يَدَيَّ، وَأَدُسُّ مِن الْحَال فِي فِيْهِ مَخَافَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ رَحْمَةُ اللهِ فَيُغْفَرَ لَه". أخرجه ابن جرير، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٢).
وفي لفظ: "قَالَ لِي جِبْرِيْلُ ﵇: مَا كَانَ عَلَى الأَرْضِ شَيْءٌ أَبغَضَ إِليَّ مِنْ فِرْعَونَ، فَلمَّا آمَنَ جَعَلْتُ أَحْشُو فَاهُ حَمْأَةً، وَأَنَا أَغُطُّهُ خَشيَةَ أَنْ تُدرِكَهُ الرَّحْمَةُ". أخرجه الطَّبراني في "الأوسط" (٣).
وقوله: "خَشْيَةَ أَنْ تُدْرِكَهُ الرَّحْمَةُ" بهذه اللفظة.
وأنكر الزمخشري هذه اللفظة، ولا وجه لإنكاره مع ثبوته، ولا فرق في المعنى بين الخشية والمخافة.
وأخرجه ابن مردويه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ولفظه:
стр. 3620
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قَالَ لِيْ جِبْرِيْلُ ﵇: مَا غَضِبَ ربُّكَ عَلَى أَحَدِ غَضَبَهُ عَلَى فرْعَوْنَ إذْ قَالَ: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨] وَإِذْ قَالَ: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]، فَلمَّا أَدْرَكَهُ الغَرَقُ اسْتَغَاثَ وَأَقْبَلْتُ أَحْشُو فَاهُ مَخَافَةَ أَنْ تُحْرِكَهُ الرَّحْمَةُ" (١).
وهذه الرواية توضح ما ذكرناه أن ذلك كان لعلم جبريل ﵇ بأنَّ فرعون ليس من أهل الرحمة لعلمه بغضب الله تعالى عليه أشد الغضب.
وأشد الغضب إنما يستحقه الكافر الذي حيل بينه وبين الإيمان، أو كان مأموراً بفعل ذلك به، ففعل ذلك مخافة أن يسبقه فرعون بإيمان صادق نافع، فتحق المعصية على جبريل ﵇ بمخالفة الأمر.
هذا ومن زعم أنَّ فرعون اَمن إيماناً نافعاً له في الآخرة منقذاً له من النَّار فقد صادم النُّصوص، وخالف الإجماع.
وما يحتج به بعض الجهال الضلال مما وقع في كلام الشيخ محيى الدين بن عربي في "الفصوص"، وغيره فليس بحجة بعد ثبوت خلافه بالحجج القاطعة.
وبناء كلام ابن العربي على اصطلاح الصوفية من إطلاق صفة الفرعونية على النفس الرَّدية حتى إذا أطلقوا اسم فرعون أرادوا به النفس
стр. 3621
أخذاً من قول سهل التستري رضي الله تعالى عنه: للنفس سر؛ لم يظهر ذلك السر إلا على فرعون حيث يقول: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] (١).
وعلى هذا يجب حمل كلام ابن العربي، وقد رد عليه من فهم كلامه على ظواهره، وشنع لمخالفة نصوص الشريعة، وما ذكرته هنا متعين (٢).
стр. 3622
وقد روى الإمام أحمد بإسناد جيد، والطَّبراني في "معجمه الكبير"، و"الأوسط"، وابن حبان في "صحيحه": أن النَّبيَّ ﷺ ذكر الصَّلاة يوما فقالَ: "مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَت لَهُ نُوْرًا وبُرهَاناً وَنَجَاةً يَوْمَ القِيَامَةِ، ومَن لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلا بُرْهَانٌ وَلا نَجَاةٌ، وَكَانَ يَومَ القِيَامَةِ مَعَ قَارُونَ، وَفِرعَونَ وَهَامَانَ، وَأُبَىِّ بْنِ خَلَفٍ" (١).
وهو أحد الأحاديث التي احتج بها من يقول: إن ترك الصَّلاة كفر مطلقاً؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ أخبر أنه يوم القيامة مع هؤلاء الكفار.
