ويجمع بين قول أبي هريرة، وقول ابن مسعود أن فرعون كان يربطها من أربعتها في الأوتاد الأربعة تارة مكفية على وجهها والرحا على ظهرها، وتارة مضجعة على ظهرها والرحا على صدرها.
وروى ابن أبي شيبة، والمفسرون، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشُّعب" عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: كانت امرأة فرعون تعذَّب بالشمس، فإذا انصرفوا عنها أظلتها الملائكة بأجنحتها، وكانت ترى بيتها في الجنة (١).
وروى ابن أبي حاتم عن الحسن قال: كان فرعون يعذِّب بالأوتاد (٢).
وروى الثعلبي بإسناده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّ فرعون إنما سمي ذا الأوتاد: أنه كان امرأة خازنه حزبيل بن يوحابيل، وكان مؤمناً كاتم إيمانه مئة سنة، وكان لقي من لقي من أصحاب يوسف ﵇، وكانت امرأته هذه ماشطة بنت فرعون، فبينما هي ذات يوم تمشط رأس بنت فرعون إذ سقط المشط من يدها، فقالت: تعس من كفر بالله .
فقالت بنت فرعون: هل لك من إله غير أبي؟
стр. 3642
فقالت: إلهي، وإله أبيك، وإله السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فقامت ودخلت على أبيها وهي تبكي، فقال: وما يبكيك؟
قالت: الماشطة امرأة خازنك تزعم أنَّ إلهها، وإلهك، وإله السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فأرسل إليها فسألها عن ذلك، فقالت: صدقت.
فقال لها: ويحك! اكفري به. لهك، وأقري أني إلهك.
فقالت: لا أفعل.
فمدها بين أربعة أوتاد، ثم أرسل إليها الحيات والعقارب، فقال لها: اكفري بالله وإلاَّ عذبتك بهذا العذاب شهرين.
فقالت: والله لو عذبت سبعين شهراً ما كفرت بالله .
قال: وكان لها ابنتان، فجاء بابنتيها فذبح الكبرى على فيها، وقال لها: اكفري بالله وإلا ذبحت ابنتك الصغرى على فيكِ، وكانت طفلة رضيعة تجد بها وجداً شديداً.
قالت: لو ذبحت ملء الأرض على فيَّ ما كفرت بالله .
قال: فأتى ببنتها، فلمَّا قدمت منها وأضجعت على صدرها، وأرادوا ذبحها، جزعت المرأة، فأطلق الله لسان ابنتها؛ تكلمت - وهي من الأربعة الذين تكلموا أطفالاً - فقالت: يا أماه! لا تجزعي؛ فين الله قد بنى لك بيتاً في الجنة، اصبري؛ فإنَّكَ تفضين إلى رحمة الله تعالى.
стр. 3643
قال: فذبحت، فلم تلبث أن ماتت فأسكنها الله الجنة.
قال: وكان فرعون قد تزوج بامرأة من أجمل النساء، وكانت من بني إسرائيل اسمها آسية بنت مزاحم، فرأت ما صنع فرعون بالماشطة، فقالت: كيف يسعني أن أصبر على ما يأتي فرعون وأنا مسلمة وهو كافر؟
فبينا هي كذلك تؤامر نفسها إذ دخل عليها فرعون فقالت: يا فرعون! أنت شر الخلق وأخبثه؛ عمدت إلى الماشطة فقتلتها؟
قال: فلعلَّ بك الجنون الذي كان بها؟
قالت: ما بي من جنون؛ فإن إلهي، وإلهها، وإلهك، وإله السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فبزق عليها، وضربها، وأرسل إلى أبويها فدعاهما، فقال لهما: ألا تريان الجنون الذي كان بالماشطة أصابها؟
فقالت: أعوذ بالله من ذلك، إنَّي أشهد أنَّ ربي وربك ورب السموات والأرض واحدٌ لا شريك له.
فقال لها أبوها: يا آسية! ألست خير نساء العماليق، وزوجك إله العماليق؟
فقالت: أعوذ بالله من ذلك؛ إن كان ما يقول حقاً فقولا له يتوجني بتاج تكون الشمس أمامه، والقمر خلفه، والكواكب حوله.
стр. 3644
فقال لهما فرعون: اُخرجا عنِّي؛ فقذفها بين أربعة أوتاد فعذبها، وفتح الله لها باباً إلى الجنة ليهون عليها ما يصنع بها فرعون، فعند ذلك: ﴿قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ﴾؛ تعني: من جماع فرعون ﴿وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]؛ تعني: فرعون وشيعته، فقبض الله روحها، وأسكنها الجنة (١).
وروى الحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَمْ يَتَكلَّمْ في المَهْدِ إِلاَّ عِيْسَى، وَشَاهِدُ يُوسُفَ، وصَاحِبُ جُرَيْجٍ، وابنُ مَاشِطَةِ بِنْتِ فِرْعَونَ" (٢).
وفي "الصحيحين" من حديثه: "لَمْ يَتكلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلاثةٌ" (٣).
وهذا محمول على أنَّه ﷺ قال ذلك قبل أن يعلم بالزائد، وكذلك حديث الحاكم.
وإلاَّ فقد وردت أخبار تدل على أنَّ المتكلمين في المهد أزيد من هذه العدة - وإن كان بعضها ضعيفاً -.
وقد عدَّهم السيوطي رحمه الله تعالى أحد عشراً نفساً، وقال جامعاً لهم: [من الطويل]
стр. 3645
تَكَلَّمَ فِي المَهْدِ النَّبيُّ مُحَمَّدٌ ... وَيَحْيى وَعِيْسى وَالْخَلِيلُ وَمَرْيَمُ
ومُبْري جُريجِ ثُمَّ شَاهِدُ يُوْسُف ... وطِفْلٌ لَدَى الأُخْدُودِ يَرْويهُ مُسْلِمُ
وَطِفْلٌ عَلَيهِ مُرَّ بالأَمَةِ الَّتِي ... يُقَالُ لهَا تَزْني وَلا تَتَكَلَّمُ
ومَاشِطَةٌ فِي عَهْدِ فِرْعَونَ طِفْلُهَا ... وَفِي زَمَنِ الهادِي المُبَارَك يَخْتِمُ (١)
١١ - ومن أعمال فرعون وقومه: السحر، والأمر بتعلُّمِه وتعليمِه، والعمل به .
والآيات الشاهدات بذلك معروفة، وقد تقدم الكلام عليها في التشبه بالشيطان.
وقد روى عبد الرزاق، والمفسرون عن ابن عباس ﵄ قال: كان السحرة - يعني: الذين اتخذهم فرعون لمقاومة موسى ﵇ سبعين رجلاً؛ أصبحوا سحرة، وأمسوا شهداء (٢).
