قال: "أَخَذَكَ الصُّدَاع؟ ".
قال: وما الصُّداعُ؟
قال: "عِرْق يَضْرِبُ الإنْسَانَ في رَأْسِه".
قال: ما وجدتُ هذا قطُّ.
قال: "مَن أَحَبَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِن أَهْلِ النَّارِ فَلْينظُرْ إِلَى هَذَا" (١).
٢١ - ومنها: الخضاب بالسواد في الرأس واللحية .
وهو حرام على الرجل والمرأة إلا للغزو للرجل.
قال في "الإحياء": وخضب بعض العلماء بالسواد لأجل الغزو، وذلك لا بأس إذا صحَّت النيَّة (٢).
وممن صرَّح بإباحته للمجاهد -أي: في الجهاد- وتحريمه لغيره الماوردي في "الحاوي"، وفي "الأحكام السلطانية" (٣).
روى الديلمي، وابن النجار في "تاريخه" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "أَوَّلُ مَن خَضبَ بِالحِنَّاءِ وَالكَتْمِ إِبْرَاهِيمُ ﵇، وَأوَّلُ مَنِ اخْتَضَبَ بِالسَّوَادِ فِرْعَوْنُ" (٤).
стр. 3677
وروى ابن أبي شيبة، وابن عساكر في كتاب "الخضاب" عن مجاهد قال: أول من خضب بالسواد فرعون (١)؛ قال له موسى ﵇: إن أنت آمنت بالله سألته لك أن يردَّ عليك شبابك، فذكر ذلك لهامان، فخضَّب هامان بالسواد، فقال له موسى: ميعادك ثلاثة أيام، فلما كان ثلاثة أيام نصل خضابه، فكل خضاب ينصل في ثلاثة أيام (٢).
وروى ابن عساكر أيضًا عن الأوزاعي قال: الصفرة خضاب أهل الإيمان, والحمرة خضاب أهل الإِسلام، وأول من سوَّد آل فرعون.
وروى الطبراني، والحاكم في "المستدرك" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "الصُّفْرَةُ خِضَابُ المُؤْمِنِ، وَالحُمْرَةُ خِضَابُ المُسْلِمِ، وَالسَّوَادُ خِضَابُ الكَافِرِ" (٣).
وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، والنسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قَالَ: "يَكُوْنُ في آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ يَخْضِبُوْنَ بِهَذَا السَّوَادِ كَحَوَاصِلِ الحَمَامِ؛ لا يرِيحُوْنَ رَائِحَةَ الجَنَّة" (٤).
وروى ابن عدي في "الكامل"، والطبراني في "الكبير" عن أبي
стр. 3678
الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ خَضَّبَ بِالسَّوَادِ سَوَّدَ اللهُ وَجْهَهُ يَوْمَ القِيَامة" (١).
وروى ابن عساكر عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه، عنِ النَّبِي ﷺ قَالَ: "مَنْ صَبَغَ بِالسَّوَادِ لَمْ يَنْظُرِ اللهُ إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَة" (٢).
وعن الزهريّ قال: مكتوب في التوراة: ملعون من غيرها بالسواد؛
يعني: اللحية (٣).
٢٢ - ومنها: اللعب بالحَمَام الطيَّارة .
روى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، والبيهقي في "الشعب" عن أيوب؛ يعني: السختياني قال: كان ملاعب آل فرعون الحَمَام (٤).
وقد علمت أنَّ ذلك من عمل الشيطان، ومن أعمال قوم هود وقوم لوط.
* فائِدَةٌ:
روى ابن أبي الدنيا عن إبراهيم النخعي قال: من لعب بالحَمَام
стр. 3679
الطيَّارة لم يمت حتى يذوق ألم الفقر (١).
قلتُ: وهذا أمر مشهود مشهور.
وروى ابن أبي الدنيا: أن شريح رحمه الله تعالى كان لا يجيز شهادة صاحب حَمَام، ولا حَمَّام (٢)؛ يعني: الدَّلاك؛ لأنه يتعرض لكشف العورة من نفسه، واستكشافها من غيره، لا يبالي ما وقع له من ذلك.
٢٣ - ومنها: كما ذكره ابن الحاج في "المدخل" عن أهل مصر من مضاربتهم بالجلود وغيرها يوم كسر النيل، حتى لو زُهقت روح أحد، أو سُلب ماله لم يحكم عليه الوالي، وربما فعله بعض من ينسب إلى العلم، ويعد ذلك حسن خلق، حتى ربما عدُّوا الاشتغال بالدرس وغيره من الأشغال الضرورية هجنة، بل يشتغلون باللعب واللهو وأنواع الشهوات، وربما انضم إلى ذلك مفاسد كالزنا، وشرب الخمر، واختلاط النساء بالرجال (٣).
ومن هذا القبيل ما يفعله كثير من الناس في كثير من البلاد في أيام الأفراح، والأعياد، ونحوها من الملاعب بالضرب، والكلام الفاحش، وتشكيل الرجل في صورة المرأة، وعكسه، وسائر ما يترتب عليه العقاب شرعًا؛ كل ذلك أفعال فرعونية.
стр. 3680
٢٤ - ومنها: اللعب على الحبال بالمشي عليها .
ويقال لمن يفعل ذلك: بلهوان، وكأنَّه مأخوذ من قولهم: فلان في بلهنية من العيش -بضم الموحدة- أي: سعة ورفاه؛ لأنَّ تبسط الإنسان في ملاهيه إلى تدريب النفس إلى ذلك إنَّما نشأ عن الفراغ، والتوسع في الإرفاه، والبطالة، أو لأنه لا يرغب في النظر إلى من هذا فعله إلَّا أهل الرفاهة والفراغ والاستهزاء.
وأنا أقول: بالهوان -بكسر الباء الموحدة- لأن من يعتاد ذلك فقد عرض نفسه إلى السقوط من حباله العالية فيتكسر، فكأنَّه باع نفسه بالهوان.
وربما قالوا: بهلوان.
وبالجملة فهو لفظ موَّلد غير عربي.
والدليل على أنه من فعل قوم فرعون ما رواه ابن جرير، والمفسرون، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ﴾ [ص: ١٢] في سورة (ص)، قال: كانت له أوتاد، وأرسان، وملاعب يلعب له عليها (١).
والأرسان جمع رسن -بالتحريك-: وهو الحبل كما في "القاموس" (٢).
стр. 3681
٢٥ - ومنها: التَّلهِّي بسائر الملاهي، ونسيان ذكر الله في حالة الرخاء .
روى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ﴾ [الفجر: ١٠] قال: ذي البناء (١).
