← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

ومن المشهور على ألسنة كثير من العوام: لعن الله اليهود، ثم اليهود، ثم أموات النصارى. وليس هذا بحديث أصلاً، وإن وقع في فتاوى الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد الحق المصري ما يوهم أنه حديث؛ فإني تفحصت عنه كثيراً فلم أجده، وسمعت بعضهم يوجهه: بأن النصارى لهم قرب من الإسلام، كأنه يستدل بقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً﴾ [المائدة: ٨٢] الآية. قال: ولذلك يسلم منهم كثير بخلاف اليهود، فقد قال تعالى: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: ٨٨]. وهذا فيه نظر لأن قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] إنما نزلت في النجاشي وأصحابه، وهم مسلمون (١). ولأن اللفظ الجاري على الألسنة المذكور آنفاً يعارضه الحديث الصحيح المتقدم: "لَعَنَ اللهُ اليَهُوْدَ وَالنَّصَارَى"، فجمع بينهم في اللعنة لاجتماعهم في الكفر. وقد قيل: إن كفر النصارى أشد من كفر اليهود. نعم، روى عبد الكريم بن السمعاني في "تاريخه" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَا

стр. 3747

يَتَصَدَّقُ بِهِ فَلْيَلْعَنِ اليَهُودَ" (١). وأخرجه الخطيب في "تاريخه"، والديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ صَدَقَةٌ فَلْيَلْعَنِ اليَهُودَ؛ فَإِنَّهَا لَهُ صَدَقَةٌ" (٢). وروى أبو الشيخ بن حيان في كتاب "الثواب"، والديلمي عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول اللهِ ﷺ يقول: "مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ وَرَسُوْلِكَ، وَعَلَى المُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ، وَالمُسْلِمِينَ وَالمُسْلِمَاتِ؛ فَهُوَ لَهُ زَكَاةٌ" (٣). واعتبر؛ كما يطلب منك أن تتشبه بمن أمرت بالصلاة عليهم، طُلبَ منك أن تنتهي عن التشبه بمن أمرت أن تلعنهم. وأما الأحاديث الواردة في النهي عن التشبه باليهود والنصارى فستأتي مفرقة في محالِّها. ومن أعمها: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن

стр. 3748

هُلْب رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "لا يَخْتَلِجَنَّ فِي صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَهُ" (١)؛ أي: شابهت فيه النصرانية. فإن قيل: ما تصنع بقول الأكثرين - وإن كان أكثر المحققين على خلافه -: إن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يدل شرعنا على خلافه؟ وبحديث "الصحيحين" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "كَانَ أَهْلُ الكِتَابِ يسْدِلُونَ أَشْعَارَهُم، وَكَانَ المُشْرِكُونَ يُفَرِّقُونَ شُعُورَهُم، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الكِتَابِ فِيْمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ بِشَيْءٍ، فَسَدَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ فَرَقَ" (٢). وحديثهما عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قدِم المدِينةَ فوجدَ اليهودَ صياماً يومَ عاشوراءَ فقال لهُم: "مَا هَذَا الْيَومُ الَّذِي تَصُومُونهُ؟ " قالوا: هذا يومٌ عظيمٌ أنجى اللهُ تعالى فيهِ موسى ﵇ وقومه، وغرَّق فيةِ فرعونَ وقومهُ، فصامهُ موسَى شكراً، فنحن نصومه تعظيماً له. فقالَ رسول اللهِ ﷺ : "فَنَحْنُ أَحَقُّ وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُم". فصامه رسول الله ﷺ ، وأمر بصيامه (٣). فالجواب: أنَّ شرع من قبلنا إنما يكون شرعاً لنا عند من يقول به

стр. 3749

فيما لم يكن له في شرعنا بيان خاص إمَّا بالموافقة أو بالمخالفة، ثم لا نأخذ به إلاَّ إن ثبت أنَّه شرع سابق بطريق يفيد العلم لا بمجرد نقل أهل الكتاب، ولا بالرجوع إلى ما في كتبهم. وفي الحديث الصحيح: "إِذَا حَدَّثَكُم أَهْلُ الْكِتَابِ فَلا تُصَدِّقُوهُم وَلا تُكَذِّبُوهُم" (١). وأمَّا قول ابن عباس ﵄: وكان رسول الله ﷺ يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء (٢). ولعلَّ محل ذلك فيما لو دار أمره بين أمرين أحدهما يوافق فيه المشركين، والآخر يوافق فيه أهل الكتاب؛ لأنَّه كان يرجو أن يكون موافقاً لما لم يكن مُغيَّراً من كتابهم، وهذا كما في الفرق والسدل، ثم أمر بالفرق ففرق. أو يقول: كان من شِرْعه ﷺ موافقته لأهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثم نسخ ذلك وأمر بمخالفتهم، ولذلك كان يسدل ثم فرق، وصار الفرق شعارَ المسلمين. وهذا كما كان ﷺ يستقبل بيت المقدس موافقة لأهل الكتاب، ثم نسخ ذلك وأمر باستقبال الكعبة. وقد روى ابن عدي في "الكامل" عن ابن عمر رضي الله تعالى

стр. 3750

عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "اِخْتَضِبُوا وَافْرُقُوْا، وَخَالِفُوا اليَهُودَ" (١). ثم لو فرضنا أن موافقته لهم فيما لم يؤمر فيه بشيء لم ينسخ، فلنا أن نقول: إنَّه ﷺ هو الذي كان له أن يوافقهم لأنه يعلم حقهم من باطلهم، ونحن نوافقه ونتَّبعه. فأمَّا نحن فليس لنا أن نأخذ عنهم شيئاً من الدين، لا من أقوالهم ولا من أفعالهم. وأمَّا موافقته ﷺ لليهود في صوم عاشوراء فقد كان ﷺ يصومه قبل أن يهاجر إلى المدينة، فلما هاجر صامه وأمر بصيامه، كما ثبت في "الصحيحين" من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (٢). وأيضاً فقد روى ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قالَ رسول اللهِ ﷺ : "صُوْمُوا يَوْمَ عَاشُورَاءَ؛ يَومٌ كَانَتِ الأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ تَصُوْمُهُ، فَصُومُوْهُ" (٣). فصام النبي ﷺ عاشوراء، ولم يكن لموافقة اليهود، بل كان لموافقة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، حيث أعلمه الله تعالى أنهم كانوا يصومونه، ولذلك قال كما في حديث ابن عباس: "نَحْنُ أَحَقُّ

