ولدها أن يوطأ، فأقبلت تسعى وتقول: ابني ابني، فسعت وأخذته، فقال القوم: يا رسول الله! ما كانت هذه لتلقي ابنها في النار.
فقال النَّبِيُّ ﷺ : "لا وَاللهِ، وَلا يُلْقِي حَبِيْبٌ حَبِيْبَهُ فِي النَّارِ" (١).
وقال الله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦) وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾ [الجمعة: ٦ - ٧].
وفيه تلميح بأنهم ليس لهم وجه مقابلة لأن الولي موافق غير مخالف، وإذا بقي على الوفاق أحب التلاقي، وإذا كان على المخالفة لم يكن معه وجه مقابلة.
وروى ابن جرير عن أبي العالية: أن اليهود والنصارى لما قالوا: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]، وقالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨] أنزل الله تعالى ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤ - ٩٥].
قال: فلم يفعلوا (٢)؛ أي: منعهم من تمني الموت ما قدمته أيديهم
стр. 3817
من المعاصي والمخالفات.
قال رسول اللهِ ﷺ : "لَوْ أَنَّ اليَهُودَ تَمَنَّوُا المَوْتَ لَمَاتُوا وَرَأَوْا مَقَاعِدَهُمْ مِنَ النَّارِ". رواه البخاري، والترمذي، والنسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (١).
ومن هنا قيل: علامة المؤمن المخلص الصادق في الله تعالى أن يحب الموت شوقاً إلى الله تعالى.
وقال قتادة في الآية: إن سَيِّئَ العمل يكره الموت شديداً. رواه ابن المنذر، وغيره (٢).
٢١ - ومنها: قولهم: سمعنا وعصينا .
وللعلماء في ذلك قولان.
الأول: أنهم قالوا ذلك بألسنتهم جهراً.
والثاني: أنهم قالوا بلسان قالهم: سمعنا، وبلسان حالهم: عصينا (٣).
قلت: ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: ٢١].
стр. 3818
واعلم أن المتشبهين باليهود والنصارى في ذلك كثير، فربما نصحت جاهلاً في أمر وعذلته فيه، وعرَّفْتَهُ أنه معصية، أو أمرته بمعروف، وعرَّفْتَهُ أن فيه النجاح والخير، فيقول لك: قد سمعت ما تقول، ولكني لا أفعل، أو يعدك بامتثال نصيحتك وقبول وصيتك، ثم يخالف إلى ما نهيته عنه، وليس هذا من شأن أهل الدين والخير.
وروى الإمام أحمد، ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: لما نزلت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] اشتد ذلك على الصحابة رضي الله تعالى عنهم [فأتوا] (١) النبي ﷺ فجثوا على الركب، قالوا: قد أنزل الله عليك هذه الآية ولا نطيقها.
فقال: "أترِيْدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَما قالَ أَهْلُ الْكِتابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ: سَمِعْنا وَعَصْينا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيْرُ".
فلما اقترأها القوم وذلت بها ألسنتهم أنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية.
فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى فأنزل: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] إلى آخرها (٢).
стр. 3819
وفي ذلك إشارة إلى أنَّ مَنْ انقاد إلى طاعة الله، واستسلم يسَّر الله له طاعته، وسهل الله طريقها إليه، ومن أنف من الطاعة، وأباها شددت عليه، ونال مقت الله تعالى.
ومن هنا أمرنا أن نقول: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
٢٢ - ومنها: تذليل الناس، وفتنهم عن دينهم، وإرادة الكفر والفسق منهم .
قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ [المائدة: ٧٧].
قال كثيرٌ: إنها في النصارى (١).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد: أنَّها في اليهود (٢).
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنْتُمْ شُهَدَاءُ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [آل عمران: ٩٩].
روى ابن جرير عن الحسن أنه قال في الآية: هم اليهود والنصارى (٣).
وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ
стр. 3820
الْحَقُّ﴾ [البقرة: ١٠٩].
روى عبد الرزاق، وابن جرير عن الزهري، وقتادة قالا في قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ﴾ [البقرة: ١٠٩] قالا: كعب بن الأشرف (١).
وإنما أطلق عليه كثير وهو واحد؛ لأنه كان رأس أحبار يهود تهويلاً لفتنته، وإشارة إلى أن من كان رأساً من العلماء مضلاً كان قائماً في الفتنة والإضلال مقام جمع كثير.
ومن ثم قيل: إذا زل العالِم زل بزلته عالَمٌ كثير (٢).
وما أحسن ما قيل: [من الطويل]
وَلَيْسَ كَثِيراً أَلْفُ خِلٍّ وَصاحِبٍ ... وَإِنْ عَدُوًّا واحِداً لَكَثِيْرُ (٣)
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁: أنَّ نفراً من اليهود قالوا لحذيفة بن اليمان، وعمار بن ياسر رضي الله تعالى عنهم بعد وقعة أُحُد: لو كنتم على الحق ما هُزِمْتم، فارجعا إلى ديننا فنحن أهدى سبيلاً منكم.
стр. 3821
فقال لهم عمار: فكيف نقض العهد فيكم؟
فقالوا: شديد.
قال: إني عاهدت أن لا أكفر بمحمد ﷺ ما عشت.
فقالت اليهود: أما هذا فقد صبأ.
وقال حذيفة رضي الله تعالى عنه: أمَّا أنا فقد رضيت بالله رباً، وبمحمد نبياً، وبالإسلام ديناً، وبالقرآن إماماً، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخواناً.
ثم أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بذلك، فقال: "أَصَبْتُمَا الخَيْرَ".
