النميري قال: أتيت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه وهو بالراوية، فقال لي: قُصَّ.
فقلت: كيف أقص والناس يزعمون أنَّه بدعة؟
فقال: ليس شيء من ذكر الله بدعة.
قال: فقصصت، فجعلتُ أكثَر قصصي دعاءً رجاءَ أن يؤمِّن.
قال: فجعلت أقص وهو يؤمِّن (١).
فعلم من هذا أن القصص إذا خلا عما يفعله القصاص لم يكن مذمومًا، وإنما المذموم ما أحدثوه.
وقد روى ابن أبي شيبة عن أبي عثمان قال: كتب عامل لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: إن ها هنا قومًا يجتمعون، فيدعون للمسلمين وللأمير، فكتب إليه عمر ﵁: أقبل وأقبل بهم معك، فأقبل، فقال عمر للبواب: أعرني سوطًا، فلما دخلوا على عمر أقبل على أميرهم ضربًا بالسوط (٢).
وروى ابن الجوزي عن أبي التياح قال: قلت للحسن: إمامنا يقص، فيجتمع الرجال والنساء، فيرفعون أصواتهم بالدعاء.
فقال الحسن: إن القصص بدعة، وإن رفع الصوت بالدعاء لبدعة، وإن مد الأيدي بالدعاء لبدعة، وإن اجتماع الرجال والنساء لبدعة (٣).
стр. 3887
وقد عنَّ لي أن أذكر هنا فصلًا في آداب القاص والمذكر والواعظ، وهي ألفاظ متقاربة؛ فالواعظ: القائم بمنصب الوعظ، وهو تخويف يرق له القلب.
والمذكر: القائم بمنصب التذكير، وهو تعريف الناس بنعم الله عليهم وما يجب عليهم من الحقوق.
والقاص: القائم بمنصب القصص، وهو تتبع الأخبار والآثار عن من سلف، وإيرادها عن القوم؛ فإن كان لغرض صحيح كالموعظة والذكرى كان حسنًا مقبولًا، وإن كان لغير ذلك كان مردودًا؛ وليس من ذلك ذكر الأكاذيب، والخرافات، والأحاديث الموضوعة أصلًا؛ فإن تسمية ذلك كذبًا وخوضًا في الباطل أقرب من تسميته قصصًا، وهو واستماعه حرام باتفاق.
ومن القصص المحمود: قصص القرآن العظيم كما قال الله تعالى في سورة هود ﵇ بعد ذكر قصَص قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [هود: ١٢٠].
ثمَّ المذكر والواعظ قد يكون وعظه وتذكيره بالقصص، وقد يكون بغيره، وهما محمودان على كل حال.
وأمَّا القاص فقد تكون قصصه للوعظ والتذكير، والدعوة والإرشاد إلى الله ، فيكون محمودًا.
стр. 3888
ثمَّ اعلم أنَّ الذي حضرني الآن من آداب الواعظ والمذكر والقاص عشرون أدبًا:
أحدها: أن تستأذن في ذلك الإمام أو نائبه كما استأذن تميم والحارث بن معاوية من عمر رضي الله تعالى عنهم.
وروى ابن ماجه بسند صحيح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا يقُصُّ عَلَى النَّاسِ إِلَّا أَمِيْرٌ، أَوْ مَأمُورٌ، أَوْ مُراءٍ" (١).
وفي الباب عن عوف بن مالك، وعبادة بن الصامت، وكعب بن عياض، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.
وروى الإمام أحمد عن عبد الجبار الخولاني قال: دخل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ المسجد، فإذا كعب يقص؛ قال: من هذا؟ قالوا: كعب يقص.
قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَقُصُّ إِلَّا أَمِيْرٌ، أَوْ مَأْمُوْرٌ، أَوْ مُخْتالٌ".
قال فبلغ ذلك كعبًا، فما رئي يقص بعد (٢).
الثاني: حسن النية.
стр. 3889
لقوله ﷺ : "إِنَّمَا الأَعْمالُ بِالنِّياتِ" (١).
فليخلص ولا يرائي ولا يتطلَّع إلى شهرة ولا إلى شيء من أغراض الدُّنيا.
وروى أبو بكر المروزي في كتاب "العلم" عن سفيان بن عيينة قال: قيل لطاوس رحمه الله تعالى: ذَكِّرنا.
فقال: لم تحضرني حسبة في ذلك (٢)؛ أي: نية صحيحة.
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن صفوان بن عمرو قال: كان خالد بن معدان رحمه الله تعالى إذا عظمت حلقته قام فانصرف.
قيل لصفوان: ولم كان خالد يقوم؟
قال: كان يكره الشُّهرة (٣).
وروى أبو الشُّيخ عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنَّه قرأ هذه الآية: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ﴾ [هود: ٨٨]، قال: بلغني أنَّه يدعى يوم القيامة بالمذكِر الصالح فيوضع على رأسه تاج الملك، ثمَّ يُؤمر به إلى الجنَّة، فيقول: إلهي! إنَّ في مقام القيامة أقوامًا كانوا يعينوني في الدُّنيا على ما كنت عليه.
стр. 3890
قال: فيفعل بهم مثلَما فعل به، ثمَّ ينطلق يقودهم إلى الجنَّة لكرامته على الله تعالى (١).
فحسن نية المذكِّر سبب لسعادته وسعادة من يتذكر به؛ وناهيك بهذا مقامًا!
وأحب للمذكر والمدرس، والمفتي والناصح أن يستعين بهذه الآية على أمره.
قال أبو إسحاق الفزاري رحمه الله تعالى: ما أردت أمرًا قط فتلوت عنده هذه الآية إلَّا عُزم على الرشد: ﴿إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨]. أخرجه أبو الشيخ (٢).
الثالث: أن يكون عالمًا بالأحكام الشَّرعية، عارفًا بالناسخ والمنسوخ وغيرهما من علوم التفسير والحديث، ومن لم يتأهل لذلك وتعاطى الوعظ والقص، فقد ظلم نفسه، وعرَّضها للمقت.
روى ابن أبي شيبة، وأبو داود في "الناسخ والمنسوخ"، وغيرهما عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى قال: مرَّ علي بن أبي طالب ﵁ برجل يقص فقال: أعرفت الناسخ من المنسوخ؟
قال: لا.
стр. 3891
قال: هلكت وأهلكت (١).
وروى الطَّبراني نحو ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٢).
