← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

ويحتمل أن يكون من قول النبي ﷺ لأنس، أو من قول أنس للراوي عنه. وفي الحديث: "إِنَّ مَنْ طَلَبَ السَّلامَةَ مِنْ ألْسِنَةِ النَّاسِ فَقَدْ طَلَبَ مَا لا يَكُوْنُ". وفي "حلية أبي نعيم": عن وهب قال: قال موسى ﵇: يا رب! احبس عني كلام الناس، فقال الله : لو فعلت هذا بأحد لفعلته بنفسي (١). وعن جعفر بن محمد قال: إذا بلغك عن أخيك شيء يسوؤك فلا تغتم؛ فإنه إن كان كما يقول كانت عقوبة عجلت، وإن كان على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها. قال: وقال موسى ﵇: يارب! أسألك أن لا يذكرني أحد إلا بخير. قال: ما فعلت ذلك لنفسي (٢). وقلت: [من السريع] تُرِيْدُ أَنْ تَسْلَمَ فِي هَذِهِ الـ ... ـدُّنْيا بِلا قَوْلٍ مِنَ النَّاسِ

стр. 3782

وَهُمْ لَقَدْ قالُوا عَلى اللهِ ما ... قالُوا فَكُنْ مِنْ ذا عَلى يَاسِ وقلت مستوفياً لمعاني هذه الآثار: [من السريع] تُرِيْدُ أَنْ تَسْلَمَ مِنْ أَلسُنٍ ... تَوَدُّ ما قَدْ قِيلَ لَوْ لَمْ يُقَلْ وَذَلِكَ الأَمْرُ الَّذِي رَبُّنا ... لِنَفْسِهِ سُبْحانَهُ ما فَعَل فَاصْبِرْ عَلى أَقْوالِ هَذا الْوَرَى ... تَنَلْ مِنَ الْخَيْرِ جَزِيْلَ النَّفَلْ إِنْ قِيْلَ ما فِيْكَ فَقَدْ عُجِّلَتَ ... عُقُوْبَةُ الذَّنْبِ الَّذِي قَدْ حَصَلْ أَوْ غَيْرَ ما فِيْكَ تَفُزْ بِالَّذِي ... لَمْ تَأْتِهِ مِنْ حَسَناتِ الْعَمَلْ وقلت قديماً: [من السريع] مَنْ رامَ أَنْ يُكْفَى كَلامَ الْوَرَى ... فَإِنَّهُ حاوَلَ ما لا يَكُوْنْ قَدْ قالَ أَهْلُ الْكُفْرِ فِي رَبِّهِمْ ... ما عَنْهُ قَدْ نزَّهَهُ الْمُؤْمِنُونْ

стр. 3783

وَما يُقَلْ فِيْكَ فَكَفَّارَةٌ ... إِنْ كانَ صِدْقاً كُلُّ ما يَذْكُرُونْ أَوْ لا فَأَجْرٌ لَكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ ... تَعْمَلَ تَلْفَى بِالَّذِي يَفْتَرُونْ فَاصْبِرْ عَلى النَّاسِ وَلا تَبْتَئِسْ ... بِذَلِكَ الْقَوْلِ الَّذِي يَمْتَرُونْ ٤ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: إنكار القدر، والتنازع فيه (١) روى اللالكائي في "السنة" عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النَّبِي ﷺ : "مَا هَلَكَتْ أُمَّةٌ قَطُّ إِلاَّ بِالشِّرْكِ بِاللهِ، وَمَا أَشْرَكَتْ أُمَّةٌ حَتَّى يَكُوْنَ بَدْءُ شِرْكِهَا التَّكْذِيْبَ بِالقَدَرِ" (٢). وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لعنت القدرية على لسان سبعين نبياً؛ منهم نبينا ﷺ (٣).

стр. 3784

وعن ابن عباس ﵄ قال: إن بني إسرائيل كانوا على شريعة ومنهاج ظاهرين على من ناوأهم حتى تنازعوا في القدر، فلما تنازعوا اختلفوا، وتباغضوا وتلاعنوا، واستحل بعضهم حرمات بعض، فسلط الله عليهم عدوهم، فمزَّقهم كل ممزق (١). وروى الطبراني، وابن عدي، واللالكائي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "اِتَّقُوا هَذَا القَدَرَ؛ فَإِنَّهُ شُعْبَةٌ مِنَ النَّصْرَانِية" (٢). وقال ابن عباس: اتقوا هذا الإرجاء؛ فإنه شعبة من النصرانية (٣). وروى اللالكائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: جاء العاقب والسيد، وكانا رأس النصارى بنجران، فتكلما بين يدي النبي ﷺ بكلام كثير في القدر، والنبي ﷺ ساكت ما يجيبهما بشيء حتى انصرفا، فأنزل الله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾ الذين كفروا وكذبوا بالله من قبلكم، ﴿أَمْ لَكُمْ بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾ الأول في أول الكتاب، ﴿أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ إلى قولى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ﴾ الذين كفروا,

стр. 3785

وكذبوا بالقدر من قبلكم، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ يعني: متذكر، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ﴾ الأول أم الكتاب، ﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾ [القمر: ٤٣ - ٥٣]؛ يعني: مكتتب. إلى آخر السورة (١). وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: القدرية يهود. وقال الشعبي: القدرية نصارى (٢). وقال حرب بن شريح البزاز: قلت لمحمد بن علي رحمهما الله تعالى: إن لنا إماماً يقول في القدر. فقال: يا ابن الفارسي! انظر كل صلاة صليتها خلفه أعدها، إخوان اليهود والنصارى، قاتلهم الله أنى يؤفكون (٣). وقال الأوزاعي رحمه الله تعالى: أول من نطق في القدر رجل من أهل العراق يقال له: سوسن، كان نصرانياً فأسلم ثم تنصر، أخذ عنه سعيد الجهني، وأخذ غيلان عن سعيد (٤). روى هذه الآثار اللالكائي. ٥ - ومنها: الاحتجاج بالمشيئة والقدر في الاعتذار عن البخل . وهو مضاد لقولهم: لا قدر.