قال: وحدَّثنا سعيَد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّه كان له مظال يلعب له تحتها، وأوتاد كان تضرب له (٢)؛ أي: لأجل بناء تلك المظال.
وهي جمع مظلَّة، وهي كما في "القاموس" -بالكسر وبالفتح-: الكبير من الأخبية (٣).
وفي معناها حلَق الملاعب من ترقيص القردة وما معها، والتمويه بالسيمياء، والشعبذة، والملابخة بالعصي ونحوها دون المصارعة لثبوتها في السنَّة، ولأنَّها في الغالب على السلامة.
وروى ابن أبي شيبة عن الضحاك بن قيس رحمه الله تعالى قال: اذكروا الله في الرخاء يذكرْكم في الشدَّة؛ فإن يونس ﵇ كان عبدًا صالحًا ذاكرًا لله تعالى، فلما وقع في بطن الحوت قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤]، وأنَّ فرعون كان عبدًا طاغياً ناسياً، فلما أدركه الغرق قال: ﴿قَالَ آمَنْتُ
стр. 3682
أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١] (١).
أشار الضحاك إلى انتفاع يونس ﵇ بسالف إحسانه بذكر الله تعالى، واستضرار فرعون بسالف سيئه تهييجًا إلى المبادرة بالإحسان, والأعمال الناشئة عن ذكر الله تعالى قبل نزول البلاء خشية من نزوله بالعبد وهو في غفلته، فلا يمكنه التدارك، ولا ينفعه العمل حينئذ، ولا بلاءً أشد من وقوع بوادر الموت والعبد على غير أُهْبَةٍ.
وقد قال الحسن رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الصافات: ١٤٣، ١٤٤]: لتعلم والله أن التضرع في الرخاء استعداد لنزول البلاء، ويجد صاحبه مشتكى إذا نزل به، وأن سالف السيئة يُلحق صاحبها وإن قدمت. رواه عبد بن حميد (٢).
ومن هنا قال رسولُ اللهِ ﷺ : "بَادرُوا بِالأَعْمَالِ سَبْعاً؛ مَا تَنْتَظِرُوْنَ إلَّا فَقْرًا مُنْسِيًا، أَوْ غِنًى مُطْغِيًا، أَوْ مَرَضًا مُفْسِدًا، أَوْ هَرَمًا مُفنِّدًا، أَوْ مَوْتًا مجهِزًا، أَوِ الدَّجَّالَ؛ فَإِنَّهُ شَرُّ مُنتظَرٍ، أَوِ السَّاعَةَ؛ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ". رواه الترمذي، والحاكم، وصححه (٣).
وبعض هذه الأمور - وإن لم يكن مانعًا من قبول التوبة كالغنى
стр. 3683
والفقر - فإنه قد يكون شاغلاً عن الإتيان بها؛ ألا ترى أنَّ الغني كثيرًا ما يشغله إصلاح ماله، والفقير كثيرًا ما يشغله طلب ما يحتاج إليه؟ فيسوِّفُ العبد بالتوبة والعمل الصالح من وقت إلى وقت رجاء الفراغ، فلا يحس بنفسه إلا وقد وقع في محذوره. وفي حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ : "بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ هَرَمًا نَاغِضًا، وَمَوْتًا خَالِسًا، وَمَرَضًا حَاِبسًا، وَتَسوِيْفًا مُؤيِسًا". أخرجه البيهقي في "الشعب" (١).
وحين وقوع هذه الأمور بالعبد، أو بعضها فيمنعه [أن] ينتفع بما سبق له قبل ذلك من الإحسان, وأما إذا لم يسبق له فإنه تشتد حسرته ويظهر حسارته، ولا ينفعه التدارك كما لو غص بالموت وغرغر بالروح، وفي مثل هذه الحالة كان فرعون حين أدركه الغرق فقال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠]، فقيل له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١].
وسبق قول جبريل للنبي ﷺ . يا محمَّد! فلو رأيتني وأنا آخذ من حال البحر فأدنيه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة.
وحال البحر الطين الأسود الذي يكون في أرضه.
وإنما كان ذلك من جبريل ﵇ تنفيذاً لما سبق في علم الله من شقاوة فرعون، وكان فرعون همَّ أن يقول تلك الكلمة قبل أن يلجمه الغرق فيغرغر بالموت؛ فإن قول كلمة الشهادة قبل الغرغرة ينفع.
стр. 3684
وقال بعض العلماء: إنما لم يقبل إيمانه لأنَّه قلد بني إسرائيل من غير جزم بما لله تعالى من الصفات التي لا بدَّ من التصديق بها, ولو قال: لا إله إلا الله جازمًا بها لنفعه، لاشتماله على ذلك.
قلت: ويدل لهذا القول ما رواه الترمذي وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ ذكر: "أنَّ جبرِيلَ ﵇ جعل يَدُسُّ في فيِّ فِرعونَ الطينَ خَشيَةَ أن يقولَ: لا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ فَيَرحَمَهُ اللهُ" (١).
وإجماع الأمة إلا من شذ أن فرعون مات على الكفر، وأنه خالد مخلد في النار.
وروى ابن عدي في "الكامل"، والطبراني في "الكبير"، واللالكائي في "السنة" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "خَلَقَ اللهُ تَعَالَى يَحْيَى بنَ زكَرِيَّا في بَطْنِ أُمِّهِ مُؤْمِنًا، وَخَلَقَ اللهُ فِرْعَوْنَ في بَطْنِ أُمِّهِ كَافِرًا" (٢).
٢٦ - ومن أخلاق فرعون وقومه: كفران نعم الله تعالى، وهو أشدهم كفرانا .
ذكر القرطبي عن عبد الله بن عمرو، وابن عباس، وكعب ﵃:
стр. 3685
أن الله تعالى أمسك نيل مصر عن الجريان في زمان فرعون، فقالت له القبط: إن كنت رباً فأجر لنا الماء.
فركب وأمر بجنوده قائداً قائداً، وجعلوا يقفون على درجاتهم، وقعد حيث لا يرونه، ونزل عن دابته، ولبس ثياباً له أخرى، وسجد وتضرع إلى الله تعالى، فأجرى الله له الماء، فأتاه جبريل ﵇ وهو وحده في هيئة مُسْتَفْتٍ، فقال: ما يقول الأمير في رجل له عبد قد نشأ في نعمته لا سيد له غيره، فكفر نعمه وجحد حقه، وادعى السيادة دونه؟
فكتب فرعون: يقول أبو العباس الوليد بن مصعب بن الريان: جزاؤه أن يغرق في البحر.
