وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن ثابت البناني رحمه الله تعالى أنه سئل عن الاستدراج فقال؛ هو مكر الله بالعباد المضيعين (١).
ونقل السلمي في "حقائقه"، وغيره: أنه قيل لذي النون رحمه الله تعالى: بِمَ يخدع العبد؟
قال: بالألطاف والكرامات، ثم تلا الآية (٢).
وروى الإِمام عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الحسن قال: كم من مستدرج بالإحسان إليه! وكم من مفتون بالثناء عليه! وكم من مغرور بالستر عليه! (٣).
وروى البيهقي في "الشعب" عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّه قال: "إِذا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ وَابْتَغَيْتَهُ يُسِّرَ لَكَ، وَإِذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا أَرَدْتَ شَيْئًا مِنْ الدُّنْيَا وَابْتَغَيْتَهُ عُسِّرَ عَلَيْكَ فَاعْلَمْ أَنَّكَ عَلَى حَالٍ حَسَنَةٍ، وإِذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ وَابْتَغَيْتَهُ عُسِّرَ عَلَيْكَ، وإِذَا طَلَبْتَ شَيْئًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا يُسِّرَ لَكَ فَأَنْتَ عَلَى حَالٍ قَبِيْحَة" (٤).
стр. 3712
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن معقل بن يسار رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأتِي عَلى النَّاسِ زَمَانٌ يَخْلَقُ فِيْهِ القُرْآنُ في قُلُوْبِ الرجَالِ كَمَا تَخْلَقُ الثيَابِ عَلَى الأَبْدَانِ، يَكُوْنُ أَمْرُهُمْ كُلُّهُ طَمَعًا لا خَوْفَ مَعَهُ، إِنْ أَحْسَنَ أَحَدهمْ قَالَ: يُتَقَبَّلُ مِنِّي، وَإِنْ أَسَاءَ قَالَ: يُغْفَرُ لِي" (١).
قلت: والمراد بقوله: يتقبل مني: أن يقول ذلك على سبيل الجزم والثقة من العمل، والاعتماد عليه، فإن قال ذلك على سبيل الرَّجاء والاستبشار مع التَّبرِّي من الحول والقوة فهذا من أخلاق المؤمنين.
روى الطبراني عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنتهُ، وَسَاءَتْهُ سَيْئتُهُ فَهُوَ مُؤْمِنٌ" (٢).
وروى ابن ماجه، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أَنَّ النَّبِي ﷺ كان يدعُو: "اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِنَ الَّذِيْنَ إِذَا أَحْسَنُوا اسْتَبْشَرُوا، وإِذَا أَسَاءُوا اسْتَغْفَرُوا" (٣).
стр. 3713
ولا شك أن الاستغفار يرفع عن العبد الصفات الفرعونية من التمرد والإصرار لأنه يحل عقدة الإصرار كما قال بعض السلف.
وفي الحديث: "مَا أَصَرَّ مَنِ اسْتَغْفَرَ وإنْ عَادَ في اليَوْمِ سَبْعِيْنَ مَرَّة". رواه أبو داود، والترمذي، وغيرهما من حديث أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مرفوعًا (١).
ويروى موقوفًا عليه، وهو المشهور.
* فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:
قال الله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
فلا ينبغي استصغار شيء من خلق الله تعالى إلا من حيث أذن الله في استصغاره؛ فإن الله تعالى إذا سلط أضعف خلقه على أشدهم أهلكه كما سلط البعوض على نمرود فأهلكه بها، وكما سلط الجراد، والقمل، والضفادع على فرعون وقومه.
وقد روى أبو نعيم في "الحلية" عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: بينما موسى ﵇ جالس عند فرعون إذ نَقَّ ضفدع، فقال موسى ﵇: ماذا يصيبكم من هذا؟
فقالوا: وما عسى أن يكون هذا وأذاه؟
قال: فأرسل الله عليهم الضفادع (٢).
стр. 3714
قلت: ولعل الإشارة إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧) وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الزخرف: ٤٧، ٤٨]؛ أي: يتوبون.
* فائِدَةٌ أُخْرَى:
في هذه الآية دليل وبرهان، وبيان -وأَيُّ بيانٍ- على أن الله تعالى ليس بعد كرمه كرم، ولا بعد حلمه حلم؛ كيف كان فرعون وقومه يتمادون في التمرد والطغيان وهو يعاودهم بالآيات طلبًا لرجوعهم إليه وتوبتهم إليه، فكيف يكون فعله بأوليائه وإن صدرت منهم الزلات وتواترت منهم الغَفَلات، وكيف لا يفهم المؤمن -والمؤمن كيِّسٌ فَطِنٌ- من ذلك أنَّه وإن أبعد المضمار والشرود عن الله تعالى، فإنه متى ما عاد إليه قبله وعفا عن جَفَواته.
وما أحسن ما أنشده الأستاذ أبو القاسم القشيري في "عيون الأسئلة": [من السريع]
ارْجِعْ إِلى الوَصْلِ الّذِي بَيْنَنا ... وَكُلُّ ذَنْبٍ لَكَ مَغْفُورُ
* فائِدَةٌ أخرى ثالِثةٌ:
متى نظر العبد إلى ملك نمرود، وفرعون، وبخت نصَّر، وسائر الجبابرة من كفار وفسَّاق، وما خوّلهم الله فيه، فَهِمَ من ذلك حكمًا بالغة.
منها: أن الملك لا يتوقف على إيمان وتقوى.
стр. 3715
وأنَّ ملك الدنيا إلى زوال، فلا ينبغي الاغترار به ولا الإعجاب به.
وأنَّه ليس من الفضائل، بل من البلايا والرزايا، وهو إلى حمل الأثقال والوبال أقرب منه إلى تحصيل الفضل والأفضال، وربما آل بصاحبه إلى الوبال.
وقد روى ابن أبي حاتم عن الأسود بن يزيد رحمه الله تعالى قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: ألا تعجبين لرجل من الطلقاء ينازع أصحاب محمَّد ﷺ في الخلافة؟
قالت: وما تعجب من ذلك؛ هو سلطان الله يؤتيه البَر والفاجر، وقد مَلَكَ فرعونُ أهلَ مصرَ أربعمئة سنة (١).