стр. 3751

وَأَوْلَى بِمُوسَى مِنْكُم" (١)، فأشار إلى أنَّ صومه إنما كان تشبهاً بموسى ﵇، واقتداء به لا بهم، ولذلك أمر ﷺ آخر الأمر أن يصام قبله يوماً وبعده يوماً ليكون بذلك مخالفاً لليهود، كما روى الإمام أحمد، والبيهقي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "صُوْمُوا يَوْمَ عَاشُوْرَاءَ، وَخَالِفُوا فِيهِ اليَهُودَ، وَصُومُوا قَبْلَهُ يَوْمًا وَبَعْدَهُ يَوْمًا" (٢). ورواه سعيد بن منصور، ولفظه: "وَصُوْمُوا يَومًا قَبْلَهُ وَيَومًا بَعْدَهُ". وروى البخاري عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: كان يوم عاشوراء تعده اليهود عيداً؛ قال النبيُّ ﷺ : "فَصُومُوا أَنْتُم" (٣). وروى مسلم عنه قال: كان يوم عاشوراء تعظِّمه اليهود وتتخذه عيداً. وفي لفظ له: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً، ويُلبسُون نساءهم فيه حليهن، فقال النبيُّ ﷺ : "فَصُوْمُوهُ أَنْتُم، وَلا تتَّخِذُوهُ عِيْدًا" (٤).

стр. 3752

والحاصل: أنَّ الذي استقر عليه الأمر أنَّ التشبه بأهل الكتاب منهي عنه في الجملة، وأنَّ مخالفتهم في هَدْيِهِم مشروعة وجوباً أو ندباً، في أصل الفعل أو في هيئته. فإن كان الأمر المشروع عندهم مشروعاً عندنا كصوم يوم عاشوراء ودفن الميت، خالفناهم في صفة ذلك الأمر، فنصوم يوماً قبل عاشوراء أو بعده، ونختار في الدفن اللَّحد حيث اختاروا الشق كما سيأتي. وإن كان المشروع عندهم منسوخاً عندنا كالسبت، والامتناع من أكل الشحوم، خالفناهم في أصل ذلك الأمر، ولم نكتف بمخالفتهم في الوصف. وكذلك فيما لم يكن مشروعاً عندهم ولا عندنا مما ابتدعوه؛ كمحاباة اليهود الأشراف في الحدود، وتحويل النصارى صوم رمضان إلى أيام الربيع، وزيادة الصوم فيه على ثلاثين يوماً، بل موافقتهم في ذلك أقبح من موافقتهم فيما كان مشروعاً عندهم، ثم نسخ عندنا، وإن كان الكل قبيحاً لأنَّا مأمورون بمخالفة المبتدعة من أهل الملة، فكيف بالمبتدعة من غيرهم. * تَنْبِيْهٌ: ما ينهى عن التشبه فيه بأهل الكتاب هو ما تَلَبَّسُوا به مما نهاهم عنه أنبياؤهم قبل نسخ دينهم أو مما ابتدعوه ولم يكن مشروعاً، ثم نسخ. فأما ما لم يقبل النسخ، واتَّفقت عليه الأمم كالتوحيد وأصول

стр. 3753

العقائد المتفق عليها، فهذا دين الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا يصح النهي عنه بحال. وأمَّا ما يقبل النسخ ولم ينسخ؛ كمحاسن الآداب، ومكارم الأخلاق كإجلال مَنْ يُجل واحترامه، والجود، والحلم، والحياء، فهذا يتشبه فيه بصالحي أهل الكتاب وغيرهم ما لم يثبت في شريعتنا خلافه كسجود التحية، فيجتنب. * تَتِمَّةٌ: بان لك أن التشبه بأهل الكتاب على قسمين: مذمومٌ منهي عنه: وهو التشبه بضُلاَّلهم. ومحمودٌ ومأمور به أو مندوب إليه: وهو التشبه بهُدَاتهم. قال الله تعالى: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٤]. وقد تقدم الكلام على هذه الآية في التشبه بالصالحين. وقال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦)

стр. 3754

وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [آل عمران: ٥٥ - ٥٧]. قال العلماء: المراد بالذين اتبعوا عيسى صالحوا أمته إلى عهد النبي ﷺ ، ومن بعده، فالمراد بهم من آمن منهم بعيسى ومحمد ﷺ ، وتديَّن بدين محمد ﷺ ؛ لأن عيسى بشَّرهم به، وعرَّفهم بعموم رسالته. وفي "الصحيحين" عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ - وفي لفظٍ: لهم أَجرَانِ -: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ فآمَنَ بِهِ، وَاتَّبَعَهُ وَصَدَّقَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَرَجُلٌ كَانَ لَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدبَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَ بِهَا فَلَهُ أَجْرَانِ، وَعَبْدٌ مَمْلُوكٌ أَدَّى حَقَّ اللهِ وَحَقَّ سَيِّدِهِ فَلَهُ أَجْرَانِ" (١). ومصداق هذا الحديث في مؤمني أهل الكتاب قولُه تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: ٥٢] إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤]. وقال تعالى في النَّجاشي وأصحابه، وغيرهم من مؤمني النصارى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ إلى قولى تعالى: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [المائدة: ٨٢ - ٨٣].