стр. 3786

قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ﴾ [يس: ٤٧]. المراد بالذين كفروا في الآية: اليهود. رواه ابن أبي حاتم عن الحسن (١)، وابن المنذر عن إسماعيل بن خالد (٢). وروى عبد الرزاق، والمفسرون عن قتادة أنها نزلت في الزنادقة؛ كانوا لا يطعمون فقيراً، فعاب الله ذلك عليهم وعيَّرهم (٣). ٦ - ومنها: الإرجاء . وهو اعتقاد أن الإيمان مجرد قول: لا إله إلا الله بدون التصديق بالقلب وعمل الجوارح، أو مجرد القول والمعرفة. وقد تقدم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه: أنه شعبة من النصرانية. وروى اللالكائي عن سعيد بن جبير ﷺ قال: المرجئة يهود القبلة (٤). بل روى أبو مضر ربيعة بن علي العجلي في كتاب "عدم الاعتزال"، والرافعي في "تاريخ قزوين" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن

стр. 3787

النبي ﷺ قال: "يَهُودُ أُمَّتِي الْمُرْجِئَةُ" (١). وروى اللالكائي عن عطاء بن السائب قال: ذكر سعيد بن جبير المرجئة، فضرب لهم مثلاً فقال: مثلهم مثل الصابئين؛ إنهم أتوا اليهود فقالوا: ما دينكم؟ فقالوا: اليهودية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: التوراة، قالوا: فمن نبيكم؟ قالوا: موسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة. ثم أتوا النصارى فقالوا: ما دينكم؟ قالوا: النصرانية، قالوا: فما كتابكم؟ قالوا: الإنجيل، قالوا: فمن نبيكم؟ قالو ا: عيسى، قالوا: فماذا لمن تبعكم؟ قالوا: الجنة. قالوا: فنحن بين دينين (٢). وروى البخاري في "التاريخ"، والترمذي وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وابن ماجه عنه، وعن جابر رضي الله تعالى عنه، والخطيب، واللالكائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والطبراني في "الأوسط" عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قالوا: قال رسول اللهِ ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لَيْسَ لَهُمَا فِي الإِسْلامِ نَصِيْبٌ:

стр. 3788

المُرْجِئَةُ، وَالقَدَرِيَّةُ" (١). ورواه الطبراني في "الأوسط" عن واثلة بن الأسقع، وعن جابر، وأبو نعيم في "الحلية" عن أنس رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول اللهِ ﷺ : "صِنْفَانِ مِنْ أُمَّتِي لا تَنَالُهُم شَفَاعَتِي: المُرْجِئَةُ، وَالقَدَرِّيةُ" (٢). وروى الطبراني عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "صِنْفَانِ مِن أُمَّتِي لا يَرِدَاْنِ عَلَى الحَوْضِ، وَلا يَدْخُلانِ الجَنَّةَ: القَمَرِيَّةُ، وَالمُرْجِئَةُ" (٣).

стр. 3789

وروى اللالكائي عن معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه قال: لقد لُعنت القدرية والمرجئة على لسان سبعين نبياً آخرهم محمد ﷺ (١). وعن أبي نوفل الهذلي، عن أبيه قال: كان عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من آدب أهل المدينة وأيقظهم، وكان مرجئاً، ثم رجع فأنشأ يقول: [من الوافر] لأَوَّلُ ما نُفارِقُ غَيْرَ شَكٍّ ... نُفارِقُ ما تَقُوْلُ الْمُرْجِئُونا وَقالُوا مُؤْمِنٌ مِنْ أَهْلِ جَوْرٍ ... وَلَيْسَ الْمُؤْمِنُونَ بِجائِرِينا وَقالُوا مُؤْمِنٌ دَمُهُ حَلالٌ ... وَقَدْ حَرُمَتْ دِماءُ الْمُؤْمِنِينا (٢) ٧ - ومنها: ترك السنة شيئاً فشيئاً، والابتداع في الدين . روى الأصبهاني في "الترغيب" عن عبد الله؛ يعني: ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان أهل الكتاب أول ما يتركون السنة، وآخر ما يتركون الصلاة، وكانوا يستحيون من ترك الصلاة (٣). وتقدَّم عن حذيفة: أنَّ بني إسرائيل لم يتركوا دينهم في يوم واحد، بل كانوا يخالفون الأمر والنهي حتى انسلخوا من دينهم.

стр. 3790

٨ - ومنها: الإيغال في البغض كالخوارج، وفي الحب كالروافض . فإن اليهود أفرطوا في حب عزير ﵇ حتى قالوا فيه ما قالوا، وفي بغض عيسى ﵇ حتى قالوا: إنه ولد لغير رشدة. وأفرطت النصارى في حبه حتى زعموه إلهاً. وروى البخاري عن عمر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "لا تطْرُوْنِي كَمَا أَطْرَى النَّصَارَى عِيْسَى بنَ مَرْيَمَ ﵉، وَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُ اللهِ، فَقُوْلُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُه" (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى أنه قال: أحِبُّوا هَوناً، وأبغضوا هَوناً؛ فقد أفرط أقوام في حب أقوام فهلكوا، وأفرط أقوام في بغض أقوام فهلكوا، لا تفرط في حب ولا تفرط في بغض (٢). وروى عبد الله في "زوائد المسند"، والبزار، وأبو يعلى، والحاكم عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال لي النَّبيُّ ﷺ : "إِنَّ فِيْكَ مِنْ عِيْسَى مَثَلاً أَبْغَضَهُ اليَهُوْدُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصَارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ بِالمَنْزِلَةِ الَّتِي لَيْسَتْ لَهُ" (٣).