وهذا الحديث، ونحوه محمول عند الجمهور على من تركها جحوداً لوجوبها.
٢ - ومن قبائح فرعون وقومه، وأخلاقهم: الجهل بالله تعالى .
وهو حال سائر الأمم المكذبين، ولكن لم يظهر من الجهل من أحد ما ظهر من فرعون من قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣]؟
ومن ثم استعاذ موسى ﵇ من الجهل لمَّا قال له بنو إسرائيل: ﴿أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧].
وقد كان وصفهم بالجهل سبب تقليد فرعون في عبادة الأصنام حين تذكروا ما كانوا عليه من عبادتها، وقد مروا على قوم من العمالقة
стр. 3623
يعبدونها كما قصه الله تعالى عنهم بقوله: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ﴾؛ أي: بعد غرق فرعون.
﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
فاستعاذ موسى من الجهل لما رأى شؤمه في فرعون، ثمَّ في بني إسرائيل، وكذلك استعاذ من الجهل نبيُّنا ﷺ ، والاستعاذة منه من أهم الأمور.
وروى أبو داود بإسناد صحيح، عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: ما خرج رسولُ الله ﷺ من بيتي إلَّا رفعَ طَرْفَه إلى السَّماءِ فقالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّيْ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ، أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ، أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلُ عَلَيَّ". رواه الترمذي وصححه، ولفظه: كانَ ﷺ إِذَا خرجَ مِن بيتِهِ قالَ: "بِسْمِ اللهِ، تَوَكَّلْتُ عَلَى اللهِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ ... " إلى آخره (١).
ورواه الإمام أحمد، والنَّسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، ولفظهم: كان إذا خرج من بيته قال: "بِسْمِ اللهِ، رَبِّ أَعُوْذُ بِكَ مِنْ أَنْ أَزِلَّ، أَوْ أَضِلَّ، أَوْ أُظلَمَ، أَوْ أَجْهَلَ، أو يُجْهَلَ عَلَيَّ" (٢).
стр. 3624
زاد ابن عساكر: "أو أَنْ أَبْغِيَ، أو يُبْغَى عَلَيَّ" (١).
ورواه الطَّبرانى بنحوه من حديث بريدة ﵁ (٢).
وهذا الدُّعاء من أعظم الأدعية، وأنفعها وأجمعها.
٣ - ومن قبائحه: التجسيم، واعتقاد الجهة كما يُفْهِمه قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣] .
وقوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [القصص: ٣٨].
وليس شيء أدفع لظواهر التجسيم من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١].
ولقد أحسن القائل: [من الوافر]
وأَيُّ الأَرْضِ تَخْلَو مِنْكَ حَتَّى ... تَعَالوا يَطْلُبُونَكَ في السَّماء
تَرَاهُم يَنْظُرونَ إِلَيْكَ جَهْراً ... وَهُم لا يُبْصِرونَ من العمَاء (٣)
стр. 3625
٤ - ومنها: ترك الصَّلاة والسجود لله تعالى، بل ترك الطَّاعة في سائر الأمور .
فإن من ينكر الربوبية ويدَّعيها لنفسه لا يطيع الله أصلاً، فتارك الصلاة والطاعة جاحداً لوجوبها أشبه النَّاس بفرعون.
وروى محمَّد بن نصر المروزي في كتاب "الصَّلاة"، والأصفهاني في "الترغيب" عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النَّبيِّ ﷺ إنَّهُ ذكرَ الصلاةَ يوماً فقالَ: "خَمْسُ صَلَوَاتٍ مَن حَافَظَ عَلَيهِنَّ كُنَّ لَهُ نُورًا وَبُرهَانًا وَنَجَاةً يَومَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهِنَّ لَمْ يَكُنْ لهُ نُورًا ولا بُرهانٌ ولا نَجاةٌ، وَكانَ يَومَ القِيَامَةِ مَعَ فِرعَونَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ".
