← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

* لَطِيْفَةٌ: روى الإمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: لما بعث عيسى بن مريم ﵉ كبَّ الدنيا على وجهها، فلما قبض عيسى ﵇ رفعها الناس بعده (١). يعني: بعد زمان من رفعه، فلا ينافي هذا أن يكون منهم من بقي بعد موته على ما هو عليه. روى البزار بإسناد جيد، عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لأصحابه: "لَقَدْ قُبِضَ داوُدُ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ فَمَا فُتِنُوا وَمَا بَدَّلُوا، وَلَقَدْ مَكَثَ أَصْحَابُ المَسِيْحِ عَلَى هَدْيِهِ وَسَنَنِهِ مئَتَي سَنَة" (٢). وفي معنى كلام مالك بن دينار: ما رواه ابن أبي الدنيا عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: قال عيسى ﵇: بطحت لكم الدنيا، وجلست على ظهرها، فلا ينازعكم فيها إلا الملوك والنِّساء؛ فأما الملوك فلا تنازعوهم الدنيا فإنهم لم يعرضوا

стр. 3852

لكم، وأما النساء فالقوهنَّ بالصوم والنِّساء (١) (٢). * لَطِيْفَةٌ أُخْرى: روى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد"، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن خالد (٣) بن حوشب قال: قال عيسى ﵇ للحواريين: كما ترك لكم الملوك الحكمة فدعوا لهم الدنيا (٤). وروى ابن أبي الدنيا، والبيهقي في "الزهد" عن زكريا بن عدي رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉ للحواريين: يا معشر الحواريين! ارضوا بدنيء الدنيا مع سلامة الدين كما رضي أهل الدنيا بدنيء الدين مع سلامة الدنيا (٥). وفي معناه ما روي عن خلف بن تميم قال: سمعت إبراهيم بن أدهم: [من البسيط]

стр. 3853

أَرى أُناساً بِأدْنىَ الدِّينِ قَدْ قَنِعُوا ... وَلا أَراهُمْ رَضُوا فِي الْعَيْشِ بِالدُّونِ فَاسْتَغْنِ بِاللهِ عَنْ دنْيَا الْمُلُوكِ كَمَا اسْـ ... تَغْنَى الْمُلُوكُ بِدُنْياهُمْ عَنِ الدِّيْنِ (١) وهذا مطلوب من كل الناس، وأحق الناس به العلماء لأنهم شُرِّفوا بالعلم ورُفعوا به، فلا ينبغي لهم التنزل إلى حضيض الدنيا، ولأنهم قادة الناس، فإذا رغبوا في الدنيا حسب الناس أن رغبتهم فيها لشرفها أو فضلها فيرغبون، ولذلك كانت أصل موعظة عيسى ﵇ في ذلك للحواريين، وهم وجوه الناس وعلماؤهم. ومن ألطف ما يناسب ما هنا: ما رواه ابن عساكر عن محمد بن عبد الله البعلبكي قال: سمعت عن محمد بن يزيد يقول: كنت مع ابن المبارك ببغداد إذ رأى إسماعيل بن عُليَّة راكباً بغلة له على باب السلطان، فأنشأ يقول: [من السريع] يا جاعِلَ الْعِلْمِ لَهُ بازِياً ... يَصْطادُ أَمْوالَ السَّلاطِيْنِ لا تَبعِ الدِّينَ بِدُنْيا كَما ... تَفْعَلُ ضُلاَّلُ الرَّهابِيْنِ

стр. 3854

احْتَلْتَ لِلدُّنْيا وَلَذَّاتِها ... بِحِيْلَةٍ تَذْهَبُ بِالدِّيْنِ وَعُدْتَ مَجْنُوناً بِها بَعْدَ ما ... كُنْتَ دَواءً لِلْمَجانِيْنِ تَفَكَّرَ النَّاسُ جَمِيْعاً بِأَنْ ... زَلَّ حِمارُ الْعِلْمِ فِي الطيْنِ (١) * تَنْبِيْهٌ: إنما طلب أحبار يهود ورهبان النصارى الدنيا ليسودوا بها، فدخلوا في طلبها كل مدخل حتى تجاوزوا الحق إلى الباطل، فنودي عليهم في كتاب الله تعالى بقوله : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤]. ولو تركوها بغضاً لها وإعراضًا عنها لسادوا بتركها، وعزوا برفضها لأنها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فطالبها أحقر الطالبين همة، وأرذلهم طريقة. دخل محمد بن علقمة على عبد الملك بن مروان فقال له: من

стр. 3855

سيد الناس بالبصرة؟ قال: الحسن. قال: مولى أم عربي؟ قال: مولى. قال: ثكلتك أمك، مولى سادَ العرب؟ قال: نعم. قال: بم؟ قال: استغنى عما في أيدينا من الدنيا، وافتقرنا إلى ما عنده من العلم. قال: صفه لي. قال: آخذ الناس بما أُمر به، وأتركهم لما نُهي عنه. ذكره ابن حمدون في "تذكرته" (١). ثم قال: وروي أن بدوياً قدم البصرة فقال لخالد بن صفوان: أخبرني عن سيد هذا المِصْر؟ قال: هو الحسن بن الحسن. قال: عربي أم مولى؟ قال: مولى. قال: وبم سادهم؟

стр. 3856

قال: احتاجوا إليه في دينهم، واستغنى عن دنياهم. قال البدوي: كفى بهذا سؤدداً (١). ٣٤ - ومن أخلاق أهل الكتابين: ترك العمل بالعلم . قال الله تعالى في خطاب بني إسرائيل: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾ [البقرة: ٤٤]. روى ابن ماجه عن زياد بن لبيد رضي الله تعالى عنه قال: ذكر النبي ﷺ شيئاً فقال: "ذَلِكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ العِلْمِ". قلت: يا رسول اللهِ! وكيف يذهب العلم ونحنُ نقرأُ القرآنَ ونقرئه أَبناءنا وتقرئه أبناؤنا أبناءهم إلى يومِ القيامة؟ فقال: "ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيادُ! إِنْ كُنْتُ لأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالمَدِيْنَةِ، أَوَلَيْسَ هَذه اليَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَؤُونَ التَّورَاةَ وَالإِنْجِيلَ لا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيْهَا؟ " (٢).