وهذا العدد محمول على رؤسائهم؛ فقد روى ابن جرير، وابن
стр. 3646
المنذر، وابن أبي حاتم عن القاسم بن أبي بزة رحمه الله تعالى قال: سحرة فرعون كانوا سبعين ألف ساحر، فألقوا سبعين ألف حبل، وسبعين ألف عصا حتى جعل موسى ﵇ يُخيَّل إليه من سحرهم أنَّها تسعى، فأوحى الله إليه: يا موسى! ألقِ عصاك، فألقى عصاه فإذا هي ثعبانٌ فاغرٌ فاه، فابتلع حبالهم وعصيهم، فألقي السحرة عند ذلك سُجَّداً، فما رفعوا رؤوسهم حتى رأوا الجنة والنار، وثواب أهلها (١).
وروى ابن أبي حاتم عن محمد بن كعب رحمه الله تعالى قال: كانت السحرة الذين توفاهم الله تعالى مسلمين ثمانين ألفاً (٢)، فرجع أمر هؤلاء إلى سبعين، وعلى ذكرهم اقتصر ابن عباس.
ثم كان أمر هؤلاء إلى أربعة كما روى ابن أبي حاتم عن ابن إسحاق قال: كان رؤوس السحرة الذين جمع فرعون لموسى ﵇: سابور، وعازور، وحَطْجَطْ، ومصفى؛ أربعة، وهم الذين آمنوا حين رأوا سلطان الله، فآمنت معهم السحرة جميعاً (٣).
وقول ابن إسحاق: حين رأوا سلطان الله؛ أي: معجزته التي آتاها موسى في العصا حتى تلقف جميع ما صنعوه كما قال تعالى: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ﴾ أي: ثبت وظهر، ﴿وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١١٨]؛ أي: من الإفك والباطل.
стр. 3647
ومن هنا كان للذكر والاستعاذة بالله تأثير عظيم في دفع السحرة كما رقى جبريل ﵇ رسول الله ﷺ حين سحر بالمعوذتين، كما أخرجه البيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١).
وقول ابن عباس في السحرة: أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء؛ أي: في يوم واحد، وهو يوم التقوا مع موسى ﵇، فألقوا وألقى.
قال قتادة: ذكر لنا أنَّهم كانوا أول النَّهار سحرة وآخره شهداء. أخرجه ابن جرير (٢).
أي: علماء شاهدين عن علم ويقين بأنَّ ما جاء به موسى هو الحق، أو شهداء بما صنع بهم فرعون.
وليس في القرآن ما ينص على أنهم قتلوا، إنَّما فيه وعيد فرعون لهم وتهديده إياهم، ومن هنا ذهب جماعة منهم الإمام فخر الدين الرازي، وأبو حيان إلى رد ما قيل: إن فرعون قتلهم وصلبهم مستدلين بقوله تعالى: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ﴾ [القصص: ٣٥]، ورجحه والدي في "تفسيره" (٣).
والاعتبار في قصة السحرة أنهم دعوا بشرطة فرعون وأعوانه ملجئين
стр. 3648
إلى مساحرة موسى، وكان في ذلك سعادتهم، وفي ذلك من تقرير القضاء والقدر ما هو في غاية الوضوح، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وكم من خائض في بحار العصيان وهو يراعى بعين الرضوان حتى يأتي الإِبَّان وإذا بالسرِّ قد سطع وبان.
ولقد قلت: [من المنسرح]
قدْ عَجِبْنَا لعُصْبَةٍ سَحَرَة ... وَهُمْ عِنْدَ رَبهِّم بَرَرَة
أَدْرَكَتْهُمْ سَعَادةٌ سَبقتْ ... لَيْسَ بالسَّعْي تُدْرِكُ الْمَهَرَة
وَفَقَ اللهُ مَنْ يَشَاءُ لِما ... هُوَ في سَبْقِ عِلْمِه زَبَرَه
حَسْبِيَ اللهُ لا شَرِيْكَ لَه ... لَيْسَ لِلْعَبدِ دُونَهُ خِيَرَة
هُوَ فِي كُلِّ حَالَةٍ ثِقَتِي ... مَنْ يَكُنْ واثِقاً به جَبَره
مَنْ يُطعْهُ يَقْبَلْهُ عَنْ كَرَمٍ ... وَهْوُ لَنْ يَعْصِ أمْرَهُ سَتَرَه
حَمْدُناَ كُلُّهُ لخَالِقِنَا ... كُلُّ نَفْسٍ إِلَيْهِ مُفْتَقِرَه
رَبِّ نِعْمَ الوَكِيْلُ أنْتَ لَنَا ... لَيْسَ نَخْشَى عَدْوى وَلا طِيَرَة
كَيْفَ نَخْشَى وَأنْتَ مَوْئلُنا ... نَوْبَ خَطْبٍ يَمَسُّنَا ضَرَرَه
صَلِّ رَبِّ عَلَى النَّبِيْ وَعَلَى ... آلِهِ وَالصَّحَابَةِ العَشَرَة
١٢ - ومن أخلاق فرعون وقومه: الكهانة، وتصديق الكهان والمنجمين .
كما تقدم نظيره في نمرود.
стр. 3649
١٣ - ومنها: التطير .
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (١٣٠) فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠، ١٣١].
أي: إن ما يصيبهم من عند الله، وقد يكون بسبب سوء أعمالهم لا بشؤم موسى وأصحابه، كما أن الحسنة إذا جاءتهم إنما تكون بمحض الفضل من الله تعالى لا بخصوصية فيهم كما يزعمون بقولهم: لنا هذه؛ أي: مختصة بنا، ونحن مستحقونها.
قال تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٢].
مع ما حكاه من قول فرعون: ﴿إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ﴾ [الشعراء: ٣٤، ٣٥].
فبين أنهم تخوفوا من شؤمه ومن سحره، وهذا غاية الوهن من فرعون وقومه مع أنهم الجبابرة وهو يدعي الألوهية، فما بعد هذه الحماقة حماقة، ولا بعد هذا الخَوَر خور.
ومن هنا يعلم أنَّ من أخلاق فرعون وقومه الحماقة والجبن.
ويعلم أنَّ القوة كل القوة في الإيمان، والبصارة كل البصارة للمؤمنين، وكم من جبان عنيد يسفك الدَّماء ويتمرد على إله الأرض
стр. 3650
والسماء، وهو يخاف من حية تبدو له، أو فأرة تنفر عنده، فلا أضعف من مخلوق، ولا أقوى من الخالق.