وفي رواية: "وَأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ" وقد صححه ابن حبان بنحوه، وتقدم قريباً (١).
٥ - ومنها: التكبر، والتعاظم، والتجبر، والتعمق في الأمور، والبغي .
قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ (٣٩) فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٣٩، ٤٠].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٤].
قال ابن عباس: استكبر.
стр. 3626
وقال مقاتل: تعاظم، نقلهما الثعلبي (١).
وقال السُّدي: تجبر.
وقال قتادة: بغى. رواهما ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).
وتقدم نظير ذلك في نمرود، وكل ذلك حرام، وأكثرها كبائر.
روى البخاري في "الأدب المفرد"، وأبو يعلى، والطَّبرانيُّ في "الكبير" عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قالَ: "ثَلاثة لا يُسأَلُ عَنْهُم: رَجُلٌ يُنازِعُ اللهَ إزَارَهُ، وَرَجُلٌ يُنازعُ الله رِداءَهُ؛ فإنَّ رِدَاءَهُ الكِبْرِيَاءُ، وَإِزَارَهُ العزُّ، وَرَجُلٌ شَكَّ فِي أمْرِ اللهِ" (٣).
وروى الترمذي وحسنه، عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لا يَزَالُ الرَّجُلُ يتَكبَّرُ ويَذهَبُ بنفْسِهِ حَتَّى يُكتَبَ فِي الجبَّارِينَ، فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُم" (٤).
وروى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن إبراهيم النَّخعيِّ رحمه الله تعالى
стр. 3627
أن رجلاً من قريش تزوج، ثم جلس على سرير وعليه ثياب حمر، فقام عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال للمغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: اتبعني، فدخل عليه، فضربه بدرته، فقام الرَّجل هارباً وهو يقول: على كرسي ككرسي فرعون، ثم التفت إلى المغيرة فقال: هلا كنت منعتني منه؟
فقال: لو كنت أعلم أنك تريد ذلك لفعلت.
قال: فلأي شيء اتبعتني؟ .
٦ - ومنها: الإسراف .
وهو مجاوزة الحد في سائر الأمور؛ بعضه مكروه، وبعضه حرام.
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾ [يونس: ٨٣].
قال عون بن عبد الله رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]: المسرف الذي يأكل مال غيره.
وقال محمَّد بن كعب رحمه الله تعالى: المسرف أن لا يعطي في حق؛ أي: بل يعطي في غير الحق. رواهما ابن أبي حاتم (١).
والإسراف بالمعنيين حرام، وكلاهما من فعل فرعون.
وسئل إياس بن معاوية رحمه الله تعالى عن السرف، فقال: ما تجاوزت به أمر الله تعالى فهو سرف. رواه أبو الشيخ (٢).
стр. 3628
وأما السرف المجاوز للاقتصاد في المباحات فهو مكروه، وعليه قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١]؛ فإن تجاوز إلى حد يستضر به، فهو حرام.
وأمَّا في الإنفاق في الطَّاعة فإنَّه مندوب إليه، إلا أن يفعل ذلك وعليه دين مستغرق، أو يؤدي به ذلك إلى ما لا يطيقه، وعليه قول بعض السلف: لا سرف في الخير؛ جواباً عن قول القائل: لا خير في السرف (١).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن جريج رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] قال: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس رضي الله تعالى عنه جذَّ نخلاً، فقال: لا يأتيني اليوم أحد إلا أطعمته، فأطعم حتى أمسى وليست له تمرة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأنعام: ١٤١] (٢).
وقال السدي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تُسْرِفُوا﴾: لا تعطوا أموالكم كلها وتقعدوا فقراء. رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ (٣).
وإذا كان سبحانه لا يحب المسرفين في الإنفاق في الطَّاعات، فكيف بالإسراف في المباحات؟
وقد قال في هذا أيضاً: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ
стр. 3629
الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]؛ أي: في المآكل والمشارب، وغيرهما من المباحات كالملابس والمراكب - وإن كانت في الأصل مباحة - فإن المجاوزة فيها عن قدر الحاجة سرف مكروه من سائر النَّاس، وهو من أهل العلم والديانة أشد كراهية.