стр. 3791

قال علي رضي الله تعالى عنه: ألا وإنه يهلك فيَّ اثنان: محب مفرط ففرطني بما ليس فيَّ، ومبغض يحمله شقاقي على أن يبهتني (١). وكان الأمر كذلك، فهلكت في علي رضي الله تعالى عنه الروافض، فقدموه على الشيخين، وسبوهما، ووقعوا بسبب غلوهم فيه في عائشة، وفي طلحة، والزبير، ومعاوية، وعمرو بن العاص، وأبي موسى، ثم تجاوزوا إلى عظائم أخرى. وهلكت فيه الخوارج -ويقال لهم: الحرورية- فكفَّروه، وكفَّروا أصحابه، وقاتلوه في النهروان، وكفَّروا معاوية وأصحابه. وروى ابن أبي شيبة، واللالكائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنَّه ذكر عنده الخوارج وما يلقون عند تلاوة القرآن، فقال: ليسوا بأشد اجتهاداً من اليهود والنصارى (٢). وقد وقع إلحاق الخوارج والروافض باليهود والنصارى في كلام السلف. فروى ابن أبي شيبة عن مصعب بن سعد (٣) رحمه الله تعالى: أنَّه سئل عن الخوارج فقال: فأمَّا الخوارج: هم قوم زاغوا فأزاغ الله قلوبهم (٤).

стр. 3792

قلت: وبذلك وصف الله تعالى بني إسرائيل فقال: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [الصف: ٥]. وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين رحمه الله تعالى: أنَّ رجلاً أتاه فقال: إنَّ عندي غلاماً لي أريد بيعه، قد أُعطيت به ستمئة درهم، وقد أعطاني به الخوارج ثمانمئة درهم، أفأبيعه منهم؟ قال: كنت بايِعَهُ من يهودي أو نصراني؟ قال: لا. قال: فلا تبعه منهم (١). * فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ: روى اللالكائي عن أبي العباس الأصم رحمه الله تعالى قال: كان خارجيان طافا بالبيت، فقال أحدهما لصاحبه: لا يدخل الجنة من هذا الخَلْق غيري وغيرك. فقال له صاحبه: جنة عرضها كعرض السموات والأرض بنيت لي ولك؟ فقال: نعم.

стр. 3793

قال: هي لك، وترك رأيه (١). وأما الروافض فروى اللالكائي عن الشعبي رحمه الله تعالى أنه قال: احذروا المُضلة، وشرها الروافض؛ إن منهم يهود يغمسون الإسلام ليتجاوزوا ضلالتهم كما يغمس طولس بن شاول ملك اليهود، لم يدخلوا الإسلام رغبة ولا رهبة من الله تعالى، ولكن مقتاً لأهل الإسلام، وطعناً عليهم، فأحرقهم علي بن أبي طالب بالنار، ونفاهم من البلدان؛ منهم عبد الله بن سبأ نفاه إلى ساباط، وعبد الله بن شباب نفاه إلى حازر، وأبو الكروش وابنه. وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود: قالت اليهود: لا يصلح الملك إلا في آل داود، وقالت الرافضة: لا يصلح الملك إلا في آل علي. وقالت اليهود: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الدجال أو ينزل عيسى من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد حتى يخرج المهدي، ثم يُنادي مناد من السماء. واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة. والحديث عن رسول اللهِ ﷺ : "لا تَزَالُ أُمَّتِي عَلَى الفِطْرَةِ مَا لَمْ يُؤَخِّرُوا الْمَغْرِبَ حَتَى تَشْتَبِكَ النُّجُوْمُ" (٢).

стр. 3794

واليهود يحولون عن القبلة شيئاً، وكذلك الرافضة. واليهود تسدل أثوابها، وكذلك الرافضة. ومرَّ رسول الله ﷺ برجل قد سدل ثوبه فضمه عليه. واليهود حرفوا التوراة، وكذلك الرافضة حرفوا القرآن. واليهود يستحلون دم كل مسلم، وكذلك الرافضة. واليهود لا يرون الطلاق ثلاثاً شيئاً، وكذلك الرافضة. واليهود لا يرون على النساء عدة، وكذلك الرافضة. واليهود يبغضون جبريل ﵇، ويقولون: هو عدونا من الملائكة، وكذلك صنف من الرافضة يقولون: غلط بالوحي إلى محمد ﷺ . قال: وفضلت اليهود والنصارى على الرافضة بخصلتين: سُئِلت اليهود: من خير أهل أمتكم؟ قالوا: أصحاب موسى ﵇. وسُئِلت النصارى: من خير أهل ملتكم؟ قالوا: حواري عيسى ﵇. وسُئِلت الرافضة: من شر أهل ملتكم؟ قالوا: حواري محمد ﷺ . أُمروا بالاستغفار لهم فسبُّوهم، فالسيف مسلول عليهم إلى يوم

стр. 3795

القيامة، لا يثبت لهم قدم، ولا تقوم لهم راية، ولا تجتمع لهم كلمة، دعوتهم مدحوضة، وجمعهم متفرق، كلما أوقدوا ناراً للحرب أطفأها الله (١). وروى ابن أبي الدنيا في كتاب "المنامات" قال: حدثنا أبو بكر الصيرفي قال: مات رجل كان يشتم أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما، ويرى برأي جهم، فأريه رجل في النوم كأنه عريان على رأسه خرقة سوداء، وعلى عورته أخرى، فقال: ما فعل الله بك؟ قال: جعلني مع بكر القس وعون بن الأعسر، وهذان نصرانيان (٢). ٩ - ومن قبائح اليهود والنصارى: إنكار البعث على ما جاء به الشرع . قال الله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٣ - ١٠٥]. قال مجاهد: نزلت هذه الآية في أهل الكتاب لأنهم لم يؤمنوا بالبعث على ما هو عليه. ذكره الثعلبي، وغيره (٣).

