← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

إسرائيل خرجوا إلى مخرج لهم فقيل لهم: يا بني إسرائيل! تدعونني بألسنتكم وقلوبكم بعيدة مني؟ باطل ما تذهبون (١). وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد" عن ابن عباس ﵄ قال: أوحى الله إلى داود ﵇: قل للظَّلمة لا يذكروني؛ فإن حقًا عليَّ أن أذكر من ذكرني، وإن ذكري إياهم أن ألعنهم (٢). وروى ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنَّه قيل له: أرأيت قاتل النَّفس، وشارب الخمر، والفاسق، والزَّاني يذكر الله تعالى وقد قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢]؟ قال: إذا ذَكَرَ اللهُ هذا ذَكَرَهُ بلعنته حتى يسكت (٣). ٤٢ - ومن أعمال أهل الكتاب: ترك خصال الفطرة . وهي: الختان، وقص الشَّارب، وإعفاء اللحية، وفرق الشَّعر، والسِّواك، والمضمضة، والاستنشاق، وغسل البراجم، وتنظيف الرواجب، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء؛ وهو الاستنجاء. فإن هذه الخصال من ملة إبراهيم ﵇، والله تعالى برَّأهم

стр. 3922

منه، وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧]. قال المفسرون: الحنيف الذي يوحِّد، ويحجُّ، ويضحِّي، ويختتن (١). نعم، اليهود يختتنون، ولكن لا يقع الختان منهم على وفاق إبراهيم ﵇. وكذلك ما فعلوه هم والنصارى من خصال الفطرة كقلم الأظفار فإنه لا يقع منهم على موافقة الحنيفية. ومن المعلوم بأن النَّصارى لا يختتنون، وإنما يغمسون الولد في المعمودية، ويقولون: قدَّسه ماء المعمودية وصبغه، فصار نصرانيًا حقًا كما يزعمون أن ذلك يغنيهم عن الختان. ومِثْلُهم في ذلك الروافض في غمسهم لكل شيء يريدون تطهيره في ماء الكر المتخلف المتغير كما هو معروف منهم مشهور عندهم. وكذلك أحوال أهل الكتاب في الاستنجاء بالماء - وإن اتفق منهم تعاطيه - فلا يتفق الإتيان منهم على بابه؛ فإنهم لا يفرقون بين الماء المطهَّر وغيره، فربما تبقى نجاستهم عليهم وتنتشر منهم. وقد أثنى الله تعالى على أهل قباء بقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ

стр. 3923

يَتَطَهَّرُوا﴾ [التوبة: ١٠٨]، فسألهم رسول الله ﷺ عن طهورهم الذي أثنى الله عليهم به، فقالوا: إنا نغسل أثر الغائط والبول بالماء. كما رواه أبو داود عن قتادة، والدارقطني عن أبي أيوب، وجابر، وأنس، وكلهم من الأنصار رضي الله تعالى عنهم (١). وقد كان أهل قباء مجاورين لليهود، فلو كانوا يشاركونهم في ذلك ما استحقوا هذا الثناء. وكذلك كانت اليهود يَسْدُلون، فوافقهم النَّبي ﷺ لمَّا قدم المدينة، ثمَّ خالفهم وفرق كما تقدم أوَّل الباب. وتقدم في التشبه بالأنبياء ﵈ عن ابن عباس: أن الفرق من سنة إبراهيم ﵇. وكذلك السِّواك، والأخذ من الشعور، وإعفاء اللحى ليس من آداب أهل الكتاب، كما روى ابن عساكر عن علي ﵁، عن النَّبي ﷺ : أنَّه قال: "اغْسِلُوا ثِيابَكُم، وَخُذُوا مِنْ شُعُورِكُمْ، واسْتاكُوا وَتَزيَّنُوْا؛ فَإِنَّ بَني إِسْرائِيْلَ لَمْ يَكُوْنُوْا يَفْعَلُونَ فَلِكَ فَزَنَتْ نِساؤُهُمْ" (٢).

стр. 3924

وروى الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قلنا: يا رسول الله! إنَّ أهل الكتاب يقصون عثانيهم ويوفرون سبالهم؟ فقال: "قُصُّوا سِبالَكُمْ، وَوَفِّرُوا عَثانِيكُمْ، وَخالِفُوا أَهْلَ الكِتابِ" (١). والعثانين: جمع عثنون؛ وهو اللحية؛ أي: ما فضل عن العارضين، أو: ما نبت على الذقن. والسبال -بالكسر-: جمع سبلة؛ وهي ما على الشارب من الشعر. وروى الإمام أحمد أيضًا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "اعْفُوا اللِّحَى، وَجزُّوا الشَّوارِبَ، وَغَيِّرُوا شَيْبَكُم، وَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ" (٢). ورواه الطَّحاوي في "معاني الآثار" من حديث أنس رضي الله تعالى عنه بمعناه (٣). * فائِدَةٌ: حلق العانة من فطرة إبراهيم ﵇ كما تقدم. وروى البيهقي في "الشُّعب" بإسناد صحيح، عن أبي هريرة