стр. 3755

قال: ﴿فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [المائدة: ٨٥] الآية. * تَنْبِيْهٌ: ممن وفق لموافقة الحنيفية ومخالفة اليهود والنصارى قبل بعثة النبي ﷺ زيد بن عمرو بن نفيل، وهو والد سعيد بن زيد أحد العشرة ﵃. روى محمد بن سعد في "طبقاته" عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب قال: قال زيد بن عمرو بن نفيل: شاممت النصرانية واليهودية فكرهتهما، فكنت بالشام وما والاها حتى لقيت راهباً في صومعة، فوقفت عليه، فذكرت له اعتزالي عن قومي، وكراهتي عبادة الأوثان، واليهودية والنصرانية، فقال له: أراك تريد دين إبراهيم، يا أخا أهل مكة! إنَّك لتريد ديناً ما يوجد اليوم، وهو دين أبيك إبراهيم، كان حنيفاً، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً، كان يصلي ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك، فَالْحَق ببلدك؛ فإن الله يبعث من قومك في بلدك من يأتي بدين إبراهيم الحنيفية، وهو أكرم الخلق على الله تعالى (١). وقد ذكر البخاري، وغيره عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائماً مسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش! والله ما منكم أحد على دين إبراهيم غيري، وكان يحيى الموؤدة (٢).

стр. 3756

وذكر آخرون أنَّه كان يصلي إلى الكعبة، وكان يحج ويقف بعرفة، ويقول في تلبيته: لبيك لا شريك لك ولا ندَّ لك، ويقول: لبيك حقاً حقاً، تعبُّداً ورِقًّا، عُذْت بما عاذ به إبراهيم ﵇. وكان لا يأكل مما ذُبحَ على النُّصُب، ومن ثم قال رسول اللهِ ﷺ وقد سئِلَ عَنهُ: "ذَاكَ يُحْشَرُ أُمَّةً وَحْدَهُ بَيْنِي وَبَيْنَ عِيْسَى". أخرجه ابن عساكر بإسناد جيد، عن جابر (١). وأخرج الإمام أحمد نحوه من حديث ولده سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنهم (٢). وقالَ ﷺ : "قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الجَنَّةِ يَسْحَبُ ذُيُوْلاً". أخرجه الواقدي عن عامر بن ربيعة رضي الله تعالى عنه (٣). فانظر ما استوجبه زيد بن عمرو بن نفيل رضي الله تعالى عنه بسبب اجتناب قبائح اليهود والنصارى والمشركين.

стр. 3757

* تنبِيْهٌ: وإذ قد علمت مما سبق أنَّ التشبه بأهل الكتاب منه محمود ومنه مذموم، وهو مؤدَّى قول حذيفة رضي الله تعالى عنه: نِعْمَ الإخوة لكم بنو إسرائيل؛ كانت فيهم المُرَّة وفيهم (١) الحلوة. رواه أبو نعيم (٢). فلعلك تقول: لو أشرت إلى الترغيب في التشبه بصالحيهم؟ فأقول لك في الجواب: يغني عن ذلك ما ذكرناه في القسم الأول من التشبه بالصالحين فمن فوقهم لاندراجهم فيهم. ثم إنَّ الاعتناء بالتحذير من التشبه ببني إسرائيل وسائر أهل الكتاب، بل وبغيرهم من الأمم من أهم ما يعتنى به، ويهتم بشأنه لأن النفوس أخوات، والناس أشباه تميل أخلاقهم لمثل ما مالت إليه أسلافهم، فتعيَّن التحذير مما هلكت به وعليه الأسلاف. وقد روى الإمام مالك في "الموطأ"، والإمام أحمد، والشيخان، وابن ماجه عن أبي سعيد، والطبراني في "الكبير" عن سهل بن سعد، وابن أبي شيبة، والحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول اللهِ ﷺ : "لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الَّذِيْنَ مِن قَبْلِكُم شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَو سَلَكُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَسَلَكْتُمُوهُ". قالوا: يا رسولَ اللهِ! اليهود والنَّصارى؟

стр. 3758

قال: "فَمَن؟ " (١). وروى البزار بسند صحيح، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ : "لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعاً بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُم دَخَلَ جحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُم، وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُم جَامَعَ أُمَّهُ لَفَعَلْتُم" (٢). وروى الطبراني عن ابن مسعود ﵁: أَنَّ النَّبِي ﷺ قالَ: "إِنَّكُمْ أَشْبَهُ الأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائيْلَ؛ لَتَرْكَبُنَّ طَرِيقَهُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، حَتَّى لا يَكُونَ فِيْهِم شَيْءٌ إِلاَّ كَانَ فِيكُم مِثْلَهُ، حَتَّى إِنَّ القَوْمَ لتمُرُّ عَلَيْهِمُ المَرْأَةُ فَيَقُومُ إِلَيْهَا بَعْضُهُم فَيُجَامِعُهَا، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى أَصْحَابِهِ فَيَضْحَكُ إِلَيْهِم وَيَضْحَكُونَ إِلَيْهِ" (٣). وإنما خصص أهل الكتابين بعد التعميم في ركوب سنن الأولين

стр. 3759

لأنهم أقرب عهد إلى هذه الأمة. وخصص بني إسرائيل في هذا الحديث لطول مدتهم واشتهار قبائحهم. وعمَّم فيما رواه الطبراني في "الأوسط" بإسناد صحيح، عن المستورد بن شداد رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لا تَتْرُكُ هَذهِ الأُمَّةُ شَيْئاً مِنْ سَنَنِ الأَوَّلِيْنَ حَتَّى تَأتِيَهُ" (١). والمراد بالسنن في هذه الأحاديث سيئاتها، وسنن فسَّاقها وضُلاَّلها؛ لأن المقام الذي أوردت فيه مقام تهويل وتوبيخ وتحذير. وقد وقع بيان ذلك فيما رواه الإمام أحمد، والطبراني عن شداد ابن أوس رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَيحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى سَنَنِ الَّذِينَ خَلَوا مِن أَهْلِ الكِتَابِ حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ" (٢). وروى الطبراني بسند جيد، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقولُ: "سَيُصِيبُ أُمَّتِي دَاءُ الأُمَمِ".