стр. 3857

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن محمد بن واسع رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉: أعيذكم بالله أن تكونوا عاراً على أهل الكتاب، يا بني إسرائيل! قولكم شفاء يذهب بالداء، وأعمالكم لا تقبل الشفاء (١). وعن سفيان رحمه الله تعالى قال: قال عيسى ﵇: إني ليس أحدثكم لتعجبوا، إنما أحدثكم لتعملوا (٢). وعن زياد بن أبي عمرو قال: بلغني أن عيسى ﵇ قال: إنه ليس بنافعك أن تعلم بما لم تعلم ولما تعمل بما قد علمت، إن كثرة العلم لا تزيد العالم إلا كبراً إذا لم يعمل به (٣). وروى هو والبيهقي عن عبد العزيز بن ظبيان رحمه الله تعالى قال: قال المسيح ﵇: من علم وعمل وعلم فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماء (٤). وعن هشام الدستوائي: أن في حكمة عيسى ﵇: ويحكم علماء السوء! الأجر تأخذون، والعمل تضعون، توشكون أن تخرجوا من الدنيا إلى ظلمة القبر وضيقه (٥).

стр. 3858

وروى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والبزار، وابن أبي داود في "البعث"، وابن حبان في "صحيحه"، وأبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الشعب"، وغيرهم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "رَأَيْتُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِي رِجَالاً تُقْرَضُ شِفَاهُهُم بِمَقَاريضَ مِن نَّارٍ، كُلَّمَا قُرِضَتْ رَجَعَتْ، فَقُلْتُ لِجِبْرِيلَ ﵇: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قالَ: هَؤلاءِ خُطَبَاءُ مِنْ أُمَّتِكَ، كَانوُا يَأمُرُونَ النَّاسَ بِالبِرِّ وَيَنْسَوْنَ أَنْفُسَهُم وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ، أَفَلا يَعْقِلُون" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب رحمه الله تعالى: أنه كان يحدث: أن الرب تعالى قال لبني إسرائيل: تفقهون لغير الدين، وتعلمون لغير العمل، وتبتغون الدنيا بعمل الآخرة، تلبسون مُسُوك الضأن، وتخفون أنفس الذئاب، وتنفون القذا من شرابكم، وتبلعون أمثال الجبال من المحارم، وتثقلون الدين على الناس أمثال الجبال، ولا تعينوهم برفع الخناصر، تبيضون الثياب، وتطيلون الصلاة، تنقصون بذلك مال اليتيم والأرملة، فبعزتي حلفت لأضربنكم بفتنة يضل (٢) فيها رأي ذي الرأي، وحكمة الحكيم (٣). * تَنْبِيْهٌ: وروى الدينوري في "المجالسة" عن الشعبي رحمه الله تعالى قال:

стр. 3859

شرار أهل كل دين علماؤهم إلا المسلمين (١). ٣٥ - ومنها: التكبر بالعلم، ودعوى الاستغناء عن علم الغير . قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: ٨٨]. روى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس أنه قال في الآية: مملوءة علماً لا تحتاج إلى علم محمد ولا غيره. وقال عطية: أوعية للحكمة (٢). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي قلابة رحمه الله تعالى: أنه قيل للقمان: أي الناس أعلم؟ قال: من يزداد من علم الناس إلى علمه (٣). * تَنْبِيْهٌ: سبب كبر العلماء بالعلم أمران: الأول: أن يكون اشتغال العالم بغير العلم النافع، وهو ما تورثه الخشية. والثاني: أن يخوض في العلم وهو خبيث الدخلة، رديء النفس، سئ الأخلاق.

стр. 3860

وعليه أولاً أن يبدأ في تعلم ما يهذب أخلاقه، ويزكي نفسه؛ فإن بقي على خبث جوهره وخاض في أي علم كان صادف العلم من قلبه منزلاً خبيثاً، فلم يَطِبْ ثمره، ولم يظهر في الخير أثره كما نبه على ذلك حجة الإسلام في "الإحياء" قال: وقد ضرب وهب لهذا مثلاً فقال: العلم كالغيث ينزل من السماء حلواً صافياً، فتشربه الأشجار بعروقها، فتحوله على قدر طعومها، فيزداد المُرُّ مرارة، والحلو حلاوة، فكذلك العلم يحفظه الرجال فتحوله على قدر همتها وأهوائها، فيزيد المتكبر كبراً، والمتواضع تواضعاً؛ فإن من كانت همته الكبر وهو جاهل، فإذا حفظ العلم وجد ما يتكبر به، فازداد كبراً، وإذا كان خائفاً مع جهله، فازداد علما، علم أن الحجة تأكدت عليه، فيزداد خوفاً وتواضعاً. قال حجة الإسلام: ما أعرف على بسيط الأرض عالماً يستحق أن يقال: إنه عالم لا يحركه عز العلم وخيلاؤه، فإن وجد ذلك فهو صديق زمانه، فلا ينبغي أن يفارق (١). ٣٦ - ومنها: الاختلاف في الدين هوى، والجدال فيه، والابتداع . قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥]. وهم اليهود والنصارى كما تقدم. وقال تعالى: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ

стр. 3861

فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ﴾ [آل عمران: ٦٦] إشارة إلى مجادلة اليهود ونصارى نجران في إبراهيم ﵇. وقال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣]. قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في الآية: حبل الله الجماعة. أخرجه ابن جرير، والطبراني، وغيرهما (١). وقال: أيها الناس! عليكم بالطاعة والجماعة؛ فإنها حبل الله الذي أمر به. أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٢). وروى الإمام أحمد، وأبو داود عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ قال: "إِن أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ افْتَرَقُوا فِي ديْنِهِم عَلَى ثَلاثٍ وَسَبْعِيْنَ مِلَّةً - يعني: الأهواء - كُلُّهَا فِي النَّارِ إِلاَّ وَاحِدَة، وَهِيَ الجَمَاعَة". قالَ: "وَيخْرُجُ فِي أُمَّتِي أَقْوَامٌ تتَجَارَى الأَهْوَاءُ بِهِم كَمَا يَتَجَارَى الْكَلَبُ بِصَاحِبِهِ، فَلا يَبْقَى مِنْهُ عِرْقٌ وَلا مِفْصَلٌ إِلا دَخَلَهُ" (٣).

стр. 3862

والكَلَب -بفتحتين-: داء يصيب الكلاب، وهو جنونها الذي يعتريها من أكل لحم الإنسان، وداء يعتري الإنسان من عضة الكلب الكَلَب يشبه جنون الكلاب. وروى ابن مردويه عن كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "ادْخُلُوا عَلَيَّ، وَلا يَدْخُلْ عَلَيَّ إِلاَّ قُرَيْش". فقال: "يَا مَعْشَرَ قُرَيْش! أَنْتُمُ الوُلاةُ بَعْدِي لِهَذَا الدِّين؛ فَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتم مُسْلِمُونَ، ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] , ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: ١٠٥] , ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (٥)﴾ [البينة: ٥] (١). وروى اللالكائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أمر الله تعالى المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة، وأخبرهم بما هلك به من كان قبلهم بالمِراء والخصومات (٢). وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: أهل الأهواء بمنزلة اليهود والنصارى (٣).

стр. 3863

وروى الإمام أحمد في "الزهد", واللالكائي عن خالد بن ثابت الربعي رحمه الله تعالى قال: بلغني أنه كان في بني إسرائيل رجل شاب قد قرأ الكتاب، وعلم علماً، وكان مغموزاً (١) فيهم، وأنه طلب بعلمه وقراءته الشرف والمال، وأنه ابتدع بدعاً فأدرك الشرف والمال في الدنيا، ولبث كذلك حتى بلغ سناً، وأنه بينما هو نائم ليلة على فراشه إذ تفكر في نفسه فقال: هؤلاء الناس لا يعلمون ما ابتدعت، أليس الله قد علم ما ابتدعت، وقد اقترب الأجل، فلو أني تبت. قال: فبلغ من اجتهاده في التوبة أن عمد فخرق ترقوته وجعل فيها سلسلة، ثم أوثقها آسية من أواسي المسجد -أي: سارية من سواريه- قال: لا أبرح مكاني هذا حتى ينزل الله تعالى فيَّ توبة، أو أموت موت الدنيا. قال: وكان لا يستنكر الوحي في بني إسرائيل. فأوحى الله في شأنه إلى نبي من أنبيائهم: إنك لو كنت أصبت ذنباً بيني وبينك لتبت عليك بالغاً ما بلغ، ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فماتوا فأدخلتهم جهنم، فلا أتوب عليك. قال عوف: حسبته قال: يقال: إن اسمه بَرسيا -بفتح الموحدة، وإسكان الراء، وكسر السين المهملة، وتشديد المثناة تحت- (٢).

стр. 3864

قلت: وكأن هذا من جملة التشديدات التي كانت على بني إسرائيل. وأمَّا في هذه الشريعة فإن توبة المبتدع مقبولة. ٣٧ - ومنها: كثرة السؤال شكاً أو تشكيكاً، أو تعنتاً، أو امتحاناً . قال الله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ [البقرة: ١٠٨]. وقال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ [البقرة: ٦٧] الآيات. وروى الترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "اتْرُكُونِي مَا تَرَكتُمْ، فَإِذَا حَدَّثتكُم فَخُذُوا عَنِّي؛ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِم، وَاخْتِلافِهِم عَلَى أَنْبِيَائِهِم". وأصله في "الصحيح" (١). وهذا الحديث، ونظائره محمول على زمانه ﷺ ؛ فإنهم كانوا لا يزالون يسألونه عن الشيء وهو حلال حتى يحرم عليهم، كما ورد في الحديث. وأما بعد زمانه فإنما يكره من كثرة السؤال ما يفضي بالمسؤول إلى الملل والتبرُّم، أو ما كان على سبيل التعنت والتغليط، أو العبث.

стр. 3865

وقد تقدم حديث النهي عن الأغلوطات، وهي معضلات المسائل. وفي "الصحيحين": عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُم عُقُوْقَ الأُمهَاتِ، وَوَأدَ البَنَاتِ، وَمَنْعًا وَهَاتِ، وَكَرِهَ لَكُم قِيْلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وَإِضَاعَةَ المَالِ" (١). ٣٨ - ومنها: اقتناء الكتب، وحملها، وجمعها والاهتمام بتحسينها وتَحْلِيَتِها، والمغالاة فيها . وهو في ذلك عارٍ مما فيها، أجنبي منه، غير متضلع من علومها، أو تعلمها وتعليمها، مُعْرِضٌ عن العمل بها، ومخالف لما فيها. وعلى ذلك حمل قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ [الجمعة: ٥]. وهذه الآية في اليهود كما رواه عبد بن حميد، وابن المنذر عن ابن عباس، ولم يخالفه في ذلك غيره (٢). وقوله: ﴿يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥]، قال مجاهد: كتباً لا يعلم ما فيها، ولا يعقلها. وقال الضحاك: كتباً لا يدري ما فيها، ولا يدري ما هي. فضرب الله تعالى بهذه الآية معنى المثل لتتعظ هذه الأمة؛ أي:

стр. 3866

وأنتم إن لم تعملوا بهذا الكتاب كان مثلكم كمثلهم. وقال ابن جريج في قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا﴾ [الجمعة: ٥]: أمرهم أن يأخذوا بما فيها فلم يعملوا به. أخرج هذه الآثار ابن المنذر (١). ٣٩ - ومنها: أخذ العلم من الكتب، والاعتماد على الكتاب دون الرواية وحسن الروية . وقد روي في الأخبار: من وصف هذه الأمة: أناجيلهم في صدورهم (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَتبُوا كِتَابًا فَاتَّبَعُوهُ، وَتَرَكُوا التَّوْرَاةَ" (٣). وروى ابن أبي شيبة عن ابن سيرين قال: إنما ضلت بنو إسرائيل بكتب وَرِثوها عن آبائهم (٤).

стр. 3867

وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أتي بصحيفة فيها حديث، فدعا بماء فمحاها، ثم غسلها، ثم أمر بها فأحرقت، ثم قال: بهذا هلك أهل الكتاب قبلكم، حتى نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (١). وروى الإمام أحمد عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: كنا قعوداً نكتب ما نسمع من النبي ﷺ ، فخرج علينا فقال: "مَا هَذَا تَكْتبوْنَ؟ " فقلنا: ما نسمع منك. فقال: "أَكِتَابٌ مَعَ كِتَابِ اللهِ؟ امْحَضُوا كِتَابَ اللهِ وَأخْلِصُوا" (٢). واعلم أن كتابة العلم وتقييده مما استقر عليه أمر المسلمين بحيث صار إجماعاً، وإنما نهاهم النبي ﷺ عن كتابة ما يسمعونه منه أولاً حذراً أن يخلط ما ليس بالقرآن به كما في حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، ثم أذن في الكتابة بعد. وأما ما كان عليه جماعة من الصدر الأول من النهي عن كتابة الحديث، فإنما كان حذراً من الاتكال على الخط، وعدم الاجتهاد في حفظ العلم حتى قيل:

стр. 3868

ما الْعِلْمُ إِلاَّ ما وَعاهُ الصَّدْرُ ... وَلَيْسَ بِالَّذِي حَوى الْقِمَطْرُ وبالجملة فإذا تثبت الكاتب، ولم يكتب إلا ما صح الأخذ به من الكتاب والسنة، فهذا مثاب على كتابته -سواء كان ناسخاً، أو مصنفاً إذا كان فيه أهلية لذلك- وهي مما مدحت به هذه الأمة حتى قال القاضي أبو بكر بن العربي في "المعارف" (١): ولم يكن قط في الأمم من انتهى إلى حد هذه الأمة من التصرف في التصنيف والتحقيق. ثم ما كان بعد زمانه من ذلك لا شك أنه أوسع وأكثر مما رآه أو سمع به. ولقد جاء بعده أمم من العلماء اتسعت تصرفاتهم، وانتشرت تصنيفاتهم وتأليفاتهم. وقرأت بخط الشيخ برهان الدين بن جماعة ما قرأه بخط صاحبه الشيخ أبي عبد الله محمد بن مرزوق التلمساني قال: سئل شيخنا الإمام أبو عبد الله التلمساني الآبلي عن كثرة تصانيف هذه الأمة واشتغالها بالتآليف، فقال: هذا من فوائد تحريم الخمر عليها، انتهى. قلت: ووجهه أن شارب الخمر يصرف مدة من الزمان في الشرب والطرب، وتذهب عليه مدة في السكر والغيبة، فمن كان عالماً توفرت

стр. 3869

عليه هذه الأوقات إذا لم يلعب به الهوى، فتكون مصروفة في الجمع والتأليف، والترتيب والتصنيف إن وفقه الله تعالى لذلك. وأيضاً فإن الخمر مضرة بالعقول، والتصنيف يحتاج إلى عقل رصين، وقد سلمت علماء هذه الأمة إلا من ضربه الله تعالى بسوط الخذلان حتى مده في الغي الشيطان؛ نسأل الله العافية فيما بقي، ونحمده عليها فيما مضى. وكتابة العلم وتصنيفه في الكتب مما عليه إجماع الأمة، وهو من أعظم أدلة الدين، وفي الكتاب والسنة ما يؤيد هذا الإجماع الرصين. قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ [الأحقاف: ٤]. روى الإمام أحمد -ورجاله رجال الصحيح- والطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] قال: "الْخَطُّ" (١). وروى الطبراني في "الأوسط"، ولفظه: عن رسول الله ﷺ : أنه سئل عن الخط فقال: "هُوَ أثَارةٌ مِنْ عِلْمٍ" (٢).

стр. 3870

وروى الحاكم في "المستدرك" عن ابن عباس موقوفاً (١) في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] فقال: جودة خط (٢). وهذا الأثر، وقد أخرجه ابن مردويه عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ بلفظ: "حُسْنُ الخَطِّ" (٣). يشير إلى أن المراد بالخط الكتابة، ولا تكرار عليه لأنه أراد بقول: بكتاب: ما نزاع، وبأثارة: ما قيد به العلم. وقيل: أراد به التنجيم، وخط الرمل. والأثارة -بفتح الهمزة-: من مادة: أث ر، وهي والأُثرة - بالضم -: بقية العلم. وقد روى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس: أنه قال في قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤]: بينة من الأمر (٤). وهي شاملة للعلم المكتوب. والمعنى والله سبحانه أعلم: ائتوني بكتاب منزل على نبي من