стр. 3925

رضي الله تعالى عنه قال: كان إبراهيم ﵇ أول من اختتن، وأول من رأى الشيب، وأول من جزَّ شاربه، وأول من قصَّ أظافيره، وأول من استحدَّ (١). والاستحداد: حلق العانة. وتقدم أن سليمان ﵇ أول من صنعت له النورة والحمام، فمن تنور أو استحد فهو متشبه بنبي، ولكن الاستحداد أفضل؛ لأنَّ إبراهيم ﵇ أقدم من سليمان ﵇ وأفضل، ولأن الحلق أقرب إلى التنظيف، والتنور أقرب إلى التلذذ والتنعم. ٤٣ - ومن أخلاق أهل الكتاب: ترك خضاب اللحيَة والرأس . روى الشَّيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اليَهُودَ والنَّصارَى لا يَصْبَغُوْنَ فَخالِفُوْهُم" (٢). وروى الإمام أحمد، وابن حبَّان في "صحيحه" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "غَيِّرُوا الشيْبَ، وَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ وَلا بِالنَّصارَى" (٣)؛

стр. 3926

أي: لا في إبقاء الشيب أبيض، ولا في غير ذلك. قال العلماء: يستحب الخضاب ولو مرة لمخالفة أهل الكتاب في ذلك. * تنبِيْهٌ: علة اليهود لعنهم الله تعالى في عدم الصَّبغ: أن الله تعالى لا يصبغ، فهم لا يصبَغون. وهذا مبني على ما كانوا عليه من التجسيم والتشبيه لعنة الله عليهم. وروى أبو نعيم في "الحلية" عن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال: قالت بنو إسرائيل لموسى ﵇: أينام ربك تعالى؟ فقال موسى: اتقوا الله. فقالوا: أيصلِّي ربك؟ قال موسى: اتقوا الله. فقالوا: هل يصبغ ربك؟ قال موسى: اتقوا الله. فأوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: إن بني إسرائيل سألوك أينام ربك؟ فخذ زجاجتين فضعهما على كفيك، ثمَّ قم اللَّيل. قال: ففعل موسى، قال: فلما ذهب حين من الليل نعس موسى، فوقع لركبتيه، فقام، فلما أدبر الليل نعس موسى أيضًا، فوقع لركبتيه، فوقعت الزجاجتان فانكسرتا، فقال الله : لو نمت لوقعت السماوات

стр. 3927

على الأرض، فهلك كل شيء كما هلكت هاتان. قال: وفيه أنزلت: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قال: وسألوك أيصبغ ربك؟ فانا أصبغ الألوان كلها الأحمر، والأبيض، والأسود. وسألوك: أيصلي ربك؟ فأنا أصلي وملائكتي على أنبيائي ورسلي (١). ٤٤ - ومن أخلاق اليهود، وربما شاركهم النصارى: تقذير الثياب، والأفنية، والساحات، وترك تنظيفها . كما في حديث علي رضي الله تعالى عنه (٢). وكما روى التِّرمذي عن صالح بن أبي حسان قال: سمعت سعيد ابن المسيَّب رحمه الله تعالى يقول: إن الله طيِّبٌ يحب الطيب، نظيف يحب النَّظافة، كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود؛ فنظِّفوا -أراه قال-: أفنيتكم، ولا تشبَّهوا باليهود. قال: فذكرت ذلك لمهاجر بن مسمار، فقال: حدثنيه عامر بن سعد، عن أبيه رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ مثله إلا أنه قال:

стр. 3928

[نظفوا أفنيتكم" (١)]، "طيَبُوا ساحاتِكُم؛ فَإِنَّ أَنتُنَ السَّاحاتِ سَاحَاتُ اليَهُودِ" (٢). ٤٥ - ومن أعمال اليهود والنَّصارى: لباس الزي المخصوص بهم كالغمار، والزنَّار فوق الثياب . ومن ذلك: العمائم الصفر والزرق؛ فإنها كانت شعار اليهود والنصارى نحواً من مئتي عام ببلاد الشام، ومصر، وبلاد الروم وما والاها حتى أمروا بلبس البرانط من الجوخ الأحمر لليهود، والأسود للنصارى في عام نيف وتسعين وتسعمئة بأمر السُّلطان مراد خان بن عثمان رحمه الله تعالى. فعلى المؤمن أن يجتنب زيهم، وقد نص علماء الحنفية: أن المسلم لو شد الزنَّار على وسطه -أي: على هيئة أهل الذِّمة- كفر، ولو وضع قَلَنْسُوة المجوسي على رأسه فكذلك (٣). ونقل ابن الرفعة عن القاضي حسين من أئمة الشافعية أنه لو تقلنس المسلم بقَلَنْسُوة المجوسي، أو تزنَّر بزنَّار النَّصراني صار كافراً؛ لأنَّ الظّاهر أنه لا يفعل ذلك إلا عن عقيدة الكفر (٤).