وسبق قول أبي إدريس الخولاني: لأنَّ أرى في ناحية المسجد نارًا تقد أحب إليَّ من أن أرى فيها رجلًا يقص ليس بفقيه.
الرابع: أن لا يخلو مجلسه من الفقه وبيان الأحكام الشرعية لأنَّ العامة أكثر ما يعتبرون قول من هذا منصبه.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد عن ابن سيرين رحمه الله تعالى قال: دخلت المسجد فإذا حميد بن عبد الرَّحمن يذكر العلم، وإذا بسعيد بن عبد الرَّحمن يقص في ناحية، فقلت: إلى أيهما أجلس؟
قال: فلم أقعد إلى واحد منهما، ووضعت رأسي إلى سارية، فنمت، فأتاني آتٍ في المنام فقال لي: أمثلت بينهما؟ لئن شئت لنرينَّك مقعد جبريل ﵇ من حميد بن عبد الرَّحمن؛ يعني: الحميري (٣).
وروى الخطيب عن يزيد الرَّقاشي، عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أَجْلِسَ مَعَ قَومٍ يَذْكُرُونَ اللهَ مِنْ غُدْوَةٍ إلَى طُلُوعِ
стр. 3892
الشَّمسِ أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمسُ، وَمِنَ العَصْرِ إلَى غُرُوْبِها أَحَبُّ إليَّ مِنْ كَذَا وَكَذَا" (١).
قال يزيد: كان أنس إذا حدَّث بهذا الحديث أقبل عليَّ وقال: والله ما هو بالذي تصنع أنت وأصحابك، ولكنهم قوم يتعلمون القرآن والفقه (٢).
الخامس: معرفة علم المعاملات، وإصلاح القلوب.
روى أبو نعيم في "الحلية" عن شريح قال: كنت مع عَليِّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في سوق الكوفة، فانتهى إلى قاص يقص، [فقال: أيها القاص تقص] (٣) ونحن قريبو العهد! أما إني أسألك، فإن خرجت عما أسألك وإلا أدبتك.
قال القاص: سل يا أمير المؤمنين عما شئت.
فقال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: ما ثبات الإيمان وزواله؟
فقال القاص: ثبات الإيمان الورع، وزواله الطَّمع.
قال عليٌّ رضي الله تعالى عنه: صدقت (٤).
стр. 3893
وفي "الإحياء"، وغيره: إن هذا القاص هو الحسن البصري (١). ويجب عليه أن لا يستكثر من ذكر الرخص، وأحاديث الرَّجاء بحيث يؤمنهم من مكر الله تعالى، ولا يخوفهم تخويفًا يقنطهم من رحمة الله تعالى، بل ينبغي أن يكون تارة في ترجيه، وتارة في تخشيه، ولا بأس بتغليب جانب الخوف شيئًا على جانب الرَّجاء، خصوصًا إذا كان بحضرة العوام وأهل التخليط، وهو اللائق في هذا الزمان.
روى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن المعلى بن زياد قال: سمعت المغيرة بن مخارش قال للحسن: يا أبا سعيد! إنَّ لنا علماء ومذكِّرين يخوفونا حتى يكادوا يخلعون قلوبنا، وآخرين في حديثهم سهولة.
فقال الحسن: أيها الرجل! إن من خوفك حتى تلقى الأمن خير لك ممن أمنك حتى تلقى المخافة.
وليس مراد الحسن رحمه الله تعالى أن يغلب جانب الخوف إلى أقصاه بحيث يُقَنِّط المخوف من رحمة الله تعالى، بل يخوف تارة، ويرجي أخرى مع ترجيح جانب الخوف.
وفي "مسند ابن وهب" عن علي بن أبي طالب ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "أَلا أُنْبِئُكُمْ بِالفَقِيْهِ كُلِّ الفَقِيْهِ؟ ".
قالوا: بلى.
قال: "مَنْ لا يُقَنِّطِ النَّاسَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ، وَلا يُؤَيِّسهُم مِنْ رَوْحِ الله،
стр. 3894
وَلا يُؤَمِّنَهُم مِنْ مَكْرِ اللهِ، ولا يَدَعُ القُرآنَ رَغْبَةً عَنْهُ إلَى ما سِواهُ، أَلا لا خَيْرَ في عِبَادَةٍ لَيْسَ فِيْها تَفَقُّهٍ، وَلا عِلْمٍ لَيْسَ فِيْهِ تَفَهُّمٍ، وَلا قِراءَةٍ لَيْسَ فِيْهَا تَدَبُّرٍ" (١).
السادس: أن لا يعدل في قصصه عن الكتاب والسنة، ويحترز عما في كتب الوعظ والقصص والتواريخ مما تساهل فيه مؤلفوها.
روى البزار، وأبو يعلى، والمفسرون، وابن حبَّان في "صحيحه"، والحاكم وصححه، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: أُنزل القرآن على رسول الله ﷺ ، فتلاه عليهم زمانًا، فكأنهم ملوا، فقالوا: يا رسول الله! لو حدَّثتنا، فأنزل الله تعالى قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] الآية.
فقالوا: يا رسول الله! لو قصصت علينا، فأنزل الله : ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ﴾ [يوسف: ٣] الآية.
فقالوا: يا رسول الله! لو ذكرتنا ووعظتنا، فأنزل الله : ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الحديد: ١٦] (٢).
وروى عبد بن حميد عن قيس بن سعد قال: جاء ابن عبَّاس
стр. 3895
رضي الله تعالى عنهما حتَّى وقف على عبيد بن عمير وهو يقص، فقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم: ٤١]، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ [مريم: ٥٤] الآية، ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ﴾ [مريم: ٥٦] الآية، حتَّى بلغ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ [مريم: ٥٨].
قال ابن عبَّاس: ذكِّرنا بأيام الله، وأثنِ على من أثنى الله عليه (١).
وقال عبد الرَّزَّاق: عن معمر قال: أخبرني من سمع الحسن يقص يقول في قصصه: [من الخفيف]
لَيْسَ مَنْ ماتَ فاسْتَراحَ بِمَيْتٍ ... إِنَّما الْمَيْتُ مَيِّتُ الأَحْياءِ
قال معمر: ورأيت عطاء الخراساني يقص بالسنن (٢).
وفيه: أنَّه لا بأس بإنشاد القاص والمذكر الشعر المشتمل على الموعظة.
السابع: أن لا يتكلم في مجلسه بما لا تحتمله عقول جلسائه.