стр. 3796

وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، والبخاري، والنسائي، والمفسرون عن مصعب بن سعد قال: سألت أبي رضي الله تعالى عنه عن هذه الآية: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ١٠٣]: أَهُمُ الحرورية؟ قال: لا، هم أهل الكتاب اليهود والنصارى؛ أما اليهود فكذبوا بمحمد ﷺ ، وأما النصارى فكذبوا بالجنة، فقالوا: ليس فيها طعام ولا شراب. قال: والحرورية الذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. وكان يسميهم: الفاسقين (١). ١٠ - ومنها: التكذيب برؤية الله تعالى في الآخرة، وطلبها في الدنيا شكاً واستبعاداً . فقد علمت أن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ﴾ [الكهف: ١٠٥] نزل في أهل الكتاب. ومن العلماء من فسر اللقاء بالرؤية، وهو استعمال مشهور، وكذلك رجحه الوالد في "تفسيره" (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً

стр. 3797

فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ [البقرة: ٥٥]. وذلك أن موسى ﵇ لمَّا اختار قومه سبعين رجلاً، وذهب بهم فأسمعهم كلام الله تعالى، فلما سمعوا الكلام قالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥]، فأرسل الله عليهم ناراً فأحرقتهم، ثم بعثهم الله تعالى بدعوة موسى ﵇، فإن قولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [البقرة: ٥٥] بعد سماع كلام الله تعالى شك منهم في الله تعالى، أو في أنه المتكلم، أو في إمكان رؤيته. وطلبهم لرؤيته مبني على شك وكفر. فإن قلت: فقد سأل موسى ﵇ الرؤية، فكيف تأوَّل ذلك؟ قلت: فرق بين الطلبين؛ فإن موسى ﵇ طلب الرؤية شوقاً، وهم طلبوها شكاً؛ ألا ترى قوله: ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ [طه: ٨٤]؟ فدل طلب موسى ﵇ للرؤية على إمكانها؛ إذ لا يطلب مستحيلاً، ولذلك علق الله تعالى الرؤية على ممكن، وهو استقرار الجبل. وأمَّا عقوبتهم على طلبها فلا يدل على عدم الإمكان لأنهم إنما عوقبوا على الشك والسؤال عبثاً. ومذهب أهل السنة رضي الله تعالى عنهم: أن رؤية الله جائزة في الدنيا والآخرة، واقعة في الآخرة لا في الدنيا إلا

стр. 3798

لمحمد ﷺ على الأصح في المستثنى، واستدلوا على ذلك بالكتاب والسنة. وأما المعتزلة فقالوا: الرؤية غير جائزة ولا واقعة لا في الدنيا، ولا في الآخرة، فَهم أقرب الطوائف شبهاً بأهل الكتابين في ذلك كما علمت. * لَطِيْفَةٌ: قال بعض العلماء: جزاء من كذب بالرؤية والشفاعة إذا رأى المؤمنين يشفع لهم يوم القيامة، وينظرون على أرائكهم وجه ربهم، وطلب حظه من ذلك أن يقال له: قد كنت تنكر الشفاعة والرؤية في دار الدنيا، واليوم تعامل بموجب قولك، فلا يشفع لك عند ربك، ولا تراه. قلت: جاء في الحديث ما يدل على ذلك، فروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَنْ بَلَغَهُ عَنِ اللهِ تَعَالَى فَضِيْلَةَ فَلَمْ يُصَدِّقْهَا لَمْ يَنَلْهَا" (١)؛ نسأل الله تعالى العافية. ١١ - ومنها: الاحتجاج بالقدر على المعصية . قال الله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا

стр. 3799

آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]. قال القرطبي: وقد أنِسَت المعتزلة بقوله: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١٤٨]، فقالوا: قد ذم هؤلاء الذين جعلوا شركهم بمشيئته. وتعلقهم بذلك باطل؛ لأن الله تعالى إنما ذمهم على ترك اجتهادهم في طلب الحق، وإنما قالوا ذلك على وجه الهُزء واللعب. نظيره: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠]. فرد عليهم بقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ﴾ [الزخرف: ٢٠] كما رد عليهم مقالتهم هنا بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨) قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]. قال: ولو قالوا على جهة التعظيم والإجلال والمعرفة لما عابهم لأن الله تعالى يقول: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، و ﴿مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الأنعام: ١١١]، انتهى (١). وذكر الثعلبي عن الحسين بن الفضل قال: لو أُخبروا بهذه المقالة تعظيما وإجلالاً لله تعالى ومعرفة منهم به لَمَا عابهم، ذلك لأن الله تعالى قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ [الأنعام: ١٠٧]، ولكنهم قالوا ذلك تكذيباً، وتحريفاً، وجدلاً من غير معرفة بالله تعالى وبما يقولون،