وفيه من الحِكَم أنه لا ينبغي للعاقل أن يغتر بما حصل له من ملك الدنيا, ولا يهتم بما فاته منه، وما فاته منه خير مما حصل له.
وإن شئت فاعتبر حال أبي إسحاق إبراهيم بن أدهم رضي الله تعالى عنه؛ أعرض عن ملك بلخ، فاكتسب الشرف الباقي إلى الأبد (٢).
* فائِدَةٌ رابِعَةٌ:
قال قتادة رحمه الله تعالى: كان مع موسى ﵇ -يعني: حين سار بقومه إلى بحر القُلْزُم- ستمئة ألف، واتَّبعهم فرعون على ألف
стр. 3716
ألف ومئتي ألف حصان.
وقال زيد بن أسلم: بلغني أن مقاتلة بني إسرائيل يومئذ ستمئة ألف، وأن مقدمة فرعون كانوا ستمئة ألف على خيل دهمِ سودِ غُر محجَّلة، ليس فيها شية مخالفة لذلك. رواهما الدينوري في "المجالسة" (١).
وروى الفريابي، وابن جرير عن مجاهد في قوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: ٥٤]؛ قال: هم يومئذ ستمئة ألف، ولا يحصى عدد أصحاب فرعون (٢).
وروى ابن مردويه -بإسناد وَاهٍ- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسولُ الله ﷺ : "كَانَ فِرْعَوْنُ عَدُوُّ اللهِ حَيْثُ غَرَّقَهُ اللهُ هُوَ وَأَصْحَابَهُ في سَبْعِيْنَ قَائِدٍ، مَعَ كُل قَائِدٍ سَبْعُونَ ألفًا، وَمُوسَى ﵇ مَعَ سَبْعِيْنَ ألفًا حِيْنَ عَبَرُوا البَحْرَ" (٣).
وهذه الحالة التي أخذ عليها فرعون من القوة والكثرة تقرب إليك أمر الله تعالى، وأن لا يقوم لأمره شيء وإن عَظُم؛ فليكن العبد أشد الناس حذرًا وخوفا من مكر الله تعالى وسطوته.
واعتبر قول الله : ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: ٤١، ٤٢].
وهو الذي إذا انتقم لا يخاف أن يسبق، كما رواه عبد الرزاق،
стр. 3717
وغيره عن قتادة (١).
* فائِدَةٌ خامِسَةٌ:
ثبت في الحديث -على ما سيأتي- أنَّ الله تعالى أَغرق فرعون يوم عاشوراء.
وروى ابن مردويه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سئل رسول الله ﷺ عن الأيام، وسئلَ عن يومِ الأربعاءِ فقالَ: "يَوْمُ نَحْسٍ".
قالوا: كيف ذاك يا رسول الله؟
قال: "غَرَّقَ اللهُ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ، وَأَهْلَكَ عَادًا وَثَمُودًا" (٢)؛ يعني: يوم الأربعاء.
وفي هذا الحديث بيان معنى الحديث الآخر: "يَوْمُ الأَرْبِعاءِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٌّ". أخرجه ابن المنذر، وابن مردويه عن جابر، وعن علي، وعن عائشة رضي الله تعالى عنهم مرفوعًا (٣).
وذلك أنَّه يوم نحس مستمر على الفجَّار، ويوم سعد مستمر على الأخيارة ألا ترى إلى اليوم الذي هلك فيه فرعون نجا فيه موسى وقومه، وكان يوم عاشوراء، ولذلك صامته اليهود شكرًا.
وكان والدي رحمه الله تعالى لا يرى لأموره المهمة أقرب إلى
стр. 3718
اليُمن والبركة من يوم الأربعاء، وهو خلاف ما عليه سفهاء الناس من التطير به -خصوصا آخر أربعاء في الشهر-.
وقد روى وكيع في "الغرر"، والخطيب في "تاريخه" بسند ضعيف، عن ابن عباس الحديث بلفظ: "آخِرُ أَرْبِعَاءَ في الشَّهْرِ يَوْمُ نَحْسٍ مُسْتَمِرٌّ" (١).
* فائِدَةٌ سادِسَةٌ:
قال الله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾ [النازعات: ٢٥]؛ أي: كلمتيه؛ إحداهما قوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨]، والثانية قوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾ [النازعات: ٢٤]؛ أي: جمع الله تعالى له بين النكالين وعاقبه على الذنبين، ولو اعترف له في موضع الآخرة بالربوبية، وأقر له على نفسه بالعبودية، لغفر له الأولى، والإيمان يَجُبُّ ما قبله.
وقد روى ابن عساكر عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ أَحْسَنَ في مَا بَقِيَ غُفِرَ لَهُ مَا مَضَى، وَمَنْ أَسَاءَ فِيْمَا بَقِيَ أُخِذَ بِمَا مَضَى وَمَا بَقِي" (٢).
وروى الإِمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه عن ابن مسعود
стр. 3719
رضي الله تعالى عنه، وابن قانع عن شرحبيل بن حسنة رضي الله تعالى عنه، والبزار عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ أَنَّهُ قال: "مَنْ أَحْسَنَ في الإِسلامِ لَمْ يُؤَاخَذْ بِمَا عَمِلَ في الجَاهِلِيَّةِ، وَمَنْ أَسَاءَ مِنْكُمْ في الإِسْلامِ أُخِذَ بِالأَوَّلِ وَالآخِرِ" (١).
ولعل المراد بالإساءة في الإِسلام: الكفر والرِّدة عنه؛ لأن الإِسلام إذا جبَّ ما قبله فإن المعصية دون الكفر لا تقوى على إعادة ما هدمه الإِسلام.
وأما الردة إذا أقام عليها العبد حتى يلقى ربه فإنه يحبط جميع عمله كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
* فائِدَةٌ سابِعَةٌ:
روى ابن أبي حاتم عن السدي: أنَّ فرعون لما نظر إلى البحر منفلقًا قال: ألا ترون إلى البحر فَرَقَ مني، فانفتح لي حتى أدرك أعدائي فأقتلهم (٢).