قال الحافظ زين الدين العراقي في كتاب "الباعث على الخلاص من حوادث القصاص": ومن آفاتهم أن يحدِّثوا لكثير من العوام مما لا تبلغه عقولهم، فيقعوا في الاعتقادات السيئة.
стр. 3896
هذا إذا كان صحيحًا، فكيف إذا كان باطلًا (١)؟
وقد قال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ما أنت تحدث قومًا حديثًا لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة. رواه مسلم في مقدمة "صحيحه" (٢).
وروى الدينوري في "المجالسة" عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه أنَّه قال: لو حدَّثت الناس بكل ما أعلم لقالوا: رحم الله قاتل سلمان (٣).
الثامن: أن يحترز من الكذب في الأحاديث النبوية والآثار.
وَقَلَّ أن يسلم قاص من ذلك، فمن ثمَّ قال الإمام أحمد رضي الله تعالى عنه: كذب الناس السُّوَّال والقصاص (٤).
وروى البخاري، والترمذي، والنَّسائي، وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه: إنه ليمنعني أن أحدِّثكم حديثا كثيرًا: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ تَعَمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٥).
стр. 3897
التاسع: أن لا يروي حديثاً ولا أثرًا حتى يتثبت فيه، وإن أشكل عليه شيء منه قال: أو كما قال ﷺ .
روى الدارمي، وابن ماجه، والدَّارقطني عن ابن سيرين قال: كان أنس رضي الله تعالى عنه قليل الحديث عن رسول الله ﷺ ، وكان إذا حدَّث عن النَّبي ﷺ ففرغ منه قال: أو كما قال رسول الله ﷺ (١).
وروى الدارمي، والدارقطني عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه: أنه كان إذا فرغ من الحديث عن رسول الله ﷺ قال: هذا أو نحوه، أو شبهه، أو شكله (٢).
وروي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه نحو ذلك (٣).
العاشر: أن لا يروي حديثًا سمعه من غير علماء الحديث، أو نظره في كتاب حتى يتثبت فيه ويعلم من أي أصل هو.
قال العراقي: ثمَّ إنهم -يعني: القصاص- ينقلون حديث رسول الله ﷺ من غير معرفة بالصحيح والسقيم.
قال: وإن اتفق أنه يذكر حديثاً صحيحاً كان آثمًا في ذلك لأنه ينقل ما لا علم به، وإن صادف الواقع كان آثمًا بإقدامه على ما لا يعلم.
قال: وأيضًا فلا يحل لأحد ممن هو بهذا الوصف أن ينقل حديثًا
стр. 3898
من الكتب ولو من "الصَّحيحين" ما لم يقرأه على من يعلم ذلك من أهل الحديث.
قال: وقد حكى الحافظ أبو بكر بن خير اتفاق العلماء أنَّه لا يصح لمسلم أن يقول: قال رسول الله ﷺ كذا حتى يكون عنده ذلك القول مرويًا ولو على أقل وجوه الروايات؛ لقوله ﷺ : "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِن النَّارِ" (١).
وفي بعض الروايات: "مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ" من غير تقييد (٢).
وروى عبد الكريم بن السمعاني في "ذيله على تاريخ بغداد" عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى قال: قال عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: إذا وجد أحدكم كتاباً فيه علم لم يسمعه من عالم فَلْيَدعُ بإناء وماء، وينقعه فيه حتى يختلط سواده ببياضه (٣).
الحادي عشر: التخفيف وعدم الإكثار، والتخول بالموعظة من غير إملال؛ لحديث ابن مسعود المتقدم ﵁.
و[روى] البيهقي في "المدخل": أن عمر بن الخطاب ﷺ قال على المنبر: يا أيها الناس! لا تبغضوا الله في عباده.
قال: فقال قائل: وكيف ذلك أصلحك الله؟
стр. 3899
قال: يجلس أحدكم قاصًا فيطول على النَّاس حتى يبغض إليهم ما هم فيه (١).
وروى ابن سعد في "طبقاته" عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله تعالى عنها فقالت: من هذا؟
فقال: أنا عبيد بن عمير.
قالت: قاص أهل مكة؟
قال: نعم.
قالت: خفف؛ فإن الذكر ثقيل (٢).
ولا ينبغي المبالغة في التخفيف بحيث يسرد أشياء ويقوم، بل يختصر بما يؤدي ويتأنى فيه.
ولا بأس بتكرار ما يهتم بتفهيمه ثلاثًا؛ لأنه ﷺ كان إذا تكلم بكلمة رددها ثلاثًا. رواه البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه (٣).
وفي رواية: أعادها ثلاثًا فتعقل عنه (٤).
وروى البخاري عن عروة قال: جلس أبو هريرة إلى جنب حجرة عائشة ﵂، فلما قضت صلاتها قالت لابن أختها: ألا تعجب
стр. 3900
إلى هذا وحديثه؟ إن النبي ﷺ إنما كان يحدِّث حديثًا لو عدَّه العادُّ أحصاه (١).
وروى مسلم عن عروة: أن عائشة قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟ جاء فجلس إلى جنب حجرتي يحدث عن رسول الله ﷺ يسمعني ذلك، وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله ﷺ لم يكن يسرد الحديث كسردكم (٢).
وفي رواية ابن المبارك: ما كان رسول الله ﷺ يسرد الحديث كسردهم؛ إنما كان حديث رسول الله ﷺ فصلًا تفهمه القلوب (٣).
والأولى الأحسن أن يكون كلام المذكر، بل كلام العالم مطلقًا قصدًا بين الإفراط والتفريط، لا إسهاب ممل، ولا إيجاز مخل، ولا خدرفة لا تفهم.
ولعل ضرر الإفراط هنا أشد من ضرر التفريط.
روى ابن أبي الدُّنيا في "المداراة" عن محمَّد بن سعيد قال: بلغني أن قاصًا قصَّ على بني إسرائيل حتى أملَّهم، فلُعن ولُعنوا (٤)؛ أي: لعن بسبب إملاله إياهم، ولعنوا بسبب تبرمهم من الذِّكر وملالهم.
стр. 3901
وروى فيه عن ابن مسعود ﵁ قال: حدِّث القوم ما أقبلت عليك قلوبهم، فإذا انصرفت قلوبهم فلا تحدِّثهم.
قيل له: ما علامة ذلك؟
قال: إذا حدقوك بأبصارهم، فإذا تثاءبوا أو اتكأ بعضهم على بعض فقد انصرفت قلوبهم، فلا تحدِّثهم (١).