стр. 3929

وعن الإمام أحمد: أنه كره العمامة إلا أن تكون مُحَنَّكة، وقال: إنما يعتم مثل ذلك ها هنا اليهود والنصارى والمجوس (١). ولعله يقال: إن هذه العادة قد بطلت، وتغير زيهم عن ذلك بالبرانط، فلا مشابهة بين المسلمين وبينهم. وروى أبو نعيم عن أبي العالية أنه قال: زارني عبد الكريم أبو أمية وعليه ثياب صوف، فقلت: هذا زي الرهبان؛ إن المسلمين إذا تزاوروا تجملوا (٢). ومن هنا استحب التَّجَمُّل للجمع والأعياد، ولا سيما بالبياض. ٤٦ - ومن أعمال اليهود: لباس المزعفر والمعصفر . ونص الإمام الشافعي ﵁ على تحريم الأول، وكره الثَّاني. لكن بحث البيهقي أن مقتضى مذهب الشَّافعي تحريمه لصحَّة الحديث بالنَّهي عنه، وهو الذي رجحه أكثر المتأخرين (٣). وروى الشَّيخان عن عبد الله بن عمر [و] رضي الله تعالى عنهما قال: رأى رسول الله ﷺ عليَّ ثوبين معصفرين فقال: "إِنَّ هَذَا مِنْ ثِيابِ الكُفَّارِ فَلا تَلْبَسْهُمَا" (٤).

стр. 3930

وقال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى عن قارون: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩]: في القرمز. ذكره الثعلبي (١). وذكر عن الحسن، وإبراهيم أنهما قالا: في ثياب حمر وصفر. أخرجه ابن المنذر (٢). وروى أثر الحسن ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم (٣). وقال مجاهد: على براذين بيض عليها سروج من أرجوان حمر، عليهم ثياب معصفرة (٤). وقال زيد بن أسلم: في سبعين ألفًا عليهم المعصفرات. قال: وكان ذلك أول يوم في الأرض رئيت فيه المعصفرات (٥). رواهما ابن أبي حاتم.

стр. 3931

٤٧ - ومنها: الزهو والغلو . روى الإمام أحمد، والنسَّائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُم والغُلُوَّ في الدِّيْنِ؛ فَإنمَّا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم بِالغُلُو في الدِّينِ" (١). وروى الطَّبراني عن سمرة بن جندب ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "إِيَّاكُمْ والغُلُوَّ والزُّهُوَّ؛ فَإنَ بَنِي إِسْرائِيْلَ قَدْ غَلا كَثِيْرٌ مِنْهُمْ حَتَّى كَانَتِ المَرْأةُ القَصِيْرَةُ تتَّخِذُ خُفَّيْنِ مِنْ خَشَبٍ تَحْشُوْهُما، ثُمَّ تُدْخِلُ فِيْها رِجْلَيْها، ثُمَّ تَعْمَدُ إِلَى المَرْأة الطَّوِيْلَةِ فتَمْشِي مَعَها، فَإِذا هِيَ قَدْ سَاوَتْ بِها وَكانَتْ أَطْوَلَ مِنْهَا" (٢). وروى مسلم عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النَّبي ﷺ قال: "كانَت امْرَأةٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيْلَ قَصِيْرَةٌ تَمْشِي مَعَ امْرَأتيْنِ طَوِيْلَتَيْنِ، فاتَخَذَتْ رِجْلَيْنِ مِنْ خَشَب وَخاتَماً مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقٍ وَطِيْنٍ، ثُمَّ حَشَتْهُ مِسْكاً وَهُوَ أَطْيَبُ الطِّيْبِ، فَمَرَّتْ بَيْنَ المَرْأتيْنِ فَلَمْ يَعْرِفُوها، فَقالَتْ بِيَدِها هَكَذا" (٣).

стр. 3932

قال النَّووي في "شرح مسلم": وأما اتخاذ المرأة القصيرة رجلين من خشب حتى مشت بين الطويلتين فلم تعرف، فحكمه (١) في شرعنا أنها إن قصدت به مقصودًا شرعياً بأن قصدت ستر نفسها لئلا تعرف فتقصد بالأذى، أو نحو ذلك فلا بأس به، وإن قصدت به التعاظم والتشبه بالكاملات تزويرًا على الرِّجال وغيرهم، فهو حرام، انتهى (٢). قلت: وكذلك لو قصدت به التَّبرج والظهور للرجال ليستشرفوها، أو الخيلاء حرم. ولعل هذا محل سياق الحديث. وأنت تجد أكثر نساء الزَّمان يسلكن هذا المسلك، وما أقبح ما يبلغنا عنهن من الزهو في كل شيء؛ في اللِّباس، والزي، والعَراقي الصغار جدًا في رؤوس رؤوسهن كأسنمة البخت كما أخبر به ﷺ (٣)، وفي تثخين الأثواب على الأرداف، واتخاذ النَّعل والقبقاب من ذهب أو فضة، واتخاذ الأواني الفضيِّة لماء الورد، والغالية والبخور، وغيرها، وكل ذلك من الزهو والغلو اللذين كانا في اليهود. ٤٨ - ومنها: اتخاذ القبقاب، والنعال لغرض فاسد كالزهو، وتشوف المرأة للرجال كما سبق . روى عبد الرزاق عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كن نساء