١٤ - ومنها: معاداة أولياء الله تعالى، وإيذاؤهم، والوقيعة فيهم، وعيبهم، والاستهانة بهم، وتعييرهم بما في البدن من عاهة ونحوها .
قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥١، ٥٢]؛ يعني: موسى ﵇.
وكانت لموسى لثغة في لسانه كما رواه ابن المنذر عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما (١)، ولا ينافي هذا قوله تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي﴾ [طه: ٢٧]، مع قوله : ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ [طه: ٣٦]؛ فإنَ هذا محمول على أنَّ فرعون عير ببقاء أثر اللثغة بعد أن أزيلت شدتها التي كانت تمنع من تفقه كلامه وتفهمه الذي هو مطلوب موسى ﵇ بقوله: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ [طه: ٢٧، ٢٨] على أنَّ اللَّثغة اللَّطيفة لا تُشين صاحبها، وقد تستحسن منه.
وقد حكي أنَّ للحسين بن عليٍّ رضي الله تعالى عنهما رتة لطيفة لا تشينه، فقال النبي ﷺ : "إِن الْحُسَيْنَ وَرِثَها مِنْ عَمِّهِ مُوسَى ﵇" (٢).
стр. 3651
والعدو يعيب عدوه بما لا يعد عيباً، أو كان فرعون يعلم اللَّثغة من موسى ﵇ إمَّا لأنَّها كانت في أصل الخلقة، أو لمَّا كان موسى ﵇ صغيراً في حجر فرعون تناول لحيته، فغضب فرعون وأراد قتله، وقال: هذا عدوي.
فقالت له آسية بنت مزاحم امرأة فرعون: إنَّه صغير لا يعقل، وأمرته أن يقدم له الجمر والتمر، فتناول جمرة بيده فوضعها في فيه، فاحترقت يده ولسانه، فبقي أثر ذلك في لسانه (١).
وكان فرعون يعهد هذا من موسى، ولم يعلم أنَّ الله تعالى عافاه منها أو عيَّره بها بعد زوالها.
وكثير من الحمقى يعيرون أعداءهم ونظرائهم بما تقدم لهم من نقص وعيب وإن زال.
وفرعون كان في أعلى طبقات الحماقة.
وقيل: كانت لموسى ﵇ حدة، فكان يتردد في الكلام إذا ابتدأ، ثم يفصح، فعابه فرعون بذلك، ولذلك قال فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢]، ولم يقل: ولا يُبيِّن.
* تنبِيهٌ:
مُعادي أولياء الله تعالى ومُؤْذيهم متعرض للهلاك إلَّا أن يتوب؛
стр. 3652
فإنه إمَّا أن يعرض الولي عنه ويحلم، ويغار الله تعالى لوليه، ويغضب له عليه فيأخذه.
وفي الحديث الصحيح: "مَنْ عَادَى لِي وَليًّا فَقَدْ آذَنتهُ بِالحَرْبِ" (١).
وما أحسن قول الشيخ رضي الدين جَدِّي: [من الرجز]
مَنْ بَارزَ الرِّجَالَ بالأَذَى وَلَم ... يَخْشَ وَلَمْ يَخَفْ عِقَابَ رَبِّهِ
ويلٌ لَهُ دنْيَا وَأُخْرَىَ كَيْفَ لا ... واللهُ قَد آذَنَهُ بحَربِه
وإما أن يتنفس عليه الولي بدعوة فتحرقه وتمحقه، ويطمس على دنياه، ويحرم خير عقباه، كما اتفق لموسى وهارون ﵉ بعد أن صبرا على فرعون وقومه أربعين سنة، دعوا عليهم، فأهلكهم الله تعالى واستأصلهم.
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٨، ٨٩].
وإنما قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ والداعي موسى فقط؛
стр. 3653
لأنَّ هارون ﵇ كان يؤمِّن على دعاء أخيه ﵉.
قال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: دعا موسى، وأمَّن هارون. رواه أبو الشيخ عنه، وعن أبي هريرة بنحوه (١).
ولم يكن التأمين لغير هذه الأمة إلا لموسى وهارون ﵉ دون قومهما.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى في قوله؛ قال: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ بعد أربعين سنة. رواه الحكيم الترمذي (٢).
١٥ - ومن أخلاق فرعون قبحه الله تعالى: النظر إلى عيب غيره، والغفلة عن عيب نفسه .
وهذا وإن شاركه أكثر أولاد آدم كما قال رسولُ اللهِ ﷺ : "يُبْصِرُ أَحَدُكُمُ القَذَى في عَيْنِ أخِيهِ وَيَنسَى الجِذْع - أو قالَ: الجِذْلَ - في عَيْنهِ". رواه الإمام عبد الله بن المبارك عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٣).
إلَّا أنَّ أمر فرعون فيه عجيب؛ فإنَّه قد كان في طول أربعة أشبار، ولحيته أطول منه، وكان أثرم مكسور الثنايا كما سبق، ويقول عن موسى ﵇: ﴿أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ﴾ [الزخرف: ٥٢].
ومن ثم: من عهد فرعون لا يكون بالغ القصر إلَّا رأى في نفسه أنَّه
стр. 3654
أكمل من غيره، وكان في سخافة عقله وحماقته وقلة رأيه عجباً.
وكمال الخُلُق غالباً يتبع كمال الخَلق، ومن ثم كان رسول الله ﷺ رَبْعَةً من الرجال بين الطويل والقصير (١).
ومن كمال العبد أن يطالع عيب نفسه، ويغض عن عيب غيره، كما قال محمود الوراق رحمه الله تعالى: [من السريع]
يَشْغَلُنِي عَنْ عَيْبِ غَيْرِي الَّذِي ... أُبْصِذرُهُ في مِنَ العَيْب
فَإنَّنَي أَرْتَابُ في عَيْبِهِ ... وَلَسْتُ مِنْ عَيْبِيَ فِي رَيْبِ
١٦ - ومنها: إطالة الأمل، وإنكار البعث والنشور .
قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ﴾ [القصص: ٣٩].
واعلم أن طول الأمل أصل كل فتنة، ومنه أتى كل هالك.
ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "إنَّ أَشَدَّ مَا أَخَافُ عَلَيكُم خصْلَتَانِ: الْهَوَى وطُولُ الأَمَلِ؛ فأمَّا الْهَوَى فَيَصُدُّ عنِ الحقِّ، وأمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَة". رواه ابن أبي الدُّنيا في "كتاب الأمل" عن جابر رضي الله تعالى عنه.
стр. 3655
وله نحوه من حديث عليٍّ ﵁ (١).