وروى أبو نعيم عن الزُّهريِّ رضي الله تعالى عنه قال: إذا طال المجلس كان للشَّيطان فيه نصيب (٢).
الثاني عشر: أن يرى نفسه واحدًا من أهل المجلس، ولا يجد لنفسه على أحد منهم مزية.
روى ابن عساكر عن بكير: أن تميمًا الدَّاريَّ استأذن عمر رضي الله تعالى عنه في القصص، فقال له عمر: أتدري ما تريد؟ إنك تريد الذبح؛ ما يؤمنك أن ترفعك نفسك حتى تبلغ السماء، ثمَّ تضعك (٣).
وتقدم: أن عمر قال للحارث بن معاوية قريبًا من هذا.
وروى الإمام عبد الله بن المبارك في "الزُّهد" عن الحسن رحمه الله تعالى -مرسلًا - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَغُزَّنَّ الرَّجُلَ مِنْ نَفْسِهِ
стр. 3902
كَثْرَةُ النَّاسِ حَوْلَهُ" (١).
الثالث عشر: أن لا يتصنع لمجلس الوعظ بتحسين ثياب، ولا بتخشينها زيادة عن عادته، ولا يظهر البكاء والخشوع إلا إذا غلبه البكاء، ولا يتشدق في الكلام، ولا يسجعه، ولا يقبل على بعض السامعين دون بعض إلا إن اقتضت حكمة أو نصيحة خاصة لما في الرياء والتصنع من الإثم.
وروى الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن السني بإسناد صحيح، عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: إياك والسَّجع، فإن النَّبي ﷺ وأصحابه ﵃ كانوا لا يسجعون (٢).
وروى ابن أبي شيبة عنها أنها قالت لابن أبي السَّائب قاصِّ مكةَ: اجتنب السَّجع في الدُّعاء؛ فإنِّي عهدت رسول الله ﷺ وأصحابه وهم لا يفعلون ذلك (٣).
وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري عن أبي عثمان قال: قال أبو حفص -يعني: النيسابوري-: إذا جلست للناس فكن واعظًا لقلبك
стр. 3903
ولنفسك، ولا يغرنك اجتماعهم عليك؛ فإنهم يراقبون ظاهرك، والله رقيب باطنك (١).
وقال الدِّينوري في "المجالسة": حدَّثنا إبراهيم الحربيُّ قال: ثنا داود بن رشيد قال: كان ابن السَّمَّاك يعظ النَّاس يومًا فطول، فلمَّا فرغ دخل إلى منزله وكانت له جارية عاقلة، فقال لها: كيف رأيت كلامي؟
فقالت: حسن لولا أنك تكرر وتردد.
فقال لها: أنا أكرر وأردد حتى يَفْهَمَهُ من لا يَفْهَمُه.
فقالت: إلى أن تُفْهِمَهُ من لا يَفْهَمُهُ! قد نسي من قد فَهِمَهُ.
فعجب من حسن قولها ومن فطنتها (٢).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن حبيب بن أبي ثابت قال: إن من السنَّة إذا حدَّث الرَّجل القوم أن يقبل عليهم جميعًا، ولا يختص أحدًا دون أحد (٣).
الرابع عشر: أن لا يحث المستمعين على رفع الصَّوت ولا يستثيرهم لذلك، بل ينبغي أن يعلمهم السَّكينة والوقار.
ففي الحديث عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا ترن في مجلسه الأصوات. رواه الترمذي في "الشَّمائل" (٤).
стр. 3904
وروى ابن السكن في "معرفة الصَّحابة" عن الحسن قال: أول من قص هنا -يعني: بالبصرة- الأسود بن سريع، فارتفعت أصواتهم، فجاء مجالد بن مسعود السلمي الصَّحابي ﵁ فقال الأسود: وسِّعوا لأبي عبد الله.
فقال: والله ما أتيتكم لأجلس، لكني رأيتكم صنعتم اليوم شيئًا أنكره المسلمون؛ فإياكم وما أنكر المسلمون (١).
ورواه ابن المبارك في "الزهد"، ولفظه: كان الأسود بن سريع من أول من قص في هذا المسجد -يعني: مسجد البصرة- وكان يقص في مؤخر المسجد، فارتفعت أصواتهم يومًا، فانتهرهم أهل مقدم المسجد، فأقبل مجالد بن مسعود السلمي رضي الله تعالى عنه حتى قام عليهم، فوسَّعوا له، فقال: ما جئت لأجلس -وإن كنتم جلساء صدق- ولكن علت أصواتكم فانتهركم أهل المسجد؛ فإياكم وما أنكر المسلمون رحمكم الله تعالى.
قالوا: رحمك الله! نقبل نصيحتك (٢).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن حبيب بن أبي ثابت قال: إنَّ من السنة إذا حدَّث الرجل القوم أن يقبل عليهم جميعًا (٣).
стр. 3905
الخامس عشر: أن يقطع طمعه عن من حضره فلا يجمع منهم دراهم، ولا يتشوف منهم إلى شيء؛ لأنَّ العلم والهدى لا يؤخذ عليه أجر ولا طمع.
والآيات والأحاديث في ذلك معروفة.
وروى ابن لال في "مكارم الأخلاق" عن ابن مسعود ﵁، عن النَّبيَّ ﷺ قال: "مَكْتُوبٌ في الكِتَابِ الأَوَّلِ: يَا ابنَ آدَمَ! عَلِّم مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا" (١).
وروى ابن الجوزي عن أبي زرعة الرازيِّ رحمه الله تعالى: أنَّ قاصًا بعث إليه يسأله أن يقبله، ويقول: أنا على مذهبك، وأنا رجل نوَّاح أنوح وأنوح.
فقال أبو زرعة: إنما النَّواح لمن يدخل بيته ويغلق بابه، وينوح على ذنوبه، فأمَّا أن تخرج إلى أصبهان وفارس، وتجول الأمصار في النَّوْح فأنا لا أقبل هذا منك، هذا من أفعال المتأكلة الذين يطلبون الدَّراهم والدَّنانير، ولم يقبله (٢).
وروى الأستاذ أبو القاسم القشيري في "رسالته" عن محمَّد بن محمَّد بن الأشعث البيكندي أنَّه قال: من تكلم في الزهد، ووعظ الناس،
стр. 3906
ثمَّ رغب في مالهم، نزع الله حب الآخرة من قلبه (١).