стр. 3871

قبل هذا القرآن، أو بخط جيد ثابت عن من يؤخذ عنهم الدين إن كنتم صادقين. ففي ذلك إشارة إلى الاحتجاج بالخط، ومعنى جودته، وحسن ضبطه، والتثبت فيه، ومن ثم اعتبر المحدثون الكتابة، والوِجادة، ومناولة الكتب كما هو مقرر في محله. وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. فأمر بكتابة الدَّين حفظاً له من الضياع، فكتابة العلم تقييداً له أولى. وروى ابن أبي شيبة، وأبو داود عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: كنت كتب كل شيء أسمعه من رسول الله ﷺ ، وأريد حفظه، فنهتني قريش عن ذلك، وقالوا: تكتب كل شيء تسمعه من رسول الله ﷺ ورسول الله ﷺ يتكلم في الرضا والغضب؟ قال: فأمسكت، وذكرت ذلك للنبي ﷺ ، فأشار بيده إلى فِيْهِ فقال: "اُكْتُبْ؛ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدهِ مَا يَخْرُجُ مِنِّي إِلاَّ حَقٌّ" (١). وروى الإمام أحمد -وأصله في الصحيح- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما كان أحد أعلم بحديث رسول الله ﷺ مني إلا ما كان من عبد الله بن عمرو؛ فإنه كان يكتب بيده ويعيه بقلبه، وكنت أعيه

стр. 3872

بقلبي ولا أكتب بيدي، واسْتَأْذَنَ رسول الله ﷺ في الكتابة فأذن له (١). وروى الطبراني في "الأوسط" من حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "اِستَعِنْ بِيَمِيْنِكَ عَلَى حِفْظِكَ" (٢). وفيه إيماء إلى أن الكتابة تكون باليمين، وهي مكروهة بالشمال. وروى ابن أبي شيبة، والدارميُّ، والحاكم وصححه، عن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: قَيِّدوا العلم بالكتاب (٣). وروى الطبراني -ورجاله رجال الصحيح- عن ثُمامة قال: قال لنا أنس رضي الله تعالى عنه: قيدوا العلم بالكتاب (٤). وروى ابن أبي شيبة عن مسلمة (٥)، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٦).

стр. 3873

ورواه الطبراني في "الكبير"، والحاكم في "المستدرك"، والدارقطني في "الأفراد"، والخطيب في كتاب "تقييد العلم" عن عبد الله بن عمرو، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول"، والخطيب عن أنس؛ كلاهما مرفوعًا قالا رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : "قَيِّدُوا العِلْمَ بِالْكِتابِ" (١). ورُوي أيضًا من حديث أبي بريدة، وابن عمر، وغيرهما رضي الله تعالى عنهم (٢). * تنبِيْهٌ: روى الخطيب في كتاب "شرف أصحاب الحديث" عن البيهقي أنَّه قال: بلغني أن الله تعالى خصَّ هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد، والأنساب، والإعراب (٣). وعن محمد بن حاتم بن المظفر قال: إن الله تعالى أكرم هذه الأمة، وشرَّفها، وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمهم وحديثهم

стр. 3874

إسنادٌ، وإنما هي صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارَهم، وليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل مما جاءهم به أنبياؤهم، ولا تمييز ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي أخذوها عن غير الثقات. قال: وهذه الأمة إنما تنص الحديث من الثقة المعروف في زمانه، المشهور بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثمَّ يبحثون إليه البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط (١). قلت: وعلم الحديث على ما هو مبين في كتبه مفقود منذ ذهب شيخ الإسلام أبو الفضل ابن حجر العسقلاني وأقرانه، ثمَّ خلفهم جماعة قليلون كانوا على بقية منه كالبقاعي، والسخاوي، وأبي نبهان، وأبي الفتح المزني، وابن الشويخ، والقلقشندي، والبرهان الناجي، والفخر الإيجي، والحافظ الجلال السيوطي، والتقي الأوجاقي، وآخرهم القاضي زكريا الأنصاري، فكان على بقية مما ترك أصحاب الحديث، ثمَّ غلب على جماعة القاضي زكريا علم الفقه، ولم ينبل منهم في الحديث إلا شيخ الإسلام والدي بالشام، وشيخ الإسلام نجم الدين الغيطي بمصر مع براعتهما في غيره، ثمَّ انتهى أمر علم الحديث بعد والدي رحمه الله تعالى؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون.

стр. 3875

وليس من روى الأحاديث على منابر الوعظ، وعقد حلقة للتدريس في كتاب من الحديث بمحدِّثٍ حتى يتصف بما ذكروه في وصف المحدث فضلًا عن أن يكون حافظًا، فالمقصود من كل من وفقه الله تعالى فنظر في أحوال نفسه، ورام تكميلها أن يلتفت إلى إحياء ما أمكنه مما درس من علم الحديث، ولا أقل من أن يعتني برواية كتبه التي قرأها على شيخه، ولا سيما ما حفظه من المسائل والفوائد والتعليقات؛ فإن الأسانيد أنساب الكتب كما قالوا في آداب المتعلم. والمقصود الأعظم من ذلك أن لا تنقطع هذه الخصوصية من هذه الأمة المحمدية، وتصان الأخبار والآثار عن الانقطاع والاندثار. وإذا اعتنى بالرواية فلا بد من التثبت فيها، وإلا هلك وأهلك، كما في الحديث عن النبي ﷺ أنَّه قال: "هَلاكُ أُمَّتِي في ثَلاثٍ: في القَدَرِيِّةِ، والعَصَبِيَّةِ، والرِّوايَةِ مِنْ غير تَثَبُّتٍ. رواه البزار عن ابن عباس، والطبراني عن أبي قتادة ﵁ (١). ٤٠ - ومن أعمال بني إسرائيل، ومن بعدهم: القصص . روى الطبراني -ورجاله موثقون- عن خباب رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ بَنِي إِسْرائِيْلَ لَمَّا هَلَكُوا قَصُّوا" (٢).