وروى الإمام أحمد في "الزُّهد"، وأبو نعيم في "الحلية" عن يحيى ابن أبي كثير رحمه الله تعالى أنَّ أبا بكر الصِّديق ﵁ كان يقول في خطبته: أين الوُضَاة الحسنة وجوههم، المعجبون بشبابهم؟ أين الملوك الذين بنوا المدائن وحصنوها بالحيطان؟ أين اللذين كانوا يعطون الغلبة في مواطن الحرب؟ قد تضعضع بهم الدَّهر فأصبحوا في ظلمات القبورة الوحاء الوحاء، النجاء النجاء (٢).
وروى أبو نعيم عن سعيد بن أبي هلال رحمه الله تعالى: أنَّ أبا الدَّرداء رضي الله تعالى عنه كان يقول: يا معشر أهل دمشق! ألا تستحيون؟ ! تجمعون ما لا تأكلون، وتبنون ما لا تسكنون، وتأملون ما لا تبلغون، قد كان القرون من قبلكم يجمعون فيوعون، ويأملون فيطيلون، ويبنون فيوثقون، فأصبح جمعهم بوراً، وأملهم غروراً، وبيوتهم قبوراً، هذه عاد قد ملأت ما بين عدن إلى عمان أموالاً وأولاداً، فمن يشتري مني تركة آل عاد بدرهمين؟ (٣).
والأخبار والآثار في ذلك واسعة جداً.
стр. 3656
١٧ - ومنها - وهو من جنس ما قبله -: إطالة البنيان، وإحكامه، وتجصيصه .
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [القصص: ٣٨].
قال سعيد بن جبير رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ﴾: أوقد لي على الطين حتى يكون آجراً (١).
وقال مجاهد في قوله: على الطين على المدر يكون لبناً مطبوخاً (٢).
وقال قتادة: بلغني أنَّ فرعون أول من طبخ الآجر. أخرجه ابن المنذر (٣).
وروى ابن أبي حاتم عن قتادة قال: كان فرعون أول من طبخ الآجر، وصنع له الصَّرح (٤).
قال في "الكشاف": روي أنَّه لمَّا أمر ببناء الصَّرح جمع هامان العمال حتَّى اجتمع خمسون ألف بنَّاء سوى الأتباع والأجراء، وأمر بطبخ الآجر والجص، ونجر الخشب، وضرب المسامير [فشيدوه]
стр. 3657
حتى بلغ ما لم يبلغه بنيان أحد من الخلق.
وكان الباني لا يقدر أن يقوم على رأسه يبني، فبعث الله جبريل ﵇ عند غروب الشمس، فضربه بجناحه، فقطعه ثلاثة قطع؛ وقعت قطعة على عسكر فرعون فقتلت ألف ألفِ رجل، ووقعت قطعة في البحر، وقطعة في المغرب، ولم يبق أحد من عماله إلَّا قد هلك (١).
وروى ابن أبي حاتم عن السدي قال: لمَّا بُني له الصرح ارتقى فوقه، فأمر بنشابة فرمى بها إلى السماء، فرُدَّت إليه وهي ملطخة دماً، فقال: قتَلتُ إلهَ موسى (٢).
وقول قتادة: إنَّ فرعون أول من صُنِع له الصرح يَرِدُ عليه ما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ﴾ [النحل: ٢٦]؛ قال: هو نمرود بن كنعان حين بنى الصَّرح (٣).
وأخرجه ابن أبي شيبة، وغيره عن مجاهد (٤).
стр. 3658
وروى عبد الرَّزاق، وابن جرير عن زيد بن أسلم قال: أول جبَّار كان في الأرض نمرود، فبعث الله تعالى عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمئة سنة يضرب رأسه بالمطارق، وأرحم النَّاس به من جمع يديه فضرب بهما رأسه، وكان جبَّاراً أربعمئة سنة، فعذَّبه الله تعالى أربعمئة سنة كملكه، ثم أماته الله تعالى.
قال: وهو الذي كان بنى صرحاً إلى السَّماء الذي قال الله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦] (١).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي: أنَّ نمرود بعد أن هاجر من أرضه إبراهيم ولوط ﵉ حلف ليطلبنَّ إله إبراهيم، فأخذ أربعة فراخ من أفراخ النُّسور، فربَّاهنَّ بالخبز واللَّحم، حتى إذا كبرن وغلظن واستعلجن، فربطهن بتابوت، وقعد في ذلك التابوت، ثم رفع رِجْلاً من لم لهن، حتى إذا وَهِم في السماء أشرف فنظر إلى الأرض، وإلى الجبال تَدُب كدبيب النمل، ثم رفع لهن اللحم، ثم نظر فرأى الأرض محيطًا بها بكر كأنَّها فلكة في ماء، ثم رفع طويلاً فوقع في ظلة، فلم ير ما فوقه ولم ير ما تحته، فألقى اللحم، فاتبعته منقضات، فلما رأى الجبال إليهن قد أقبلن منقضات، وسمعن خفقهن، فزعت الجبال وكادت أن تزول من أمكنتها، ولم يفطن؛ قال فذلك قوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ
стр. 3659
لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦].
وهي في قراءة ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: وإن كاد مكرهم؛ يعني: بالدال.
قال: فلما رأى أنه لا يطيق شيئاً أخذ في بنيان الصرح، فبنى حتى أسنده إلى السماء ارتقى فوقه ينظر يزعم إلى إله إبراهيم، فأحدث ولم يكن يحدث، وأخذ الله بنيانه من القواعد (١).
ففي هذا الأثر أنَّ نمرود اتخذ الصَّرح قبلُ، وأنَّه هو الذي سخر النُّسور لما أراد.
وعن علي رضي الله تعالى عنه: أنَّه إنما سخر نسرين فقط. رواه ابن جرير (٢).
وروى ابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد: أن بخت نصر جوَّع نسوراً، ثم جعل عليهن تابوتاً، ثم دخله، وجعل رماحاً في أطرافه واللحم فوقها، فقلَّت، فذهبت نحو اللحم حتى انقطع بصره من الأرض وأهلها، فنودي: أيها الطاغية! أين تريد؟
فَفَرَق، ثم سمع الصوت فوقه، فصوَّب الرماح، فتصوبت النسور، ففزعت الجبال من هدتها، وكادت الجبال أن تزول من حس ذلك، فذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٦] (٣)
стр. 3660
كذا قرأها مجاهد؛ أي: بالدال كما سبق عن ابن مسعود، وهي قراءة عمرَ بن الخطاب، وعلى بن أبي طالب، وأبى بن كعب كما أخرج ذلك ابن الأنباري، وابنِ عباس كما أخرجه أبو عبيد، وابن المنذر.
ورويا قراءة عمر رضي الله تعالى عنه أيضاً (١).