стр. 3933

بني إسرائيل يتخذن رِجْلاً من خشب يتشوفن الرجال في المساجد، فحرم الله عليهن المساجد، وسلَّطت عليهن الحيضة (١). وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان الرجال والنساء في بني إسرائيل يصلون جميعًا، وكانت المرأة لها الخليل تلبس القالبين تطول بها لخليلها، فألقي عليهن الحيض (٢)؛ يعني: الاستحاضة. واعلم أن اتخاذ القبقاب إن كان لغرض مما تقدم ونحوه مما لا يجيزه الشرع حرم، وإن كان لغرض النَّظافة والاحتياط عن التَّضمخ بنجاسات الشَّارع وقاذوراته في زمن الشتاء، لا سيما في البلاد المطيرة كدمشق، ونحو ذلك من الأغراض المحبوبة شرعًا فهو حسن؛ فإن الأمور بمقاصدها. ومن القسم الأول ما بلغني عن بعض جهلة المتعبدين من إيثار القبقاب على النَّعل، والخروج به إلى المزارات البعيدة والجبال؛ فهذا من باب الغلو في الدين، وسيأتي أنه من فعل النَّصارى. وغلا بعض هؤلاء حتى بلغني أنه حجَّ بالقبقاب ماشيًا، وهذا، وإن تكلَّفنا التأول له فكان عليه تركه لو سلم له أنه من باب الكرامة، أو من الاعتياد على ذلك لئلا يقتدي به من يفقد فيه هذا المعنى فيهلك.

стр. 3934

وسيأتي الكلام على التشديد في الدِّين في محله إن شاء الله تعالى. والقبقاب كان في الأصل: قاب قاب؛ اسم صوته، فَسُمي باسم الصَّوت كتسمية الغراب: غاق، والبغل: عدس. ٤٩ - ومنها: وصل شعور النساء . روى الشَّيخان عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف: أنه سمع معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهم عام حجَّ وهو على المنبر، وتناول قَصَّة من شَعْر كانت في يد حرسي يقول: يا أهل المدينة! أين علماؤكم؟ سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن مثل هذه ويقول: "إِنَّما هَلَكَتْ بَنُو إِسْرائِيْلَ حِيْنَ اتَّخَذَ هَذهِ نِساؤُهُم" (١). وروى النَّسائي عن سعيد بن المسيب قال: قدم معاوية المدينة فخطبنا، وأخذ كبة من شعر وقال: ما كنت أرى أحداً يفعله إلا اليهود، وإن رسول الله ﷺ بلغه فسماه الزور (٢). وروى عبد الرَّزّاق عن عكرمة قال: أخبرت أن النَّبي ﷺ قَالَ: "إِنَّ نِسَاءَ بَنِي إِسْرائِيْلَ وَصَلْنَ أَشْعارَهُنَّ فَلَعَنَهُنَّ اللهُ، وَمَنَعَهُنَّ أَن يَدْخُلْنَ بَيْتَ المَقْدِسِ". فقال رسول اللهِ ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الوَاصِلَةَ والمُسْتَوْصِلَةَ" (٣).

стр. 3935

وآخر هذا الحديث في "الصحيحين" من حديث أسماء بنت أبي بكر، وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم (١). ٥٠ - ومنها: القَزَع . وهو بفتح القاف وفتح الزاي: حلق بعض الرَّأس دون بعضه، وهو مكروه. روى الشَّيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ ينهى عن القَزَعِ (٢). وفي رواية: وهو أن يحلق الصبي، ويترك له ذؤابة (٣). وروى عبد الرَّزاق، وغيره عنه: أنَّ رسول الله ﷺ رأى غلاماً قد حلق بعض رأسه وترك بعضه، فنهاهم عن ذلك، وقال: "إِما أَنْ تَحْلِقُوا كُلَّهُ، أَوْ تَتْرُكُوا كُلَّهُ" (٤). قال النَّووي: ومذهبنا كراهته مطلقاً للرجل والمرأة لعموم الحديث (٥). قلت: وعليه: فيدخل في التشبه بنساء بني إسرائيل ما يفعله كثير من