стр. 3876

وقد وردت أحاديث وآثار تدل على ذم القصص، حتى قال إبراهيم النخعي: الحمد لله الذي لم يجعلنا ممن يذهب إلى قاصٍّ، ولا إلى بيعة، ولا إلى كنيسة. رواه أبو الفرج بن الجوزي في كتاب "القصاص والمذكرين" (١). وقال أبو إدريس الخولاني رحمه الله تعالى: لأنَّ أرى في ناحية المسجد نارًا تأجج أحب إلى من أن أرى في ناحيته قاصًا يقص (٢). وإنما أنكر القصص من أنكره من السلف وذمَّه لأمور: أحدها: أنَّه يشغل عما هو أهم منه من تعلم القرآن وتلاوته، ورواية الحديث، والتفقه في الدين. الثاني: أن في القرآن والسنة من الموعظة ما يغني عما سواه. الثالث: أنهم لما رأوا القُصَّاص لا يتحرَّون الصواب، ولا يتحرَّزون من الخطأ أنكروه. ولفظ أثر أبي إدريس في رواية أبي نعيم في "الحلية": لأنَّ أرى في ناحية المسجد نارًا تَقِدُ أحب إلي من أن أرى فيها رجلًا يقص ليس بفقيه (٣). الرابع: أن القصاص لا يجتمع عليهم في الغالب إلا العوام، فربما

стр. 3877

أدخل الواحد منهم في قصصه ما يفسد قلوبهم. الخامس: أن القصاص ربما حملوا عن أهل الكتاب في حق الأنبياء ﵈ ما هم منزهون عنه كما يذكر في قصة يوسف من المحالات. السادس: أنهم ربما رغبوا في استمالة قلوب الناس إليهم فتوسعوا في أحاديث الرقائق، فوقعوا في الكذب؛ ولا سيما على رسول الله ﷺ . السابع: أنهم ربما رأوا اجتماع الناس عليهم، فرأوا لهم فضلًا ومزية، فهلكوا. ولما كان القصص مظنة هذه الآفات قال يزيد بن أبي حبيب رحمه الله تعالى: القاص ينتظر الفتنة. وقال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: القاص ينتظر المقت من الله تعالى. رواهما ابن المبارك في "الزهد" (١). وروى الطبراني بسند ضعيف، عن مجاهد، عن العبادلة رضي الله تعالى عنهم؛ وهم: ابن عمر، وابن عمرو، وابن الزبير، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم؛ قالوا: قال رسول الله ﷺ : "القَاصُّ يَنْتَظِرُ المَقْتَ، والمُسْتَمِعُ يَنتظِرُ الرَّحْمَةَ" (٢).

стр. 3878

وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي المليح رحمه الله تعالى قال: ذكر ميمون القاص فقال: لا يخطئ القاص ثلاثًا: إما أن يُسَمِّن قوله بما يهزل دينه، وإما أن يعجب بنفسه، وإما أن يأمر بما لا يفعل؛ قال: فلهذا قال النبي ﷺ : "القاصُّ يَنْتَظِرُ المَقْتَ" (١). ولهذا توقف عمر رضي الله تعالى عنه في الإذن لتميم الداري رضي الله تعالى عنه حين استأذنه في القصص، ثمَّ أذن له. فروى الطبراني بسند جيد، عن عمرو بن دينار: أن تميمًا الداري رضي الله تعالى عنه استأذن عمر في القصص، فأبى أن يأذن له، ثمَّ استأذنه فأبى أن يأذن له، ثمَّ استأذنه فقال: إن شئت -وأشار بيده؛ يعني: الذبح- (٢). وروى الإمام أحمد بسند صحيح، عن الحارث بن معاوية الكندي: أنَّه ركب إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فسأله عن القصص، فقال له: ما شئت -كأنه كره أن يمنعه-. قال: إنما أردت أن أنتهي إلى قولك. قال: أخشى عليك أن تقص، ثمَّ ترتفع في نفسك، ثمَّ تقص فترتفع في نفسك حتى يُخَيَّل إليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا، فيضعك الله تحت

стр. 3879

أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك (١). وقال الإمام عبد الله بن المبارك في "الزهد": أنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع: أن تميمًا الداري رضي الله تعالى عنه استأذن عمر ابن الخطاب رضي الله تعالى عنه في القصص، فقال: إنه على مثل الذبح. قال: إني أرجو العافية. فأذن له، فجلس إليه -يعني: عمر- فقال تميم في قوله: اتقوا زلة العالم. فكره عمر رضي الله تعالى عنه أن يسأله فيقطع بالقوم، وحضره منه فئام، فقال لابن عباس رضي الله تعالى عنهما: إذا فرغ فاسأله: ما زلة العالم؟ ثمَّ قام عمر، فجلس ابن عباس، فغفل غفلة، ففرغ تميم رضي الله تعالى عنه، وقام يصلي، وكان يطيل الصلاة، فقال ابن عباس: لو رجعت ثمَّ أتيته، وطال على عمر رضي الله تعالى عنه، فأتى ابن عباس فسأله، فقال: ما صنعت؟ فاعتذر إليه، فقال: انطلق؛ فأخذ بيده حتى أتى تميمًا الداري رضي الله تعالى عنهم، فقال له: ما زلة العالم؟ قال: العالم يزل بالناس فيؤخذ به، فعسى أن يتوب منه العالم، والناس يأخذون به.