فأنزل الله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ [البقرة: ١٠٩] الآية (١).
وقال تعالى: ﴿وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [آل عمران: ٧٢].
روى ابن إسحاق، والمفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال عبد الله بن الصيف، وعدي بن زيد، والحارث بن عوف بعضهم لبعض: نؤمن بما أنزل على محمد وأصحابه غدواً، ونكفر به عشية حتى نُلبس عليهم دينهم لعلهم يصنعون كما نصنع، فيرجعون عن فى دينهم، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ
стр. 3822
﴿بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١) وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٣ - ١٢١] (١).
وذكر الثعلبي وغيره عن مجاهد، وغيره: أن هذه الآية نزلت في شأن القبلة لما صرفت إلى الكعبة، فشق ذلك على اليهود لمخالفتهم، فقال كعب بن الأشرف لأصحابه: ﴿آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ﴾ [آل عمران: ٧٢]، وصَلُّوا إلى الكعبة، واكفروا بذلك آخر النهار، فارجعوا إلى قبلتكم لعلهم يرجعون إلى قبلتنا، ويقولون: هؤلاء أهل كتاب وهم أعلم منا (٢).
وروى عبد بن حميد، والمفسرون عن مجاهد أن يهود صلَّت مع النبي ﷺ صلاة الفجر، وكفروا آخر النهار مكراً منهم ليروا الناس منه الضلالة بعد أن كانوا تبعوه (٣).
وروى ابن المنذر عن سفيان: أن الآية نزلت في نصارى نجران (٤).
وعن قتادة: أنها في أهل الكتابين (٥).
стр. 3823
* تَنْبِيْهٌ:
من كان على فسق فزيَّنه لغيره لئلا ينتقصه هو وغيره بفسقه، أو زَيَّنه له استحساناً للفسق، أو ليحتج به فيه، أو نحو ذلك من الأغراض الفاسدة، فهو متشبه بأهل الكتابين فيما ذكر.
٢٣ - ومنها -وهو من جنس ما قبله-: لَبْس الحق بالباطل، وخلط الصدق بالكذب .
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾ [البقرة: ٤٢].
قال ابن عباس في قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: ٤٢]: لا تخلطوا الصدق بالكذب (١).
وقال ابن زيد: الحق التوراة، والباطل الذي كتبوه بأيديهم. أخرجه ابن جرير (٢).
وقال تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)﴾ [آل عمران: ٧١].
٢٤ - ومنها: الاستهزاء بالدين، وما اشتمل عليه من صلاة وأذان وغيرها .
وهو مما كفروا به.
стр. 3824
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧) وَإِذَا نَادَيْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا﴾ [المائدة: ٥٧، ٥٨].
قيل: كان إذا نادى منادي رسول الله ﷺ للصلاة، وقام إليها المسلمون، قالت اليهود: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا، ركعوا لا ركعوا، سجدوا لا سجدوا، استهزاءً وضحكوا، فنزلت هذه الآية فيهم (١).
أخرج البيهقي في "الدلائل" نحوه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢).
وروى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي رحمه الله تعالى: أنها نزلت في رجل من النصارى بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: حرق الكاذب.
فدخل خادمه بنار ذات ليلة وهو قائم وأهله نيام، فتطايرت منها شرارة في البيت، فاحترق هو وأهله (٣).
* تَنْبِيْهٌ:
أشبه الناس باليهود والنصارى في هذه الخصلة الدروز والتيامنة،
стр. 3825
وهم أهل وادي التيم من ضواحي دمشق، وهم طائفة كفار مرتدون.
أفتى شيخ الإسلام تفي الدين البلاطنسي، وغيره بكفرهم، وإباحة دمائهم إن لم يسلموا بحيث لا يقرون بعهد ولا أمان لما تواتر عنهم من أنهم لا يعتقدون الصلاة، ويهزؤون بالمصلين، ولا الصيام، ولا الحج، ويستحلون لحم الحنزير، والميتة في غير حال الاضطرار، ويستبيحون نكاح المحارم، ويعتقدون ألوهية الحاكم بأمر الله تعالى أحد الملوك العُبيديين بمصر، ويذكرونه بما فيه إشعار بالألوهية، فيقولون: ، ويحلفون بالحكمة المشتقة من لقبه يشيرون إلى ألوهيته، ويعتقدون تناسخ الأرواح، وأن لا بعث ولا نشور.
وكل واحدة من هذه الخصال مما لا يشك أنه كفر وانحلال عن الدين.
٢٥ - ومنها: الدعاء على المسلمين .
كما تقدم أن اليهود كانوا إذا قام المسلمون للصلاة يقولون: قاموا لا قاموا، صلوا لا صلوا ... إلى آخره.
والدعاء على المسلمين حرام، إلا أنَّه يجوز لعن أصحاب الأوصاف المذمة ودينهم كقولك: لعن الله الظالمين، وقطع الله دابرهم.
ولا يجوز لعن الواحد بعينه إلا من علمنا أنه مات على الكفر كأبي جهل، وأبي لهب، وفرعون، وهامان؛ لأن اللعنة هي الإبعاد عن رحمة الله تعالى، ولا يدرى ما يختم به لهذا الفاسق، أو الكافر كما نقله
стр. 3826
النووي في "الأذكار" عن الغزالي، وأقرَّه (١).
قال: ويقرب من اللعن الدعاء على الإنسان بالشر حتى الدعاء على الظالم كقولك: لا أصح الله جسمه، ولا سلَّمه الله، وكل ذلك مذموم، انتهى (٢).
والمراد الدعاء على الظالم ونحوه بعينه.