стр. 3936

جهلة النساء من الأخذ من شعور الرأس تكبيراً للوجه، وهو من الزور. وفي الحديث: "لَعَنَ اللهُ النَّامِصَةَ والمُتَنَمِّصَةَ" (١). قال النَّووي رحمه الله تعالى: قال العلماء رحمهم الله تعالى: الحكمة في النهي عن القَزَع أنَّه تشويه للخلق. وقيل: إنه زي أهل الشَّر والشطارة. وقيل: لأنَّه زي اليهود. وقال: وقد جاء هذا في رواية لأبي داود (٢). قلت: وكأنه أشار إلى ما روى أبو داود عن الحجاج بن حسان قال: دخلنا على أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه فحدثني أخي المغيرة قال: وأنت يومئذ غلام، ولك قَرنان أو قصتان، فمسح رأسك وبرك عليك، وقال: احلقوا هذين، أو قصُّوهما؛ فإن هذا من زي اليهود (٣). وروى مالك رحمه الله تعالى: أن أبا بكر الصِّديق رضي الله تعالى عنه بعث جيشًا إلى الشَّام، فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان، وكان أمير ربع من الأرباع، فزعموا أن يزيد قال وبكى: إما أن تركب وإما أن ننزل.

стр. 3937

فقال أبو بكر: ما أنت بنازل ولا أنا براكب؛ إني أحتسب خطاي هذه في سبيل الله. ثمَّ قال: ستجد أقواماً فحصوا عن أوساط رؤوسهم من الشعر؛ فاضرب ما فحصوا عنه بالسيف، الحديث (١). قال البغوي: قوله: فحصوا عن أوساط رؤوسهم؛ أي: حلقوا مواضع منها كأفحوص القطا، وهم الشَّمامسة (٢)؛ يعني: رؤوس النصارى، جمع: شماس، وهو الذي يحلق وسط رأسه لازماً للبيعة؛ قاله في "القاموس" (٣). ٥١ - ومنها: ترك الاستتار عند الطَّهارة في الملأ، أو إبداء العورة في الناس مطلقًا . روى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "كَانَتْ بَنُوْ إِسْرائِيْلَ يَغْتَسِلُونَ عُراةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ، وَكَانَ مُوسَى ﵇ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ، فَقَالُوْا: واللهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ مَعَنا إلا أَنَّهُ آدر" (٤)، فذكر الحديث، وتقدم بمعناه في التشبه بالأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام.

стр. 3938

- ومن باب التشبه بأهل الكتاب: أن المرأة الكافرة كالنَّصرانية واليَّهودية تمكن مثلها من النظر إليها إلى ما عدا الوجه والكفين منها، وتدخل معها الحمام متجردتين من الثياب. فالمسلمة إذا مكنت الكافرة من النظر إليها، ودخلت معها الحمام كانت متشبهة بالكافرات في ذلك، وهذا حرام عليها، إلا أن تكون الناظرة الكافرة رقيقة لها، فلا، أو مَحْرمًا، فلا. قال الله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]؛ يعني: المسلمات. وروى سعيد بن منصور، والبيهقي في "سننهما": أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى أبي عبيدة بن الجرَّاح رضي الله تعالى عنه: أما بعد! فإنه بلغني أن نساء من نساء المسلمات يدخلن الحمام مع نساء أهل الشِّرك؛ فإنه لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تنظر إلى عورتها إلا أهل ملتها، أو ممن يباح له النظر إليها (١). ٥٢ - ومن أخلاق أهل الكتاب: ترك الوضوء للصَّلاة على أحد القولين: هل هو من خصائص هذه الأمة، أو لا ؟ قال الحليمي: يستدل بأن الوضوء من خصائص هذه الأمة بحديث الصحيحين: "إِنَّ أُمَّتِي يُدْعَوْنَ غُرًّا مُحَجَّلِيْنَ مِنْ آثَارِ الوُضُوْءِ" (٢).

стр. 3939

ورُدَّ: بأن الَّذي اختصَّت به الغرَّة والتَّحجيل لا أصل الوضوء كيف وفي الحديث: "هَذا وُضُوْئِي وَوُضُوءُ الأَنْبِياءِ قَبْلِي" (١). وأجاب الحافظ ابن حجر بضعف الحديث، وعلى تقدير ثبوته فيحتمل أن يكون الوضوء من خصائص الأنبياء ﵈ دون أممهم إلا هذه الأمة (٢). ويؤيد هذا الاحتمال -كما قال الحافظ السَّيوطي رحمه الله تعالى- ما رواه أبو نعيم رحمه الله تعالى في "الدلائل" عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "صِفَتِي أَحمَدُ المُتَوَكِّلُ، مَولدُهُ بِمَكَّةَ، وَمُهاجَرُهُ إلَى طَيْبَةَ، لَيْسَ بِفَظِّ وَلا غَلِيْظِ، يَجْزِي بِالحَسَنَةِ وَلا يُكافِئُ بِالسَّيِّئَةِ، أُمَّتُهُ الحَمّادُونَ، يَأتَزِرُونَ عَلَى أَنْصافِهِم، وَيُوَضئِّوْنَ أَطْرافَهُم ... " الحديث (٣). وروى الدارمي، وابن عساكر عن كعب رحمه الله تعالى في صفة النَّبي ﷺ في التوراة: أمته الحمَّادون، يحمدون الله في كل سرَّاء وضرَّاء، وُيكَبرون الله على كل نجد، يُوضئون أطرافهم، ويأتزرون في أوساطهم (٤). وروى ابن أبي حاتم، وأبو نعيم عن وهب قال: أوحى الله تعالى