فأخذه جبريل ومر، فلما أدركه الغرق ناوله جبريل خطه (١).
وكفران النعمة -سواء كانت النعمة من الله تعالى، أو من غيره، وكلها سواء، نعمة من نعمه مذمومٌ مؤاخذ به، ومرتكبه متعرض به للنقمة ولو بزوال تلك النعمة.
وفي الحديث "ثَلاثٌ مُتَعَلِّقَاتٌ بِالْعَرْشِ؛ الرَّحِمُ تَقُوْلُ: اللهُمَّ إِنِّي لَكَ فَلا أُقْطَعُ، وَالأَمَانَةُ تَقُوْلُ: اللهُمَّ إِنِّي لَكَ فَلا أُخَانُ، وَالنِّعْمَةُ تَقُوْلُ: اللهُمَّ إِنِّي لَكَ فَلا أكْفَرُ". رواه البزار من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه مرفوعًا (٢).
стр. 3686
٢٧ - ومنها: نكث العهود، وعدم الوفاء بالنذر .
قال الله تعالى حكاية عن فرعون وقومه: ﴿قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٤، ١٣٥].
قال السدي: ينكثون ما أعطوا من العهود. أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١).
وروى أبو الشيخ في "مسنده"، وابن مردويه، والخطيب في "التاريخ" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ فَهْيَ رَاجِعَةٌ عَلَى صَاحِبِهَا: البَغْيُ، وَالمَكْرُ، وَالنَّكثُ" (٢).
وقد أثنى الله تعالى على أبرار هذه الأمة بقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ [الإنسان: ٧].
ومن اللطائف ما أخرجه المعافى بن زكريا في "الجليس والأنيس" عن أبي بكر الهذلي: أنَّ أبا العباس الخليفة سألهم عن يهودية مرضت،
стр. 3687
فنذرت في مرضها: إنِ اللهُ سلَّمها لتسرجن في كنيسة من كنائس اليهود، ولتطعمن مساكين من مساكينهم.
قال: فقامت من مرضها وقد أسلمت.
قال: فسكت القوم، فقلت: يا أمير المؤمنين! سألت عنها الحسن ابن أبي الحسين، فقال: تسرج في مسجد من مساجد المسلمين، وتطعم مساكين من مساكينهم.
وسالت قتادة وهو إلى جانبه، فقال مثل مقالة الحسن.
فلقيت محمَّد بن سيرين، فسألته عن ذلك، فقال: ليس عليها شيء؛ هدم الإِسلام ما كان قبله.
فلقيت الشعبي، فسألته عن ذلك وأخبرته بما قال الحسن وقتادة، فقال لي: فأين أنت عن الأصم ابن سيرين؟
فقلت له: قد سألته عن ذلك، فقال: ليس عليها شيء هدم الإِسلام ما قبله.
فقال: أصاب الأصم، وأخطأ الحسن وقتادة (١).
٢٨ - ومن أخلاق فرعون: الْمَنُّ بما تقدم من الإحسان .
ألا ترى إلى قوله لموسى ﵇ حين بلغه إرساله إليه: ﴿أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ [الشعراء: ١٨، ١٩]، أي: لإحساننا إليك وإنعامنا عليك.
стр. 3688
قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى في الآية: مَنَّ فرعون على موسى حين رباه بقوله: كفرت نعمتي. رواه ابن أبي حاتم (١).
والمن لا يليق إلا بالله ، وهو من المُكلف من أشد الحرام، وهو خلق من أخلاق اللئام.
وقال الله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤].
قيل: المن: أن يستخدمه بالعطاء، والأذى: أن يعيره بالفقر.
وإنما أراد فرعون تقريع موسى واستخدامه بنعمته، ومن ثم قال: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٢٢]، فأشار إلى أن فرعون جمع بين المن والأذى؛ وأي أذية أعظم من إهانة قومه واسترقاق حَيِّه؟
٢٩ - ومن أخلاق فرعون وقومه: الأشر، والبطر، والعجب ، والأمن من مكر الله تعالى، والاستخفاف بآياته؛ وكلها عظائم.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٦) فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨) وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠) وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَاقَوْمِ أَلَيْسَ
стр. 3689
لِي مُلْكُ مِصْرَ﴾ [الزخرف: ٤٦ - ٥١] الآية.
وهذه الآيات تدل على اتصاف فرعون بما ذكرناه.
وقولهم: ﴿يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ يدل على أنهم كانوا في أعلى طبقات الحماقة؛ إذ أساءوا في خطابه، وأفحشوا في سبابه وهم يطلبون منه أن يدعو لهم.
أو هو محمول على الاستخفاف به والتهكم عليه، وما كانوا يعتقدون فيه أنه مستجاب الدعوة.
أو كانوا يرون أن السحر فضيلة والوصف به مدحة.
وكل ذلك يدل على خبث طويتهم، وقوة شكيمتهم، وعومهم في بحابح الجهل.
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أن الله تعالى لما بعث موسى ﵇ إلى فرعون قال له: أنت جند عظيم من جنودي، بعثتك إلى خلق ضعيف من خلقي بطر نعمتي، وأمن مكري، وغرته الدنيا عني حتى جحد حقي، وأنكر ربوبيتي، وعبد دوني، وزعم أنه لا يعرفني، وإني أقسم بعزتي! لولا العذر والحجة اللتان وضعت بيني وبين خلقي لبطشت به بطشة جبار يغضب لغضبه السموات والأرض، والجبال والبحار؛ فإن أمرت السماء حصبته، وإن أمرت الأرض ابتلعته، وإن أمرت الجبال دمرته، وإن أمرت البحار غرقته، ولكنه هان علي وسقط من عيني، ووسعه حلمي، واستغنيت بما
стр. 3690
عندي، وحق لي أني أنا الغني لا غني غيري، فبلِّغْه رسالاتي، وادْعُه إلى عبادتي وتوحيدي وإخلاصي، وحذِّرْه نقمتي وبأسي، وأخبره أنه لا يقوم شيء لغضبي، وقيل له فيما بين ذلك قولًا لينا لعله يتذكر أو يخشى، وأخبره أنِّي إلى العفو والمغفرة أسرع مني إلى الغضب والعقوبة، ولا يروعنك ما ألبسته من لباس الدنيا؛ فإن ناصيته بيدي، ليس يطرف ولا ينطق ولا يتنفس إلا بإذني، قل له: أجب ذلك؛ فإنه واسع المغفرة، فإنه قد أمهلك أربعمئة سنة، وفي كلها أنت مبارز لمحاربته، تشبه وتمثل به، وتصد عباده عن سبيله، وهو يمطر عليك السماء، وينبت لك الأرض، لم تسقم، ولم تهرم، ولم تفتقر، ولم تغلب.