أمَّا الدعاء على من ظلم المسلمين مطلقاً، أو من خالف الحكم الشرعي عناداً، أو من ظلم الداعي وحده فيجوز، كما نص عليه النووي في نفس "الأذكار" في باب آخر (٣).
وقد ثبت في "الصحيحين" دعاء سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه على من كَذَب عليه إلى عمر رضي الله تعالى عنه (٤)، ودعاء سعيد بن زيد رضي الله تعالى عنه على أروى الظالمةِ له في شبر أرض (٥).
ويحرم سب المسلم من غير سبب شرعي يُجَوِّز ذلك.
ويستحب الدعاء للمسلم المذنب بالمغفرة والتوبة.
стр. 3827
ويكره الدعاء للظالم بطول البقاء ونحوه.
ويستحب الدعاء للمسلمين عموماً، وقد قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩].
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠].
وروى الطبراني في "الكبير" عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنْ قَالَ كُلَّ يَوْمٍ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ، أُلْحِقَ بِهِ مِنْ كُلِّ مُؤْمِنٍ حَسَنةٌ" (١).
وعن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ كُتِبَ لَهُ بِكُل مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةٌ" (٢).
وروى الخطيب في "تاريخه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النَّبِيِّ ﷺ قال: "مَا مِنْ دُعَاءٍ أَحَبُّ إِلَى اللهِ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَقُولَ العَبْدُ: اللَّهُمَّ ارْحَمْ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ رَحْمَةً عَامَّةً" (٣).
стр. 3828
وروى الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُؤْمِنَاتِ كُلَّ يَوْمٍ سَبْعًا وَعِشْرِيْنَ مَرَّةً كَانَ مِنَ الَّذِيْنَ يُسْتَجَابُ لَهُمْ، وَيُرْزَقُ بِهِ أَهْلُ الأَرْضِ" (١).
وهذا من صفة الأبدال.
ويقرب منه ما روي عن معروف الكرخي رحمه الله تعالى أن من قال كل يوم [عشر مرات]: اللهم أصلح أمة محمد، اللهم فرج عن أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد، كتب من الأبدال (٢).
٢٦ - ومن قبائح أهل الكتاب وأعمالهم: تبديل الكتاب وتحريفه، والكذب على الله تعالى .
قال الله تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٧٥] إلى قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٥ - ٧٩].
روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنها نزلت
стр. 3829
في أحبار يهود وجدوا صفة النبي ﷺ في التوراة: أكحل، أَعْين، رَبْعة، جعد الشعر، حسن الوجه، فمحوه حسداً وبغياً، وقالوا: نجده طويلاً، أزرق، سبط الشعر (١).
وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٧٨]. الآية.
قال الأكثرون: هي في اليهود (٢).
وتقدم عن أبي أمامة، وغيره: أن أول سورة آل عمران إلى ثمانين آية نزلت في نصارى نجران.
وعليه: فهذه القبائح في النصارى أيضاً.
وجاء في الأثر ما يدل أن الكفر إنما دخل على النصارى من تحريف بعض ألفاظ كتابهم.
فروى إسحاق الختلي في "الديباج" عن حماد بن سلمة رحمه الله تعالى: أن نصرانيا استأذن عليه فقال: يا أبا سلمة! إني قرأت في الإنجيل: يا عيسى! أنت بُنَيَّ، وأنا ولدتك.
قال: فقلت: كذبت، إنما قرأت: يا عيسى! أنت نبي، وأنا ولَّدتك؛ يعني: بتشديد اللام.
فقال: صدقت، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله،
стр. 3830
فما برح حتى أسلم.
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ﴾ [المائدة: ٤١].
وقال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: يقرؤها: يحرفون الكلام.
ويقول: كانوا يقرؤون: يا بني أحباري، فحرفوا ذلك، فجعلوه: يا بني أبكاري. أخرجه أبو الشيخ (١).
* تَنْبِيْهٌ:
وقع في كلام كعب رحمه الله تعالى في معنى التحريف أنه كفران النعمة وإنكارها، وهو من جملة أخلاق أهل الكتاب، ومن ثم ذكرهم الله تعالى كثيرًا بنعمته كما في قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
فروى الإمام أحمد في "الزهد" عن كعب قال: إن من خير العمل سبحة الحديث.
فقال له بعض القوم: وما سبحة الحديث؟
فقال: تسبح والقوم يتحدثون.
قال: ومن شر العمل التحريف.
فقال له بعض القوم: وما التحريف؟
стр. 3831
قال: يكون الناس بخير فيسألون كيف أنتم؟ فيزعمون أنهم بِشَرٍّ (١).
٢٧ - منها: التقرب إلى قلوب الأراذل، ومسألة الناس وغيرهم لتحصيل الجاه عندهم، والأموال بما يلائمهم من العلم، ويستميلهم إليهم كالتحديث بالرُّخص، وحمل النصوص على خلاف ظواهرها تغييراً للأحكام.
روى البيهقي في "الدلائل" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن أحبار يهود كانت لهم مآكل تطعمهم إياها السفلة لقيامهم على التوراة، فخافوا أن تؤمن السفلة بمحمد ﷺ فتنقطع تلك المآكل عنهم، فغيروا صفته في كتابهم (٢).
وروى ابن جرير عنه: أنهم كتبوا كتاباً بأيديهم ثم قالوا: هذا من عند الله (٣)، وفيه إشارة إلى أن زيف علماء السوء إنما يروج على رعاع الناس وضعفاء العقول دون ذوي العقول وأولي الألباب.
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أيضاً في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٧٩]؛ قال: عرضاً من الدنيا.