стр. 3940

إلى شعياء ﵇: إنِّي باعث نبيًّا أميًّا؛ فذكر صفة سيدنا ونبيِّنا ﷺ وصفة أمته، فقال فيهم: يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدُّون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التِّلال والأشراف (١). فإن قلت: ما تصنع بحديث "الصَّحيحين" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النَّبي ﷺ : "كَانَ في بَنِي إِسْرائِيْلَ رَجُلٌ يُقالُ لَهُ: جُرَيْجٌ كَانَ يُصَلِّي، جاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقالَ: أُجِيْبُها أَوْ أُصَلِّي، فَقَالَتْ: اللهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوْهَ المُومِسَاتِ، وَكَانَ جُرَيجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ فتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأةٌ، وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ راعِيًا فَأَمْكَنتهُ مِن نفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلامًا، فَقالَتْ: مِنْ جُرَيْج، فَأَتَوْهُ وَكَسرُوا صَوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أتىْ الغُلامَ فَقالَ: مَنْ أَبُوكَ يا غُلامُ؟ فَقالَ: الرَّاعِي، فَقالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبٍ، قَالَ: لا إِلَّا مِنْ طِيْنٍ" (٢)؟ قلت: لا يلزم من قوله: "فتوضأ وصلَّى" أن يكون فعل كما تفعل هذه الأمة في وضوئها من مراعاة صفته وترتيبه. على أن إطلاق الوضوء على الغسل ولو في أي عضو كان مما هو واقع في التَّوراة كما روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم وصححه، عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه قال: قرأتُ في التوراة: إن بركة الطَّعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنبي ﷺ بما قرأتُ

стр. 3941

في التوراة، فقال رسول الله ﷺ : "بَرَكَةُ الطَّعَامِ الوُضُوءُ قَبْلَهُ والوُضُوءُ بَعْدَهُ" (١). ومن المعلوم أن المراد بالوضوء هنا غسل اليدين فقط، أو غسل اليدين مع الفم. وفي حديث جريج المذكور إشارة إلى أن بني إسرائيل كانوا يأخذون بمجرد التهمة، أو بإقرار غير المأخوذ عليه، وهذا مخالف للشرع. وأكثر الحكام الآن يأخذون بذلك، وهو من الجور المحرم؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، وهو من جملة ما تشبهت به هذه الأمة من أعمال بني إسرائيل. ٥٣ - ومنها: التَّحرج عن التيمم عند العجز عن الماء . فإن التيمم من خصائص هذه الأمة بالإجماع. وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "فُضِّلتُ عَلَى الأَنْبِياءِ بِستٍّ: أوْتِيْتُ جَوامعَ الكَلِمِ، وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُحِلَّت لي الغَنائِم، وَجُعِلَتْ لَي الأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا، وَأُرْسِلْتُ إلَى الخَلْقِ كَافَّةً، وَخُتِمَ بِيَ النَّبِيُّونَ" (٢). وفي هذا الباب أحاديث كثيرة.

стр. 3942

والتيمم ثابت بنص القرآن العظيم، وجاحدهُ كافر. وروى أبو نعيم في "الحلية" عن عمرو البكالي: أنَّ موسى ﵇ وفد ببني إسرائيل، فقال الله لهم: إني قد جعلت لكم الأرض مسجدًا، حيث ما صليتم منها تقبلت صلواتكم إلَّا في ثلاثة مواطن؛ فإنَّه من صلى فيهنَّ لم تقبل صلاته: المقبرة، والحمَّام، والمرحاض. قالوا: لا إلا في الكنيسة. قال: وجعلت لكم التراب طهورًا إذا لم تجدوا الماء. قالوا: لا إلا بالماء. قال: وجعلت لكم حيثما صلى الرجل وكان وحده تقبلت صلاته. فقالوا: لا إلا في جماعة (١). وهذه الثلاثة قبلتها هذه الأمَّة فصارت من خصائصها. والمتحرج عن التَّيمم في محله على شعبة من البدعة ومرض القلب، وهو في ذلك متشبه باليهود والنَّصارى لأنهم لا يتيممون لصلاتهم. ٥٤ - ومنها: إتيان الحائض كما يفعله النَّصارى، وهو من الكبائر . والتَّحرج عن مساكنتها ومؤاكلتها ومضاجعتها كما يفعله اليهود، وهو مكروه شديد الكراهة. قالت العلماء: كانت اليهود والمجوس يتجنبون الحائض حتى