قال: وجاهده بنفسك وأخيك، وأنتما محتسبان بجهاده؛ فإني لو شئت أن آتيه بجنود لا قبل له بها لفعلت، ولكن ليعلم هذا العبد الضعيف الذي قد أعجبته نفسه وجموعه أن الفئة القليلة -ولا قليل مني- تغلب الفئة الكثيرة بإذن الله، ولا تعجبكما زينته ولا ما متع به، ولا تمُدَّا إلى ذلك أعينكما؛ فإنها زهرة الحياة الدنيا وزينة المترفين، وإني لو شئت أن أزينكما من الدنيا بزينة يعلم فرعون حين ينظر إليها أن مقدرته تعجز عن مثل ما أوتيتما فعلت، ولكن أرغب بكما عن ذلك، وأزويه عنكما، وكذلك أفعل بأوليائي، وقديمًا ما خرت لهم في ذلك؛ فإني لأذودهم عن نعيمها ورخائها كما يذود الراعي الشفيق إبله عن مواقع الهَلَكة، وإني لأجنبهم سلوتها وعيشها كما يجنب الراعي الشفيق إبله عن مبارك العمرة؛ وما ذاك لهوانهم عليَّ، ولكن ليستكملوا نصيبهم من كرامتي
стр. 3691
سالماً موفرًا لم تملكه الدنيا, ولم يُطْغِه الهوى (١).
* تنبِيْهٌ:
الوزير ركن عظيم للولاية ليكون واسطة بين الوالي والرعية، ومن ثم قالوا: ينبغي أن يكون الوزير ذا عقل يوازن عقل الملك وعقول الرعية ليأخذ منه، ويؤدي إليه ما ينفعهم.
وكان هارون ﵇ بهذه الصفة.
وإذا كان الوزير ناصحاً أمينًا يشرك مستوزره في خيره؛ ألا ترى كيف شرك الله بين موسى وهارون في الخير والنبوة؟ وكان ذلك بدعاء موسى ﵉.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٢، ٣٣] الآية: نبئ هارون ساعتئذ حين نبئ موسى ﵉.
وقال عروة: إن عائشة رضي الله تعالى عنها سمعت رجلًا يقول: إني لأدري أيَّ أخ كان في الدنيا أنفع لأخيه من موسى حين سأل لأخيه النبوة؟ فقالت: صدق والله. أخرجه ابن أبي حاتم (٢).
وروى ابن المنذر عن ابن عباس قال: كان هارون أكبر من موسى ﵉ (٣).
стр. 3692
وروى الحاكم عن وهب قال: كان هارون فصيحًا بيِّنَ المنطق، يتكلم في تؤدة، ويقول بعلم وحلم، وكان أطول من موسى طولًا، وكبرهما في السن, وأكثرهما لحما، وأبيضهما جسمًا، وأعظمهما ألواحًا، وكان موسى ﵇ جعدًا، آدم، طوالًا كأنه من رجال شنوءة (١).
وأين وزارة هارون لموسى ﵉ من وزارة هامان لفرعون عليهما اللعنة؛ فإن هامان كان من أغش الوزراء لأمرائها، وأظلمهم لنفسه وللرعية، بل هو أظلم من فرعون لأنه كان يظلم لغيره.
وكل وزير ظالم غاش فهو متشبه بهامان، فكيفما أشار على أميره بما يبعده عن الخير والقرب إلى الله تعالى فهو على أخلاق هامانية، وكم من ملك أو إمارة كان سبب تكونه وزواله وزراءُ السوء.
وقد روى ابن أبي حاتم عن السدي في قوله: ﴿فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى﴾ [النازعات: ١٨] قال: قال موسى: يا فرعون! هل لك في أن أعطيك شبابك فلا تهرم، وملكك لا ينزع منك، وترد إليك لذة المناكح، والمشارب والمطاعم، والركوب، وإذا مت دخلت الجنة، وتؤمن بي؟
فوقعت في نفسه هذه الكلمات، وهي اللينات؛ قال: كما أنت حتى يأتي هامان.
فلما جاء هامان أخبره، فعجزَه هامان، وقال: تصير عبدًا تَعْبُدُ
стр. 3693
بعد أن كنت ربًا تُعْبَدُ؟
فذلك حين خرج عليهم وجمعهم، فقال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤] (١).
وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِذَا أَرَادَ اللهُ بِالأَمِيرِ خَيْرًا جَعَلَ لَهُ وَزيرَ صِدْقٍ؛ إِنْ نسِيَ ذَكَّرَهُ، وإنْ ذَكَرَ أَعَانه، وإِذَا أَرَادَ اللهُ بِهِ غَيْرَ ذَلِكَ جَعَلَ لَهُ وَزِيْرَ سُوْءٍ؛ إِنْ نسِيَ لَمْ يُذَكِّرْهُ، وإنْ ذَكَرَ لَمْ يُعِنْهُ". رواه أبو داود، وابن حبان (٢).
وقوله: "إن نسي، وإن ذكر"، أي: إن نسي الله، وإن ذكره، أو إن ذَكَرَ خيراً، أو: ما ينفعه، أو ما فيه مصلحة.
وروى النسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال. قال رسول الله ﷺ : "مَا مِنْ وَالٍ إِلاَّ لَهُ بِطَانتَانِ: بِطَانةٌ تأمُرُهُ بِالمَعْرُوْفِ وَتَنْهَاهُ عَنِ المُنْكَرِ، وَبِطَانةٌ لا تألُوهُ خَبَالاً؛ فَمَنْ وُقِيَ شَرَّهَا فَقَدْ وُقِيَ، وَهْوَ إِلَى مَنْ يَغْلِبُ عَلَيْهِ مِنْهُمَا" (٣).
وهذا -وإن كان بتيسير الله تعالى لإرادته الخير أو الشر بالأمير كما يدل عليه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها- إلا أن للعبد فيه اختياراً، ومن ثم نهى الله تعالى عنه، عليه.
стр. 3694
قال الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾؛ أي: من غير أبناء جنسكم من المؤمنين ﴿لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ [آل عمران: ١١٨]؛ أي: عَنتكم، وهو الضرر والمشقة، وأصلهما: انهياض العظم بعد جبره.
والبطانة: مَنْ كان محل المشاورة والسر من وزير وكاتب وغيرهما؛ استعير من بطانة الثوب كما يقال: فلان شعاري.