وقد دخل حاتم الأصم رحمه الله تعالى على محمَّد بن مقاتل قاضي الرَّي يعوده، وكان قد نظر إلى باب داره فإذا هو مشرف حسن، فبقي حاتم متفكراً يقول: يا رب! عالم على هذا الحال؟
ثم لما دخل إذا دار قوراء، وإذا ثمرة وسعة وستور، فبقي حاتم متفكراً، ثم نظر إلى المجلس الذي هو فيه فإذا فرش وطِيَّةٌ، وهو راقد عليها وعند رأسه غلام ومذبة، فوقف حاتم متفكراً، فأومأ إليه ابن مقاتل أن اجلس، فقال: لا أجلس.
فقال: لعل لك حاجة؟
قال: نعم.
قال: ما هي؟
قال: مسألة أسألك عنها.
قال: سلني.
قال له حاتم: علمك هذا من أين أخذته؟
قال: الثقات حدَّثونا به.
قال: عن من؟
стр. 3630
قال: عن أصحاب رسول الله ﷺ .
قال: وأصحاب رسول الله ﷺ عن من؟
قال: عن رسول الله ﷺ .
قال: ورسول الله ﷺ عن من؟
قال: عن جبريل ﵇، عن الله .
قال حاتم: ففيما أداه جبريل عن الله إلى رسول الله؟ وأداه رسول الله ﷺ إلى أصحابه؛ وأصحابه إلى الثقات؟ والثقات إليك؟
هل سمعت في العلم: مَنْ كانَ فِي دارِاً أَمِيْراً، وَكانَتْ سَعَتُهُ أكثَرَ، لَهُ عِنْدَ اللهِ الْمَنْزِلَةُ أكثَر؟ .
قال: لا.
قال: فكيف سمعت؟
قال: سمعت: مَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيا وَرَغِبَ فِي الآخِرَةِ وَأَحَبَّ الْمَساكِيْنَ وَقَدَّمَ لآخِرَتِهِ كانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ الْمَنْزِلَةُ.
قال حاتم: فأنت بمن اقتديت؟ أبالنبي ﷺ وأصحابه الصَّالحين؟ أم بنمرود وفرعون أولِ من بنى بالجص والآجر؟
يا علماء السُّوء! مثلكم يراه الجاهل المكالب على الدُّنيا الرَّاغب فيها، فيقول: العالم على هذه الحالة، لا أكون أنا شراً منه.
وخرج من عنده. ذكره حجة الإسلام في "الإحياء" (١).
стр. 3631
٧ - ومنها: تسخير النَّاس، واستخدامهم إجباراً بغير وجه شرعي، ولا سيَّما الضُّعفاء والفقراء، وخصوصاً في الأعمال الشَّاقة والأشغال المزرية لهم.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ [القصص: ٤]؛ يعني: بني إسرائيل.
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٧].
وذلك أنَّ فرعون لما قتل أبناء بني إسرائيل في العام الذي قيل له: يولد فيه من بني إسرائيل مولود يذهب بملكك، تسلَّط على قتلهم حتَّى بعث إليه موسى ﵇، وكان من أمره ما كان، فقال فرعون: أعيدوا عليهم القتل.
فشكا بنو إسرائيل ذلك إلى موسى ﵇، فقال لهم: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ [الأعراف: ١٢٨، ١٢٩].
وما ذكرته هنا أخرجه عبد بن حميد عن قتادة رحمه الله تعالى (١).
стр. 3632
وكانت أذية فرعون لبني إسرائيل ما ذكره الثعلبي، وغيره عن وهب: أنَّه صنَّفهم أصنافاً؛ فأما ذوو القوة منهم فيسلخون السواري من الجبال؛ قد قرحت أعناقهم، وعواتقهم، وأيديهم، ودبرت ظهورهم من قطع ذلك ونقله.
وطائفة أخرى يبنون له القصور من الحجارة والطِّين.