стр. 3800

والمؤمنون يقولونه لعلمهم بالله تعالى، انتهى ملخصاً (١). وقد روى عبد الرزاق، والمفسرون، وصححه الحاكم عن ابن عباس ﵄ أنه قيل له: إن ناساً يقولون: ليس الشر بقدر؟ فقال ابن عباس: بيننا وبين أهل القدر هذه الآية: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٨ - ١٤٩]. قال ابن عباس: والعَجْزُ والكَيْسُ من القدر (٢). وهذا الذي ذكرناه هنا من أهم ما ينبغي لكل مؤمن أن يحققه في زماننا هذا؛ فإن المحتجين بالقدر المجادلين بالمشيئة من غير معرفة بالله تعالى أكثر الناس في هذه الأعصار. ١٢ - ومنها: التحليل والتحريم بمجرد الرأي من غير دليل واتباع الأكابر في ذلك . قال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٤]. ومعنى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٦٤]: لا يتبعه

стр. 3801

في تحليل شيء أو تحريمه من غير دليل شرعي. قال ابن جريج في الآية: لا يطيع بعضنا بعضاً في معصية الله. قال: ويقال: إن تلك الربوبية أن يطيع الناس سادتهم وقادتهم في غير عبادة - وإن لم يصلوا لهم -. رواه ابن جرير، وابن المنذر (١). وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. روى الترمذي وحسنه، وغيره عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي ﷺ وفي عنقي صليب من ذهب، فقال: "يَا عَدِي! اِطْرَحْ عَنْكَ هَنا الوَثَنَ". قال: وسمعته يقرأ في براءة: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]. قال: "أَما إِنَّهم ما كانُوا يَعْبُدُونهم وَلَكِنَّهُم كانُوا إِذا حَلَّلُوا شَيْئاً اسْتَحَلُّوهُ وَإِذا حَرَّمُوا شَيْئا حَرَّمُوهُ" (٢). وذكر الثعلبي عن الربيع قال: قلت لأبي العالية: كيف كانت تلك الربوبية في بني إسرائيل؟ قال: كانت الربوبية أنهم وجدوا في كتاب الله ما أُمِروا به

стр. 3802

ونُهوا عنه، فقالوا: لن نسبق أحبارنا بشيء؛ فما أمرونا بشيء ائتمرنا، وما نهونا عنه انتهينا لقولهم، واستنصحوا الرجال، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم. وقال الإمام عبد الله بن المبارك: [من المتقارب] وَهَلْ أَهْلَكَ الدِّيْنَ إِلاَّ الْمُلُوكُ ... وَأَحْبارُ سُوءٍ وَرُهْبانُها (١) * تَنْبِيهانِ: الأَوَّلُ: روى ابن المنذر عن ابن جريج رحمه الله تعالى قال: الأحبار من اليهود، والرهبان من النصارى (٢). وعن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: الأحبار العلماء، والرهبان النصارى (٣). وروى هو وابن أبي حاتم عن الضحاك قال: أحبارهم قراؤهم، ورهبانهم علماؤهم (٤). الثَّانِي: في الآيتين المتقدمتين دليل على بطلان الاستحسان المجرد الذي لا يستند إلى دليل شرعي.

стр. 3803

وفيهما رد على الروافض القائلين بوجوب اتباع الإمام في كل ما يقول من غير بيان مستند شرعي، وبأن له أن يحل ما حرم الله من غير أن يبين دليلاً شرعياً، وهذا ضلال. والأدلة على بطلانه كثيرة. ١٣ - ومنها: طاعة الملوك والرؤساء في معصية الله تعالى، وإن كانوا يدَّعون العلم . بل العالم إذا استتبع الناس إلى المعصية كان أسوء حالاً من الملوك في ذلك. روى أبو الشيخ، والبيهقي في "الشعب" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ [التوبة: ٣١] قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، ولكنهم أطاعوهم في معصية الله (١). وفي الحديث: "لا طَاعَةَ لأَحَدٍ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، إِنَّمَا الطَّاعَةُ فِي المَعْرُوفِ". أخرجه الشيخان، وأبو داود، والنسائي من حديث علي ﵁ (٢). وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن عمران بن حصين، والحكم بن عمرو الغفاري؛ قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول اللهِ ﷺ :

стр. 3804

"لا طَاعَةَ لِلْعَبْدِ فِي مَعْصِيَةِ الخَالِقِ" (١). ١٤ - ومنها: السجود للأحبار والرهبان والملوك تكريماً وتعظيماً . وهو حرام كما سبق، فإن قصد به العبادة كان كفراً. قال بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١]: إنهم كانوا يسجدون لهم. وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن عكرمة رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا﴾ [آل عمران: ٦٤] قال: سجود بعضهم لبعض (٢). وروى أبو داود، والحاكم وصححه، عن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما قال: أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان لهم، فقلت: رسول الله ﷺ أحق أن يسجد له. قال: فأتيت النبي ﷺ فقلت: إني أتيت الحيرة فرأيتهم يسجدون لمرزبان، فأنت يا رسول الله أحق أن يسجد لك. قال: "أَرَأَيْتَ إِنْ مَرَرْتَ بِقَبْرِي أَكُنْتَ تَسْجُدُ لَهُ؟ "