ومن هنا: لا يجوز أن يستوزر أهل الذمة، ولا يتخذ منهم كاتب ولا عامل -وإن كان عمل أمراء الوقت على خلاف ذلك- فإنَّا لله وإنا إليه راجعون.
وقد قال الحسن رحمه الله تعالى: معنى حديث أنس مرفوعًا: "لا تَسْتَضيْئوا بِنارِ الْمُشْرِكِيْنَ" (١): لا تستشيروا المشركين في شيء من أموركم.
قال الحسن: وتصديق ذلك في كتاب الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ﴾ [آل عمران: ١١٨]، أخرج البيهقي في "الشعب" (٢).
وروى ابن أبي شيبة، وغيره: أن عمر بن الخطاب ﵁ قيل له: إن هنا غلاما من أهل الحيرة حافظاً كاتبا، فلو اتخذته كاتباً.
стр. 3695
قال: قد اتخذت إذاً بطانة من دون المؤمنين (١).
وقد حكي أن الحاكم العبيدي -قبحه الله تعالى- أقام لهم وزيرين؛ أحدهما يهودي، والآخر نصراني، فجعلا يحكمان في المسلمين، فكتب شخص رقعة ورفعها إليه، وفيها: بالذي أعز اليهود بوزيرك فلان، والنصارى بوزيرك فلان، وأذل المسلمين بك! إلا رفعت هذه المظلمة.
فطلب الوزيرين، وقتلهما في الحال، واستوزر مسلما (٢).
وصحح الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً مِنْ عِصَابَةٍ وَفِيْهِمْ مَنْ هُوَ أَرْضَى لِلَّهِ مِنْهُ فَقَدْ خَانَ الله وَرَسُوْلَهُ وَالمُؤْمِنِيْنَ" (٣).
وصحح أيضًا - وأصله عند الإِمام أحمد - عن يزيد بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه قال: قال لي أبو بكر الصديق ﵁ حين بعثني إلى الشام: يا يزيد! إن لك قرابة عسيت أن تؤثرهم بالإمارة، وذاك أكبر ما أخاف عليك بعد ما قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ وَليَ مِنْ أَمْرِ المُسْلِمِيْنَ
стр. 3696
شَيْئًا فَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَحَداً مُحَافَاةً فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللهِ، وَلا يَقْبَلُ اللهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلا عَدْلاً حَتَّى يَدْخُلَ جَهَنَّمَ" (١).
وقد اكتفيت بما هنا عن عقد باب في النهي عن التشبه بهامان وبوزراء السوء.
وقد كان هامان وضيعاً، وهو عند الأكثرين قبطي.
وروى ابن أبي حاتم عن مجاهد: أن هامان كان فارسيا من أهل إصطخر.
وروى ابن عبد الحكم في "فتوح مصر" عن خالد بن عبد الله عن من حدثه: أنه كان نبطياً -أي: بالنون-، والأنباط من رذائل الناس (٢).
وقيل كان من العماليق.
٣٠ - ومن أعمال فرعون وقومه: منع الناس من الصلاة في المساجد ، وتخريبها، والمنع من ذكر الله فيها، وذلك من أشد ما يكون.
قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا
стр. 3697
وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ [يونس: ٨٧].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وأكثر المفسرين: كان بنوا إسرائيل لا يُصلُّون إلا في مساجدهم وكنائسهم، وكانت ظاهرة، فلما أرسل موسى ﵇ أمر فرعون بمساجد بني إسرائيل فخُرِّبت كلها، ومنعهم من الصلاة، فأمروا أن يتخذوا مساجدهم في بيوتهم، ويصلوا فيها خوفا من فرعون. نقله الثعلبي، وغيره (١).
٣١ - ومنها: الغفلة عن ذكر الله تعالى، وعن آياته، وترك التَّفكر فيها .
قال الله تعالى: ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٦].
أي: كان إغراقهم بسبب تكذيبهم بآيات الله، وترك تفكرهم فيها حتى غفلوا عنها.
روى الطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسولُ ﷺ : "الغَفْلَةُ في ثَلاثٍ؛ عَنْ ذِكْرِ اللهِ، وَحِيْنَ يُصَلَّى الصُّبْح إِلَى طُلُوْعِ الشَّمْسِ، وَغَفْلَةُ الرَّجُلِ عَنْ نَفْسِهِ في الدَّيْنِ حَتَّى يَرْكَبَهُ" (٢).
стр. 3698
وقوله: "الغَفْلَةُ"؛ أي: البالغة المحذورة، أو التي يُهتم بالحذر منها.
٣٢ - ومنها: الإصرار على المعاصي، وعدم الاتعاظ بآيات الله ، وترك التضرع عند نزول النبلاء، والاستكانة، والتجلد على قضاء الله تعالى.
قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٠]؛ أي: فلم يتذكروا أنه تنبيه من الله تعالى.
بل حالهم كما قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (١٣٣) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ﴾ [الأعراف: ١٣١ - ١٣٥].
وهذا غاية ما يكون في الإصرار.
قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا
стр. 3699
آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ﴾: الجوع (١).
قال قتادة: عامًا فعامًا، وكان الجوع في باديتهم وأهل مواشيهم.
﴿وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ١٣٠]: في أمصارهم وقراهم (٢).
وقال رجاء بن حيوة: حتى كانت لا تحمل النخلة إلا بُسْرًا واحدة. أخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وغيرهما (٣).
وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أخذ الله آل فرعون بالسنين يَبس كل شيء لهم، وذهبت مواشيهم حتى يَبس نيل مصر، واجتمعوا إلى فرعون فقالوا له: إن كنت كما تزعم فأتنا في نيل مصر بماء.
قال: غدوة يصبحكم الماء.
فلما خرجوا من عنده قال: أي شيء صنعت؟ أنا أقدر أن أجري في نيل مصر ماء؟ غدوة أصبح فيكذبوني.
فلما كان في جوف الليل قام واغتسل، ولبس مدرعة صوف، ثم خرج حافياً حتى أتى نيل مصر، فقام في بطنه، فقال: اللهم! إنك تعلم
стр. 3700
أني أعلم أنك تقدر على أن تملأ نيل مصر ماء، فاملأه ماءً.
فما علم إلا بخرير الماء مقبل، فخرج وأقبل النيل يزخ بالماء لما أراد الله لهم من الهلكة (١)؛ أي: من هلاكهم باعتقاد أن فرعون هو الذي أجراه لهم.