﴿فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٧٩]؛ قال: فالعذاب لهم
стр. 3832
من الذي كتبوه بأيديهم من ذلك الكذب.
﴿وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]؛ يقول: مما يأكلون من السفلة، وغيرهم (١).
٢٨ - ومنها: كتمان العلم عند الحاجة إليه .
قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦]؛ أي: من أهل الكتاب ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٤٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ١٥٩، ١٦٠].
قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: لولا آية في كتاب الله تعالى ما حدَّثت أحداً بشيء أبداً، ثم تلا هذه الآية. رواه البخاري، وابن ماجه، وغيرهما (٢).
وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن سعد ابن معاذ، ومعاذ بن جبل، وخارجة بن زيد الأنصاري سألوا اليهود عن مسائل في التوراة، فكتموها عنهم، فنزلت هذه الآية (٣).
стр. 3833
وعن مجاهد، وعن قتادة فى الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ [البقرة: ١٥٩] قالا: هم أهل الكتاب.
وأخرجه ابن أبي حاتم عن أبي العالية رضي الله تعالى عنه (١).
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾ [البقرة: ١٧٤].
روى ابن جرير عن عكرمة: أنها نزلت في اليهود (٢).
وهي -وإن نزلت فيهم- فإنها وعيد لمن حذا حذوهم في كتمان العلم عند الحاجة إليه.
وقد روى الخِلَعي في "فوائده" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَا آتَى اللهُ عَالِمًا عِلْمًا إِلاَّ أَخَذَ عَلَيْهِ مِنَ الْمِيْثَاقِ مَا أَخَذَ مِنَ النَبِيِّينَ أَنْ يُبَيِّنَهُ وَلا يَكتُمَهُ" (٣).
وروى أبو نعيم في "فضل العالم العفيف" نحوه من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٤).
стр. 3834
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧].
روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنها نزلت في اليهود والنصارى؛ كتموا صفة محمد ﷺ في التوراة والإنجيل ونبذوها (١).
وهذا الميثاق مأخوذ على كل عالم بحكم الله تعالى.
قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: لولا ما أخذ الله على أهل الكتاب ما حدَّثتكم، وتلا الآية. رواه عبد بن حميد، والثعلبي (٢).
وقال الحسن رحمه الله تعالى: لولا الميثاق الذي أخذه الله على أهل العلم ما حدَّثتكم بكثير مما تسألون عنه. رواه ابن سعد (٣).
وقال علي رضي الله تعالى عنه: ما أخذ الله على أهل الجهل أن يتعلموا حتى أخذ على أهل العلم أن يعلِّموا. رواه الثعلبي (٤).
وأخرجه الديلمي مرفوعاً إلى رسول الله ﷺ (٥).
стр. 3835
وروى أبو داود، والترمذي وحسَّنه، وابن ماجه، وابن حبَّان في "صحيحه"، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَنْ عَلِمَ عِلْمًا فَكَتَمَهُ أُلْجِمَ يَومَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِن نَّارٍ" (١).
وأخرجه ابن النجار في "تاريخه" من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، ولفظه: "ثُمَّ كتَمَهُ" (٢).
وإنما يحرم كتمان العلم إذا كان كتمه لطمع في الدنيا كما تدل عليه هذه الآية، أو إذا سئل عنه سؤال حاجة واستفادة لا سؤال تعنُّت وامتحان، وحينئذ: فالبيان فرض كفاية إن كان في الناحية من يفيد ذلك غيره، وإن لم يكن فيها غيره كان البيان فرض عين عليه، وحرم عليه الكتم حينئذ، إلا إذا كان المسئول عنه مما لا يحتمله عقل السائل، أو كان السائل يريد بما يسأل عنه التوصُّل إلى باطل ليزجر عن السؤال، ومتى ترتب على البيان فتنة أو ضرر على السائل سقط عنه الوجوب.
روى ابن أبي حاتم عن الحسن في قوله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧]؛ قال: كتموا وباعوا،
стр. 3836
فلا يبدون إلا بثمن (١).
وروى أبو داود عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَنْ كَتَمَ عِلْماً يَنْفَعُ اللهُ بِهِ النَّاسَ فِي أَمْرِ الدِّيْنِ أَلْجَمَهُ اللهُ بِلِجَامٍ مِن نارٍ" (٢).
وروى أبو يعلى -ورجاله رجال الصحيح- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ فَكَتَمَهُ جَاءَ يَومَ القِيَامَةِ مُلْجَماً بِلِجَامٍ مِن نَارٍ" (٣).
وهو عند الإمام أحمد، وأبي داود، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، والحاكم وصححه، من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "أَلجَمَهُ اللهُ يَومَ القِيَامَةِ بِلِجَامٍ مِن نارٍ" (٤).
وعند الطبراني في "الكبير"، والخطيب حديث ابن عباس، وقال: "مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمٍ ناَفِعٍ" (٥)؛ أي: في أمر الدين؛ وقع التصريح به في حديث أبي سعيد.
وروى الطبراني في "الكبير"، و"الأوسط" نحو حديث ابن عباس
стр. 3837
عن ابن عمرو ﵄، ورجاله رجال الصحيح (١).
وروى في "الكبير" بسند ضعيف، عن ابن عباس: أنه حمل حديث: "من كتم علماً" على كتمان الشهادة (٢)؛ وهو من أخلاق اليهود والنصارى أيضاً.
وروى البيهقي عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: قال ابن عباس ﵄: انطلِقْ فَأفْتِ الناس وأنا لك عون، فمن جاءك يسألك عما يعنيه فَأَفْتِه، ومن سألك عما لا يعنيه فلا تُفْتِه؛ فإنَّك تطرح عن نفسك ثلثي مؤنة الناس (٣).