وروى ابن جرير عن مجاهد أنه قرأها: ﴿وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ﴾ بالنون ﴿لَتزول﴾ بفتح اللام، وبالرفع كما قرأها الكسائي (٢).
وقيل: إن على القراءة المشهورة نافية، واللام مؤكدة لها كقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
ولا معارضة بين قول مجاهد: إن صاحب النسور بخت نصر، وقول السدي: إنه نمرود، ورواه ابن جرير عن علي ﵁، بل هما محمولان على أن نمرود فعل أولاً، ثم تابعه عليه بخت نصر، أو تواردا عليه وتوافقا كما توارد نمرود وفرعون على بناء الصرح، أو تبعه فرعون.
وهؤلاء الثلاثة رؤوس الملوك الجبابرة، وقد علمت ما فعلوه، ثم ما صاروا إليه من الهلاك.
ثم إنَّ الجبابرة والظالمين بعدهم يوم القيامة وبالهم عظيم، ولا يبعد أن يزاد فيه على عذاب هؤلاء الثلاثة لأنهم علموا ما نزل بهم
стр. 3661
ولم يتعظوا؛ ألا تسمع وتصغي إلى قول الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥) وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ﴾ [إبراهيم: ٤٤ - ٤٦]؟
أي: إذ كانوا ليزيلونها، أو ليزيلوا ما هو كالجبال الراسية ثباتاً وتمكناً بمكرهم.
قال تعالى: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [إبراهيم: ٤٧]
أي: يملي للظالمين، وكيده متين، ثم إذا انتقم انتقم بقدرة، وإذا آن أوان الانتقام لم يمنع الظالم من نقمة الله صرحه ولا حصنه، ولم يخلَّد المترف في نعيمه قصره ولا أمنه، فالسَّعيد من وُعِظَ بغيره.
روي أنَّ عمر رضي الله تعالى عنه نظر في طريق الشام إلى صرح قد بني بجص وآجر، فكبَّر وقال: ما كنت أظن أن يكون في هذه الأمة من يبني بنيان هامان وفرعون (١).
وروى البيهقي عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى - مرسلاً - قال:
стр. 3662
قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ نَفَقَةٍ يُنفِقُهَا المُسلِمُ يُؤْجَرُ فِيهَا - عَلى نَفْسِهِ، وَعَلَى عِيَالِهِ، وَعَلى صَدِيقِهِ، وَعَلَى بَهِيمَتِهِ - إلاَّ في بِنَاءٍ، إِلَّا بِنَاءَ مَسْجِدٍ يُبْتَغَى فِيْهِ وَجْهَ اللهِ" (١).
وله شاهد من حديث خباب بن الأرت رضي الله تعالى عنه. أخرجه ابن ماجه (٢).
وروى أبو داود بإسناد جيد، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : "كُل بِنَاءٍ وَبَالٌ عَلَى صَاحِبِهِ إِلاَّ مَا لا" (٣)؛ يعني: ما لابد منه.
والأحاديث في ذلك كثيرة.
وقيل في قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٨٣]: العلو: الرياسة والتطاول في البنيان.
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: يأتي قوم يرفعون الطين، ويضعون الدين، ويستعملون البراذين، يصلُّون إلى قبلتكم، ويموتون على غير دينكم (٤).
стр. 3663
وكان السلف يحبون الاقتصار في البنيان.
وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: ما أنفقتُ درهماً في بناء. رواه أبو نعيم (١).
وقال الدينوري: حدَّثني ابن أبي الدنيا قال: حدثَّني عبد الله بن محمد قال: قرأت على دار مشيَّدة:
لَو كُنْتَ تَعْقِلُ يَا مَغْرُور مَا رقأت ... دُمُوعُ عَينَيكَ مِن خَوفٍ ومِن حَذَرِ
مَا بَال قَوْمٍ سِهَامُ الموتِ تَخْطَفُهُمْ ... يُفَاخِرُونَ بِرَفْعِ الطيْنِ والْمدَرِ (٢)
* فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:
روى ابن عساكر عن يحيى بن أبي عمرو الشيباني قال: لمَّا بنى داود ﵇ مسجد بيت المقدس نهى أن يدخل الرُّخام بيت المقدس لأنه الحجر الملعون؛ فخرَ على الحجارة فلعن (٣).
* تَنْبِيْهٌ:
قال في "القاموس": الصرح: القصر، وكل بناء عالٍ، وقصر لبخت
стр. 3664
نصر قرب بابل، انتهى (١).
وهذا يدل على أنَّ بخت نصر تابع نمرود وفرعون على بناء الصرح، إلَّا أنه قد يقال: إنَّ صرحه إنَّما كان قصراً يسكنه؛ فإنه لم يثبت أنه ادَّعى الألوهية.
لكن روى ابن عساكر عن الحسن رحمه الله تعالى: أنَّه لما قتل بني إسرائيل، وهدم بيت المقدس، وسار بسباياهم إلى أرض بابل، أراد أن يتناول السماء، فطلب حيلة يصعد بها، فسلَّط الله تعالى عليه بعوضة، فدخلت منخره، فوقفت في دماغه، فلم تزل تأكله وهو يضرب رأسه بالحجارة (٢).
فهذا الأثر يدل على أنه وافق نمرود في اتخاذ الصرح لبلوغ السماء، وفي الموت ببعوضة، وهي من أضعف الخلق، وهو كان من أعظم الجبابرة.
وفي حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: "إِنَّ اللهَ مَلَّكَ بخت نصَّر سَبْعَمِئَةِ سَنَةٍ، وإنَّهُ حاصَرَ بَني إِسْرائِيْلَ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَقتلَ مِنْهُمْ سَبْعِيْنَ ألْفاً عَلى دَمِ يَحْيى ﵇، وَسَلَبَ حُلِيَّ بَيْتِ الْمَقْدِسِ". أخرجه ابن جرير (٣).
стр. 3665
وأخرج عن ابن زيد: أنه أحرق التوراة حتى لم يترك منها حرفاً، فقتله الله تعالى بخلق من أضعف خلقه عقوبة لكفره وجبروته (١).
والمؤمن ينجو بإيمانه، ولين عريكته، ولِجائِهِ إلى الله تعالى مما هلك فيه الفجار والجبارون.
وقد ذكر الإمام أبو بكر محمد بن الوليد الطرطوشي في كتاب "الدعاء" عن مطرف بن عبد الله بن مصعب المزني رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على المنصور فرأيته مغموماً، فقال: يا مطرف! طرقني من الهم ما لا يكشفه إلا الله تعالى، فهل من دعاء أدعو به عسى يكشفه الله تعالى عني؟
قلت: يا أمير المؤمنين! حدثني محمد بن ثابت عن عمرو بن ثابت البصري قال: دَخَلتْ في أذن رجل من البصرة بعوضة حتى دخلت إلى صماخه، فأنصبته وأسهرته، فقال له رجل من أصحاب الحسن البصري: ادعُ بدعاء العلاء بن الحضرمي صاحب رسول الله ﷺ .