السادس عشر: أن يجلس في مجلس التذكير مستقبل القبلة، مقبلًا على القوم في تؤدة ووقار، يغضب لله تعالى إذا أورد ترهيبًا أو وعيدًا فيما الناس فيه من المخالفات والمنكرات، غير ملاحظ لأحد من الحاضرين، ولا مراع له في شيء يخالف الدين والشرع، ولا متصفصف في هيئة، ولا في إيراد، ولا متصنع، مراقبًا لله تعالى في جميع حركاته وسكناته، غير شاهد لنفسه كمالًا ولا حالًا ولا مقامًا.
وقد كان رسول الله ﷺ إذا خطب احمرَّت عيناه، وعلا صوته، واشتدَّ غضبه كأنه منذر جيش؛ يقول: "صَبَّحَكُم مَسَّاكُم" كما رواه ابن ماجه، وابن حبَّان، والحاكم -وصححاه- عن جابر رضي الله تعالى عنه (٢).
وتقدم قول سفيان وقد حضر صالحًا المري رحمهما الله تعالى في قصصه: هذا ليس بقاص، هذا نذير قوم.
السابع عشر: أن يختار للتذكير يوم الخميس كما كان ابن مسعود رضي الله تعالى عنه يصنع، وهو في "الصَّحيحين" كما تقدَّم.
أو يوم الجمعة لما روى ابن عساكر عن حميد بن عبد الرحمن: أن تميمًا الدَّاريَّ استأذن عمر رضي الله تعالى عنهما في القصص، فأبى
стр. 3907
أن يأذن له، فأذن له في يوم واحد، فلمَّا أكثر عليه قال: ما تقول؟
قال: أقرأ عليهم القرآن، وآمرهم بالخير، وأنهاهم عن الشَّر.
قال: قال عمر: ذلك الذَّبح.
ثمَّ قال: عِظْ قبل أن أخرج إلى الجمعة.
وكان يفعل ذلك يومًا واحدًا في الجمعة (١).
وإنما وقع الاختيار على هذين اليومين؛ لأنَّ يوم الجمعة كانوا يتفرغون فيه للآخرة خصوصًا أوَّل النهار، ولا شك أن سماع الذكر من أعمال الآخرة.
وأمَّا يوم الخميس فكانوا يتأهبون فيه للجمعة، وسماع الذكر والوعظ والحث على أخذ أهبتها.
الثامن عشر: أن يختار للتذكير أوَّل النهار إلى ارتفاع الشَّمس، أو آخره إلى أن تغرب.
ودليل هذا الأدب حديث أبي أمامة المتقدم.
وإنما وقع الاختيار على هذين الوقتين؛ لأنهما وقت تفرغ النَّاس من الأشغال الدُّنيوية، فيكون القلب أوعى لما يفرغ فيها، ولأن أوَّل النَّهار يرشد فيه إلى تلافي ما فات بالليل، وتدارك العمل الصَّالح فيما يستقبل من النهار، وآخره يرشد إلى تلافي ما فات فيه، واستقبال الليل بالعمل الصالح الممكن فيه.
стр. 3908
التاسع عشر: أن يحضر المجلس على طهارة حسية ومعنوية، تائبًا مقلعًا، غيرَ ناوٍ سوءًا ولا غشًا، متواضعًا مستكينًا، غيرَ معجَبٍ ولا مختال، ولا راءٍ لنفسه مقامًا ولا حالًا.
ثمَّ يبدأ بحمد الله، والشَّهادتين، والصَّلاة والسَّلام على رسول الله ﷺ ، ويختم بالحمد والصَّلاة والسلام، ولا يذكر شيئًا حتَّى ينوي العمل به وتقوى الله فيه، وليحرض على التقوى ما أمكنه فتكون موعظته مؤثرة، وإذا حضر الوعظ ينوي موعظة نفسه قبل الحاضرين.
وأدلة الابتداء بما ذكر معروفة.
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن عباد بن جرير، وغيره من المشايخ قال: كنا نجلس إلى صالح المُرِّي رحمه الله تعالى، فكان أول ما يبتدئ به فيقول: الحمد لله؛ فإذا أَعْيُنُ الناس قد سألت (١).
وروى الحسن بن جهضم في "بهجة الأسرار" عن محمَّد بن علي الحصريِّ رحمه الله تعالى قال: إن الرجل إذا جلس يعظ القوم نادت ملائكته: يا عبد الله! عظ نفسك بما تعظ به أخاك، واستحي من سيدك؛ فإنَّه يراك (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵇: أن يا عيسى! عظ نفسك،
стр. 3909
فإن اتعظت فعظِ الناس؛ وإلا فاستحي مني (١).
وعن أبي وائل قال: قلت لعلقمة: ألا تقص علينا؟
قال: أكره أن أقول لكم ما لا أفعل.
وروى ولده عبد الله في "زوائده" عن مالك بن دينار قال: إن العالم أو القاص الذي إذا أتيته فلم تجده في بيته، قَصَّ عليك بيتُهُ؛ ترى حصيرة للصلاة، ترى مصحفًا، ترى أَجَّانة الوضوء، ترى أثر الآخرة (٢).
وروى الدِّينوري في "المجالسة" عن مالك بن دينار أيضًا قال: قال عيسى بن مريم ﵉: طوبى لمن سمعت أذناه ما يقول لسانه (٣).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن ابن السَّمَّاك قال: قال ذر لأبيه عمر بن ذر رحمهم الله تعالى: ما بال المتكلمين يتكلمون فلا يبكي أحد، فإذا تكلمت سمع البكاء من ها هنا ومن ها هنا؟
فقال: يا بني! ليست النائحة المستأجرة كالنائحة لنفسها (٤).
стр. 3910
وما أحسن ما قيل: [من البسيط]
يا واعظَ النَّاسِ قَدْ أَصْبَحْتَ مُتَّهَمًا ... إِذْ عِبْتَ مِنْهُمْ أُمُورًا أَنْتَ تَأْتِيها (١)
وقال آخر: [من الكامل]
عَوِّدْ لِسانَكَ قِلَّةَ اللَّفْظِ ... وَاحْفَظْ لِسانَكَ أيَّما حِفْظِ
إِيَّاكَ أَنْ تَعِظَ الرِّجالَ وَقَدْ ... أَصْبَحْتَ مُحْتاجًا إِلَى الْوَعْظِ (٢)
تمام العشرين: أن يلزم الخوف إذا انتهى من التذكير؛ حذرًا أن يكون قد وقع في المجلس ما عليه عهدته من سبق لسانه إلى شيء مما يحذر.