стр. 3760

فقالوا: يا رسول الله! وما داء الأمم؟ قال: "الأَشَرُ، وَالبَطَرُ، وَالتَّدَابُرُ، وَالتَّنَافُسُ، وَالتَّبَاغُضُ، وَالبُخْلُ حَتَّى يَكُونَ البَغْيُ ثُمَّ يَكُونَ الهَرْجُ" (١). * تَنْبِيْهٌ: روى ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: لتركبنَّ سنن بني إسرائيل حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة، غير أني لا أدري تعبدون العجل أم لا (٢). لكن روى الديلمي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "لِكُلِّ أُمَّةٍ عِجْلٌ يَعْبُدُونهُ، وَعِجْلُ هَذِهِ الأُمَّةِ الدَّرَاهِمُ وَالدَّناَنِيْرُ" (٣). وعنده من حديث أبي هريرة مرفوعاً: "لِكُلِّ شَيْءٍ آفَةٌ تُفْسِدُهُ، وَأَعْظَمُ الآفَاتِ آفَةٌ تُصِيْبُ أَمَّتِي حُبُّهُمُ الدُّنْيَا، وَحُبُّهُمُ الدِّينَارَ وَالدِّرْهَمَ؛ يَا أَبَا هُرَيْرَة! لا خَيْرَ فِي كَثِيْرٍ مِمَّنْ جَمَعَهَا إِلاَّ مَنْ سَلَّطَهُ اللهُ

стр. 3761

عَلَى هَلَكَتِهَا فِي الحَقِّ" (١). واعلم أن الخصلة التي كانت سبباً لضلال اليهود والنصارى وهلاكهم التهاون بالطاعات، واحتقار الصغائر من المعاصي، وكانوا يتركون الدين شيئاً فشيئاً حتى رق دينهم وهان أمرهم، ثم ارتكبوا العظائم، ثم كفروا وأشركوا، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ [البقرة: ٦١]. بيَّنت الآية أن سبب ذلتهم ومسكنتهم وبوائهم بالغضب الكفر، وقتل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأنَّ سبب وقوعهم في الكفر المعصية والتهاون بها، واعتياد العدوان على الناس، فَجَزَّهم قليل الشر إلى كثيره. وروى أبو نعيم في "الحلية" عن طارق بن شهاب، عن حذيفة رضي الله تعالى عنهما قال: قيل له: في يوم واحد تركت بنو إسرائيل دينهم؟ قال: لا، ولكنهم كانوا إذا أمروا بشيء تركوه، وإذا نهوا عنه ركبوه، حتى انسلخوا من دينهم كما ينسلخ الرجل من قميصه (٢). واعلم أنَّ قبائح اليهود والنصارى، وأعمالهم وأخلاقهم التي أمرنا بمخالفتهم فيها كثيرة جداً.

стр. 3762

١ - فمنها - وهو أعظمها -: الكفر . وهذا متظافرة عليه نصوص القرآن العظيم، ومنقول بالتواتر عن النبي الكريم ﷺ . وقد نص العلماء على أنَّ من شكَّ في كفر اليهود والنصارى فهو كافر مهدر الدم، ولا ينفع اليهود ولا النصارى ولا غيرهما ممن يتدين بدين غير دين الإسلام عمل ولا اجتهاد، ولا حسن خلق ولا بِرٌّ حتى يؤمن بوحدانية الله تعالى، ويصدق محمداً ﷺ فيما جاء به. قال رسولُ اللهِ ﷺ : "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَلا يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ". رواه الإمام أحمد، ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). وفي "صحيح البخاري"، وغيره عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: أنه قال في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]؛ قال: هم اليهود والنصارى (٢). وروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن علي رضي الله تعالى عنه

стр. 3763

في الآية قال: هم الرهبان الذين حبسوا أنفسهم في السواري (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، والحاكم عن أبي عمران الجوني قال: أمر عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه براهب فوقف، ونودي الراهب فقيل له: هذا أمير المؤمنين، فاطَّلَع فإذا إنسان به من الضر والاجتهاد وترك الدنيا، فلما رآه عمر بكى، فقيل له: إنَّه نصراني. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: قد علمت، ولكنْ رَحِمْتُهُ، وذكرت قول الله تعالى: ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ [الغاشية: ٣ - ٤]، فَرَحِمْتُ نَصَبَه واجتهاده وهو في النار (٢). وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٢ - ٣] قال: اليهود والنصارى؛ تخشع ولا ينفعها عملها (٣). وعلم من كلام عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهم أن خشوعها وعملها ونصبها الموصوفة به كانت في الدنيا، إلا أنها لا تنتفع به في الآخرة.

стр. 3764

وفي الآية قول آخر: إن ذلك تتصف به في الآخرة. أخرجه ابن جرير عن ابن عباس أيضاً؛ قال: تعمل وتنصب في النار (١). وقال قتادة: ﴿خَاشِعَةٌ﴾ [الغاشية: ٢] ذليلة في النار. ﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ﴾ [الغاشية: ٢]، قال: تكبرت في الدنيا عن طاعة الله ، فأعملها وأنصبها في النار. أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٢). [وقول ثالث أخرجه ابن أبي حاتم] (٣) عن عكرمة؛ قال: عاملة في الدنيا بالمعاصي، تنصب في النار يوم القيامة (٤). ٢ - ومنها - وهو داخل فيما قبله -: التجسيم، والحلول، والإلحاد، والتشبيه . قال الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ [الأعراف: ١٤٨]. وقال تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٥]. ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ

стр. 3765

مُوسَى فَنَسِيَ﴾ [طه: ٨٨] الآية. وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: جاء يهودي إلى النبي ﷺ فقال: أخبرني عن ربك من أي شيء هو، أمن لؤلؤ أم ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأخذته، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ﴾ [الرعد: ١٣] (١). وروى ابن جرير، وابن المنذر عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: أتى رهط من اليهود النبي ﷺ فقالوا له: يا محمد! هذا الله خلق الخلق؛ فمن خلقه؟ فغضب رسول الله ﷺ حتى انتقع لونه، ثم ساورهم غضباً لربه، فجاءه جبريل ﵇ فسكَّنه، وقال له: خفِّض عليك جناحك، وجاءه من الله تعالى جواب ما سألوه عنه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١ - ٤]. فلما تلاها عليهم قالوا: صف لنا ربك كيف خَلْقُه؟ وكيف ذراعه؟ فغضب ﷺ أشد من غضبه الأول، وساورهم غضباً، فأتاه جبريل