قال: وما هو؟
قال: بعث العلاء بن الحضرمي رضي الله تعالى عنه إلى البحرين، فسلكوا مفازة، وعطشوا عطشاً شديداً حتى خافوا الهلاك، فنزل فصلى ركعتين، ثم قال: يا حكيم! يا عليم! يا علي! يا عظيم! اسقنا.
فجاءت سحابة، فأمطرت حتى ملؤوا الآنية وسقوا الركاب.
стр. 3666
ثم انطلقوا إلى خليج من البحر ما خيض قبل ذلك اليوم، فلم يجدوا سفناً، فصلى ركعتين، ثم قال: يا حكيم! يا عليم! يا علي! يا عظيم! أجزنا.
ثم أخذ بعنان فرسه، ثم قال: جُوزوا باسم الله.
قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فمشينا على الماء، فو الله ما ابتل لنا قدم، ولا خف، ولا حافر، وكان الجيش أربعة آلاف.
قال: فدعا الرجل بهما، فو الله ما خرجنا حتى خرجت البعوضة من أذنه لها طنين حتى صكت الحائط، وبرئ.
فاستقبل المنصور القبلة، ودعا بهذا الدعاء ساعة، ثم انصرف بوجهه إلي، وقال: يا مطرف! قد كشف الله ما كنت أجده من الهم.
وقد روى في صرح بخت نصر وموته روايةٌ أخرى، وذلك أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل أري في منامه، وكان قرأ قول الله تعالى لهم في كتابه: ﴿لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: ٤] إلى قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧] فقال: ربِّ! أما الأولى فقد فاتتني، فأرني الآخرة.
فأتى وهو قاعد في مصلاه قد خفق رأسه، فقيل له: الذي سألت عنه سائل مسكين، واسمه بخت نصر، فذهب إلى بابل بمال يقسمه على المساكين، فجعل يقسمه رجلًا رجلًا، حتى أتى على ذكر بخت نصر،
стр. 3667
وكان أكثرهم فاقة، وهو مقعد في خيمة يحدث فيها، يمر عليه السارون فيلقي إليه أحدهم الكسر ويأخذ بأنفه، فأتاه فقال له: ما اسمك؟
قال: بخت نصر.
قال: أرأيت إن ملكت يوماً من دهر أتجعل لي أن لا تعصيني؟
قال: أي سيدي! لا يضرك أن لا تهزأ بي.
فأعاد عليه: إن ملكت مرة أتجعل لي أن لا تعصيني؟
قال: أما هذه فلا أجعلها لك، ولكن سوف أكرمك كرامة لا أكرمها أحداً.
قال: دونك هذه الدنانير، ئم انطلق فلحق بأرضه، فقام بخت نصر فاستوى على رجليه، ثم انطلق فاشترى حماراً وأرساناً، ثم جعل يستعرض تلك الأجم فيجزها، فيبيعه، ثم قال: إلى متى هذا الشقاء؟
فباع الحمار والأرسان، فاكتسى كسوة، ثم أتى باب الملك، وكان ملك بابل إذ ذاك يقال له: الفرخان، وكان كافراً، فجعل يشير عليهم بالرأي، وترتفع منزلته حتى انتهى إلى بواب الفرخان الذي يليه، فقال له الفرخان: ذكر لي رجل عندك فما هو؟
قال: ما رأيت مثله قط.
قال: ائتني به.
فكلمه، فأعجب به.
قال: إن بيت المقدس تلك البلاد قد استعصوا علينا، وإنَّا باعثون
стр. 3668
إليهم بعثاً، فابعث إلى البلاد من يختبرها.
فنظر البواب إلى رجال من أهل الأدب والمكيدة، فبعثهم جواسيس، فلما فصلوا إذا بخت نصر قد أتى بخرجيه على بغلة، قال: أين تريد؟
قال: معهم.
قال: أفلا آذنتني فأبعثك عليهم.
قال: لا.
ثم لما أتوا بيت المقدس تفرقوا، وسأل بخت نصر عن أفضل أهل البلد، فأتاه، فقال: ألا تخبرني عن أهل بلادك؟
قال: على الخبير سقطت؛ فهم قوم فيهم كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم يتفرقون.
فكتب ذلك في ورقة ألقاها في خرجه، ثم رحل مع قومه، فرجعوا إلى الفرخان، فجعل يسأل الرجل منهم فيقول: أتينا بلاد كذا ولها حصن كذا.
قال: يا بخت نصر! ما تقول؟
قال: قدمنا أرضاً على قوم لهم كتاب لا يقيمونه، وأنبياء لا يطيعونهم، وهم متفرقون.
فأمن الفرخان، فبعث إليهم بسبعين ألفًا، وأمَّر بخت نصر عليهم، فساروا حتى علوا في الأرض أدركهم البريد أن الفرخان قد مات ولم يستخلف أحداً، فقال بخت نصر لمن معه: مكانَكم، ثم أقبل على
стр. 3669
البريد حتى قدم بابل، فقال: كيف صنعتم؟
قالوا: كرهنا أن نقطع أمراً دونك.
قال: إن الناس قد بايعوني.
فبايعوه، ثم استخلف عليهم، وكتب بينهم كتاباً، ثم انطلق إلى أصحابه، فأراهم الكتاب، فبايعوه، ثم سار بهم إلى بيت المقدس، فتفرق بنو إسرائيل، فخرب بيت المقدس، وسلب وسبى أبناء الأنبياء فيهم دانيال، وأتاه ذلك العبد الصالح فعرفه، فأدنى مجلسه وأكرمه، ولم يشفعه في شيء، ثم عاد إلى بابل لا ترد له راية، فكان كذلك ما شاء الله، ثم رأى رؤيا أفظعته؛ رأى كأن رأسه من ذهب، وصدره من فخار، ووسطه من نحاس، ورجليه من حديد، فعبرها له أبناء الأنبياء الذين عنده، فقالوا: رأيت كان رأسك من ذهب؛ هذا ملكك يذهب عند رأس الحول من هذه الليلة.