وروى الدارمي عن وهب بن عمرو الجمحي رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "لا تَعْجَلُوا بِالبَلِيَّةِ قَبْلَ نزولِهَا، لا يَنْفَكُّ المُسْلِمُونَ فِيْهِم إِذَا هِيَ نزَلَتْ مَنْ إِذَا قَالَ وُفِّقَ وَسُدِّد، وإنِّكم إِنْ تَعْجَلُوهَا تَخْتَلِفْ بِكُمُ الأَهْوَاء, فَتَأخُذُوا هَكَذَا وَهَكَذَا" (٤).
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ رجلاً سأل عن شيء فقال له: لا تسأل عما لم يكن؛ فإني سمعت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يلعن من يسأل عما لم يكن (٥).
стр. 3838
وروى البخاري عن علي ﵁ قال: حدِّثوا الناس بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون، أتريدون أن يُكذب الله ورسوله؟ (١).
ورواه الديلمي مرفوعاً (٢).
وروى ابن عساكر بسند ضعيف، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَوْماً حَدِيْثاً لا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُم إِلَّا كَانَ عَلَى بَعْضِهِم فِتْنَةً" (٣).
٢٩ - ومنها: تفسير الكتاب بالرأي .
قال القرطبي، وغيره في قوله تعالى: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ [النساء: ٤٦]: معناه: يتأولونه على غير تأويل (٤).
قلت: وهذا حاصل التأويل بالرأي، وهو حرام.
روى أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم عن جندب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي القُرآنِ بِرَأيِهِ فَأصَابَ فَقَد أَخْطَأ" (٥).
стр. 3839
وروى الترمذي وحسَّنه، وغَيْرُه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مَنْ قَالَ فِي القُرآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (١).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن عمر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أكْثَرُ مَا أتَخَوَّفُ عَلَى أُمَّتِي مِن بَعْدِيَ رَجُلٌ يَتَأَوَّلُ القُرآنَ يَضَعُهُ عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهِ، وَرَجُلٌ يَرَى أَنَّهُ أَحَقُّ بِهَذَا الأَمْرِ مِنْ غَيْرِه" (٢).
٣٠ - ومنها: الأخذ بالرأي مع وجود النص القائم، والقياسُ الفاسد والإفتاء بذلك .
روى البزار -بإسناد حسَّنه ابن القطَّان- عن عبد الله بن عمرو (٣) رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لَم يَزَلْ أمْرُ بَنِي إِسْرَائِيْلَ مُعْتَدِلاً حَتَّى بَدَا فِيْهِم أَبْنَاءُ سَبَايَا الأُمَمِ، فَأفْتَوا بِالرَّأْيِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٤).
ورواه ابن ماجه، ولفظه: "لَم يَزَلْ أَمْرُ بَنِي إِسرَائِيلَ مُعْتَدِلاً حتَّى
стр. 3840
نَشَأ فِيهِمُ الْمُوَلَّدُوَن وَأبنَاءُ سَبَايَا الأُمَمِ الَّتِي كَانتْ بَنُو إِسرَائيلَ تَسبِيْهَا، فَقَالُوا بِالرَّأيِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (١).
وروى البزار -ورجاله رجال الصحيح- والطبراني في "الكبير" عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "تَفْتَرِقُ أُمَّتِي عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِيْنَ فِرْقَةً، أَعْظَمُهَا فِتْنَةً عَلَى أُمَّتِي قَوْمٌ يَقِيْسُونَ الأُمُورَ بِرَأيِهِم، فَيُحِلُّونَ الحَرَامَ ويُحَرِّمُونَ الحَلالَ" (٢).
وقوله: "يقيسون الأمور برأيهم"؛ أي: المجرد من غير دليل يدل عليه كالتخصيص بغير مخصص، كما كانت اليهود تفعل يحممون الزاني من غير أن يرجموه وهو محصن، وإذا سرق فيهم الشريف لا يقطعونه، ويقطعون مَنْ دونه.
وروى الشيخ نصر المقدسي رضي الله تعالى عنه في كتاب "الحجَّة" عن الحميدي قال: سأل رجل الشافعي رضي الله تعالى عنه عن مسألة فأفتاه فيها، وقال: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا.
قال الرجل: أتقول بهذا؟
فقال الشافعي رحمه الله تعالى: أرأيت في وسطي زنَّاراً؟ أرأيتني
стр. 3841
خرجت من كنيسة؟ يروى عن النبي ﷺ شيء ولا أقول به؟ (١).
وروى أبو نعيم في "الحلية" القصة بلفظ آخر (٢).
٣١ - ومنها: الجهل بالله تعالى، وبحقائق الأمور .
ومن شك في جهل اليهود والنصارى فهو من الجهل على جانب عظيم.
ولمَّا كان قول بني إسرائيل لموسى ﵇ حين قال لهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] مبنياً على الجهل ﴿قَالَ﴾ [البقرة: ٦٧] موسى ﵇: ﴿أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ [البقرة: ٦٧]؛ عَرَّض بجهلهم، وصرَّح لهم به حين قالوا: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] كما قال الله تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (١٣٨)﴾ [الأعراف: ١٣٨].
قال في "الكشاف": تعحب من قولهم على أثر ما رأوا من الآية العظمى والمعجزة الكبرى، فوصفهم بالجهل المطلق، وأكَّده لأنَّه لا جهل أعظم مما رأى منهم ولا أشنع، انتهى (٣).