ثمَّ يلزم الاستغفار، ويسأل الله تعالى أن يكون المجلس مقبولًا، ويستعيذ مما يحبطه، ويسأله أن يوفقه إلى العمل بما علم وذكر به، ولا يخالف إلى ما نهى عنه.
стр. 3911
[ويلزم] (١) قبل ذلك وبعده: التقوى والحزن.
قال الله تعالى حكايته عن شعيب ﵇: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
روى أبو الشَّيخ عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى: أنَّه قرأ هذه الآية: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ﴾ [هود: ٨٨]، فقال: بلغني أنَّه يدعى يوم القيامة بالمُذَكِّر الصادق فيوضع على رأسه تاج الملك، ثمَّ يؤمر به إلى الجنة، فيقول: إلهي! إن في مقام القيامة أقوامًا قد كانوا يعينوني في الدنيا على ما كنت عليه، قال: فيفعل بهم مثلما فعل به، ثمَّ ينطلق يقودهم إلى الجنَّة (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي السوار رحمه الله تعالى: أنهم أتوا جندب بن سمرة رضي الله تعالى عنه في قراء البصرة، فقال: أرى هديًا حسنًا وسمتًا حسنًا؛ فإياكم وهذه الأصوات.
ثمَّ قال: مثل الذي يُعلِّم الناس ولا يعمل، كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه (٣).
وروى ابنه في "زوائده" عن صفوان بن محرز رحمه الله تعالى قال:
стр. 3912
نزل عليَّ جندب البلخي، فسمعته يقول: إنَّ مثل الذي يعظ الناس وينسى نفسه كمثل المصباح يضيء لغيره ويحرق نفسه (١).
وروى ابن أبي شيبة عن إبراهيم التَّيمي رحمه الله تعالى -وكان ممن قص وآثروا قصصه- أنَّه قال: والله ما عرضت على قولي عملي إلا خفت أن أكون مكذبًا (٢).
وذكر في "الإحياء" عن يحيى بن أبي كثير: أن داود ﵇ كان إذا ناح على نفسه، وذكر بني إسرائيل فأخذ في الدُّعاء، خرَّ مغشيًا عليه، فيأتيه سليمان ﵇ بسرير فيحمله عليه، ثمَّ إذا أفاق داود ﵇ قام ووضع يده على رأسه، ودخل بيت عبادته، وأغلق بابه وقال: يا إله داود! أغضبان أنت على داود؟
ولا يزال يناجي ربه، فيأتي سليمان ﵇، ويقعد على الباب، ويستأذن، ثمَّ يدخل ومعه قرص من شعير، فيقول: يا أبتاه! تقوَّ بهذا على ما تريد، فيأكل من ذلك القرص ما شاء الله، ثمَّ يخرج إلى بني إسرائيل فيحكم بينهم (٣).
стр. 3913
واعلم أني إنما بسطت الكلام في هذا المقام لشدة الاحتياج إليه، وقد كنت أردت أن أؤلف في هذا المعنى مؤلفًا مستقلًّا، فاستغنيت بهذا الفصل عن استئناف كتاب مستقل؛ ولله الحمد.
стр. 3914
وهَذَا فَصْلٌ آخرُ في آدَابِ المُسْتَمِعِ لِتَتِمَّ الفَائِدَة
الأوَّل: أن يقدم بين يدي حضوره حسن النية والإخلاص، فينوي أن يسمع كلمة حكمة تدل على هدى، أو ترده عن رَدَى، وأن يطلب العلم ومجالس أهل الخير، وينظر إلى وجه العالم، ونحو ذلك لقوله ﷺ : "إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ" (١).
الثاني: أن يجعل سماعه ممن اشتهر بالفقه وتعليم الأحكام الشرعية، والكلام على إصلاح القلب في تهذيب الباطن لأنه أنفع لهم وأهم، و"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين، ويلهمه رشده" (٢) كما في الحديث.
وقد تقدم عن ابن سيرين: أنَّه أرشد في منامه إلى الجلوس في مجلس حميد بن عبد الرَّحمن؛ لأنه مجلس علم وفقه دون مجلس القصص الصرف.
الثالث: أن يقصد بسماعه وأخذه من اشتهر بالسنة والاتباع دون
стр. 3915
من اشتهر بشيء من الابتداع؛ فإن للصحبة تأثيرًا، وللكلام في القلوب نفوذًا، فلا يشرب قلبه إلا بما يرضى به ربه .
روى الإمام أحمد في "الزُّهد" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: ثلاثة لا تبلونَّ نفسك بهن: لا تدخل على سلطان وإن قلت: آمره بطاعة الله، ولا تدخل على امرأة وإن قلت: أعلِّمها كتاب الله، ولا تصغين بسمعك إلى ذي هوى؛ فإنك لا تدري ما يعلق بقلبك منه (١).
وسيأتي في النهي عن التشبه بأهل البدع ما فيه غُنية.
الرابع: أن يحذر من اشتهر بالفسق وعَدم التحرز عن الحرام، أو بالدخول على السَّلاطين والأمراء، والتواضع لأهل الدُّنيا من غير ضرورة تدعوه إلى ذلك؛ فإن العالم إذا آثر الحياة الدُّنيا زلت موعظته عن القلوب، أو بالتصنع والسَّجع في الكلام تكلفًا؛ فإن موعظته قليلة الجدوى.
وليرغب في العالم الصَّالح النافع المستغني عن النَّاس المكتفي بما يرزقه الله تعالى من غير دخول في شيء مما ذكر، وإذا لم يتيسر له من هذا وصفه، فيكفيه أن يكون مستورَ الحال غيرَ متجاهرٍ بشيء مما ذكر.
وفي الحديث: "المَرْءُ عَلَى دِيْنِ خَلِيْلِهِ" (٢).
стр. 3916
وروى أبو نعيم في "الحلية" -وسنده ضعيف- عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: "لا تَجْلِسُوا عِنْدَ كُلِّ عَالِمٍ إِلَّا عَالِمًا يَدْعُوْكُمْ مِنْ خَمْسٍ إلَى خَمْسٍ، مِنَ الشَّكِ إلَى اليَقِيْنِ، وَمِنْ الرِّيَاءِ إلَى الإِخْلاصِ، وَمِنَ الرَّغْبَةِ إلَى الزُّهْدِ، وَمِنَ الكِبْرِ إلَى التَّواضُعِ، وَمِنَ العَداوَةِ إلَى النَّصِيْحَةِ" (١).