فلما قام فرعون على أفواه الطرق التي فتحها الله لبني إسرائيل
стр. 3720
أبت خيله أن تقتحم، فنزل جبريل على ماذيانه، فَتَشَامَتِ الحصين ريح الماذيانة، فاقتحمت في أثرها، حتى إذا هَمَّ أول قوم فرعون أن يخرج ودخل آخرهم، أمر البحر أن يأخذهم، فالتطم عليهم (١).
وروى ابن أبي حاتم عن كعب رحمه الله تعالى: أن الريح الشمال جالت حين أتى فرعون البحر، وتحت جبريل ﵇ فرسٌ وَرِيقٌ، وميكائيل ﵇ يسوقهم لا يشذ منهم شاذ إلا خمسة (٢).
فتأمل غباوة فرعون؛ شهد الخارق الذي رآه في البحر لهيبته، ونشي هيبة الله تعالى، ولم يتفطن لمكره به، وأعظم ما ينزل بالمُصِر المأخوذ على عصيانه وإصراره عليه أن يؤخذ على غِرَّته.
* فائِدَةٌ ثامِنةٌ:
في الحديث: "نُصِرْتُ بِالصَّبا، وَأُهْلِكَتْ عادٌ بِالدبورِ" (٣).
وفي أثر كعب هذا: أن غرق فرعون كان بريح الشمال (٤).
وروى أبو الشيخ في كتاب "العظمة" عن ابن عباس رضي الله
стр. 3721
تعالى عنهما قال: الماء والريح جندان من جنود الله تعالى، والريح جند الله الأعظم (١).
قلت: وقد سخرهما الله تعالى معاً في هلاك فرعون، والله تعالى يسخرها كيف يشاء؛ فيجعلها رحمة، ويجعلها عذاباً، ومن هنا جاء النهي عن سبِّها.
قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول الله ﷺ : "الرّيْحُ مِنْ رَوْحِ اللهِ، تأتِي بِالرَّحْمَةِ وَبِالْعَذَابِ؛ فَلا تَسُبُّوهَا، وَسَلُوا الله مِنْ خَيْرِهَا، وَعُوْذُوا باللهِ مِنْ شَرِّهَا". رواه الإِمام الشافعي، والإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ، وَلا الشَّمْسَ وَلا القَمَرَ، وَلا الرِّيْحَ؛ فَإِنَّهَا تُبْعَثُ عَذَابًا عَلَى قَوْمٍ، وَرَحْمَةً عَلَى آخَرِيْنَ" (٣).
стр. 3722
* فائِدَةٌ تاسعَةٌ:
قال الله تعالى مخاطبا لفرعون عند غرقه: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾ [يونس: ٩٢].
يحتمل أن يكون قد قال له ذلك قبل خروج روحه، فيكون على سبيل الاستهزاء به وإطماعه في النجاة زيادة في عذابه، فلما طمع في النجاة قيل له: ﴿بِبَدَنِكَ﴾، فآيسه من النجاة.
ويحتمل أن يكون إنما قيل له ذلك بعد موته، فيكون على حد قوله ﷺ لقتلى بدر: "وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبى حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبُّكُمْ حَقًا" (١).
والعرب تنادي الموتى، والطلول، والديار على وجه التدله، والتذكرة، والإنذار، والاعتبار.
وقوله: ﴿لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً﴾؛ يعني: بني إسرائيل، أو إياهم وغيرهم ليصدقوا بموته.
قال مجاهد: كذَّب بعض بني إسرائيل بموت فرعون، فَألقِي على ساحل البحر حتى يراه بنو إسرائيل أحمر قصيراً كأنه ثور. رواه المفسرون، وابن الأنباري في "المصاحف" (٢).
стр. 3723
أو ليعتبروا ببدن ملقى حقيراً لا حراك به، ولا أمر ولا نهي له بعد ما كان متحركاً، أمَّاراً نهَّاءً، جبَّاراً عنيداً.
قال محمد بن كعب رحمه الله تعالى في قوله: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ [يونس: ٩٢] قال: بدرعك.
قال: وكانت درعهم من لؤلؤ يلاقي فيها الحروب. رواه ابن الأنباري (١).
ولا شك أن المتمادي في ظلمه إذا طالت أيامه وغشمه فيها، ثم مات استبعد كثير من الناس موته حتى لا يصدقوا الخبر به، فلا يذهب ذلك عنه إلا المعاينة؛ فإن فيه ما ليس في الخبر من اليقين.
وإطلاق النجاة على إلقاء بدنه على شاطئ البحر ليعاينوه على سبيل التَّهكم والاستهزاء به، وإن كان ذلك بعد الموت كما يقال للمصلوب: ما أرفعَ مكانَه! أو: مَنْ رفع هذا على الناس؟
وروى أبو الشيخ عن يونس ابن حبيب النَّحوي: أنَّ معنى: ﴿نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢]: نجعلك على نجوى من الأرض لينظروا إليك فيعرفوا أنك مت (٢).
وروى ابن الأنباري عن محمد بن السميقع اليماني، ويزيد البربري أنهما قرآ: ﴿فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ﴾ [يونس: ٩٢]-بحاء غير معجمة- (٣).
стр. 3724
* فائِدَةٌ عاشِرَةٌ:
قال الله تعالى ممتناً على بني إسرائيل: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ [البقرة: ٥٠].
وهذا صريح في أن بني إسرائيل نظروا إلى فرعون، أو إليه وإلى قومه وهم يغرقون، وهذا كيف يكون مع ما سبق أن منهم من كذَّب بموته؟
والوجه في ذلك أنهم شاهدوا غرقهم وانطباق البحر عليهم، لكنهم ظنوا أنهم يخرجون سالمين، أو ظنوا أنَّ فرعون لم يغرق معهم، أو أنَّه لجبروته وقوَّته وإن غرق يخرج سالماً، فأراد الله تعالى أن يشهدهم موته، فأخرج لهم بدنه حتى نظروا إليه فصدَّقوا، وسكنت خواطرهم.