وطائفة يبنون اللبن ويطبخون الآجر.
وطائفة نجَّارون وحدَّادون.
والضعفة منهم عليهم الخراج ضريبة.
وأمَّا النساء فيغزلن الكتان وينسجْنَه (١).
ولا يخفى أن أجناد زمانك وأمراعه مشتملة على هذه الأخلاق الفرعونية.
وقد روى أبو نعيم في "الحلية" عن وهب قال: قرأت في التَّوراة: أيَّما دار بنيت بقوة الضعفاء جعلت عاقبتها الخراب، وأيما مال جمع من غير حل جعلت عاقبته الفقر (٢).
* تنبِيْهٌ:
في قول موسى ﵇ لبني إسرائيل لما شكوا إليه بغي فرعون،
стр. 3633
وظلمه، وتسخيره: ﴿اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا﴾ [الأعراف: ١٢٨] إلى آخره، إشارةٌ إلى أن لكل ظالم حيناً من الدَّهر لا بدَّ أن يستوفيه، فلا يسع المظلوم في ذلك الحين المحدود إلا الصبر حتى يأتي الله بأمره.
وفي ذلك زيادة تدمير للظالم، وتمحيص ورفعة للمظلوم؛ إذ ينال فضيلة الصبر وانتظار الفرج.
وفي الحديث: "انْتِظَارُ الفَرَجِ عِبَادَةٌ". رواه ابن أبي الدُّنيا، وابن عساكر عن علي ﵁، والقضاعيُّ عن ابن عباس، وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهم (١).
وروى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن وهب بن منبه في قوله تعالى: ﴿قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا﴾ [الأعراف: ١٢٩] الآية؛ قال: قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: كان فرعون يكلفنا اللبن قبل أن تأتينا، فلما جئتنا كلفنا التبن مع اللبن أيضاً.
فقال موسى ﵇: يا رب! أهلك فرعون؛ حتى متى تبقيه؟
فأوحى الله تعالى إليه: إنهم لم يعملوا الذَّنب الذي أهلكهم به (٢).
стр. 3634
روى أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب "النوادر والنتف" عن يحيى ابن أبي عمرو الشيباني قال: كانت امرأة تقتل الأنبياء ﵈؛ قتلت سبعين نبياً، فشكى ذلك أرميا ﵇ إلى الله ، فأوحى الله تعالى إليه أن فر من قُدَّامها حتى تمضي أيامها (١).
٨ - ومن أعمال فرعون وقومه: اتخاذ الشُّرَط لتسخير الناس وتعذيبهم .
وقد تقدم نظيره في نمرود.
قال الله تعالى: ﴿أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٣٦].
قال الزمخشري، والبيضاوي: شُرَطاً يحشرون النَّاس (٢).
وروى ابن أبي شيبة، والمفسرون من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] قال: الشرطة (٣).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن ابن شهاب قال: كنت ليلاً مع سفيان الثَّوريِّ، فرأى ناراً من بعيد فقال: ما هذا؟
فقلت: نار صاحب الشرطة.
стр. 3635
فقال: اذهب بنا من طريق آخر؛ لا نستضيء بنارهم (١).
٩ - ومنها: الظلم، والإفساد في الأرض .
قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٣].
وقوله: ﴿فَظَلَمُوا بِهَا﴾؛ أي: أشركواة لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣].
أو أراد مطلق الظلم، والباء للسببية؛ أي: فظلموا النَّاس بسببها بمنعهم عن الإيمان بها وصدهم.
وإنما قال: ﴿وَمَلَئِهِ﴾ وهم أشراف قومه؛ لأنَّ الناس تبع لأشرافهم وعرفائهم، فإذا انقادوا اتَّبعهم عوام الناس.
وفيه إشارة إلى أنَّ منشأ الظُّلم أكابر الناس، وعظماؤهم، ووجوههم.
وقال الله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [القصص: ٤٠].