стр. 3842
وقال الله تعالى بعد ذكر عيسى ﵇: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾ [النساء: ١٥٧].
فقد فسر بعض العلماء الشك بالجهل.
والمختلفون في عيسى ﵇ اليهود والنصارى معاً؛ فإنه ﵇ لما ألقي شبهه على رجل من اليهود أو من غيرهم على الروايتين، ورفع اختلف اليهود فيه، فمنهم من قال: قتلنا عيسى.
ومنهم من قال: إن كنتم قتلتم عيسى فأين صاحبكم؟
ومنهم من قال: الوجه وجه عيسى، والبدن بدن صاحبكم.
واختلف فيه النصارى فقالوا: المصلوب ناسوت عيسى، وأما لاهوته فرفع.
وقال بعضهم غير ذلك.
فالوصف بالجهل وقع على الطائفتين قبحهما الله تعالى.
قال الدميري في "حياة الحيوان": ولله درُّ أبي منصور موهوب الجواليقي إمام المقتفي لما دخل عليه أول دخلة قال: السلام على أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته.
فقال له الطبيب هبة الله بن صاعد ابن التلميذ النصراني: ما هكذا يُسلم على أمير المؤمنين يا شيخ.
فلم يلتفت إليه ابن الجواليقي، وقال للمقتفي: يا أمير المؤمنين! سلامي ما جاءت به السنة النبوية.
стр. 3843
وروى له خبراً في صورة السلام، ثم قال له: يا أمير المؤمنين!
لو حلف حالف أن يهودياً أو نصرانياً لم يصل إلى قلبه نوع من أنواع العلم على الوجه المعتبر لما لزمته كفارة الحنث؛ لأن الله تعالى ختم على قلوبهم، ولن يفك ختمه إلا الإيمان.
فقال: صدقت وأحسنت.
فكأنما ألقم ابن التلميذ بحجر (١).
وفي "الكشاف": عن علي ﵁: أن يهودياً قال له: اختلفتم بعد نبيكم قبل أن يجف ماؤه.
قال: قلتم: اجعل لنا إلها، ولمَّا تجف أقلامكم (٢).
وهذا أورده علي رضي الله تعالى عنه على وجه الجدل تبكيتاً بإليهود، ومقابلة له بمثل ما اعترض به، وليس فيه تسليم لاعتراضه؛ فإنَّ اختلاف هذه الأمة بعد نبيها ﷺ رحمة، ومنشأه العلم المقتضي للاهتمام بأمر الخلافة ونحوها من أمور الدين ليقع على السداد.
وأمَّا قول بني إسرائيل: يا موسى اجعل لنا إلهًا وأقلامهم لم تجف من حوض البحر المفروق لهم، وقد شاهدوا انطباق البحر عقبهم على أعدائهم لم يبق بعده من الجهل شيء.
هذا ونبيهم بين ظهرانيهم.
стр. 3844
وأمَّا اختلاف هذه الأمة فما كان إلا بعد نبيهم، ما كان إلا في طلب الحق، كل منهم مجتهد في طلبه، وهم مجمعون على اعتقاد التوحيد والإخلاص والصدق.
* فائِدَةٌ:
روى أبو نعيم في "الحلية" عن محمد بن منصور الطوسي رحمه الله تعالى قال: ست خصال يُعرف بها الجاهل: الغضب في غير شيء، والكلام في غير نفع، والعظمة (١) في غير موضعها، وإفشاء السر، والثقة بكل أحد، ولا يعرف صديقه من عدوه (٢).
وقد قلت في عقد ذلك: [من السريع]
عَلامَةُ الْجاهِلِ سِتٌّ بِها ... تُمَيِّزُ الْجاهِلَ مِنْ عاقِلِ
كَلامُهُ فِي غَيْرِ نَفْعٍ كَما ... يَغْضَبُ لا عَنْ مُوجِبٍ حاصِلِ
أَسْرارُهُ تُفْشَى لَهُ مَؤْثِقٌ ... بِمَنْ يَرى فِي النَّائِبِ النَّازِلِ
وَلا صَدِيْقاً مِنْ عَدُوٍّ دَرى ... فَلا تَسَلْ عَنْ حالِهِ الْحائِلِ
تَعاظَمَ يَبْدُو عَلَى نَفْسِهِ ... فِي مَوْضعٍ لَمْ يَكُ بِالْقابِلِ
وسيأتي فصل مستقل في النهي عن التشبه بالجاهلين.
стр. 3845
٣٢ - ومن أعمال اليهود والنصارى: خوض الإنسان فيما لا يعلم ، وإفتاء الناس بغير علم، وأخذ العلم عن العوام الذين لا يضبطون.
ومن هذا القبيل رواية الناس الحديث، وتفسير القرآن العظيم ما لم يأخذه عن من يوثق به من العلماء، وهو موثوق بحفظه وضبطه.
قال الله تعالى في بني إسرائيل: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨)﴾ [البقرة: ٧٨].
وقال تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ﴾ [البقرة: ١١٣].
قال مجاهد: يعني: عوام النصارى (١).
وروى الشيخان عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول اللهِ ﷺ : "إِنَّ الله لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنتزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُهُ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إذا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالاً، فَأفْتَوا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" (٢).
وروى الإمام أحمد، والطبراني -وإسناده حسن- عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أنَ النبي ﷺ قام في حجة الوداعِ فقال: "أَيُّهَا النَّاسُ! خُذُوا مِنَ العِلْمِ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ العِلْمُ، وَقَبْلَ أَنْ يُرْفَع".