стр. 3943

في المجالسة والمؤاكلة، وكانت النصارى يجامعون الْحُيَّضَ، فأمر الله تعالى بالقصد بين هذين (١). وروى مسلم، والترمذي عن أنس: ﵁ أن اليهود كانوا إذا حاضت المرأة فيهم لم يؤاكلوها، ولم يجامعوها في البيوت، فسأل أصحابُ النَّبيَّ ﷺ النَّبيَّ ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ [البقرة: ٢٢٢] إلى آخر الآية. فقال رسول الله ﷺ : "اصْنَعُوا كُل شَيْءٍ إلا النِّكَاحَ". فبلغ ذلك اليهود فقالوا: ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئًا إلا خالفنا فيه (٢). * فائِدَةٌ: تمسَّك الثَّوري، ومحمد بن الحسن، وبعض أصحاب الشَّافعي بظاهر قوله في هذا الحديث: "اصْنَعُوا كُل شَيْءٍ إِلَّا النكاحَ" في إباحة مباشرة ما بين سرة الحائض وركبتها إلا الجماع، وعللوه بأن الفرج محل الأذى دون غيره. وقال أبو حنيفة، ومالك، وأبو يوسف، وخلائق من العلماء -وهو الصحيح من مذهب الشافعي-: لا يباح منها إلا ما وراء الإزار لقوله ﷺ

стр. 3944

لمن سأله: ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟ قال: "تَشُدُّ عَلَيْها إِزارَها، ثُمَّ شَأنَكَ بِأَعْلاهَا" (١). ولأن الحليل لو أُبيح له ما تحت الإزار لربما أدى إلى الفعل المحرم، وكان ذلك من باب قطع الذرائع لأن من حام حول الحمى يوشك أن يواقعه (٢). ٥٥ - ومنها: ترك الصلاة وإضاعتها . قال تعالى بعد أن ذكر زكريا، ويحيى، وعيسى، وإبراهيم، وإسحاق، ويعقوب، وموسى، وهارون، وإسماعيل، وإدريس عليهم الصلاة والسلام: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]. فعلم أن إضاعة الصلاة من أخلاق من خلف بعدهم من اليهود والنصارى وغيرهم. [وفسرت] (٣) إضاعة الصلاة بتركها، وتأخيرها عن وقتها. وقال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا

стр. 3945

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] فهذه الآية دالة على وقوع المخالفة من اليهود لهذه الشَّرائع كلها، وتارك الصَّلاة يقتل بعد أن يستتاب إن لم يتب. هذا إن تركها كسلًا، فأما من جحد وجوبها، أو جحد ركنًا من أركانها المجمع عليه كالقيام في فرض القادر، والرُّكوع والسُّجود، أو استباحتها من غير وضوء، أو وهو جنب ولم يغتسل مع وجود الماء فيها وعدم تعذر استعماله، فإنه كافر، وعليه يحمل حديث جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ والكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاةِ". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه (١). وكذلك نحوه من الأحاديث الشاهدة بكفر تارك الصلاة. ٥٦ - ومنها: ترك صلاة العصر على الخصوص . روى أبو الحسن عبد الباقي بن قانع في "معجم الصَّحابة" عن أبي بصرة الغَّفاري - واسمه: جميل بن بصرة - رضي الله تعالى عنه قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ العصر وقال: "إِنَّ هَذِهِ صَلاةٌ عُرِضَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُم فَضَيَّعُوهَا؛ فَمَنْ حافَظَ عَلَيْها كَانَ لَهُ أَجْرُهُ مَرَّتَيْنِ، وَلا صَلاةَ بَعْدَها حَتَّى يَطْلُعَ النَّجْمُ".

стр. 3946

وهو في "صحيح مسلم"، ولفظه: "وَلا صَلاةَ بَعْدَهَا حَتَّى يَطْلُعَ الشّاهِدُ"؛ يعني: النجم (١). أخرجه الطَّبراني من حديث أبي أيوب رضي الله تعالى عنه (٢). * تَنْبِيْهٌ: يدل على أن صلاة العصر كانت مشروعة في بني إسرائيل ما رواه ابن جرير، وابن المنذر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: الصلاة التي فرط فيها سليمان بن داود ﵉ صلاة العصر (٣). يعني: المشار إليها بقوله: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]. فالخير الذي أحب حتى شغله عن ذكر ربه المفسر بصلاة العصر هو الخيل الصَّافنات الجياد التي عُرضت عليه، وهي من جملة المال، والمال يعبَّر عنه في كلام العرب بالخير. قال إبراهيم التيمي: كانت عشرين ألف فرس ذات أجنحة فعقرها؛ يعني: حين شغلته. كما أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم (٤).