وذلك أن الملأ منهم ظلموا، وأطاعهم عوامهم، وتبعوهم فيه، فكان آخر الأمر أن هلكوا كلهم، وعاقبة الظلم وخيمة، والآيات والأخبار الواردة في الظلم كثيرة، ولو لم يكن على الظَّالم من الوبال إلا حرمانه هدايةَ اللهِ لكفى؛ ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ
стр. 3636
الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٨٦]؟
وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: كفى بهذه الآية وعيداً للظالم وتسلية للمظلوم.
وفي رواية: هي تعزية للمظلوم، ووعيد للظالم. أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والخرائطي في "مساوئ الأخلاق" (١).
وإنما قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: ٤٢] لأن الناس يرون الظالم يتمادى في ظلمه وغشمه، وهو على أمنه وصحته، ونعمته وسعته، فربما ظن سخفاء العقول ضعفاء النفوس أن أمره خفي عن الله تعالى، فعرفهم أنه أعلم بالظالم وبظلمه منهم، إلا أن له مدة يستوفيها ثم يأخذه الله تعالى ويعاقبه؛ إن لم تكن عقوبته في الدنيا، وإلا فالآخرة وراء كل ظالم، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢].
وفي هذا اليوم يظهر وبال كل ظلم على أنه بصدد العقوبة تصدر في كل وقت.
وفي "شعب الإيمان": عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال:
стр. 3637
كان في بني إسرائيل رجل عقيم لا يولد له، وكان يخرج، فإذا لقي غلاماً من غلمان بني إسرائيل عليه حلي يخدعه حتى يدخله داره، فيقتله ويلقيه في مطمورة له، فبينا هو كذلك إذ لقي غلامين أخوين عليهما حلي لهما، فأدخلهما فقتلهما، وكانت له امرأة مسلمة تنهاه عن ذلك، فتقول له: إني أحذرك النقمة من الله .
وكان يقول: لو أن الله أخذني على شيء أخذني يوم فعلت كذا وكذا.
فتقول: إن صاعك لم يمتلئ بعد، ولو قد امتلأ صاعك أخذت.
فلما قتل الغلامين الأخوين خرج أبوهما يطلبهما، فلم يجد أحداً يخبره عنهما، فأتى نبياً من أنبياء بني إسرائيل، فذكر ذلك له، فقال له النبي: هل كانت لهما لعبة يلعبان بها؟
قال: نعم، كان لهما جرو.
فأتى بالجرو، فوضع النبي خاتمه بين عينيه، ثم خلَّى سبيله، فقال: أول دار يدخلها فيها تبيان.
فأقبل الجرو يتخلل الدور به حتى دخل داراً، فدخلوا خلفه، فوجدوا الغلامين مقتولين مع غلام قتله، فطرحهم في المطمورة، فانطلقوا به إلى النبي، فأمر به أن يصلب، فلما رفع على خشبة أتته امرأته فقالت: يا فلان! قد كنت أحذرك هذا اليوم، وأخبرك أن الله تعالى غير تاركك، وأنت تقول: لو أن الله أخذني على شيء أخذني يوم فعلت كذا وكذا، فأخبرك أن صاعك بعد لم يمتلئ؛ ألا وإن هذا قد امتلأ صاعك (١).
стр. 3638
وأنشدوا: [من السريع]
يا رَاكِبَ الذَّنْبِ أَمَا تَستَحِي ... واللهُ في الخَلوةِ ثَانِيكَا
غَرَّكَ من مَولاكَ إِمْهَالُهُ ... وَسَتْرُهُ كُلَّ مَسَاويكَا (١)
وروى الشيخان، والترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "إنَّ الظُّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢).
وروى الديلمي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الظَّلَمَةُ وأَعْوَانُهُمْ فِي النَّار" (٣).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الْجَلاوِزَةُ، وَالشُّرَطُ، وَأَعْوَانُ الظَّلَمَةِ كِلابُ النَّار" (٤).