* فائِدَةٌ حادِيَةَ عَشْرةَ:
كان في غرق فرعون تصديق لموسى ﵇ عند بني إسرائيل حيث قال لهم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩].
فلأجل ذلك أظهر لهم بدن فرعون تحقيقاً لما رجاهم إياه موسى ﵇، وبشَّرهم به.
ثم تأمل كيف ظهرت فِراسة موسى ﵇ في بني إسرائيل المشار إليها في قوله: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٢٩]؛ فإنك
стр. 3725
ستنظر إلى ما يتنبه من أفعالهم وقبائحهم.
وفي الحديث الصحيح: "إنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مسْتَخْلِفُكُمْ فِيْهَا فَنَاظِرٌ كَيْفَ تَعْمَلُونَ" (١).
ونقل في "الكشاف" عن عمرو بن عبيد - وهو رأس القدرية، وكان من زهَّادهم - دخل على المنصور قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان، فطلب زيادة لعمرو، فلم يوجد، فقرأ عمرو هذه الآية، ثم دخل عليه بعدما استخلف فذكر له ذلك، فقال: قد بقي: ﴿فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف ١٢٩] (٢).
* فائِدَةٌ ثانِيَةَ عَشْرةَ:
قال الله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ﴾؛ يعني: بني إسرائيل ﴿وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾ ﴿وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ﴾ [القصص: ٥ - ٦].
وكذلك فعل ؛ أدار لبني إسرائيل على القبط، فأراهم هلاكهم، ثم مكنوا في الأرض واستخلفوا فيها، وأورثوها.
فمن عوائد الله تعالى التي تجري كثيراً: أنَّ العبد بين ضرَّاءٍ وسرَّاء، وأن المستضعف قد يقوى ويستخلف، فينبغي للإنسان مع من
стр. 3726
قدر عليه بالانتقام أن يُبقي للصلح موضعاً؛ فإن فرعون لمَّا لم يُبْقِ مع موسى ﵇ للصلح موضعاً لم ينتفع بموسى ﵇.
وكذلك جرى لقارون على ما سيأتي.
بل كل منهما لم يبق للصلح موضعاً مع الله تعالى، وكان في ذلك دمارهم.
وكذلك حال الجبَّارين؛ نعوذ بالله من فتنة المفتونين.
* فائِدَةٌ ثالِثَةَ عَشْرةَ:
روى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال موسى ﵇: يا رب! أمهلت فرعون أربعمئة سنة وهو يقول: أنا ربكم الأعلى، ويكذب بآياتك ورسلك؟
فأوحى الله تعالى إليه: كان حسن الخلق، سهل الحجاب، فأحببت أن أكافيه (١).
والمعنى: أحببت أن أكافيه في الدنيا على هاتين الخصلتين بإطالة المدة في الملك والنَّعمة - بفتح النون -.
﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦].
وكذلك من عادته سبحانه أن يحبط ما للكفار من أعمال الخير كصلة الرحم والسخاء، وحسن الخلق بأن يكافئهم عنها في الدنيا بما يخولهم فيه من المطعم والمشرب، والملبس، والمنكح، والمسكن،
стр. 3727
والأمتعة، والمال والولد، فإذا كان يوم القيامة أدخلهم النار كما قال الله تعالى بعد ذكر المجرمين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥].
ومن هذا القبيل ما روي: أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: لا تقتل السامري؛ فإنه سَخِيٌّ (١).
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما إشارة إلى ذم التحجب من الملوك والحكام، ومدح من لم ينحجب.
وقد روى أبو داود - واللفظ له - والترمذي، والحاكم وصححه، عن عمرو بن مرة الجهني رضي الله تعالى عنه: أنه قال لمعاوية رضي الله تعالى عنه: سمعت رسول اللهِ ﷺ يقولُ: "مَنْ وَلاَّهُ اللهُ شَيْئاً مِنْ أُمُورِ المُسْلِمِيْنَ فَاحْتَجَبَ دُوْنَ حَاجَتِهِمْ وَخُلَّتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ احْتَجَبَ اللهُ تَعَالَى دُوْنَ حَاجَتِهِ وَخُلَّتِهِ وَفَقْرِهِ يَوْمَ القِيَامَةِ"، فجعل معاوية رجلاً على حوائج المسلمين (٢).
стр. 3728
وروى الإمام أحمد نحوه من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه بإسناد جيد (١).
وروى أبو سعيد النقاش في كتاب "القضاة" عن أبي مريم الأزدي (٢) رضي الله تعالى عنه: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُوْرِ المُسْلِمِيْنَ شَيْئًا فَأَغْلَقَ بَابَهُ دُوْنَ ذَوِي الفَقْرِ والحَاجَةِ، أَغْلَقَ اللهُ عَنْ فَقْرِهِ وَحَاجَتِهِ بَابَ السَّمَاءِ".
وهو عند الطبراني، والحاكم، والبيهقي بنحو حديث عمرو بن مرة رضي الله تعالى عنه (٣).
وروى ابن منده في "الصحابة" عن عبدة بن رباح، عن أبيه رضي الله تعالى عنه: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنِ احْتَجَبَ عَن النَّاسِ لَمْ يُحْجَبْ عَنِ النَّار" (٤).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن القاسم بن مُخَيمرة ﵀
стр. 3729
تعالى الله تعالى قال: دخلت على عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه وفي صدري حديث يتجلجل فيه أريد أن أقذفه إليه، فقلت: بلغنا أنه من ولي على الناس سلطاناً فاحتجب عن حاجتهم وفاقتهم احتجب الله عن حاجته وفاقته يوم يلقاه.
قال: فقال: ما تقول؟
ثم أطرق طويلاً، قال: فعرفتها فيه؛ فإنه برز للناس (١).
والحاصل: أن المحتجب من الولاة والحكام والقضاة عن حوائج المسلمين أبلغ في التجبر من فرعون إلا أن يكون سهل الحجاب.