стр. 3766

عليه السلام، فقال له مثل مقالته الأولى، وأتاه بجواب ما سألوه عنه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] (١). وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ [التوبة: ٣٠]. ما حكاه الله تعالى عن النصارى كان مشهوراً فيهم بحيث لا ينكرونه. وأما ما حكاه عن اليهود، فروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أتى رسول الله ﷺ سلام بن مشكم، ونعمان بن أبي أوفى، وشاس بن قيس، ومالك بن الصيف، فقالوا: كيف نتَّبعك وقد تركت قبلتنا، وأنت لا تزعم أنَّ عُزيراً ابن الله؟ فأنزل الله تعالى الآية (٢). وروى ابن المنذر عن ابن جريج: أنَّ قائل ذلك فنحاص بن عازوراء (٣). وكل هؤلاء من مشاهير اليهود. ونقله الثعلبي عن عبيد بن عمير رحمه الله تعالى (٤).

стр. 3767

وقال آخرون: فَقَدَ بنو إسرائيلَ التابوتَ، وتقادم عهدهم حتى مات حملة التوراة، ونسخت من صدورهم، وكان عُزير ﵇ من علمائهم، فابتهل إلى الله في ذلك، فنزل إليه نور، ودخل جوفه، فألهمه الله التوراة، فتعلموها منه زماناً، ثم رجع إليهم التابوت، فنظروا ما فيه، فوجدوه مطابقاً لما أتاهم به عُزير، فقالوا: ما آتى الله عُزيراً هذا إلاَّ لأنَّه ابنه (١). وقال الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ (٧٢) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٢ - ٧٣]. وقد حُكِيَ أنَّ النصارى افترقوا إلى ثلاث فرق (٢): - يعقوبية: وهم القائلون: المسيح ابن الله، وهم القائلون أيضاً باللاهوت والناسوت. - ونسطورية: وهم القائلون: إن عيسى وأمه والإله كانوا ثلاثة، وربما قالوا: الأب والابن وروح القدس؛ يعنون بالأب: الذات،

стр. 3768

والابن: العلم، وروح القدس: الأم. -ومالكانية: وهم القائلون: إن الله هو المسيح. وقيل: إنَّ المالكانية مثلِّثون أيضاً، وإنهم القائلون بالأقانيم الثلاثة. وكلهم كفار. قال الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: ١٧١]. * فائِدَةٌ: في هذه الآيات دليل على جواز حكاية الكفر لمن يحكيه منكراً له، مستعظماً إياه كما نبَّه عليه القاضي أبو بكر بن العربي (١)، ونقله الإمام الوالد في "التفسير" عنه. * فائِدَةٌ أُخْرى: ضارعت بعض طوائف الشيعة في عليٍّ النصارى في عيسى، كما ضارعت بعض الخوارج والناصبة فيه اليهود، وكان ذلك معجزة للنَّبِيِّ ﷺ في قولهِ: "يَا عَلِيُّ! إِنَّ فِيْكَ مِنْ عِيْسَى مَثَلاً أَبْغَضَتْهُ اليَهُودُ

стр. 3769

حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَ بِهَا". رواه أبو نعيم في "فضائل الصحابة"، وغيره، وهو في "مستدرك الحاكم" (١). لكن تعقب، وسيأتي بيان قبائحهم في محله. * فائِدَةٌ ثالِثَةٌ: روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد"، وابن أبي شيبة عن غالب بن عجرد قال: حدَّثني رجل من فقهاء أهل الشام في مسجد منى، قال: إن الله خلق الأرض وخلق ما فيها من الشجر، ولم يكن أحد من بني آدم يأتي شجرة إلا أصاب منها خيراً، أو كان له خير، فلم تزل الشجر كذلك حتى تكلمت فَجَرة بني آدم بالكلمة العظيمة؛ قولهم: اتخذ الله ولداً، فاقشعرت الأرض، فشاك الشجر (٢). واعلم أنَّ منشأ ما ذكرناه هنا عن اليهود والنصارى من الكفر حتى ادَّعوا ما ادَّعوا، وقالوا ما قالوا إنَّما هو من اعتقاد التشبيه، وتأولهم لما في كتابهم من آيات الصفات على قدر آرائهم من غير ملاحظة للتنزيه،

стр. 3770

ولذلك ضحك النبي ﷺ ضحك تهكُّم على ذلك الحَبر الذي جاء فيما رواه الشيخان عن ابن مسعود ﵁ قال: جاء حَبْر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا محمد! إن الله يضع السماء على أصبع، والأرضين على أصبع، والجبال على أصبع، والشجر والأنهار على أصبع، وسائر الخلق على أصبع، ثم يقول: أنا الملك. فضحك رسول الله ﷺ وقالَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] ". وفي رواية فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه تصديقاً للحبْر، ثم قرأ الآية (١). أي: تصديقاً له في اعتقاد القبضة، وتعجباً من حيث حمل هذه الصفة على ما فهم من التشبيه. قال الحسن: إن اليهود نظروا في خلق السموات والأرض والملائكة، فلما فرغوا أخذوا يقدِّرونه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الزمر: ٦٧]. رواه ابن أبي حاتم (٢). وروى الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: مرَّ يهودي بالنبي ﷺ فقال: كيف تقول يا أبا القاسم إذا وضع الله السموات على ذه، والأرض على ذه، والماء على ذه، والجبال على ذه، وسائر الخلق على ذه - وأشار بعض الرواة بخنصره أولاً، ثم تابع حتى بلغ الإبهام -؟