الخامس: أن يحسن اعتقاده فيمن يجلس إليه بعد أن يجتهد في الاصطفاء والاختيار، ولا يبحث عن عيوبه؛ فإن ذلك يحرمه الانتفاع به، وما ظهر له مما يخالف اعتقاده فيه تأوله بما يوافق الشرع ما أمكنه، وإلا سكت عنه، ولا يشتغل بغيبته لأنَّ هذا أمر مهلك، ثمَّ ينتفع بحكمته ويعرض عن زلته.
السادس: أن يجلس إذا حضر المذكر مستقبلًا وجهه، وإن أمكنه استقبال وجهه واستقبال القبلة فعل، وهو أحسن.
وقد روى عبد الرزاق عن معمر، عن الأزرق بن قيس قال: كنت جالسًا عند ابن عمر رضي الله تعالى عنهما والنَّاس يسألونه، وعبيد بن عمير يقص، فقال ابن عمر: خلوا بيننا وبين مذكرنا (٢).
стр. 3917
وروى ابن أبي شيبة عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى قال: الواعظ قبلة (١).
السابع: أن يجلس على طهارة حسِّية ومعنوية، ويتنزه عن الوسخ وأكل ما فيه رائحة كريهة لئلا يؤدي جلساءه.
الثامن: أن ينوي حضور مجلس العلم والاعتكاف حيث كان في مسجد لما ورد في ذلك من الفضل.
قال عطاء الخراساني: إن مثل المعتكف مثل المحرِم، ألقى نفسه بين يدي الرَّحمن ﵎ فقال: والله لا أبرح حتى ترحمني. رواه البيهقي في "الشعب" (٢).
وفي الحديث: "إِنَّ المُعْتَكِفَ يَجْرِي لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَأَجْرِ عامِلِ الحَسَنَاتِ كُلِّها". رواه ابن ماجه، والبيهقيُّ، وضعفه من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٣).
التاسع: أن يجلس ساكتًا ساكنًا خاضعًا متدبرًا لما يملى عليه ويلقى إليه، ولا يلفظ، ولا يكثر التَّلفت إلى الحاضرين، وليحذر من تشتيت نظره صونًا لطرفه أن يقع على أمرد جميل، أو على من يكون نظره إليه داعيًا إلى خوض فكره في غيبة مسلم أو إساءة الظَّن به، وهو في كل
стр. 3918
وقت مندوب إلى الإعراض عما لا يعنيه، وهنا آكد.
وقد روى البيهقي في "المدخل" عن أسامة [بن شريك] رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ وأصحابه كأنما على رؤوسهم الطَّير (١).
العاشر: أن يكون تدبره فيما يعود نفعه عليه مهما سمع ترغيبًا أو ترهيبًا، فإن سمع بفضل سأل الله تعالى التوفيق له، أو بمكروه سأله العياذ منه راجيًا خائفًا وَجِلًا، تائبًا منيبًا، سائلًا من الله تعالى حسن الخاتمة.
روى أبو عبد الله حسين المروزي في "زوائد الزهد" لابن المبارك عن يوسف بن مَاهِك قال: رأيت ابن عمر وهو عند عبيد بن عمير، وعبيد يقص، وابن عمر عيناه تهرقان دمعًا (٢).
وتقدم نحو ذلك عن سفيان الثوري في مجلس صالح المري. وروى البيهقي عن مالك بن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إن مجالس العلم تُحتضن بالخشوع والسَّكينة والوقار (٣).
الحادي عشر: أن لا يتشوف في المجلس إلى وقوع شيء من
стр. 3919
الواعظ يذيعه عنه، ولا من أحد من الحاضرين كما يفعله كثير من الأسافل الذين لا يحضرون مجالس الخير إلا لذلك.
روى الإمام أحمد، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النَّبي ﷺ قال: "مَثَلُ الَّذِي يَجْلِسُ يَسْمَعُ الحِكْمَةَ وَلا يُحَدِّثُ عَنْ صاحِبِهِ إِلَّا بِشَرِّ مَا سَمِعَ، كَمَثَلِ رَجُلٍ أَتَى رَاعِيًا فَقَالَ: يَا رَاعِي! اجْزُرْ لِي شَاةً مِنْ غَنَمِكَ، قَالَ: اذْهَبْ فَخُذْ بِأُذُنِ خَيْرِهَا شَاةً، فَذَهَبَ فَأَخَذَ بِأُذُنِ كَلْبِ الغَنَمِ" (١).
وروى ابن جهضم عن يحيى بن معاذ الرَّازي رحمه الله تعالى قال: لا يحضر مجالس الذِّكر إلا ثلاثة: راغب، وطالب، وعائب.
فالراغب يريد بحضوره ما عند الله تعالى.
والطَّالب يريد بحضوره العلم والأدب.
والعَّائب يريد بحضوره إصابة عيب فيذيعه.
فلباب المجلس للرَّاغب، وفوائده للطَّالب، ووباله للعائب.
الثاني عشر: أن يعمل بما وُعِظَ به، ولا يقنع برقة قلبه ودمعة عينه في المجلس، فإذا قام منه نسي ما كان فيه، فإنما ثمرة العلم العمل.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: ٦٦ - ٦٨].
стр. 3920
وقوله: ﴿تَثْبِيتًا﴾ [النساء: ٦٦]، أي: تصديقًا، كما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن السدي (١).
وفي الآية دليل على أن العمل بالموعظة التي يسمعها العبد تفيده زيادة الإيمان، والأجر العظيم في الآخرة، والتوفيق لعملٍ آخر صالح في الدنيا.
وأسعد الحاضرين بالمواعظ والقصص من كان بعد قيامه من المجلس أزهد منه في الدنيا قبل حضوره، وأرغب في الآخرة.
وروى الدينوري في "المجالسة" عن جعفر قال: كنت إذا أصبت من قلبي قسوة أتيت محمَّد بن واسع رحمه الله تعالى فنظرت إليه نظرة.
قال: فكنت إذا رأيت وجهه رأيت وجه ثَكْلى.
قال: وسمعته يقول: أخوك من وعظك برؤيته قبل أن يعظك بكلامه (٢).