وفي هذه القصة أن الخارق قد يظهر على يد الكاذب لأجل فتنته أو فتنة غيره، والله يفعل ما يشاء في ملكه، وليس في ذلك كرامته، بل إنهاؤه إلى حضيض ضلالته المقدرة له؛ إذ الفرق بين الكرامة والفتنة: أن الخارق إن اقترن بالطاعة فإما أن يكون مع التحدي، وهو دعوى النبوة وهو المعجزة، أو لا، وهو الكرامة.
وإن اقترن بالمعاصي والعظائم فهو إما فتنة واستدراج، وإما سحر، وهو من جملة الفتنة.
ومن هذا القبيل ما يتفق للظلمة والخوارج من التمكين والنصرة، وفتح الكنوز، وتسخير الناس، وغير ذلك، ثم يؤُول أمرهم إلى الهلاك والدمار، وخراب الديار كما وقع لفرعون.
ومن أعجب ما وقع له ولقومه أنَّ الله تعالى عذبهم بالماء نضوبًا، وعذبهم به طوفانا على ما ستعلم.
قال ابن عباس، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن إسحاق -على ما نقله الثعلبي وغيره-: لما آمنت السحرة لموسى ﵇ رجع فرعون
стр. 3701
مغلوباً، ثم أبى هو وقومه إلا الإقامة على الكفر، والتمادي في الشر، فتابع الله تعالى عليهم الآيات، وأخذهم بالسنين، ونقص من الثمرات، ولم يؤمنوا، وقال موسى ﵇: يا رب! إنَّ عبدك فرعون علا في الأرض، وبغى وعتا، بن قومه قد نقضوا عهدك، وأخلفوا وعدك، فخذهم بعقوبة تجعلها لهم نقمة، ولقومي عظة، ولمن بعدهم من الأمم الباقية آية وعبرة، فبعث الله عليهم الطوفان (١).
روى ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "الطُّوْفَانُ المَوْتُ" (٢).
وروى أبو الشيخ عن ابن عباس ﵄ قال: الطوفان الغرق (٣).
وروى هو وابن أبي حاتم عنه قال: أرسل الله على قوم فرعون الطوفان، وهو المطر (٤).
قال: أرسل الله عليهم السماء حتى كادوا أن يهلكوا، وبيوت بني إسرائيل وبيوت القبط مشتبكة، فامتلأت بيوت القبط حتى قاموا في الماء إلى تراقيهم، ولم يدخل بيوت بنو إسرائيل من الماء قطرة، وفاض الماء على أراضيهم فمنعهم من الحرث والعمل، ودام ذلك عليهم سبعة
стр. 3702
أيام من السبت إلى السبت، فقالوا لموسى ﵇: ادع لنا ربك يكشف عنا المطر لنؤمن لك ونرسل معك بني إسرائيل.
فدعا ربه، فرفع عنهم الطوفان، فلم يؤمنوا ولم يرسلوا معه بني إسرائيل، وعادوا شراً مما كانوا، وأنبت الله لهم شيئًا لم ينبته قبل ذلك، فقالوا: هذا ما كنا نتمنى، وما كان هذا إلا نعمة علينا وخصبا.
فأقاموا شهرًا في عافية، فبعث الله عليهم الجراد، فأكلت عامة زروعهم وثمارهم، وأوراق الشجر، حتى كانت تأكل الأمتعة والثياب، والسقوف والأبواب حتى خربت بيوتهم.
قال عطاء رحمه الله تعالى: بلغني أنَّ الجراد لما سلط على القبط أكل أبوابهم حتى أكل مساميرهم. رواه أبو الشيخ (١).
قالوا: وابتلى الجراد بالجوع، فجعل لا يشبع، غير أنَّه لم يدخل بيوت بني إسرائيل، ولم يصبهم منه شيء، فعجوا وضجوا إلى موسى ﵇، وعاهدوه على الإيمان إن كشف الله تعالى ذلك عنهم، فدعا موسى ﵇، فكشف الله تعالى عنهم الجراد بعد ما أقام عليهم سبعة أيام، وكانت قد بقيت من زروعهم وغلاَّتهم بقية، فقالوا: قد بقي لنا ما هو كافينا، فما نحن بتاركي ديننا، وعادوا إلى أعمالهم السوء، فأقاموا شهرًا في عافية، ثم بعث الله تعالى عليهم القُمَّلَ، وهو السوس الذي يكون في الحنطة. رواه ابن جرير، وابن المنذر عن سعيد
стр. 3703
ابن جبير (١).
وكان أحدهم يخرج عشرة أقفزة إلى الرحا، فلا يرد منها ثلاثة أقفزة.
وقيل: هو الْجُعل. رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن حبيب بن أبي ثابت (٢).
وقيل: صغار الجراد، وهو الدبا الذي لا أجنحة له. رواه أبو الشيخ عن عكرمة (٣).
وقرأ الحسن: القَمْلَ -بفتح القاف، وإسكان الميم-.
وروى ابن أبي حاتم عنه أنه فسره به (٤).
وقيل: هو البراغيث. رواه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن ابن زيد، عن بعضهم (٥).
وقيل: نوع من القراد.
قيل: أمر الله تعالى موسى ﵇ أن يمشي إلى كثيب أعفر بقرية يُقال لها: عين شمس، فمشى إليه، وضربه بعصاه، فانثال عليهم،
стр. 3704
فملأ، فتتبع ما بقي من زروعهم وأشجارهم فأكله، ولحس الأرض كلها، وكان يدخل بين ثوب أحدهم وجلده، ويأكل أحدهم فيمتلئ طعامه قملاً، وأخذ القمل شعورهم وحواجبهم وجفونهم، ولزم جلودهم كأنَّه الجدري، ومنعهم النوم والقرار، فاستغاثوا بموسى ﵇، فدعا لهم، فكشف الله تعالى البلاء عنهم بعد ما أقام عليهم سبعة أيام، فنكثوا، وعادوا لأخبث أعمالهم، وقالوا: ما كنَّا أحق أن نستيقن به ساحراً منَّا اليوم؛ يجعل الكثيب دوابًا! وعزة فرعون لا نصدقه أبدًا، ولا نتبعه.
فأرسل الله تعالى عليهم الضفادع بعد ما أقاموا شهرًا في عافية، فدخلت عليهم دورهم، وامتلأت منها أفنيتهم وأطعمتهم، وكان أحدهم يجلس في الضفادع إلى ذقنه، ويضطجع فتكون عليه ركامًا، ويفتح فاه لأكلته فتسبق الضفاع لقمته، ولا يعجن عجينا إلا شدخت فيه، ولا يطبخ قدراً إلا امتلأت ضفادع (١).