وقال الطرطوشي: أنشدنا قاضي القضاة أبو عبد الله الدامغاني ببغداد: [من المتقارب]
إِذَا مَا هَمَمْتَ بِظُلْمِ العِبَادِ ... فَكُنْ ذَاكِرًا هَوْلَ يَوْمِ الْمَعادِ
стр. 3639
فإنَّ المظَالِمَ يَومَ القِصَاصِ ... لِمَنْ قَدْ تَزَوَّدَهَا شَرُّ زَادِ (١)
روى أبو نعيم في "الحلية" عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: مر نوح ﵇ بالأسد فضربه برجله، فبات ساهراً، فشكا نوح ذلك إلى الله ، فأوحى الله إليه: إني لا أحب الظلم (٢).
١٠ - ومنها: القتل، والعزم عليه، والتمثيل بالمقتول بالصلب، وبقطع الأيدي والأرجل بغير حق، والربط بالأوتاد، وغير ذلك .
قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٢٥) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر: ٢٥، ٢٦].
أي: فينقذه منِّي إذا كان صادقاً.
والقتل المشار إليه بقولهم: ﴿اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: ٢٥] غير القتل الأول الذي كان في سنة ميلاد موسى ﵇، كما رواه عبد بن حميد عن قتادة (٣).
وقال تعالى حكاية عن فرعون مخاطباً للسحرة: ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ [الأعراف: ١٢٤].
روى ابن المنذر، وغيره عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال:
стр. 3640
أول من قطع من خلاف، وأول من صلب في الأرض فرعون (١).
وروى هو وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما نحوه (٢).
وروى الحاكم وصححه، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: ١٠]؛ قال: وتد فرعون لامرأته أربعة أوتاد، ثم وضع على ظهرها رحا عظيمة حتى ماتت (٣).
وروى أبو يعلى، والبيهقي بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: إن فرعون وتد لامرأته أربعة أوتاد في يديها ورجليها (٤).
زاد عبيد بن حميد في رواية: وأَضْجَعها على ظهرها، ووضع على صدرها رحا، واستقبل بها الشمس، فرفعت رأسها إلى السماء، فقالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (١١)﴾ [التحريم: ١١]، ففرَجَ الله لها عن بيتها في الجنة، فرأته (٥).
стр. 3641
ويجمع بين قول أبي هريرة، وقول ابن مسعود أن فرعون كان يربطها من أربعتها في الأوتاد الأربعة تارة مكفية على وجهها والرحا على ظهرها، وتارة مضجعة على ظهرها والرحا على صدرها.
وروى ابن أبي شيبة، والمفسرون، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشُّعب" عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: كانت امرأة فرعون تعذَّب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة (١).
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان فرعون يعذِّب بالأوتاد (٢).
وروى الثعلبي بإسناده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّ فرعون إنما سمي ذا الأوتاد: أنه كان امرأة خازنه حزبيل بن يوحابيل، وكان مؤمناً كاتم إيمانه مئة سنة، وكان لقي من لقي من أصحاب يوسف ﵇، وكانت امرأته هذه ماشطة بنت فرعون، فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله .
فقالت بنت فرعون: هل لك من إله غير أبي؟
стр. 3642
فقالت: إلهي، وإله أبيك، وإله السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فقامت ودخلت على أبيها وهي تبكي، فقال: وما يبكيك؟
قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أنَّ إلهها، وإلهك، وإله السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: صدقت.
فقال لها: ويحك! اكفري به. لهك، وأقري أني إلهك.
فقالت: لا أفعل.
فمدها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل إليها الحيات والعقارب، فقال لها: اكفري بالله وإلاَّ عذبتك بهذا العذاب شهرين.
فقالت: والله لو عذبت سبعين شهراً ما كفرت بالله .
قال: وكان لها ابنتان، فجاء بابنتيها فذبح الكبرى على فيها، وقال لها: اكفري بالله وإلا ذبحت ابنتك الصغرى على فيكِ، وكانت طفلة رضيعة تجد بها وجداً شديداً.
قالت: لو ذبحت ملء الأرض على فيَّ ما كفرت بالله .