فهكذا ينبغي أن يكون المذكِّر والسَّامع، ومن خرج عما ذكرناه فهو مفتون، ومن لم يكن كما وصفناه فهو مغبون.
٤١ - ومن أعمال بني إسرائيل وأخلاقهم، بل سائر أهل الكتاب: ذِكْر الله تعالى بالألسنة والقلوب لاهية، أو والنفوس ظالمة.
روى أبو نعيم في "الحلية" عن مالك بن دينار قال: بلغني أن بني
стр. 3921
إسرائيل خرجوا إلى مخرج لهم فقيل لهم: يا بني إسرائيل! تدعونني بألسنتكم وقلوبكم بعيدة مني؟ باطل ما تذهبون (١).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عباس ﵄ قال: أوحى الله إلى داود ﵇: قل للظَّلمة لا يذكروني؛ فإن حقًا عليَّ أن أذكر من ذكرني، وإن ذكري إياهم أن ألعنهم (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنَّه قيل له: أرأيت قاتل النَّفس، وشارب الخمر، والفاسق، والزَّاني يذكر الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]؟
قال: إذا ذَكَرَ اللهُ هذا ذَكَرَهُ بلعنته حتى يسكت (٣).
٤٢ - ومن أعمال أهل الكتاب: ترك خصال الفطرة .
وهي: الختان، وقص الشَّارب، وإعفاء اللحية، وفرق الشَّعر، والسِّواك، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل البراجم، وتنظيف الرواجب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء؛ وهو الاستنجاء.
فإن هذه الخصال من ملة إبراهيم ﵇، والله تعالى برَّأهم
стр. 3922
منه، وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
قال المفسرون: الحنيف الذي يوحِّد، ويحجُّ، ويضحِّي، ويختتن (١).
نعم، اليهود يختتنون، ولكن لا يقع الختان منهم على وفاق إبراهيم ﵇.
وكذلك ما فعلوه هم والنصارى من خصال الفطرة كقلم الأظفار فإنه لا يقع منهم على موافقة الحنيفية.
ومن المعلوم بأن النَّصارى لا يختتنون، وإنما يغمسون الولد في المعمودية، ويقولون: قدَّسه ماء المعمودية وصبغه، فصار نصرانيًا حقًا كما يزعمون أن ذلك يغنيهم عن الختان.
ومِثْلُهم في ذلك الروافض في غمسهم لكل شيء يريدون تطهيره في ماء الكر المتخلف المتغير كما هو معروف منهم مشهور عندهم.
وكذلك أحوال أهل الكتاب في الاستنجاء بالماء - وإن اتفق منهم تعاطيه - فلا يتفق الإتيان منهم على بابه؛ فإنهم لا يفرقون بين الماء المطهَّر وغيره، فربما تبقى نجاستهم عليهم وتنتشر منهم.
وقد أثنى الله تعالى على أهل قباء بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ
стр. 3923
يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، فسألهم رسول الله ﷺ عن طهورهم الذي أثنى الله عليهم به، فقالوا: إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء. كما رواه أبو داود عن قتادة، والدارقطني عن أبي أيوب، وجابر، وأنس، وكلهم من الأنصار رضي الله تعالى عنهم (١).
وقد كان أهل قباء مجاورين لليهود، فلو كانوا يشاركونهم في ذلك ما استحقوا هذا الثناء.
وكذلك كانت اليهود يَسْدُلون، فوافقهم النَّبي ﷺ لمَّا قدم المدينة، ثمَّ خالفهم وفرق كما تقدم أوَّل الباب.
وتقدم في التشبه بالأنبياء ﵈ عن ابن عباس: أن الفرق من سنة إبراهيم ﵇.
وكذلك السِّواك، والأخذ من الشعور، وإعفاء اللحى ليس من آداب أهل الكتاب، كما روى ابن عساكر عن علي ﵁، عن النَّبي ﷺ : أنَّه قال: "اغْسِلُوا ثِيابَكُم، وَخُذُوا مِنْ شُعُورِكُمْ، واسْتاكُوا وَتَزيَّنُوْا؛ فَإِنَّ بَني إِسْرائِيْلَ لَمْ يَكُوْنُوْا يَفْعَلُونَ فَلِكَ فَزَنَتْ نِساؤُهُمْ" (٢).
стр. 3924
وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قلنا: يا رسول الله! إنَّ أهل الكتاب يقصون عثانيهم ويوفرون سبالهم؟
فقال: "قُصُّوا سِبالَكُمْ، وَوَفِّرُوا عَثانِيكُمْ، وَخالِفُوا أَهْلَ الكِتابِ" (١).
والعثانين: جمع عثنون؛ وهو اللحية؛ أي: ما فضل عن العارضين، أو: ما نبت على الذقن.
والسبال -بالكسر-: جمع سبلة؛ وهي ما على الشارب من الشعر.
وروى الإمام أحمد أيضًا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اعْفُوا اللِّحَى، وَجزُّوا الشَّوارِبَ، وَغَيِّرُوا شَيْبَكُم، وَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ" (٢).
ورواه الطَّحاوي في "معاني الآثار" من حديث أنس رضي الله تعالى عنه بمعناه (٣).
* فائِدَةٌ:
حلق العانة من فطرة إبراهيم ﵇ كما تقدم.
وروى البيهقي في "الشُّعب" بإسناد صحيح، عن أبي هريرة
стр. 3925
رضي الله تعالى عنه قال: كان إبراهيم ﵇ أول من اختتن، وأول من رأى الشيب، وأول من جزَّ شاربه، وأول من قصَّ أظافيره، وأول من استحدَّ (١).
والاستحداد: حلق العانة.
وتقدم أن سليمان ﵇ أول من صنعت له النورة والحمام، فمن تنور أو استحد فهو متشبه بنبي، ولكن الاستحداد أفضل؛ لأنَّ إبراهيم ﵇ أقدم من سليمان ﵇ وأفضل، ولأن الحلق أقرب إلى التنظيف، والتنور أقرب إلى التلذذ والتنعم.
٤٣ - ومن أخلاق أهل الكتاب: ترك خضاب اللحيَة والرأس .
روى الشَّيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اليَهُودَ والنَّصارَى لا يَصْبَغُوْنَ فَخالِفُوْهُم" (٢).
وروى الإمام أحمد، وابن حبَّان في "صحيحه" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "غَيِّرُوا الشيْبَ، وَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلا بِالنَّصارَى" (٣)؛