وقد قلت: [من السريع]
يا مَنْ تَعَدَّى إِذْ تَوَلَّى عَلى ... أُمُورِ خَلْقِ اللهِ بِالاحْتِجابْ
إِنْ رُمْتَ أَنْ تَبْقى بِلا نَكْبَةٍ ... فِي مُلْكِكَ الْفانِي وَتُوْقَى الْعَذابْ
لا تَحْتَجِبْ عَنْهُمْ وإِنْ كانَ لا ... بُدَّ فَسَهِّلْ وارْعَ لُطْفَ الْخِطابْ
قَدْ دامَ فِرْعَوْنُ عَلى مُلْكِه ... سِنِيْنَ لَمَّا كانَ سَهْلَ الْحِجابْ
стр. 3730
* فائِدَةٌ رابِعَةَ عَشْرةَ:
اشتهر على ألسنة الناس أن الملك يدوم - أي: تطول مدته - مع الكفر، ولا يدوم مع الظلم.
وهذا ليس بحديث، وهو منتقض بنمرود، وفرعون، وبخت نصر؛ فإنهم - وإن كانوا كفاراً - فإنهم ظالمون، بل من أظلمهم، والكفر ظلم وزيادة، وهم مع الظلم العظيم البالغ طالت مدة ملكهم، وإنما يقال ذلك تنفيراً من الظلم، وترغيباً للملوك في الكف عنه.
نعم، ورد ما يدل أن العدل يمد في العمر، فقد روى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، والديلمي في "مسند الفردوس"، وابن النجار في "تاريخه" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أَنَّ النَبِيَّ ﷺ قالَ: "مَنْ وَلِيَ مِنْ أُمُوْرِ المُسْلِمِيْنَ شَيْئًا فَحَسُنَتْ سَرِيْرَتُهُ، رَزَقَهُ اللهُ الهَيْبَةَ فِي قُلُوْبِهِم، وَإِذَا بَسَطَ يَدَهُ لَهُمْ بِالمْعَرُوْفِ رُزِقَ المَحَبَّةَ مِنْهُمْ، وَإِذَا وَفَّرَ عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُم وَفَّرَ اللهُ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَإِذَا أَنْصَفَ الضَّعِيْفَ مِنَ القَوِيِّ قَوَّى اللهُ سُلْطَانَهُ، وَإِذَا عَدَلَ فِيْهِم مَدَّ فِي عُمُرِهِ" (١).
وفي الحديث المتقدم: "إنَّ اللهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِم" ما يدل على خلاف ما سبق.
وقد يكون إطالة مدة الظالم لزيادة نكاله وتحقق وباله، وقد تكون لزيادة ابتلاء المظلوم ليوصله الله تعالى إلى مقامه المرقوم.
стр. 3731
وقد قال مِسْعر بن كدام رحمه الله تعالى: أَناَة الله جَبَرت قلوب المظلومين، وحلم الله بسط آمال الظالمين. أخرجه الدينوري في "المجالسة" (١).
نعم، الظالم بصدد النقمة في كل وقت حتى يميل قَبانَهُ، ويأتي إبانه، وتنقضي أيامه، وتتم آثامه.
وما أحسن موعظة مؤمن آل فرعون وقوله لقومه: ﴿يَاقَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩].
فانظر كيف أدخل نفسه معهم في الحذر والخوف بقوله: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا﴾ [غافر: ٢٩] ليفهمهم أنه ساهمهم فيما يخشاه عليهم ليقبلوا على كلامه، وتقبل نصيحته وموعظته.
وفيه إشارة إلى أن الملك إن لم يحطه صاحبه بالعدل والإنصاف، والكف عن الجور والانكفاف، فهو متعرض لزوال ملكه، بل لنزول هلكه؛ فافهم!
* فائِدَةٌ خامِسَةَ عَشْرةَ - وهو من اللطائف -:
روى الدينوري عن محمد بن إسحاق قال: كل نخلة على وجه الأرض فمنقولة من الحجاز، نقلها النماردة إلى المشرق، ونقلها الكنعانيوون إلى الشام، ونقلها الفراعنة إلى باب البون، وفي أعمالها وحملها التبابعة في مسيرهم إلى اليمن، وعمان، والشحر وغيره (٢).
стр. 3732
* تَتِمَّةٌ:
قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ﴾؛ قال ابن جريج: عبادتكم.
﴿أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ﴾ [غافر: ٢٦]؛ قال: أن يقتل هو وقومه أبناءكم، ويستحيي نساءكم كما كنتم تفعلون بهم. رواه ابن المنذر (١).
وكان ذلك على طريقة الملوك من مقابلة الانتقام بالانتقام.
وهذا يدل على غباوة فرعون وقلة إنصافه؛ فإنه عدَّ من خصمه فساداً ما كان يراه من نفسه صلاحاً على ما فسر كلامه به ابن جريج.
وكذلك كل معجب برأيه في خصومته.
حكي أنه لما قال ذلك قال له بعض قومه: لا تقتله؛ فإنه ساحر، فإذا قتلته ظن الناس أنك عجزت عن قطعه بالحجة، بل ناظره.
وعندي: أن قول فرعون إن كان قد قاله قبل نظره إلى معجزة العصا فهو على حقيقته؛ فإنه كان يظن أنه قادر على قتل موسى لقوة سلطانه في نفسه، واعتقاده في نفسه الربوبية.
وإن كان بعد ظهور المعجزة ونظره إليها فهذا قاله على سبيل التشجيع لنفسه وإظهار القوة عند قومه، وهو في نفسه قد مُلِئ منه رعباً.
أو قاله وهو يظن أن أمر العصا سحر، وأن سحر الساحرين يقابله ويغلبه.
стр. 3733
ومع ذلك فإن موسى ﵇ لم يغتر بتلاشي فرعون عنده بما عنده من اليقين حذراً من مكر الله تعالى، ولم يقابل قول فرعون بمثل تمرده، فأظهر في بني إسرائيل مثل ما أظهره فرعون في قومه من القوة والسطوة، بل فزع إلى الدعاء كما حكى الله تعالى عنه بقوله : ﴿وَقَالَ مُوسَى﴾؛ يعني: في إسرائيل حين بلغته مقالة فرعون: ﴿إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غافر: ٢٧].
أكد عياذه بِـ: إن، والجملة الاسمية إشارةً إلى أنه لا ينبغي الاستعاذة بغيره، وأنه لا شيء من الأسباب في منع الأعداء ودفع شررهم أبلغ من العياذ بالله تعالى.