روى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت الضفادع برِّية، فلما أرسلها الله تعالى على آل فرعون سمعت وأطاعت، فجعلت تقذف بنفسها في القدور وهي تغلي، وفي التنانير وهي تفور، فأثابها الله بحسن طاعتها برد الماء -وفي رواية: والثرى- إلى يوم القيامة (٢).
стр. 3705
ورواه ابن أبي حاتم بنحوه عن ابن عمرو، وقال: فأبدلهنَّ الله تعالى أبرد شيء نعلمه؛ الماء، وجعل نقيقهنَّ تسبيحاً (١).
قالوا: فلما رأوا ذلك بكوا وشكوا إلى موسى، وقالوا: هذه المرة نتوب ولا نعود، فدعا ربه، فكشف عنهم الضفادع بعد ما أقامت عليهم سبعة أيام، فأقاموا شهرًا في عافية، ونقضوا العهد، وعادوا لكفرهم، فدعا عليهم موسى ﵇، فأرسل الله تعالى عليهم الدم.
قال زيد بن أسلم: وهو الرعاف. رواه ابن جرير وابن أبي حاتم (٢).
وقال سعيد بن جبير: الطاعون (٣).
وقال الأكثرون: سأل النيل عليهم دمًا، وصارت مياههم كلها دماً عبيطاً، وكان فرعون يجمع بين القبطي والإسرائيلي على الإناء الواحد، فيكون ما يلي الإسرائيلي ماء، وما يلي القبطي دماً، حتى إن المرأة من القبط كانت تقول للمرأة من بني إسرائيل: اسقيني من مائك، فتصب لها من القربة أو الجرة، فيعود الماء دماً، وكانت تقول لها: اجعليه في فيكِ ومجِّيه في فيَّ، فتأخذ الماء في فيها، فإذا مجته في فيها صار دماً عبيطاً، وهو الرِّجز الذي قال الله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤] الآية (٤).
стр. 3706
وقوله تعالى: ﴿آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ [الأعراف: ١٣٣] حالٌ من مفعولِ: أرسلنا.
قال ابن عباس في قوله: ﴿مُّبَيِّنَاتٍ﴾ (١): بعضها على أثر بعض لتكون الحجة لله عليهم. رواه ابن أبي حاتم (٢).
وعنه: يتبع بعضها بعضا، تمكث فيهم الآية سبتًا إلى سبت، ثم ترتفع عنهم شهرًا. أخرجه ابن المنذر (٣).
فتكون الآيات التسع دون السنة، وهو قول الأكثرين.
وقال زيد بن أسلم رحمه الله تعالى: الآيات التسع في تسع سنين، في كل سنة آية (٤).
وقال نوف الشَّامي: مكث فيهم موسى ﵇ بعد غلب السحرة عشرين سنة يريهم الآيات التسع. أخرجهما ابن أبي حاتم (٥).
وقد يجمع بين هذا وبين ما سبق عن الأكثرين؛ فإنها كانت تتابع فيهم عشرين سنة، كل سنة تتابع مرة في الأسابيع والشهور، وهو أبلغ، فلما تابع الله تعالى عليهم هذه الآيات فلم يؤمنوا، اشتدَّ عليهم غضب الله تعالى آخراً، فأغرقهم كما قال الله تعالى: ﴿فَلَمَّا
стр. 3707
كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٣٥، ١٣٦].
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: اليم: البحر (١).
والمشهور أنه بحر القُلْزُم -كقنفذ-: بلدة بين مصر ومكة قرب جبل الطور، وإليها يضاف البحر لأنها على طرفه، أو لأنَّه يبلع من ركبه.
والقلزمة: الابتلاع كالتقلزم؛ كما ذكره في "القاموس" (٢).
وقيل: بل أغرق فرعون في النيل، وهو اليم كما في قوله تعالى: ﴿فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ [القصص: ٧] (٣).
وقيل: هو بحر وراء مصر يقال له: أساف. حكاها شيخ الإِسلام والدي في "تفسيره" (٤).
وقال الله تعالى حكايته عن فرعون: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤) فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٤ - ٥٦].
стр. 3708
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿آسَفُونَا﴾: أغضبونا (١).
وفي رواية: أسخطونا (٢). رواهما ابن جرير، وابن أبي حاتم.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا﴾: هم قوم فرعون، كفارهم سلف لكفار أمة محمَّد ﷺ .
﴿وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾؛ قال: عبرة لمن بعدهم. رواه ابن جرير (٣). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن محمَّد بن كناسة قال: سمعت عمر بن ذر رحمه الله تعالى يقول: آنسك حلمه فوثبت على معاصيه، أفأسفه تريد؟ أما سمعته يقول: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.
ثم قال: أيها الناس! أجلُّوا مقام الله بالتنزه عما لا يحل؛ فإن الله لا يؤمن إذا عصى (٤).
وروى الشيخان، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الله لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى إِذَا أَخَذهُ لَمْ يُفْلِتْهُ، وقرأ ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى
стр. 3709
وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (١).
وهذه الآية ذكرها الله تعالى بعد أن ذكر الأمم المكذبة من قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه.
وقبلها: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]؛ أي: منها ما يرى مقامه وأثره، ومنها ما عفا أثره ودُرِس.
﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾؛ أي: بارتكاب المعاصي.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾؛ أي: ما قدرت أن تدفع عنهم أو تنفعهم آلهتهم.
﴿الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾؛ أي: نقمته وعذابه.
﴿وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ [هود: ١٠١]؛ أي: تخسير وهلاك.
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٠٢] الآية.
روى ابن جرير عن ابن زيد قال: إن الله تعالى حذر هذه الأمة سطوته بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] (٢).
وروى أبو الشيخ عن أبي عمران الجوني رحمه الله تعالى أنه قال: لا يغرنكم طول النسيئة ولا حسن الطلب؛ فإن أخذه أليم شديد (٣).
стр. 3710
والمعنى -والله أعلم-: وكما أمهل الله هذه الأمم ثم أخذهم فلم يفلتهم، كذلك يملي للظالم ثم يأخذه فلا يفلته، فلا ينبغي الاغترار بالله تعالى.
وروى الإِمام أحمد، وابن أبي حاتم، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه: أَنَّ النَّبِي ﷺ قالَ: "إِذَا رَأَيْتَ الله يُعْطِي العَبْدَ مِنَ الدُّنْيَا مَا يُحِبُّ وَهُوَ مُقِيْمٌ عَلَى مَعَاصِيهِ فَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْهُ اسْتِدرَاجٌ" (١).
زاد ابن أبي حاتم، ثم تلا: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥].