стр. 3771

فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: ٦٧] (١). وروى ابن جرير، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الأسماء والصفات" عن ابن عباس ﵄: أن اليهود أتت النبي ﷺ فسألته عن خلق السماوات والأرض، فقالَ: "خَلَقَ اللهُ الأَرْضَ يَومَ الأَحَدِ وَالاثْنَيْنِ، وَخَلَقَ الجَبَالَ يَومَ الثُّلاثَاءِ وَمَا فِيْهِنَّ مِن مَنَافِعَ، وَخَلَقَ يَومَ الأَرْبِعَاءِ الشَّجَرَ وَالمَاءَ، وَالمَدَائِنَ وَالعُمْرَانَ وَالخَرَابَ، فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَيَّامٍ، فَقَالَ عَزَّ مِن قَائِل: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ﴾ [فصلت: ٩ - ١٠]. وَخَلَقَ يَومَ الخَمِيْسِ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ يَومَ الجُمُعَةِ النُّجُومَ، والشَّمْسَ والقَمَرَ، والمَلائِكَةَ إِلَى ثَلاثِ سَاعَاتٍ بَقِيْنَ مِنْهُ، فَخَلَقَ فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ مِنْ هَذِهِ السَّاعَاتِ الثَّلاثَة الآجَالَ حِيْنَ يَمُوتُ مَن مَاتَ، وفِي الثَّانِيةِ أَلْقَى الآفَةَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، وَفِي الثَّالِثَةِ آدَمَ وَأسْكَنَهُ الجَنَّةَ، وَأَمَرَ إِبْلِيْسَ بِالسُّجُودِ لَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ". ثمَّ قالت اليهودُ: ثمَّ ماذا يا محمَّد؟ قال: "ثُمَّ اسْتَوَى عَلى العَرْشِ". قالوا: قد أصبت لو أتممت؛ قالوا: ثم استراح. قال: فغضب النَّبِيُّ ﷺ غضباً شديدًا، فَنَزَلَت: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا

стр. 3772

﴿السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ﴾ [ق: ٣٨ - ٣٩] (١). قال قتادة: قالت اليهود: إنَّ الله خلق السماوات والأرض ما بينهما في ستة أيام، وفرغ من الخلق يوم الجمعة، واستراح يوم السبت، فأكذبهم الله تعالى فقال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨]. رواه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر (٢). وقال مجاهد في الآية: اللغوب: النَّصَبُ؛ يقول اليهود: إنَّه أُعيي بعدما خلقها. رواه ابن جرير، والبيهقي (٣). وروى الخطيب البغدادي في "تاريخه": عن العَوَّام بن حوشب قال: سألتُ أبا مجلز عن الرَّجل يجلس فيضع إحدى رجليه على الأخرى، فقال: لا بأس به؛ إنَّما كره ذلك اليهود زعموا أنَّ الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ثمَّ استراح يوم السبت، فجلس

стр. 3773

تلك الجلسة، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ﴾ [ق: ٣٨] (١). وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنَّ رهطاً من نجران قدموا على رسول الله ﷺ فيهم السَّيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك لم تذكر صاحبنا؟ قال: "مَنْ هُوَ"؟ قالوا: عيسى ﵇، تزعم أنَّه عبد الله. فقال: "أَجَل". فقالوا: هل رأيت مثل عيسى أو أنبئت به؟ ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل ﵇ فقال: قل لهم إن أتوك: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٩ - ٦٠] (٢). وروى ابن جرير عن السدي رحمه الله تعالى: أنَّ أربعة من أهل نجران سألوا النبي ﷺ : ما تقول في عيسى ﵇؟ قال: "هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرُوْحُهُ وَكَلِمَتُهُ". قالوا: لا، ولكنه هو الله نزل من ملكه، فدخل جوف مريم،

стр. 3774

وخرج منها، فأرانا قدرته وأمره، فهل رأيت قط إنساناً خلق من غير أب؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩] (١). فعلم من ذلك أن النصارى إنما عبدوا عيسى من حيث انفرادُه بخصوصية كونه من غير أب، ولا أب لله، فدخل التشبيه عليهم من هذه الحيثية، وهذا نظر في غاية الفساد فإنهم يقولون: إنَّ الإله لا والد له، ثم يقولون: إنَّه ابن الله، وهذا يستلزم بطلان أُلُوهِيَّتِه؛ فسبحان من وصف نفسه بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١]. وروى اللالكائي في "السنة" عن نعيم بن حمَّاد رحمه الله تعالى قال: من شبَّه الله تعالى بشيء من خلقه فقد كفر، ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر، وليس ما وصف الله به نفسه ورسوله بتشبيه (٢). وروى فيه عن يزيد بن هارون رحمه الله تعالى قال: إنَّ الجهمية غلت تفرعت في غلوها إلى أن نفت، وأنَّ المشبِّهة غلت تفرعت في غلوها إلى أن مثَّلت (٣).

стр. 3775

ومن هنا كان السلف لا يؤولون آيات الصفات وأحاديثها، ويقولون: أمُّرِوها كما جاءت (١)، مع اعتقاد التنزيه. وتأولها جماعة من الخلف بما يليق بها مع اعتقاد التنزيه أيضاً. قال الشيخ الجد في ألفيته "الجوهر الفريد": [من الرجز] وَنُثْبِتُ الَّذِي أَتَى مِنْ مُشْكِلِ ... فِي سُنَّةِ وَفِي كِتابٍ مُنْزَلِ مُنَزِّهِينَ اللهَ عَنْ تَمْثِيلِ ... مُقَدِّسِينَ فِيهِ عَنْ تَعْطِيلِ كَالْيَدِ وَالْوَجْهِ وَسَمْعٍ وَبَصَرْ ... وَالرَّوْحِ وَالنَّفْسِ وَعَيْنِ وَنَظَرْ وَهَلْ يُفَوَّضُ إِلَيْهِ الْمُشْكِلُ ... سُبْحانَهُ مِنْ ذاكَ أَوْ يُؤَوَّلُ وَالأَعْلَمُ التَّفْوِيْضُ مَذْهَبُ السَّلَفْ ... وَالأَحْكَمُ التَّأْوِيْلُ مَذْهَبُ الْخَلَفْ