وجاء بذكر الرب مضافاً إلى ضمير نفسه مبتدأً به، ثم إلى ضمير قومه على عادة الأنبياء ﵈ من البداءة بأنفسهم في الدعاء، وإشارة إلى أن الاجتماع على الدعاء واتفاق الأرواح على التوجه والطلب أبلغ في إنجاح الحاجات، ولذلك شرعت الجماعة في الصلوات.
وصفة الربوبية المشعرة بالحفظ والتربية للتوسل بها إلى الله تعالى خصوصية عظيمة في إنجاح المطالب لما فيها من التملُّق والتعطف، والانضياف إلى الله تعالى بأخص أنواع التقرب، على أنه أتى بها متحققاً بالتعلق بها من حيث أطلقها فرعون في قوله: ﴿وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ [غافر: ٢٦] على وجه التهكم والاستهزاء، فاستظهر بتعلقه بها وثقته بها على عكس ما ظنه فرعون.
وقد أراد موسى ﵇ بتشريكه قومه معه في إضافة الرب
стр. 3734
سبحانه إليهم استجلابهم إلى الاعتماد على الله تعالى، وشغلهم باللجاء إليه، وحثهم على موافقته حرصاً على الاستجابة.
وأيضاً أراد أن يشاركوه في هذا الخير؛ إذ كمال إيمان العبد أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، وبهذا يتخلق العبد بالودودية، وليس في العباد أود لهم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
وقوله: ﴿مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ﴾ [غافر: ٢٧] لم يُسَمَّ فرعون، بل أعاذ من كل موصوف بالتكبر وإنكار البعث، فتكون استعاذته من جميع القبط، بل مِن كل مَن هذه صفته؛ فإن من يتكبر عن الحق الذي منه الاعتراف بربوبية الله تعالى المستلزم للخوف منه، وينكر أنه مبعوث محاسب لا يبالي ما بطش بك وبغيرك، ولذلك قال بعض الحكماء: من لا يخاف من الله تعالى خَفْ أنت منه.
ولعلك تعلم وتفهم من دعاء موسى هذا في مقابلة قول فرعون، وهو يعلم أنه محفوظٌ منه لقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] أن العبد لا ينبغي له أن يغفل عن ذكر الله تعالى عند كل قليل وكثير، واللجاء إليه في كل خطب حقير وجليل، ولذلك أوحى الله تعالى إلى موسى وهارون ﵉ بقوله: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢) اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤) قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَنْ يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَنْ يَطْغَى (٤٥) قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٢ - ٤٦].
وهو مع تعريفه إياهما أنه معهما بالحفظ والكَلأَة أمرهما بإلانة
стр. 3735
القول له إشارة إلى أن الرفق حتى مع الأعداء له فعل وتأثير.
وقد قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: كَنِّياه. أخرجه ابن المنذر (١).
وروى هو وعبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن سفيان الثوري أنه قال في الآية: كَنِّياه يا أبا مرة (٢).
ومن هنا تعلم أن لفرعون كنية، وأنه يوافق إبليس في كنيته.
ومن ثم أيضاً قيل: إذا عرض لك عند الكلب حاجة فقل له: يا أبا المنذر.
وروى ابن أبي حاتم عن الفضل بن عيسى الرقاشي رحمه الله تعالى: أنه تلا قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ فقال: يا من يتحَبَّبُ إِلَى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه (٣).
ثم قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ﴾؛ أي: حين قال فرعون ذروني أقتل موسى ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨].
روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لم يكن مؤمن من آل فرعون غيره، وغير امرأة فرعون، وغير المؤمن الذي أنذر موسى ﵇ الذي قال: ﴿إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ
стр. 3736
بِكَ لِيَقْتُلُوكَ﴾ [القصص: ٢٠] (١).
قال ابن المنذر: وأخبرت أن اسمه حزقيل (٢).
وهؤلاء الذين ذكرهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مستثنون من آل فرعون، والتشبه بهم مطلوب، ولذلك ضرب الله المثل بامرأة فرعون في كتابه العزيز.
ولقد قام أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه مقام مؤمن آل فرعون فيما رواه البخاري عن عروة قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أخبرني بأشد شيء صنعه المشركون برسول الله ﷺ .
قال: بينا رسول الله ﷺ يصلي بفِناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي مُعيط، فأخذ بمنكب رسول الله ﷺ ، ولوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه، ودفعه، ثم قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] (٣).
ورويت القصة من طريق أنس، وأسماء بنت أبي بكر، وعلي رضي الله تعالى عنهم.
قال علي رضي الله تعالى عنه: يا أيها الناس! أخبروني من أشجع الناس؟
стр. 3737
قالوا: أنت.
قال: أما إني ما بارزت أحداً إلا انتصفت منه، ولكن أخبروني بأشجع الناس.
قالوا: لا نعلم، فمن؟
قال: أبو بكر رضي الله تعالى عنه، لقد رأيت رسول الله ﷺ وأخذته قريش بهذا يجؤه، وهذا يثلته، وهم يقولون: أنت الذي جعلت الآلهة إلهاً واحداً؟
قال: فو الله ما دنا منا أحد إلا أبو بكر رضي الله تعالى عنه يضرب هذا، ويثلثل هذا، وهو يقول: ويلكم ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨].
ثم رفع علي رضي الله تعالى عنه بردة كانت عليه، فبكى حتى اخضلَّت لحيته، ثم قال: أنشدكم أمؤمن آل فرعون خير أَمْ أبو بكر؟
فسكت القوم، فقال: ألا تجيبون؟ فو الله لساعة من أبي بكر رضي الله تعالى عنه خير من مؤمن آل فرعون؛ ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه. رواه البزار، وأبو نعيم في "الصحابة" (١).
واعلم أن مؤمن آل فرعون قد عرض رحمه الله تعالى لقومه النصيحة تعريضاً كالصريح، فحذرهم من الإسراف والارتياب، وذكرهم بنعمة الله تعالى وما آتاهم من الملك، وخوفهم من سطوته، وذكَّرهم بما صنع في الأمم السابقة، وبأن الدنيا متاع يزول، وأن الآخرة هي دار القرار،
стр. 3738
وفوض أمره إلى الله تعالى.