стр. 3805

قلت: لا. قال: "فَلا تَفْعَلُوا؛ لَوْ كُنْتُ آمِرًا أَحَدًا أَنْ يَسْجُدَ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ النِّساءَ أَنْ يَسْجُدْنَ لأَزْوَاجِهِن لِمَا جَعَلَ اللهُ عَلَيْهِنَّ مِنَ الحَقِّ" (١). وروى البزار بإسناد صحيح، عن معاذ رضي الله تعالى عنه: أنه أتى الشام فرأى النصارى يسجدون لأساقفتهم وبطارقتهم، ورأى اليهود يسجدون لأحبارهم ورهبانهم وفقهائهم، فقال: لأي شيء تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحية الأنبياء. قلنا: فنحن أحق أن نصنع بنبينا ﷺ . فلمَّا قدم على النبي ﷺ سجد له، فقال: "ما هَذا يا مُعاذُ؟ " قال: إني أتيت الشام فرأيت النصارى يسجدون لأساقفتهم وقسِّيسيهم ورهبانهم وبطارقتهم، ورأيت اليهود يسجدون لأحبارهم وفقهائهم وعلمائهم، فقلت: ولأي شيء تصنعون هذا، أو تفعلون هذا؟ قالوا: هذه تحية الأنبياء. قلت: فنحن أحق أن نصنع بنبينا. فقال نبيُّ الله ﷺ : "إِنَّهُمْ كَذَبُوا عَلَى أَنْبِيَائِهِم كَمَا حَرَّفُوا كِتَابَهُم، لَو أَمَرْتُ أَحَدًا يَسْجُدُ لأَحَدٍ لأَمَرْتُ المَرْأَةَ أَنْ تَسْجُدَ لِزَوْجِهَا مِنْ عِظَمِ حَقِّهِ، وَلا تَجِدُ امْرَأَةً حَلاوَةَ الإِيْمَانِ حَتَّى تُؤَدِّيَ حَقَّ زَوْجِهَا وَلَو سَأَلَهَا

стр. 3806

نَفْسَهَا وَهِيَ عَلَى ظَهْرِ قَتَبٍ" (١). وروى البزار، والطبراني هذا الحديث بنحو هذا اللفظ عن صهيب رضي الله تعالى عنه، فذكر قصة معاذ رضي الله تعالى عنه (٢). وفي معنى السجود: الانحناء كالركوع. وقد نقل الحافظ زين الدين العراقي الإجماع على تحريمهما كما تقدم. وروى ابن ماجه عن أنس ﵁ قال: قلنا: يا رسول الله! أَيَنحَني بعضُنَا لبعضٍ؟ قال: "لا". قلنا: أيعانق بعضنا بعضاً؟ قال: "لا" وَلَكِنْ تَصَافَحُوا" (٣). وروى الترمذي بنحوه، وصححه (٤).

стр. 3807

والنهي عن المعانقة في هذا الحديث محمول على الكراهة، ومحله فيما لو كان على وجه التملق، فأما عند طول العهد بالصاحب، والقدوم من السفر، وعند التوديع فإنها سنة. وكذلك التقبيل لأنه ﷺ اعتنق جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه لما قدم من الحبشة. رواه الدارقطني، وصححوه من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (١). وفعل كذلك بزيد بن حارثة ﵁ كما رواه الترمذي عنه، وحسنه (٢). نعم اعتناق الأمرد الجميل، وتقبيله، وغمز أي عضو كان من أعضائه حرام، إلا أن يكون محرماً ولا شهوة، وفعل ذلك بالشهوة مع غير الحليلة حرام مطلقاً. ١٥ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: الاغترار بالله تعالى ، وطلب الأماني مع الفتور عن الطاعة والتواني، والقطع لأنفسهم بدخول الجنان مع الإقامة على العصيان، والأمن من مكر الله تعالى والخذلان. ومعتقد المؤمنين أنه لا بد من الخوف، ولا بد من الرجاء، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يقطع بالجنة لمن مات طائعاً، ولا بالنار لمن مات عاصياً بغير الشرك إلا مَنْ نَصَّ عليه النبي ﷺ أنه

стр. 3808

في الجنة فهو من أهلها. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ١١١ - ١١٢]. وقال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾ [المائدة: ١٨]. ولم يريدوا بنوة النسب، وإنما أرادوا أنَّ الله تعالى يبرهم ويودهم كبِرِّ الوالد بالأولاد. وقال تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَلِكَ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨) فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٨ - ١٦٩] قيل: كانوا يقولون: ما عملناه بالنهار كفَّر عنا بالليل، وما عملناه بالليل كفَّر عنا بالنهار (١). ولا شك أن مثل ذلك يوجد كثيراً في هذه الأمة.

стр. 3809

روى الدارمي عن معاذ رضي الله تعالى عنه أنه قال: سيبلى القرآن في قلوب قوم كما يبلى الثوب فيتهافت، يقرؤونه لا يجدون له شهوة ولا لذة، يلبسون جلود الضأن على قلوب الذئاب، أعمالهم طمع لا يخالطه خوف، إن قصروا قالوا: سنبلغ، وإن أساؤوا قالوا: سيغفر لنا؛ لا نشرك بالله شيئاً (١). وروى أبو الشيخ عن ابن عباس ﵄ أنه قال في الآية: هم أقوام يقبلون على الدنيا فيأكلونها، ويتبعون رُخَصِ القرآن ويقولون: سيغفر لنا، لا يعرض لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، ويقولون: سيغفر لنا (٢). وأشار معاذ، وابن عباس إلى أن ذلك يقع في هذه الأمة كما وقع في أهل الكتابين، لا أن ذلك لم يكن فيهم، بل هم سلف هذه الأمة فيه، وهم كانوا في أنفسهم خلف سوء. قال مجاهد رحمه الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [الأعراف: ١٦٩] هم النصارى، ويأخذون ما أشرفَ لهم من شيء من الدنيا حلالاً أو حراماً، ويتمنون المغفرة. أخرجه ابن أبي شيبة، والمفسرون (٣). وروى البيهقي في "الشعب" عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى

стр. 3810

في الآية قال: كانوا يعملون بالذنوب، ويقولون: سيغفر لنا (١). وروى ابن أبي حاتم عن عطاء في الآية قال: يأخذون ما عرض لهم من الدنيا، ويقولون: نستغفر الله ونتوب إليه؛ أي: فيغفر لنا (٢). وروى أبو الشيخ عن السدي رحمه الله تعالى قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضياً إلا ارتشى في الحكم، فإذا قيل له قال: سيغفر لي (٣). وهذا حال قضاة هذا الزمان ومن والاهم كما قال الشيخ جلال الدين السيوطي، ورويناه عن والدي عنه رحمهما الله مقتبساً: [من الخفيف] قَدْ بُلِينا فِي عَصْرِنا بِقُضاةٍ ... يَظْلِمُونَ الأَنامَ ظُلْماً عَمَّا يَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمَّا ... ويُحِبُّونَ الْمالَ حُبًّا جَمًّا (٤) ومهما عرضت لهم بالنصيحة والنهي عن الرشوة احتجوا عليك بأن الله غفور رحيم، ورحمته واسعة مع الإصرار على ما هم عليه، وعدم التوبة إلا دعوى بألسنتهم ليست من التوبة في شيء؛ لأن من شرط التوبة أو من أركانها رد المظالم إلى أهلها، وكيف لهم وأنى

стр. 3811

لهم ولأمثالهم بردها مع كثرة أهليها. ولقد قلت: [من الرجز] قُلْ لِلَّذِي بَغَى مُصِرًّا وَعَتا ... وَجالَ فِي غَيْرِ صَوابٍ حَدْسُهُ وَقالَ إِنَّ رَبَّنا يَغْفِرُ لِي ... وَأَطْمَعَتْهُ بِالْجِنانِ نَفْسُهُ لِلَّهِ جَلَّ رَحَمْةٌ واسِعَةٌ ... وَلا يُرَدُّ عَنْ ظَلُومٍ بَأْسُه يُدْخِلُ مَنْ يشاءُ فِي رَحْمَتِهِ ... وَالظَّالِمِيْنَ اقْرَأْ يُفِدْكَ درْسُهُ وَاتَّقِ يَوماً خَشَعَتْ فِيْهِ الْوَرَى ... بِحَيْثُ لا يُسْمَعُ إِلاَّ هَمْسُهُ طُوْبَى لِمَنْ لَمْ يَظْلِمِ النَّاسَ شُفَا ... فَضَمَّهُ إِلَى نَعِيْمٍ رَمْسُهُ ١٦ - ومنها: ترويج باطلهم الذي كانوا عليه بانتسابهم إلى إبراهيم ﵇، وهو منهم بريء . روى البيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: اجتمعت نصارى نجران وأحبار يهود عند النبي ﷺ ، فتنازعوا عنده، فقالت الأحبار: ما كان إبراهيم إلا يهودياً، وقالت النصارى: ما كان إلا

стр. 3812

نصرانياً، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥)﴾ [آل عمران: ٦٥] (١). * تنبِيْهٌ: من كان على باطل في الاعتقاد فنسب باطله إلى أحد من أولياء الله تعالى ومشاهير أئمة المؤمنين ليروج باطله، فهو أشبه الناس باليهود والنصارى في هذه الخصلة؛ كمن ينتحل التجسيم فينسبه إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أو الإرجاء فينسبه إلى الإمام أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، أو الاتحاد أو الحلول فينسبه إلى الشيخ محي الدين بن العربي، أو الشيخ زين الدين بن الفارض رحمهما الله تعالى. ١٧ - ومنها: الخوض فيما لا يعلمون، والدعاوى الفاسدة ، والاحتجاج للرأي من غير روية ولا برهان، بل مسارعة إلى الانتصار لشدة غلبة الهوى. ومن يفعل ذلك فهو حري بالتكذيب والتبكيت، ولا بأس أن تنقلب دعواه وتصير حجته حجة عليه كما صار لليهود والنصارى حين تحاجوا في إبراهيم ﵇، فأبطل الله تعالى دعواهم بقوله: ﴿لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ [آل عمران: ٦٥] الآية. فاليهود يزعمون أنه منهم، وما أنزلت التوراة التي كان يتدين بها

стр. 3813

اليهود إلا من بعده، والنصارى يزعمون أنه منهم، وما أنزل الإنجيل الذي يتدين به النصارى إلا من بعده؛ فإن التوراة أنزلت بعد إبراهيم بألف سنة، والإنجيل بعده بثلاثة آلاف سنة، فكانت دعوى كل من الطائفتين ملحقة بالجنون، فلذلك قال تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [آل عمران: ٦٥]؛ أي: فيمنعكم عقلكم من هذه الدعوى الفاسدة، وأمثالها. ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٦ - ٦٨]. وسيأتي الكلام على هذه الآية في ترك اليهود والنصارى لخصال الفطرة. ١٨ - ومنها: الأعجاب بالرأي . قال الله تعالى: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]. قال مجاهد: هؤلاء أهل الكتاب فرقوا كتب الله قطعاً. وقال الحسن: تقطعوا كتاب الله بينهم، فحرفوه وبدَّلوه. وقال ابن زيد في قوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣]: معجبون برأيهم. رواها (١) ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢).

стр. 3814

١٩ - ومنها: دعوى محبة الله، وغيرها من الأحوال المنيفة والمقامات الشريفة مع الإقامة على العصيان، والسبح في بحار الطغيان. قال الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]. ذكر الثعلبي عن ابن عباس أن اليهود قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]؛ أنزل الله هذه الآية، فلما نزلت عرضها رسول الله ﷺ على اليهود، فأبوا أن يقبلوها (١). وروى ابن إسحاق، ومن طريقه البيهقي في "الدلائل" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: لما قَدِمَ وفد نجران على رسول الله ﷺ ، فسألوه عن عيسى بن مريم ﵉، نزلت فيهم فاتحة آل عمران إلى رأس الثمانين منها (٢). وروى ابن إسحاق، وابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ﴾ [آل عمران: ٣١] قال: نزلت في نصارى أهل نجران، وذلك أنهم قالوا: إنما نعظم المسيح ونعبده حباً لله وتعظيماً له، فقال الله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] (٣). وقد بين الله تعالى في هذه الآية أن علامة حب الله تعالى اتباع نبيه ﷺ .