стр. 3880

ومن ثمَّ تعلم أن القصص لم يكره لذاته؛ فإن عمر أتى تميمًا وهو يقص بعد أن أذن له فيه. وقال الحافظ المزي في "تهذيب الكمال": روى حماد بن سلمة عن ثابت قال: أول من قص عبيد بن عمير على عهد عمر بن الخطّاب ﵁ (١). وإنما كرهه من كرهه لما يخشى على القاص من الآفات لا مطلقًا؛ فإن القرآن العظيم مشحون بالقصص. وقال الله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾ [يوسف: ٣] وقال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود: ١٢٠]. وقال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ [الأعلى: ٩]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾ [الغاشية: ٢١]. وقال : ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥]. وروى ابن أبي شيبة عن أوس رضي الله تعالى عنه قال: إنا لقعود عند رسول الله ﷺ وهو يقص علينا ويذكرنا (٢).

стр. 3881

وروى الإمام أحمد بإسناد حسن، عن رجل من أهل بدر رضي الله تعالى عنهم: أنَّه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لأَنْ أَقْعُدَ في مِثْلِ هَذَا المَجْلِسِ أَحَبَّ إِليَّ مِنْ أَنْ أعْتِقَ أَرْبَعَ رِقابٍ". قال شعبة فقلت: أي مجلس تعني؟ قال: كان قاصًا (١). وروى الشيخان عن أبي وائل قال: كان ابن مسعود ﵁ يذكرنا في كل خميس، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن! لوددت أنك لو ذكرتنا كل يوم. فقال: أما إنه يمنعني من ذلك أني أكره أن أملَّكم، وإني أتخولكم بالموعظة كما كان رسول الله ﷺ يتخولنا بها مخافة السآمة علينا (٢). وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" بإسناد جيد، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: خرج رسول الله ﷺ على قاص يقص فأمسك، فقال رسول الله ﷺ : "قُصَّ؛ فَلأَنْ أقْعُدَ غُدْوَةً -ولفظ الطبراني: قُصَّ فَلأَنْ أَقْعُدَ هَذَا المَقْعَدَ مِنْ حِيْنَ تُصَلِّي الغَدَاةَ- إِلَى أَنْ تُشْرِقَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَ رِقابٍ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى

стр. 3882

تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَ رِقابٍ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أنَّه قال: ما تصدق مؤمن قط بصدقة أحب إلى الله من موعظة يعظ بها قومًا، فيتفرقون قد نفعهم الله بها (٢). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن فرقد السبخي قال: قال عيسى ابن مريم ﵉: طوبى للناطق في آذان قوم يستمعون كلامه؛ إنه ما تصدق رجل بصدقة أعظم أجرًا عند الله من موعظة قوم يصيرون بها إلى الجنة (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقوم كل خميس وجمعة فيتكلم (٤). وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن محمَّد بن عبادة بن زياد

стр. 3883

المعافري قال: كنا عند أبي شريح وكثرت المسائل، فقال أبو شريح: قد درنت قلوبكم منذ اليوم، فقدموا إلى أبي حميد ﵁ أصفوا قلوبكم، وتعلموا هذه الرغائب؛ فإنها تجدد العبادة، وتورث الزهادة، وتجر الصداقة، وأقلوا المسائل إلى ما نزل؛ فإنها تقسي القلب، وتورث العداوة (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن عبد الرحمن بن مهدي رحمه الله تعالى قال: جلست مع سفيان الثوري في مسجد صالح المري، فرأيت سفيان الثوري يبكي، وقال: ليس بقاص؛ هذا نذير قوم (٢). وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: رأيت تميمًا الداري يقص في عهد عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه (٣). وقال مغيرة: كان إبراهيم التيمي يذكر في منزل أبي وائل، فجعل أبو وائل ينتفض كما ينتفض الطير (٤). وقال أيضًا: كان الحسن يقص، وكان سعيد بن جبير يقص (٥). وقال مجاهد: كان بريد بن شجرة يقص، وكان يوافق قوله فعله (٦).

стр. 3884

وقال أيضًا: كنا نفخر الناس بأربعة: بفقيهنا، وقاصنا، وبمؤذننا، وبقارئنا. فقيهنا: ابن عباس، ومؤذننا: أبو محذورة، وقاصنا: عبيد بن عمير، وقارئنا: عبد الله بن السائب (١). روى هذه الآثار ابن أبي شيبة. فإن قلت: ما تصنع بما رواه ابن ماجه بسند حسن، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: لم يكن القصص في زمان رسول الله ﷺ ، ولا زمن أبي بكر، ولا زمن عمر ﵄ (٢). وروى الإمام أحمد عن السائب بن يزيد بنحوه (٣). وروى ابن أبي شيبة عن نافع قال: لم يكن قاص في زمن النبي ﷺ ، ولا في زمن أبي بكر، ولا زمن عمر، ولا زمن عثمان رضي الله تعالى عنهم (٤).

стр. 3885

وروى ابن عديّ عن الأعمش رحمه الله تعالى قال: اختلف أهل البصرة في القصص، فأتوا أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فسألوه: أكان النبي ﷺ يقص؟ فقال: لا (١). فالجواب: أنا قدمنا أن النبي ﷺ كان يقص، وقد أمر قاصًّا أن يقص، وأن تميمًا والحارث بن معاوية وعبيد بن عمير كانوا يقصون في عهد عمر رضي الله تعالى عنهم؛ والمثبت مقدم على النافي. ثمَّ إن القصص الذي أنكر ابن عمر ونافع كونه في زمن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين ﵃ ليس هو مجرد القص لما ثبت في الكتاب والسنة؛ إذ لا يمكن نفيه أصلًا، وإنما أنكروا ونفوا ما أحدثه القصاص من الاجتماع في وقت معين للقصص، وارتفاع الأصوات، والدعاء للأمير، ونحو ذلك. وإن هذا لم يكن في عهده ﷺ ولا في عهد خلفائه ﵃، وإنما حدث في زمان معاوية رضي الله تعالى عنه كما رواه الزبير بن بكار في "أخبار المدينة" عن نافع وغيره. وكذلك لم يقص رسول الله ﷺ على هذه الهيئة المخصوصة، بل كان يحدث أصحابه ويذكرهم ويعلمهم وكأن على رؤوسهم الطير، وعليه يحمل قول أنس رضي الله تعالى عنه. على أن أبا طالب المكي ذكر عن حبيب بن أبي ثابت عن زياد