стр. 3776

وَلَيْسَ شَيْءٌ مِثْلَهُ مُحَقَّقا ... وَهُوَ السَّمِيع وَالْبَصِيرُ مُطْلقاً وأجاد الحافظ العلامة جلال الدين السُّيوطي رحمه الله تعالى في قوله: [من مجزوء الكامل المرفَّل] فَوِّضْ أَحادِيْثَ الصِّفا ... تِ وَلا تُشَبِّهْ أَوْ تُعَطِّلْ إِنَّ الْمُفَوِّضَ سالِمٌ ... مِمَّا تَكَلَّفَهُ الْمُؤَوِّلْ (١) * فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ: روى الديلمي في "مسند الفردوس"، وابن النَّجار في "تاريخه" عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "كَانَ عِيسى بنُ مَريَمَ ﵉ يَسِيْحُ، فَإِذَا مَشَى أَكَلَ بَقْلَ الصَّحْرَاءِ، وَشَرِبَ مَاءَ القُرَاحِ، وَتَوَسَّدَ التُّرَابَ". ثمَّ قال: "عِيسى بْنُ مَرْيَمَ لَيْسَ لَهُ وَالِدٌ مخرب وَلا وَلَدٌ يَمُوتُ، طَعَامُهُ بَقْلُ الصَّحْرَاءِ، وَشَرَابُهُ مَاءُ القُرَاحِ، وَوِسَادُهُ التُّرَابُ، مَرَّ بِوَادٍ فَإِذَا فِيْهِ رَجُلٌ أَعْمَى مُقْعَدٌ مَجْذُومٌ قَدْ قَطَعَهُ الجُذَامُ، السَّمَاءُ مِنْ فَوْقِهِ وَالوَادِي مِنْ تَحْتِهِ، وَالثَّلْجُ عَنْ يَمِيْنِهِ، وَالبَرَدُ عَنْ يَسَارِهِ، وَهُوَ يَقُوْلُ:

стр. 3777

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالمِيْنَ ثَلاثاً. فَقَالَ لَهُ عِيْسَى بنُ مَرْيَمَ ﵉: يَا عَبْدَ اللهِ! عَلام تَحْمَدُ الله؟ أَنْتَ أَعْمَى مُقْعَدٌ مَجْذُوْمٌ وَقَد قَطَعَكَ الجُذامُ، السَّمَاءُ مِنْ فَوقِكَ وَالأَرضُ مِنْ تَحْتِكَ، وَالثَّلْجُ عَنْ يَمِيْنِكَ، وَالبَرَدُ عَن يَسَارِكَ! قَالَ: يَا عِيسَى! أَحْمَدُ اللهَ إِذْ لَمْ أكُنِ السَّاعَةَ مِمَّن يَقُولُ: إِنَّكَ اللهُ، أَو: ابْنُ اللهِ، أَوْ: ثَالِثُ ثَلاثَةٍ". * تَنْبِيْهٌ: روى ابن أبي شيبة عن كعب رحمه الله تعالى قال: أول ما نزل من التوراة عشر آيات: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الآيات (١). وروى أبو الشيخ: أنَّ كعباً سمع رجلاً يقرأ؛ يعني: من سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ [الأنعام: ١٥١]، فقال: والذي نفس كعب بيده! إنها لأول آية في التوراة (٢). وقد جاء عن كعب أيضاً: أنَّ آخر آية في التوراة: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ

стр. 3778

﴿الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ [الإسراء: ١١١] (١). وفي "مسند الإمام أحمد" عن معاذ بن أنس [﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "آية العز؛ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية كلها (٢). وروى ابن السني] (٣) عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁ قال: كان الغلام إذا أفصح من بني عبد المطلب علَّمه النبي ﷺ هذه الآية سبع مرات: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ [الإسراء: ١١١] (٤). والحكمة في ذلك تمرين الولد على اعتقاد التوحيد، ونفي الولد والشريك والولي من الذل عن الله المجيد؛ فاعلم! ٣ - ومن كفر اليهود لعنة الله عليهم: نسبة الله تعالى إلى الظلم، وإلى الفقر، وإلى البخل . قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ

стр. 3779

أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا﴾ [المائدة: ٦٤]. قال مجاهد: لما نزلت: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] قالت اليهود: إنَّ الله فقير ونحن أغنياء. ذكره الثعلبي (١). وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بيت المدارس، فوجد يهود قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له: فنحاص، فقال فنحاص: ما بنا إلى الله من فقر، وأنه إلينا لفقير؛ فلو كان غنياً ما استقرض منا كما يزعم صاحبكم. فغضب أبو بكر فضرب وجهه، فذهب فنحاص إلى رسول الله ﷺ فقال: انظر يا محمد ما صنع صاحبك بي. فقال: "ما حَمَلَكَ يا أَبا بَكْرٍ عَلى ما صَنَعْتَ؟ " فقال: يا رسول الله! قال قولاً عظيماً؛ يزعم أن الله فقير وأنهم عنه أغنياء. فجحد فنحاص، فأنزل الله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا﴾ [آل عمران: ١٨١] فكانت الآية تصديقاً لأبي بكر (٢).

стр. 3780

وروى الطبراني - ورواته ثقات - عن ابن عباس ﵄ قال: قال رجل من اليهود يقال له: الشاس بن قيس: إن ربك بخيل لا ينفق، فأنزل الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ﴾ [المائدة: ٦٤] الآية (١). وروى أبو الشيخ، وغيره عن عكرمة: أن قائل هذا فنحاص بن عازوراء وأصحابه، وكان لهم أموال، فلما كفروا بمحمد ﷺ قَلَّ مالهم، فقالوا: إن الله بخيل، ويد الله مقبوضة عنا في العطاء (٢). وروى الديلمي عن أنس ﵁، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "إِنَّ يَحْيَى بنَ زَكَرِيَّا ﵉ سَأَلَ رَبَّهُ فَقَالَ: يَارَبِّ! اِجْعَلْنِي مِمَّنْ لا يَقَعَ النَّاسُ فِيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعَالَى إِلَيْهِ: يَا يَحْيَى! هَذَا شَيْءٌ لَمْ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي، كَيْفَ أَجْعَلُهُ لَكَ؟ اِقْرَأْ فِي المُحْكَمِ تَجِدْ فِيْهِ: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٠] , وقالوا: ﴿يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ [المائدة: ٦٤] , وقالوا وقالوا" (٣). وقوله: "اقرأ في المحكم" يحتمل أن يكون من قول الله تعالى ليحيى ﵇، وعليه: فيكون هذه الأقوال تقدمت عنهم من أسلافهم قديماً، ثم تكلم بها أخلافهم.