قالوا: يا رسول الله! كيف يرفع العلم منا وبين أيدينا المصاحف،
стр. 3846
وقد تعلمنا ما فيها، وعلمنا بها نساءنا وذرارينا؟
قال: فرفع النبي ﷺ رأسه وقد علت وجهه حمرة من الغضب، فقال: "أَي ثَكِلَتْكُم أُمُّكُم! وَهَذه اليَهُودُ وَالنَّصَارَى بَيْنَ أَظْهُرِهِمُ الْمَصَاحِفُ لَمْ يُصْبِحُوا يَتَعَلَّقُونَ مِنهَا بِحَرْفٍ مَا جَاءَتْهُم بِهِ أَنْبِيَاؤُهُم، أَلا وَإِنَّ ذَهَابَ العِلْمِ ذَهَابُ حَمَلَتِه -ثلاث مرات-" (١).
٣٣ - ومنها: تعلم العلم للدنيا، وأخذ العوض على العلم ، وإظهار الزهد والنسك مصاداً للدنيا، وحيلة على تحصيلها.
قال الله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤١].
قال أبو العالية رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]: لا تأخذوا عليه أجراً.
قال: وهو مكتوب عندهم في الكتاب الأول: يا ابن آدم! علِّم
مجاناً كما عُلِّمت مجاناً (٢).
стр. 3847
وفي رواية قال: لا تأخذوا على ما علَّمتم أجراً؛ فإنما أجر العلماء والحكماء على الله، وهم يجدونه عندهم.
يا ابن آدم! علم مجاناً كما علِّمت مجاناً (١).
رواه ابن جرير باللفظ الأول، وأبو الشيخ باللفظ الثاني.
ومن هنا كره أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه وغيرُه أخذ الأجرة على تعليم القرآن.
وذهب مالك، والشافعي، وأحمد رضي الله تعالى عنهم إلى جوازه؛ لقوله ﷺ في حديث الصحيحين: "إنَّ أَحَقَّ مَا أَخَذْتُم عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ" (٢)(٣).
وأجيب عن احتجاج الأولين بالآية بأنها في بني إسرائيل.
أو المراد يأخذ الرشوة على الحكم، أو على كتم العلم ميلاً إلى الدنيا، أو عن المحتاج إليه ليبذل الدنيا.
وكل ذلك مما لا يشك في تحريمه، وعليه تحمل سائر النصوص الواردة في ذلك كما في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا
стр. 3848
فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]
والاشتراء في هذه الآية والتي قبلها بمعنى الاستبدال؛ لأن الباء في الشراء إنما تدخل على المأخوذ الذي هو الثمن، اللهم إلا أن نقدر ذا ثمن قليل، فيكون الشراء على أصل استعماله.
وقال الله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾ [الأعراف: ١٦٩].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤].
وسبق أن الأحبار العلماء والرهبان العباد، وإنما قدم الأحبار لأنهم قادة، فالرهبان يبنون على ما يبني عليه الأحبار.
قيل: كانوا يأخذون من أموال أتباعهم ضرائب وفروضاً باسم الكنائس والبيع، وغير ذلك ما يوهمونهم أن النفقة فيه لله تعالى، والأمر خلاف ذلك (١).
والمتشبهون بهم ممن ينسب إلى العلم والتصوف من هذه الأمة كثيرون.
قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: من فسد من علمائنا كان فيه شَبَهٌ من اليهود، ومن فسد من عُبَّادنا كان فيه شبه بالنصارى (٢).
стр. 3849
وروى ابن جهضم رحمه الله تعالى عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى: إنما هما عالمان: عالم دنيا، وعالم أُخْرَى؛ فعالم الدنيا علمه منشور، وعالم الآخرة علمه مستور؛ فاتبعوا عالم الآخرة واحذروا عالم الدنيا، لا يصدكم سكره.
ثم تلا: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قال: والأحبار: العلماء، والرهبان: الزهَّاد (١).
وروى أبو الشيخ عن الضحاك في قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ﴾ [التوبة: ٣٤]، قال: يعني: علماء اليهود، ﴿وَالرُّهْبَانِ﴾ [التوبة: ٣٤]؛ يعني: علماء النصارى ﴿لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤]؛ قال: الباطل، كتبٌ كتبوها لم ينزلها الله تعالى، فأكلوا بها الناس (٢).
وروى ابن أبي شيبة عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان في بني إسرائيل رجال أحداث الأسنان، مغمورون فيهم، قد قرأوا الكتاب، وعَلموا علماً، وإنهم طلبوا بقراءتهم الشرف والمال، وإنهم ابتدعوا بدعاً أخذوا بها الشرف والمال في الدنيا، فضلوا وأضلوا (٣).
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد" عن عمران الكوفي
стр. 3850
رضي الله تعالى عنه قال: قال عيسى بن مريم ﵉ للحواريين: لا تأخذوا ممن تعلمون [من الأجر] إلا مثل الذي أعطيتموني.
ويا مِلْحَ الأرض لا تفسدوا؛ فإن كل شيء إذا فسد فإنما يداوى بالملح، وإن الملح إذا فسد فليس له دواء.
واعلموا أن فيكم خصلتين من الجهل: الضحك من غير عجب، والصبحة من غير سهر (١).