وكل ذلك من أفضل الأعمال، فمن قام بمثل ما قام به في ظلمة الزمان وفِتْرَةِ الناس، واعتزل ما الناس فيه، كان متشبهاً به له الأمن من الفتنة في الدنيا ومن النار في الآخرة، ألا ترى كيف قال الله تعالى: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٥].
وقد روى ابن أبي الدنيا في "العزلة" عن جعفر بن سليمان رحمه الله تعالى قال: قال لي الحرث بن نبهان رحمه الله تعالى: يا أبا سليمان! لا تخرجن إلى أحد في هذا الزمان، وكن كمؤمن آل فرعون (١).
والله هو الموفق.
* * *
(١١) بَابُ النَّهْي عَنِ التَّشَبَّهِ بِأَهْلِ الكِتَابِ
وهم اليهود والنصارى.
وإنما جمعنا بين الكلام على التشبه باليهود والكلام على التشبه بالنصارى لاختلاط أعمالهم غالباً، وتقابلها إما اتحاداً كحالهم في عدم تغيير الشيب، وإما تضاداً كما في مباشرة الحائض؛ فإن اليهود مُفْرِطون في الاجتناب، والنصارى مُفَرِّطون معه بالوقاع.
وقد جمع الله تعالى بين أحوال اليهود وأحوال النصارى كثيراً في كتابه العزيز.
واعلم أن الآيات الناطقة بالنهي عن التشبه باليهود والنصارى خاصة، والأحاديث الواردة في ذلك كثيرة.
قال الله تعالى مكلماً لأوليائه المؤمنين: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧].
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أنَّ رجلاً سأل رسول الله ﷺ : مَنْ هؤلاءِ المَغضوب علَيهم؟ فأشار إلى اليهودِ.
стр. 3741
قال: فمَنْ هؤلاء الضَّالون؟
قال: "النَّصَارَى" (١).
وأخرجه ابن مردويه عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وأنه هو السائل (٢).
وروى الإمام أحمد، والترمذي وحسنه، وابن حبان في "صحيحه" عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "اليَهُودُ مَغْضُوْبٌ عَلَيْهِمْ، وَالنَّصَارَى ضُلاَّلٌ" (٣).
وروي هذا التفسير عن كثير من الصحابة والتابعين حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم عنهم فيه خلافاً (٤).
واستنبطه القرطبي وغيره من القرآن؛ فإن الله تعالى وصف اليهود بالغضب عليهم كثيراً كقوله تعالى: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٦١].
وقوله تعالى: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠].
وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ
стр. 3742
وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ [المائدة: ٦٠] الآية.
وقال تعالى في النصارى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧] (١).
وقال تعالى: ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ [البقرة: ١٢٠].
قال العلماء: الخطاب في ذلك للنبي ﷺ ، والمراد أمته كما في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٥٩].
أراد بهم اليهود والنصارى لافتراقهم إلى أكثر من سبعين فرقة كما سيأتي.
والمعنى لستَ مشاركاً لهم في شيء، إنما أنت متبرئ من جميع أمورهم.
فينبغي لمن كان متبعاً لرسول الله ﷺ أن يكون متبرئاً منهم كتبري متبوعه منهم، ومن كان موافقاً لهم في شيء فهو مخالف للنبي ﷺ بقدر موافقته لهم.
стр. 3743
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٠٥].
قال أكثر المفسرين: وهم اليهود والنصارى (١).
وهو مروي عن جابر رضي الله تعالى عنه (٢).
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
قرأ الجمهور الآية: ﴿وَلَا يَكُونُوا﴾ [الحديد: ١٦]- بالياء التحتية - على معنى، وكذلك: ﴿أَلَمْ يَأْنِ﴾ [الحديد: ١٦] لهم؛ أي: لا يكونوا كأهل الكتاب.
وفي ذلك توبيخ لكل مؤمن في كل وقت أن يجتهد على أن لا يكون كأهل الكتاب في قسوة القلب لطول الأمد والعهد.
وقرأ رويس: ﴿وَلَا تَكُونُوا﴾ - بالفوقية - على النهي على طريقة الالتفات من الغيبة للخطاب (٣).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢].
стр. 3744
فهذا نهي من موسى لأخيه هارون ﵉ أن يوافق مفسدي بني إسرائيل، فما ظنك بموافقتهم بعد تبديل كتابهم، أو بعد نسخ ما لم يبدل منه؟
وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة: ١٤].
عاب المنافقين الذين تولوا اليهود.
إلى قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ [المجادلة: ٢٢].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ [المائدة: ٥١].
وقد استدل عمر رضي الله تعالى عنه بهذه الآية على المنع من الاستعانة بهم في شيء من الولايات.
فروى الإمام أحمد بسند صحيح، عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قلت لعمر ﵁: إن لي كاتباً نصرانياً.
فقال: ما لك قاتلك الله؟ أما سمعت الله يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [المائدة: ٥١]؟ ألا اتخذت حنيفاً.
قال: قلت: يا أمير المؤمنين! لي كتابته، وله دينه.
стр. 3745
قال: لا أُكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذا أذلهم الله، ولا أُدْنيهم إذ أقصاهم الله (١).
أشار عمر رضي الله تعالى عنه إلى أن الرجل الشريف الكبير إذا استعان بالذمي بكتابته أو غيرها فإن انتسابه إليه بسبب ذلك يلجئ الناس إلى إكرامه وإعزازه وتقريبه، وذلك عين توليه.
ولمَّا خالف هذا الأصل أُمراء هذا الزمان فاتخذوا الكتاب والعمال يهود أو نصارى، لزم منه خدمة المسلمين لهم بالإكرام ودفع الأموال وغير ذلك، وفي ذلك إذلال المسلمين.
وإذا كان هذا حال توليهم فكيف التشبه بهم الناشئ عن استحسان ما هم عليه؟
وكيف يوالون أو تُرضى أعمالهم وقد لعنهم الله تعالى ورسوله ﷺ كما روى الإمام أحمد عن أسامة بن زيد، والشيخان، والنسائي عن عائشة، وابن عباس معاً، ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَعَنَ اللهُ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى؛ اتَّخَذُوْا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ" (٢).