قال: ثم مه؟
قال: يكون بعدك ملك يفخر على الناس، ثم يكون ملك يخشى على الناس شدته، ثم يكون ملك لا يقله شيء، إنما هو مثل الحديد؛ يعني: فأمر بحصن فبني له بينه وبين السماء، وهو الصرح، ثم جعل ينطقه بمقاعد الرجال والأحراس، ثم لما كانت الليلة التي تم فيها الحول قال لهم: إنما هي هذه الليلة لا يجوزن عليكم أحد - وإن كان أنا بخت نصر - إلا قتلتموه مكانه، فقعد كل الناس في مكانهم الذي وكلوا به، واهتاج بطنه من الليل، فكره أن يرى مقعده هناك، وضرب على أصمخة
стр. 3670
القوم، فاستثقلوا نوماً، فأتى عليهم وهم نيام، فقضى حاجته، ثم عاد فأتى عليهم، فاستيقظ بعضهم، فقال: من هذا؟
قال: بخت نصَّر.
قال: هذا الذي جن إلينا فيه الليلة.
فضربه فقتله، فأصبح الخبيث قتيلاً. رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وابن جرير عن سعيد بن جبير، وعن السدي، وعن وهب بن منبه (١).
١٨ - ومن أخلاق فرعون وقومه: حب الدنيا، والاغترار بها ، والافتخار بها، ولبس الحلي لغير النساء، والأعجاب بالنفس، وامتهان الغير واحتقاره خصوصاً الفقراء، واعتياد نوع من الزينة والسمت المخالفَين للشريعة خصوصية لذوي المناصب لتمييزهم عن غيرهم.
قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ﴾ [الزخرف: ٥١ - ٥٣].
قال مجاهد: كانوا إذا سوَّدوا رجلاً سوَّروه وطوَّقوه بطوق من ذهب
стр. 3671
يكون ذلك دلالة لسيادته، وعلامة لرياسته. ذكره الثعلبي، وغيره (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح ذباب ما سقى فرعون منها شَربة ماء (٢).
وروى الترمذي وصححه، وابن ماجه عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوْضةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ" (٣).
وقال الله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ﴾ [يونس: ٨٨] الآية.
روى عبد الرزاق، وغيره عن قتادة في الآية قال: بلغني أن زروعهم وأموالهم تحولت حجارة (٤).
وقال بعض العارفين في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾؛ أي: على ما أمرتكما به من الزهد في الدنيا، والاكتفاء منها بقدر الحاجة، ﴿ولَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يونس: ٨٩] في اقتناء
стр. 3672
الأموال والتعلق بها لئلا تشغلكما عن الله كما صار لفرعون وملئه.
وروى أبو الفرج بن الجوزي في "صفة الصفوة" عن أبي عبد الله النباجي رحمه الله تعالى قال: إذا كان عندك ما أعطى الله نوحاً، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمداً ﷺ لا تراه شيئًا، وإنَّما تريد ما أعطى الله نمرود، وفرعون، وهامان؛ فمتى تفلح؟ (١)
وقال تعالى حكاية عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ (٣٨) يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ﴾ [غافر: ٣٨، ٣٩].
وكان اسم هذا المؤمن حزقيل، كما رواه ابن أبي حاتم عن ابن عباس (٢)، أو: حبيب، كما رواه عبد بن حميد عن أبي إسحاق (٣).
والقرآن ناطق بأنه من الناجين لقوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ [غافر: ٤٥].
قال قتادة: كان قبطياً من قوم فرعون، فنجا مع موسى وبني إسرائيل حين نجوا. أخرجه عبد الرزاق (٤).
وفيه إيماء إلى أنه نجا بزهده وإيمانه، والإيمان يدعو إلى الزهد.
стр. 3673
وقد روى ابن أبي الدنيا عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "نَجَا أَوَّلُ هَذهِ الأُمَّةِ بِالْيَقِيْنِ وَالزُّهْدِ، وَيهْلَكُ آخِرُهَا بِالْبُخْلِ وَالأَمَلِ" (١).
١٩ - ومنها: الاعتزاز بالملك، والاغترار به، والاعتماد عليه والثقة به، أو بشيء من الدنيا .
ولقد أحسن القائل: [من الطويل]
وإِنَّ امْرَأً دُنيَاهُ أَكْبَرُ هَمِّه ... لَمُسْتَمْسِكٌ مِنْهَا بِحَبْلِ غُرُورِ
قال الله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ [الزخرف: ٥١].
قال ابن جريج رحمه الله تعالى: ليس هو المنادي بنفسه، ولكن أمر أن يُنادى. أخرجه ابن المنذر (٢).
يعني: إنَّ معنى قوله: ﴿وَنَادَى﴾: أمر بأن ينادى بذلك في قومه؛ كما يقال: قتل السلطان فلانًا؛ أي: أمر بقتله، وضرب اللص؛ أي: أمر بضربه.
ويحتمل أنه نادى بذلك في عظماء القبط وهم عنده، ثم نشروا
стр. 3674
ذلك عنه.
وقوله: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾؛ يعني: أنهار النيل.
ومعظمها أربعة أنهر: نهر الملك، ونهر طولون، ونهر دمياط، ونهر بلبيس.
وقيل: ذلك عن العساكر التي تحت أمره؛ شبهها بالأنهار كما يقال: عسكر كالسيل.
وذكر الزمخشري في "الكشاف" عن الرشيد: أنَّه لما قرأ هذه الآية قال: لأولينَّها أخس عبيدي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه.
وعن عبد الله بن طاهر: أنَّه وُليها فخرج إليها، فلما شارفها وقع عليها بصره، قال: أهي القرية التي افتخر بها فرعون حتى قال: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾؟ والله لهي أقل عندي من أن أدخلها، فَثَنَى عنانه (١).
وروى ابن أبي حاتم عن الأسود بن يزيد قال: قلتُ لعائشة ﵂: ألا تعجبين من رجل من الطُّلقاء ينازع أصحاب محمَّد ﷺ في الخلافة؟
قالت: وما تعجب من ذلك؟ هو سلطان الله يؤتيه البر والفاجر، وقد ملك فرعون أهل مصر أربعمئة سنة (٢).
стр. 3675
٢٠ - ومنها: الاعتزاز بالقوة والجلَدِ، والعافية وصحة الجسد .
ذكر الثعلبي، وغيره أن فرعون كان لا يسعل، ولا يتمخط، ولا تصيبه آفة مما يصيب الناس، وكان يقوم في كل أربعين يومًا مرة واحدة، وكان أكثر ما يأكل الموز لئلاَّ يكون له تفل فيحتاج إلى القيام، وكان ذلك مما زُيِّن له حتى قال ما قال.
وعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: تملك فرعون أربعمئة سنة لا يرى مكروهاً يومًا، ولو كان في تلك المدة حُمَّ يومًا أو اتَّجع يومًا لما ادَّعى الربوبية (١).