قال: فأتى ببنتها، فلمَّا قدمت منها وأضجعت على صدرها، وأرادوا ذبحها، جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها؛ تكلمت - وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالاً - فقالت: يا أماه! لا تجزعي؛ فين الله قد بنى لك بيتاً في الجنة، اصبري؛ فإنَّكَ تفضين إلى رحمة الله تعالى.
стр. 3643
قال: فذبحت، فلم تلبث أن ماتت فأسكنها الله الجنة.
قال: وكان فرعون قد تزوج بامرأة من أجمل النساء، وكانت من بني إسرائيل اسمها آسية بنت مزاحم، فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: كيف يسعني أن أصبر على ما يأتي فرعون وأنا مسلمة وهو كافر؟
فبينا هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فقالت: يا فرعون! أنت شر الخلق وأخبثه؛ عمدت إلى الماشطة فقتلتها؟
قال: فلعلَّ بك الجنون الذي كان بها؟
قالت: ما بي من جنون؛ فإن إلهي، وإلهها، وإلهك، وإله السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فبزق عليها، وضربها، وأرسل إلى أبويها فدعاهما، فقال لهما: ألا تريان الجنون الذي كان بالماشطة أصابها؟
فقالت: أعوذ بالله من ذلك، إنَّي أشهد أنَّ ربي وربك ورب السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فقال لها أبوها: يا آسية! ألست خير نساء العماليق، وزوجك إله العماليق؟
فقالت: أعوذ بالله من ذلك؛ إن كان ما يقول حقاً فقولا له يتوجني بتاج تكون الشمس أمامه، والقمر خلفه، والكواكب حوله.
стр. 3644
فقال لهما فرعون: اُخرجا عنِّي؛ فقذفها بين أربعة أوتاد فعذبها، وفتح الله لها باباً إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك: ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾؛ تعني: من جماع فرعون ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]؛ تعني: فرعون وشيعته، فقبض الله روحها، وأسكنها الجنة (١).
وروى الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمْ يَتَكلَّمْ في المَهْدِ إِلاَّ عِيْسَى، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وابنُ مَاشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَونَ" (٢).
وفي "الصحيحين" من حديثه: "لَمْ يَتكلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلاثةٌ" (٣).
وهذا محمول على أنَّه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم بالزائد، وكذلك حديث الحاكم.
وإلاَّ فقد وردت أخبار تدل على أنَّ المتكلمين في المهد أزيد من هذه العدة - وإن كان بعضها ضعيفاً -.
وقد عدَّهم السيوطي رحمه الله تعالى أحد عشراً نفساً، وقال جامعاً لهم: [من الطويل]
стр. 3645
تَكَلَّمَ فِي المَهْدِ النَّبيُّ مُحَمَّدٌ ... وَيَحْيى وَعِيْسى وَالْخَلِيلُ وَمَرْيَمُ
ومُبْري جُريجِ ثُمَّ شَاهِدُ يُوْسُف ... وطِفْلٌ لَدَى الأُخْدُودِ يَرْويهُ مُسْلِمُ
وَطِفْلٌ عَلَيهِ مُرَّ بالأَمَةِ الَّتِي ... يُقَالُ لهَا تَزْني وَلا تَتَكَلَّمُ
ومَاشِطَةٌ فِي عَهْدِ فِرْعَونَ طِفْلُهَا ... وَفِي زَمَنِ الهادِي المُبَارَك يَخْتِمُ (١)
١١ - ومن أعمال فرعون وقومه: السحر، والأمر بتعلُّمِه وتعليمِه، والعمل به .
والآيات الشاهدات بذلك معروفة، وقد تقدم الكلام عليها في التشبه بالشيطان.
وقد روى عبد الرزاق، والمفسرون عن ابن عباس ﵄ قال: كان السحرة - يعني: الذين اتخذهم فرعون لمقاومة موسى ﵇ سبعين رجلاً؛ أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء (٢).
وهذا العدد محمول على رؤسائهم؛ فقد روى ابن جرير، وابن