وروى ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن سفيان الثوري رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٢] قال: نسبغ عليهم النعم، وننسيهم الشكر (٢).
وروى أبو الشيخ عن يحيى بن المثنى رحمه الله تعالى في الآية قال: كلما أحدثوا ذنبا جدَّدنا لهم نعمة تنسيهم الاستغفار (٣).
стр. 3711
وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن ثابت البناني رحمه الله تعالى أنه سئل عن الاستدراج فقال؛ هو مكر الله بالعباد المضيعين (١).
ونقل السلمي في "حقائقه"، وغيره: أنه قيل لذي النون رحمه الله تعالى: بِمَ يخدع العبد؟
قال: بالألطاف والكرامات، ثم تلا الآية (٢).
وروى الإِمام عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الحسن قال: كم من مستدرج بالإحسان إليه! وكم من مفتون بالثناء عليه! وكم من مغرور بالستر عليه! (٣).
وروى البيهقي في "الشعب" عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إِذا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ وَابْتَغَيْتَهُ يُسِّرَ لَكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا أَرَدْتَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا وَابْتَغَيْتَهُ عُسِّرَ عَلَيْكَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ، وإِذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ وَابْتَغَيْتَهُ عُسِّرَ عَلَيْكَ، وإِذَا طَلَبْتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا يُسِّرَ لَكَ فَأَنْتَ عَلَى حَالٍ قَبِيْحَة" (٤).
стр. 3712
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأتِي عَلى النَّاسِ زَمَانٌ يَخْلَقُ فِيْهِ القُرْآنُ في قُلُوْبِ الرجَالِ كَمَا تَخْلَقُ الثيَابِ عَلَى الأَبْدَانِ، يَكُوْنُ أَمْرُهُمْ كُلُّهُ طَمَعًا لا خَوْفَ مَعَهُ، إِنْ أَحْسَنَ أَحَدهمْ قَالَ: يُتَقَبَّلُ مِنِّي، وَإِنْ أَسَاءَ قَالَ: يُغْفَرُ لِي" (١).
قلت: والمراد بقوله: يتقبل مني: أن يقول ذلك على سبيل الجزم والثقة من العمل، والاعتماد عليه، فإن قال ذلك على سبيل الرَّجاء والاستبشار مع التَّبرِّي من الحول والقوة فهذا من أخلاق المؤمنين.
روى الطبراني عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنتهُ، وَسَاءَتْهُ سَيْئتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٢).
وروى ابن ماجه، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أَنَّ النَّبِي ﷺ كان يدعُو: "اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِيْنَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا" (٣).
стр. 3713
ولا شك أن الاستغفار يرفع عن العبد الصفات الفرعونية من التمرد والإصرار لأنه يحل عقدة الإصرار كما قال بعض السلف.
وفي الحديث: "مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عَادَ في اليَوْمِ سَبْعِيْنَ مَرَّة". رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مرفوعًا (١).
ويروى موقوفًا عليه، وهو المشهور.
* فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
فلا ينبغي استصغار شيء من خلق الله تعالى إلا من حيث أذن الله في استصغاره؛ فإن الله تعالى إذا سلط أضعف خلقه على أشدهم أهلكه كما سلط البعوض على نمرود فأهلكه بها، وكما سلط الجراد، والقمل، والضفادع على فرعون وقومه.
وقد روى أبو نعيم في "الحلية" عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: بينما موسى ﵇ جالس عند فرعون إذ نَقَّ ضفدع، فقال موسى ﵇: ماذا يصيبكم من هذا؟
فقالوا: وما عسى أن يكون هذا وأذاه؟
قال: فأرسل الله عليهم الضفادع (٢).
стр. 3714
قلت: ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧، ٤٨]؛ أي: يتوبون.
* فائِدَةٌ أُخْرَى:
في هذه الآية دليل وبرهان، وبيان -وأَيُّ بيانٍ- على أن الله تعالى ليس بعد كرمه كرم، ولا بعد حلمه حلم؛ كيف كان فرعون وقومه يتمادون في التمرد والطغيان وهو يعاودهم بالآيات طلبًا لرجوعهم إليه وتوبتهم إليه، فكيف يكون فعله بأوليائه وإن صدرت منهم الزلات وتواترت منهم الغَفَلات، وكيف لا يفهم المؤمن -والمؤمن كيِّسٌ فَطِنٌ- من ذلك أنَّه وإن أبعد المضمار والشرود عن الله تعالى، فإنه متى ما عاد إليه قبله وعفا عن جَفَواته.
وما أحسن ما أنشده الأستاذ أبو القاسم القشيري في "عيون الأسئلة": [من السريع]
ارْجِعْ إِلى الوَصْلِ الّذِي بَيْنَنا ... وَكُلُّ ذَنْبٍ لَكَ مَغْفُورُ
* فائِدَةٌ أخرى ثالِثةٌ:
متى نظر العبد إلى ملك نمرود، وفرعون، وبخت نصَّر، وسائر الجبابرة من كفار وفسَّاق، وما خوّلهم الله فيه، فَهِمَ من ذلك حكمًا بالغة.
منها: أن الملك لا يتوقف على إيمان وتقوى.
стр. 3715
وأنَّ ملك الدنيا إلى زوال، فلا ينبغي الاغترار به ولا الإعجاب به.
وأنَّه ليس من الفضائل، بل من البلايا والرزايا، وهو إلى حمل الأثقال والوبال أقرب منه إلى تحصيل الفضل والأفضال، وربما آل بصاحبه إلى الوبال.
وقد روى ابن أبي حاتم عن الأسود بن يزيد رحمه الله تعالى قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمَّد ﷺ في الخلافة؟
قالت: وما تعجب من ذلك؛ هو سلطان الله يؤتيه البَر والفاجر، وقد مَلَكَ فرعونُ أهلَ مصرَ أربعمئة سنة (١).
وفيه من الحِكَم أنه لا ينبغي للعاقل أن يغتر بما حصل له من ملك الدنيا, ولا يهتم بما فاته منه، وما فاته منه خير مما حصل له.
وإن شئت فاعتبر حال أبي إسحاق إبراهيم بن أدهم رضي الله تعالى عنه؛ أعرض عن ملك بلخ، فاكتسب الشرف الباقي إلى الأبد (٢).
* فائِدَةٌ رابِعَةٌ:
قال قتادة رحمه الله تعالى: كان مع موسى ﵇ -يعني: حين سار بقومه إلى بحر القُلْزُم- ستمئة ألف، واتَّبعهم فرعون على ألف