وروى الثعلبي بإسناده عن كعب رحمه الله تعالى قال: إنِّي لأجد في بعض الكتب: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لكللت رأس الكافر بإكليل، فلا يصدع ولا ينبض له عرق يوجع (٢).
وروى الحاكم وصححه، وابن السني، وأبو نعيم؛ كلاهما في "الطب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: دخل أعرابي على رسول الله ﷺ ، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ ﷺ : "أَخَذَتْكَ أُمُّ ملْدَمٍ؟ ".
قالَ: وما أمّ ملدم؟
قال: "حَرٌّ يَكُوْنُ بَيْنَ الجِلْدِ وَالَّلحْمِ".
قالَ: ما وجدتُ هذا قطُّ.
стр. 3676
قال: "أَخَذَكَ الصُّدَاع؟ ".
قال: وما الصُّداعُ؟
قال: "عِرْق يَضْرِبُ الإنْسَانَ في رَأْسِه".
قال: ما وجدتُ هذا قطُّ.
قال: "مَن أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِن أَهْلِ النَّارِ فَلْينظُرْ إِلَى هَذَا" (١).
٢١ - ومنها: الخضاب بالسواد في الرأس واللحية .
وهو حرام على الرجل والمرأة إلا للغزو للرجل.
قال في "الإحياء": وخضب بعض العلماء بالسواد لأجل الغزو، وذلك لا بأس إذا صحَّت النيَّة (٢).
وممن صرَّح بإباحته للمجاهد -أي: في الجهاد- وتحريمه لغيره الماوردي في "الحاوي"، وفي "الأحكام السلطانية" (٣).
روى الديلمي، وابن النجار في "تاريخه" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أَوَّلُ مَن خَضبَ بِالحِنَّاءِ وَالكَتْمِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَأوَّلُ مَنِ اخْتَضَبَ بِالسَّوَادِ فِرْعَوْنُ" (٤).
стр. 3677
وروى ابن أبي شيبة، وابن عساكر في كتاب "الخضاب" عن مجاهد قال: أول من خضب بالسواد فرعون (١)؛ قال له موسى ﵇: إن أنت آمنت بالله سألته لك أن يردَّ عليك شبابك، فذكر ذلك لهامان، فخضَّب هامان بالسواد، فقال له موسى: ميعادك ثلاثة أيام، فلما كان ثلاثة أيام نصل خضابه، فكل خضاب ينصل في ثلاثة أيام (٢).
وروى ابن عساكر أيضًا عن الأوزاعي قال: الصفرة خضاب أهل الإيمان, والحمرة خضاب أهل الإِسلام، وأول من سوَّد آل فرعون.
وروى الطبراني، والحاكم في "المستدرك" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الصُّفْرَةُ خِضَابُ المُؤْمِنِ، وَالحُمْرَةُ خِضَابُ المُسْلِمِ، وَالسَّوَادُ خِضَابُ الكَافِرِ" (٣).
وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قَالَ: "يَكُوْنُ في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَخْضِبُوْنَ بِهَذَا السَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الحَمَامِ؛ لا يرِيحُوْنَ رَائِحَةَ الجَنَّة" (٤).
وروى ابن عدي في "الكامل"، والطبراني في "الكبير" عن أبي
стр. 3678
الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللهُ وَجْهَهُ يَوْمَ القِيَامة" (١).
وروى ابن عساكر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه، عنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ صَبَغَ بِالسَّوَادِ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَة" (٢).
وعن الزهريّ قال: مكتوب في التوراة: ملعون من غيرها بالسواد؛
يعني: اللحية (٣).
٢٢ - ومنها: اللعب بالحَمَام الطيَّارة .
روى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، والبيهقي في "الشعب" عن أيوب؛ يعني: السختياني قال: كان ملاعب آل فرعون الحَمَام (٤).
وقد علمت أنَّ ذلك من عمل الشيطان، ومن أعمال قوم هود وقوم لوط.
* فائِدَةٌ:
روى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم النخعي قال: من لعب بالحَمَام
стр. 3679
الطيَّارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر (١).
قلتُ: وهذا أمر مشهود مشهور.
وروى ابن أبي الدنيا: أن شريح رحمه الله تعالى كان لا يجيز شهادة صاحب حَمَام، ولا حَمَّام (٢)؛ يعني: الدَّلاك؛ لأنه يتعرض لكشف العورة من نفسه، واستكشافها من غيره، لا يبالي ما وقع له من ذلك.
٢٣ - ومنها: كما ذكره ابن الحاج في "المدخل" عن أهل مصر من مضاربتهم بالجلود وغيرها يوم كسر النيل، حتى لو زُهقت روح أحد، أو سُلب ماله لم يحكم عليه الوالي، وربما فعله بعض من ينسب إلى العلم، ويعد ذلك حسن خلق، حتى ربما عدُّوا الاشتغال بالدرس وغيره من الأشغال الضرورية هجنة، بل يشتغلون باللعب واللهو وأنواع الشهوات، وربما انضم إلى ذلك مفاسد كالزنا، وشرب الخمر، واختلاط النساء بالرجال (٣).
ومن هذا القبيل ما يفعله كثير من الناس في كثير من البلاد في أيام الأفراح، والأعياد، ونحوها من الملاعب بالضرب، والكلام الفاحش، وتشكيل الرجل في صورة المرأة، وعكسه، وسائر ما يترتب عليه العقاب شرعًا؛ كل ذلك أفعال فرعونية.
стр. 3680
٢٤ - ومنها: اللعب على الحبال بالمشي عليها .
ويقال لمن يفعل ذلك: بلهوان، وكأنَّه مأخوذ من قولهم: فلان في بلهنية من العيش -بضم الموحدة- أي: سعة ورفاه؛ لأنَّ تبسط الإنسان في ملاهيه إلى تدريب النفس إلى ذلك إنَّما نشأ عن الفراغ، والتوسع في الإرفاه، والبطالة، أو لأنه لا يرغب في النظر إلى من هذا فعله إلَّا أهل الرفاهة والفراغ والاستهزاء.
وأنا أقول: بالهوان -بكسر الباء الموحدة- لأن من يعتاد ذلك فقد عرض نفسه إلى السقوط من حباله العالية فيتكسر، فكأنَّه باع نفسه بالهوان.
وربما قالوا: بهلوان.
وبالجملة فهو لفظ موَّلد غير عربي.
والدليل على أنه من فعل قوم فرعون ما رواه ابن جرير، والمفسرون، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص: ١٢] في سورة (ص)، قال: كانت له أوتاد، وأرسان، وملاعب يلعب له عليها (١).
والأرسان جمع رسن -بالتحريك-: وهو الحبل كما في "القاموس" (٢).