стр. 3886

النميري قال: أتيت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وهو بالراوية، فقال لي: قُصَّ. فقلت: كيف أقص والناس يزعمون أنَّه بدعة؟ فقال: ليس شيء من ذكر الله بدعة. قال: فقصصت، فجعلتُ أكثَر قصصي دعاءً رجاءَ أن يؤمِّن. قال: فجعلت أقص وهو يؤمِّن (١). فعلم من هذا أن القصص إذا خلا عما يفعله القصاص لم يكن مذمومًا، وإنما المذموم ما أحدثوه. وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: كتب عامل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن ها هنا قومًا يجتمعون، فيدعون للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر ﵁: أقبل وأقبل بهم معك، فأقبل، فقال عمر للبواب: أعرني سوطًا، فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربًا بالسوط (٢). وروى ابن الجوزي عن أبي التياح قال: قلت للحسن: إمامنا يقص، فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء. فقال الحسن: إن القصص بدعة، وإن رفع الصوت بالدعاء لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة (٣).

стр. 3887

وقد عنَّ لي أن أذكر هنا فصلًا في آداب القاص والمذكر والواعظ، وهي ألفاظ متقاربة؛ فالواعظ: القائم بمنصب الوعظ، وهو تخويف يرق له القلب. والمذكر: القائم بمنصب التذكير، وهو تعريف الناس بنعم الله عليهم وما يجب عليهم من الحقوق. والقاص: القائم بمنصب القصص، وهو تتبع الأخبار والآثار عن من سلف، وإيرادها عن القوم؛ فإن كان لغرض صحيح كالموعظة والذكرى كان حسنًا مقبولًا، وإن كان لغير ذلك كان مردودًا؛ وليس من ذلك ذكر الأكاذيب، والخرافات، والأحاديث الموضوعة أصلًا؛ فإن تسمية ذلك كذبًا وخوضًا في الباطل أقرب من تسميته قصصًا، وهو واستماعه حرام باتفاق. ومن القصص المحمود: قصص القرآن العظيم كما قال الله تعالى في سورة هود ﵇ بعد ذكر قصَص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠]. ثمَّ المذكر والواعظ قد يكون وعظه وتذكيره بالقصص، وقد يكون بغيره، وهما محمودان على كل حال. وأمَّا القاص فقد تكون قصصه للوعظ والتذكير، والدعوة والإرشاد إلى الله ، فيكون محمودًا.

стр. 3888

ثمَّ اعلم أنَّ الذي حضرني الآن من آداب الواعظ والمذكر والقاص عشرون أدبًا: أحدها: أن تستأذن في ذلك الإمام أو نائبه كما استأذن تميم والحارث بن معاوية من عمر رضي الله تعالى عنهم. وروى ابن ماجه بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقُصُّ عَلَى النَّاسِ إِلَّا أَمِيْرٌ، أَوْ مَأمُورٌ، أَوْ مُراءٍ" (١). وفي الباب عن عوف بن مالك، وعبادة بن الصامت، وكعب بن عياض، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم. وروى الإمام أحمد عن عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ المسجد، فإذا كعب يقص؛ قال: من هذا؟ قالوا: كعب يقص. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيْرٌ، أَوْ مَأْمُوْرٌ، أَوْ مُخْتالٌ". قال فبلغ ذلك كعبًا، فما رئي يقص بعد (٢). الثاني: حسن النية.

стр. 3889

لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمالُ بِالنِّياتِ" (١). فليخلص ولا يرائي ولا يتطلَّع إلى شهرة ولا إلى شيء من أغراض الدُّنيا. وروى أبو بكر المروزي في كتاب "العلم" عن سفيان بن عيينة قال: قيل لطاوس رحمه الله تعالى: ذَكِّرنا. فقال: لم تحضرني حسبة في ذلك (٢)؛ أي: نية صحيحة. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن صفوان بن عمرو قال: كان خالد بن معدان رحمه الله تعالى إذا عظمت حلقته قام فانصرف. قيل لصفوان: ولم كان خالد يقوم؟ قال: كان يكره الشُّهرة (٣). وروى أبو الشُّيخ عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنَّه قرأ هذه الآية: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، قال: بلغني أنَّه يدعى يوم القيامة بالمذكِر الصالح فيوضع على رأسه تاج الملك، ثمَّ يُؤمر به إلى الجنَّة، فيقول: إلهي! إنَّ في مقام القيامة أقوامًا كانوا يعينوني في الدُّنيا على ما كنت عليه.

стр. 3890

قال: فيفعل بهم مثلَما فعل به، ثمَّ ينطلق يقودهم إلى الجنَّة لكرامته على الله تعالى (١). فحسن نية المذكِّر سبب لسعادته وسعادة من يتذكر به؛ وناهيك بهذا مقامًا! وأحب للمذكر والمدرس، والمفتي والناصح أن يستعين بهذه الآية على أمره. قال أبو إسحاق الفزاري رحمه الله تعالى: ما أردت أمرًا قط فتلوت عنده هذه الآية إلَّا عُزم على الرشد: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. أخرجه أبو الشيخ (٢). الثالث: أن يكون عالمًا بالأحكام الشَّرعية، عارفًا بالناسخ والمنسوخ وغيرهما من علوم التفسير والحديث، ومن لم يتأهل لذلك وتعاطى الوعظ والقص، فقد ظلم نفسه، وعرَّضها للمقت. روى ابن أبي شيبة، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، وغيرهما عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى قال: مرَّ علي بن أبي طالب ﵁ برجل يقص فقال: أعرفت الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا.
следующие страницы →