стр. 3781

ويحتمل أن يكون من قول النبي ﷺ لأنس، أو من قول أنس للراوي عنه. وفي الحديث: "إِنَّ مَنْ طَلَبَ السَّلامَةَ مِنْ ألْسِنَةِ النَّاسِ فَقَدْ طَلَبَ مَا لا يَكُوْنُ". وفي "حلية أبي نعيم": عن وهب قال: قال موسى ﵇: يا رب! احبس عني كلام الناس، فقال الله : لو فعلت هذا بأحد لفعلته بنفسي (١). وعن جعفر بن محمد قال: إذا بلغك عن أخيك شيء يسوؤك فلا تغتم؛ فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة عجلت، وإن كان على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها. قال: وقال موسى ﵇: يارب! أسألك أن لا يذكرني أحد إلا بخير. قال: ما فعلت ذلك لنفسي (٢). وقلت: [من السريع] تُرِيْدُ أَنْ تَسْلَمَ فِي هَذِهِ الـ ... ـدُّنْيا بِلا قَوْلٍ مِنَ النَّاسِ

стр. 3782

وَهُمْ لَقَدْ قالُوا عَلى اللهِ ما ... قالُوا فَكُنْ مِنْ ذا عَلى يَاسِ وقلت مستوفياً لمعاني هذه الآثار: [من السريع] تُرِيْدُ أَنْ تَسْلَمَ مِنْ أَلسُنٍ ... تَوَدُّ ما قَدْ قِيلَ لَوْ لَمْ يُقَلْ وَذَلِكَ الأَمْرُ الَّذِي رَبُّنا ... لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ ما فَعَل فَاصْبِرْ عَلى أَقْوالِ هَذا الْوَرَى ... تَنَلْ مِنَ الْخَيْرِ جَزِيْلَ النَّفَلْ إِنْ قِيْلَ ما فِيْكَ فَقَدْ عُجِّلَتَ ... عُقُوْبَةُ الذَّنْبِ الَّذِي قَدْ حَصَلْ أَوْ غَيْرَ ما فِيْكَ تَفُزْ بِالَّذِي ... لَمْ تَأْتِهِ مِنْ حَسَناتِ الْعَمَلْ وقلت قديماً: [من السريع] مَنْ رامَ أَنْ يُكْفَى كَلامَ الْوَرَى ... فَإِنَّهُ حاوَلَ ما لا يَكُوْنْ قَدْ قالَ أَهْلُ الْكُفْرِ فِي رَبِّهِمْ ... ما عَنْهُ قَدْ نزَّهَهُ الْمُؤْمِنُونْ

стр. 3783

وَما يُقَلْ فِيْكَ فَكَفَّارَةٌ ... إِنْ كانَ صِدْقاً كُلُّ ما يَذْكُرُونْ أَوْ لا فَأَجْرٌ لَكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ ... تَعْمَلَ تَلْفَى بِالَّذِي يَفْتَرُونْ فَاصْبِرْ عَلى النَّاسِ وَلا تَبْتَئِسْ ... بِذَلِكَ الْقَوْلِ الَّذِي يَمْتَرُونْ ٤ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: إنكار القدر، والتنازع فيه (١) روى اللالكائي في "السنة" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النَّبِي ﷺ : "مَا هَلَكَتْ أُمَّةٌ قَطُّ إِلاَّ بِالشِّرْكِ بِاللهِ، وَمَا أَشْرَكَتْ أُمَّةٌ حَتَّى يَكُوْنَ بَدْءُ شِرْكِهَا التَّكْذِيْبَ بِالقَدَرِ" (٢). وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً؛ منهم نبينا ﷺ (٣).

стр. 3784

وعن ابن عباس ﵄ قال: إن بني إسرائيل كانوا على شريعة ومنهاج ظاهرين على من ناوأهم حتى تنازعوا في القدر، فلما تنازعوا اختلفوا، وتباغضوا وتلاعنوا، واستحل بعضهم حرمات بعض، فسلط الله عليهم عدوهم، فمزَّقهم كل ممزق (١). وروى الطبراني، وابن عدي، واللالكائي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "اِتَّقُوا هَذَا القَدَرَ؛ فَإِنَّهُ شُعْبَةٌ مِنَ النَّصْرَانِية" (٢). وقال ابن عباس: اتقوا هذا الإرجاء؛ فإنه شعبة من النصرانية (٣). وروى اللالكائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء العاقب والسيد، وكانا رأس النصارى بنجران، فتكلما بين يدي النبي ﷺ بكلام كثير في القدر، والنبي ﷺ ساكت ما يجيبهما بشيء حتى انصرفا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ الذين كفروا وكذبوا بالله من قبلكم، ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ الأول في أول الكتاب، ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قولى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ الذين كفروا,

стр. 3785

وكذبوا بالقدر من قبلكم، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ يعني: متذكر، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ الأول أم الكتاب، ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٤٣ - ٥٣]؛ يعني: مكتتب. إلى آخر السورة (١). وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: القدرية يهود. وقال الشعبي: القدرية نصارى (٢). وقال حرب بن شريح البزاز: قلت لمحمد بن علي رحمهما الله تعالى: إن لنا إماماً يقول في القدر. فقال: يا ابن الفارسي! انظر كل صلاة صليتها خلفه أعدها، إخوان اليهود والنصارى، قاتلهم الله أنى يؤفكون (٣). وقال الأوزاعي رحمه الله تعالى: أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن، كان نصرانياً فأسلم ثم تنصر، أخذ عنه سعيد الجهني، وأخذ غيلان عن سعيد (٤). روى هذه الآثار اللالكائي. ٥ - ومنها: الاحتجاج بالمشيئة والقدر في الاعتذار عن البخل . وهو مضاد لقولهم: لا قدر.
следующие страницы →