стр. 3815

وروى ابن أبي حاتم عن أبي الدرداء، وابن عساكر عن عائشة رضي الله تعالى عنهما: أنهما قالا في قول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١]: على البر والتقوى، والتواضع، وذل النفس (١). ورواه الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، وأبو نعيم في "الحلية" من طريق أبي الدرداء مرفوعاً إلى النبي ﷺ (٢). ٢٠ - ومنها: دعوى أن الله تعالى يحبهم ويواليهم، وأنهم أولياء الله، وأن الدار الآخرة لهم والجنة، وهم على خلاف طريق أولياء الله تعالى وأهل الجنة. قال الله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ [المائدة: ١٨]؛ أي: لو كنتم أحباءه كما تزعمون لم يعذبكم لأن المحب لا يعذب حبيبه. قال الحسن رحمه الله تعالى قال: قال رسول الله ﷺ : "وَاللهِ لا يُعَذِّبُ اللهُ حَبِيْبَهُ، وَلَكِنْ قَدْ يَبْتَلِيْهِ فِي الدُّنْيَا".رواه الإمام أحمد في "الزهد" (٣). وفي "المسند" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: مرَّ النبي ﷺ في نفر من أصحابه وصبي في الطريق، فلما رأتْ أمُّه القومَ خشيت على

стр. 3816

ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، فسعت وأخذته، فقال القوم: يا رسول الله! ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار. فقال النَّبِيُّ ﷺ : "لا وَاللهِ، وَلا يُلْقِي حَبِيْبٌ حَبِيْبَهُ فِي النَّارِ" (١). وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦ - ٧]. وفيه تلميح بأنهم ليس لهم وجه مقابلة لأن الولي موافق غير مخالف، وإذا بقي على الوفاق أحب التلاقي، وإذا كان على المخالفة لم يكن معه وجه مقابلة. وروى ابن جرير عن أبي العالية: أن اليهود والنصارى لما قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أنزل الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥]. قال: فلم يفعلوا (٢)؛ أي: منعهم من تمني الموت ما قدمته أيديهم

стр. 3817

من المعاصي والمخالفات. قال رسول اللهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ". رواه البخاري، والترمذي، والنسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١). ومن هنا قيل: علامة المؤمن المخلص الصادق في الله تعالى أن يحب الموت شوقاً إلى الله تعالى. وقال قتادة في الآية: إن سَيِّئَ العمل يكره الموت شديداً. رواه ابن المنذر، وغيره (٢). ٢١ - ومنها: قولهم: سمعنا وعصينا . وللعلماء في ذلك قولان. الأول: أنهم قالوا ذلك بألسنتهم جهراً. والثاني: أنهم قالوا بلسان قالهم: سمعنا، وبلسان حالهم: عصينا (٣). قلت: ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١].

стр. 3818

واعلم أن المتشبهين باليهود والنصارى في ذلك كثير، فربما نصحت جاهلاً في أمر وعذلته فيه، وعرَّفْتَهُ أنه معصية، أو أمرته بمعروف، وعرَّفْتَهُ أن فيه النجاح والخير، فيقول لك: قد سمعت ما تقول، ولكني لا أفعل، أو يعدك بامتثال نصيحتك وقبول وصيتك، ثم يخالف إلى ما نهيته عنه، وليس هذا من شأن أهل الدين والخير. وروى الإمام أحمد، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] اشتد ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم [فأتوا] (١) النبي ﷺ فجثوا على الركب، قالوا: قد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال: "أترِيْدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَما قالَ أَهْلُ الْكِتابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنا وَعَصْينا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيْرُ". فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية. فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخرها (٢).

стр. 3819

وفي ذلك إشارة إلى أنَّ مَنْ انقاد إلى طاعة الله، واستسلم يسَّر الله له طاعته، وسهل الله طريقها إليه، ومن أنف من الطاعة، وأباها شددت عليه، ونال مقت الله تعالى. ومن هنا أمرنا أن نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]. ٢٢ - ومنها: تذليل الناس، وفتنهم عن دينهم، وإرادة الكفر والفسق منهم . قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧]. قال كثيرٌ: إنها في النصارى (١). وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد: أنَّها في اليهود (٢). وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩]. روى ابن جرير عن الحسن أنه قال في الآية: هم اليهود والنصارى (٣). وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ

стр. 3820

الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩]. روى عبد الرزاق، وابن جرير عن الزهري، وقتادة قالا في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] قالا: كعب بن الأشرف (١). وإنما أطلق عليه كثير وهو واحد؛ لأنه كان رأس أحبار يهود تهويلاً لفتنته، وإشارة إلى أن من كان رأساً من العلماء مضلاً كان قائماً في الفتنة والإضلال مقام جمع كثير. ومن ثم قيل: إذا زل العالِم زل بزلته عالَمٌ كثير (٢). وما أحسن ما قيل: [من الطويل] وَلَيْسَ كَثِيراً أَلْفُ خِلٍّ وَصاحِبٍ ... وَإِنْ عَدُوًّا واحِداً لَكَثِيْرُ (٣) روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁: أنَّ نفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم بعد وقعة أُحُد: لو كنتم على الحق ما هُزِمْتم، فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلاً منكم.
следующие страницы →