стр. 3746
ومن المشهور على ألسنة كثير من العوام: لعن الله اليهود، ثم اليهود، ثم أموات النصارى.
وليس هذا بحديث أصلاً، وإن وقع في فتاوى الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الحق المصري ما يوهم أنه حديث؛ فإني تفحصت عنه كثيراً فلم أجده، وسمعت بعضهم يوجهه: بأن النصارى لهم قرب من الإسلام، كأنه يستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ [المائدة: ٨٢] الآية.
قال: ولذلك يسلم منهم كثير بخلاف اليهود، فقد قال تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨].
وهذا فيه نظر لأن قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] إنما نزلت في النجاشي وأصحابه، وهم مسلمون (١).
ولأن اللفظ الجاري على الألسنة المذكور آنفاً يعارضه الحديث الصحيح المتقدم: "لَعَنَ اللهُ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى"، فجمع بينهم في اللعنة لاجتماعهم في الكفر.
وقد قيل: إن كفر النصارى أشد من كفر اليهود.
نعم، روى عبد الكريم بن السمعاني في "تاريخه" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا
стр. 3747
يَتَصَدَّقُ بِهِ فَلْيَلْعَنِ اليَهُودَ" (١).
وأخرجه الخطيب في "تاريخه"، والديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَدَقَةٌ فَلْيَلْعَنِ اليَهُودَ؛ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ" (٢).
وروى أبو الشيخ بن حيان في كتاب "الثواب"، والديلمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول اللهِ ﷺ يقول: "مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُوْلِكَ، وَعَلَى المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَالمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ؛ فَهُوَ لَهُ زَكَاةٌ" (٣).
واعتبر؛ كما يطلب منك أن تتشبه بمن أمرت بالصلاة عليهم، طُلبَ منك أن تنتهي عن التشبه بمن أمرت أن تلعنهم.
وأما الأحاديث الواردة في النهي عن التشبه باليهود والنصارى فستأتي مفرقة في محالِّها.
ومن أعمها: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن
стр. 3748
هُلْب رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يَخْتَلِجَنَّ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَهُ" (١)؛ أي: شابهت فيه النصرانية.
فإن قيل: ما تصنع بقول الأكثرين - وإن كان أكثر المحققين على خلافه -: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يدل شرعنا على خلافه؟
وبحديث "الصحيحين" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يسْدِلُونَ أَشْعَارَهُم، وَكَانَ المُشْرِكُونَ يُفَرِّقُونَ شُعُورَهُم، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الكِتَابِ فِيْمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَسَدَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ فَرَقَ" (٢).
وحديثهما عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدِم المدِينةَ فوجدَ اليهودَ صياماً يومَ عاشوراءَ فقال لهُم: "مَا هَذَا الْيَومُ الَّذِي تَصُومُونهُ؟ "
قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ أنجى اللهُ تعالى فيهِ موسى ﵇ وقومه، وغرَّق فيةِ فرعونَ وقومهُ، فصامهُ موسَى شكراً، فنحن نصومه تعظيماً له.
فقالَ رسول اللهِ ﷺ : "فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُم".
فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه (٣).
فالجواب: أنَّ شرع من قبلنا إنما يكون شرعاً لنا عند من يقول به
стр. 3749
فيما لم يكن له في شرعنا بيان خاص إمَّا بالموافقة أو بالمخالفة، ثم لا نأخذ به إلاَّ إن ثبت أنَّه شرع سابق بطريق يفيد العلم لا بمجرد نقل أهل الكتاب، ولا بالرجوع إلى ما في كتبهم.
وفي الحديث الصحيح: "إِذَا حَدَّثَكُم أَهْلُ الْكِتَابِ فَلا تُصَدِّقُوهُم وَلا تُكَذِّبُوهُم" (١).
وأمَّا قول ابن عباس ﵄: وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء (٢).
ولعلَّ محل ذلك فيما لو دار أمره بين أمرين أحدهما يوافق فيه المشركين، والآخر يوافق فيه أهل الكتاب؛ لأنَّه كان يرجو أن يكون موافقاً لما لم يكن مُغيَّراً من كتابهم، وهذا كما في الفرق والسدل، ثم أمر بالفرق ففرق.
أو يقول: كان من شِرْعه ﷺ موافقته لأهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم نسخ ذلك وأمر بمخالفتهم، ولذلك كان يسدل ثم فرق، وصار الفرق شعارَ المسلمين.
وهذا كما كان ﷺ يستقبل بيت المقدس موافقة لأهل الكتاب، ثم نسخ ذلك وأمر باستقبال الكعبة.
وقد روى ابن عدي في "الكامل" عن ابن عمر رضي الله تعالى
стр. 3750
عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "اِخْتَضِبُوا وَافْرُقُوْا، وَخَالِفُوا اليَهُودَ" (١).
ثم لو فرضنا أن موافقته لهم فيما لم يؤمر فيه بشيء لم ينسخ، فلنا أن نقول: إنَّه ﷺ هو الذي كان له أن يوافقهم لأنه يعلم حقهم من باطلهم، ونحن نوافقه ونتَّبعه.
فأمَّا نحن فليس لنا أن نأخذ عنهم شيئاً من الدين، لا من أقوالهم ولا من أفعالهم.
وأمَّا موافقته ﷺ لليهود في صوم عاشوراء فقد كان ﷺ يصومه قبل أن يهاجر إلى المدينة، فلما هاجر صامه وأمر بصيامه، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (٢).
وأيضاً فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قالَ رسول اللهِ ﷺ : "صُوْمُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ؛ يَومٌ كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ تَصُوْمُهُ، فَصُومُوْهُ" (٣).
فصام النبي ﷺ عاشوراء، ولم يكن لموافقة اليهود، بل كان لموافقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث أعلمه الله تعالى أنهم كانوا يصومونه، ولذلك قال كما في حديث ابن عباس: "نَحْنُ أَحَقُّ