وقلت مشيراً إلى هاتين الخصلتين في علامة جهل العالم من وزن الأبيات المتقدمة، وقافيتها: [من السريع]
يا عَجَباً لِلْعالِمِ الْجاهِلِ ... يَضْحَكُ لا عَنْ عَجَبٍ نازِلِ
يَنامُ فِي الصُّبْحَةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ ... يَسْهَرَ بِاللَّيْلِ عَلى طائِلِ
تَعُجُّ أَرْضُ اللهِ مِنْ عالِمٍ ... يَنامُ بَعْدَ الصُّبْحِ يا سائِلِي
وأشرت بالبيت الأخير إلى ما ذكره الإمام محيي السنة أبو محمد البغوي في "شرح السنة"، ونقله عنه النووي في "الأذكار" عن علقمة ابن قيس رحمه الله تعالى قال: بلغنا أن الأرض تعج إلى الله تعالى من نومة العالم بعد صلاة الصبح (٢).
стр. 3851
* لَطِيْفَةٌ:
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: لما بعث عيسى بن مريم ﵉ كبَّ الدنيا على وجهها، فلما قبض عيسى ﵇ رفعها الناس بعده (١).
يعني: بعد زمان من رفعه، فلا ينافي هذا أن يكون منهم من بقي بعد موته على ما هو عليه.
روى البزار بإسناد جيد، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "لَقَدْ قُبِضَ داوُدُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ فَمَا فُتِنُوا وَمَا بَدَّلُوا، وَلَقَدْ مَكَثَ أَصْحَابُ المَسِيْحِ عَلَى هَدْيِهِ وَسَنَنِهِ مئَتَي سَنَة" (٢).
وفي معنى كلام مالك بن دينار: ما رواه ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: قال عيسى ﵇: بطحت لكم الدنيا، وجلست على ظهرها، فلا ينازعكم فيها إلا الملوك والنِّساء؛ فأما الملوك فلا تنازعوهم الدنيا فإنهم لم يعرضوا
стр. 3852
لكم، وأما النساء فالقوهنَّ بالصوم والنِّساء (١)(٢).
* لَطِيْفَةٌ أُخْرى:
روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن خالد (٣) بن حوشب قال: قال عيسى ﵇ للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فدعوا لهم الدنيا (٤).
وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي في "الزهد" عن زكريا بن عدي رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉ للحواريين: يا معشر الحواريين! ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا (٥).
وفي معناه ما روي عن خلف بن تميم قال: سمعت إبراهيم بن أدهم: [من البسيط]
стр. 3853
أَرى أُناساً بِأدْنىَ الدِّينِ قَدْ قَنِعُوا ... وَلا أَراهُمْ رَضُوا فِي الْعَيْشِ بِالدُّونِ
فَاسْتَغْنِ بِاللهِ عَنْ دنْيَا الْمُلُوكِ كَمَا اسْـ ... تَغْنَى الْمُلُوكُ بِدُنْياهُمْ عَنِ الدِّيْنِ (١)
وهذا مطلوب من كل الناس، وأحق الناس به العلماء لأنهم شُرِّفوا بالعلم ورُفعوا به، فلا ينبغي لهم التنزل إلى حضيض الدنيا، ولأنهم قادة الناس، فإذا رغبوا في الدنيا حسب الناس أن رغبتهم فيها لشرفها أو فضلها فيرغبون، ولذلك كانت أصل موعظة عيسى ﵇ في ذلك للحواريين، وهم وجوه الناس وعلماؤهم.
ومن ألطف ما يناسب ما هنا: ما رواه ابن عساكر عن محمد بن عبد الله البعلبكي قال: سمعت عن محمد بن يزيد يقول: كنت مع ابن المبارك ببغداد إذ رأى إسماعيل بن عُليَّة راكباً بغلة له على باب السلطان، فأنشأ يقول: [من السريع]
يا جاعِلَ الْعِلْمِ لَهُ بازِياً ... يَصْطادُ أَمْوالَ السَّلاطِيْنِ
لا تَبعِ الدِّينَ بِدُنْيا كَما ... تَفْعَلُ ضُلاَّلُ الرَّهابِيْنِ
стр. 3854
احْتَلْتَ لِلدُّنْيا وَلَذَّاتِها ... بِحِيْلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّيْنِ
وَعُدْتَ مَجْنُوناً بِها بَعْدَ ما ... كُنْتَ دَواءً لِلْمَجانِيْنِ
تَفَكَّرَ النَّاسُ جَمِيْعاً بِأَنْ ... زَلَّ حِمارُ الْعِلْمِ فِي الطيْنِ (١)
* تَنْبِيْهٌ:
إنما طلب أحبار يهود ورهبان النصارى الدنيا ليسودوا بها، فدخلوا في طلبها كل مدخل حتى تجاوزوا الحق إلى الباطل، فنودي عليهم في كتاب الله تعالى بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
ولو تركوها بغضاً لها وإعراضًا عنها لسادوا بتركها، وعزوا برفضها لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فطالبها أحقر الطالبين همة، وأرذلهم طريقة.
دخل محمد بن علقمة على عبد الملك بن مروان فقال له: من
стр. 3855
سيد الناس بالبصرة؟
قال: الحسن.
قال: مولى أم عربي؟
قال: مولى.
قال: ثكلتك أمك، مولى سادَ العرب؟
قال: نعم.
قال: بم؟
قال: استغنى عما في أيدينا من الدنيا، وافتقرنا إلى ما عنده من العلم.
قال: صفه لي.
قال: آخذ الناس بما أُمر به، وأتركهم لما نُهي عنه. ذكره ابن حمدون في "تذكرته" (١).
ثم قال: وروي أن بدوياً قدم البصرة فقال لخالد بن صفوان: أخبرني عن سيد هذا المِصْر؟
قال: هو الحسن بن الحسن.
قال: عربي أم مولى؟
قال: مولى.
قال: وبم سادهم؟