стр. 3947

وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان سليمان ﵇ لا يُكلَّم إعظاماً له، فلقد فاتته العصر وما استطاع أحد أن يكلِّمه (١). ولم يكن ذلك من سليمان ﵇ تقصيرًا وتضييعًا للصَّلاة، بل نسيها اشتغالًا بعرض الخيل عليه، وهو أمر مباح له، فلما فاتته صلاة العصر أمر بعقر الخيل لشغلها إياه عن صلاته، وكان ذلك من شريعته. ووقع للنَّبي ﷺ مثلما وقع لسليمان ﵇ من فوات صلاة العصر يوم الأحزاب، إلا أنه فرق بين الفواتين؛ لأنَّ سبب فواتها سليمان سراء، وسبب فواتها النَّبي ﷺ بلاء. وفي الكتب الستة عن زر قال: قلت لعبيدة: سل علياً رضي الله تعالى عنه عن صلاة الوسطى، فسأله فقال: كنا نراها الفجر حتى سمعت رسول الله ﷺ يقول يوم الأحزاب: "شَغَلُونا عَنْ صَلاةِ الوُسْطَى صَلاةِ العَصْرِ، مَلأَ اللهُ قُلُوبَهُمْ وَأَجْوافَهُمْ ناراً" (٢). وروي نحوه من حديث ابن مسعود، وابن عباس، وجابر، وحذيفة، وأم سلمة ﵃ (٣).

стр. 3948

وروى ابن أبي شيبة، والبيهقيّ في "الشُّعب"، وغيرهما عن علي رضي الله تعالى عنه قال: صلاة الوسطى صلاة العصر التي فرط فيها سليمان ﵇ حتى توارت بالحجاب (١). ٥٧ - ومنها: ترك صلاة العشاء، والنَّوم في وقتها من غير أن يصليها، وكذلك الصُّبح . وذلك أن صلاة العشاء من خصوصيات هذه الأمة. بل مجموع الصلوات الخمس في أوقاتها المخصوصة من خصوصياتها كما سبق في التشبه بالأنبياء ﵈. روى الشَّيخان عن أبي موسى ﵁ قال: أَعْتَمَ النبي ﷺ ليلة بالعشاء حتى انهار الليل، ثمَّ خرج يصلي، فلما قضى صلاته قال لمن حضره: "أَبْشِرُوا؛ إِنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكُمْ أَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ" (٢). وروى ابن أبي شيبة، وأبو داود، والبيهقيّ في "سننه" عن معاذ رضي الله تعالى عنه: أن النَّبي ﷺ أخَّرَ صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظَّانُّ أنه قد صلى، ثم خرج فقال: "أَعْتِمُوا بِهَذهِ الصَّلاةِ؛ فَإِنَّكُم

стр. 3949

فُضِّلتُمْ بِها عَلَى سائِرِ الأمَمِ، وَلَمْ يُصَلِّها أُمَّة قَبْلَكُمْ" (١). وفي الباب عن ابن عمر، وابن عبَّاس، وجابر، والمنكدر رضي الله تعالى عنهم (٢). وروى الإمام أحمد، والبزار، وأبو يعلى، والطَّبراني في "الكبير" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العشاء، ثمَّ خرج إلى المسجد فإذا النَّاس ينتظرون الصَّلاة، فقالَ: "أَمَا إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ هَذ الأَدْيانِ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللهَ هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ". ونزلت هذه الآية: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١١٣ - ١١٥] (٣). وروى الطَّحاوي عن أبي عبد الرحمن عبيد الله بن محمَّد بن عائشة قال: إن آدم ﵇ لما تيب عليه عند الفجر صلَّى ركعتين فصارت الصُّبح. وفدي إسحاق عند الظهر فصلى إبراهيم ﵉ أربعًا فصارت الظُّهر.

стр. 3950

وبعث عُزير فقيل: كم لبثت؟ قال: يومًا، فرأى الشَّمس، فقال: أو بعض يوم، فصلَّى أربع ركعات، فصارت العصر. وغفر لداود ﵇ عند المغرب فصلى أربع ركعات، فجهد فجلس في الثالثة، فصارت المغرب ثلاثًا. وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا ﷺ (١). وروى أبو نعيم في "الحلية" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ ذات يوم فقالَ: "أَلا أُخْبِرُكُم بِغُرَفِ الجَنَّةِ؟ غُرَفٌ مِنْ أَلْوَانِ الجَواهِرِ، يُرَى ظَاهِرُها مِنْ باطِنِها، وَباطِنُها مِنْ ظاهِرِها، فِيْها مِنَ النَّعِيمِ والثَّوابِ والكَرامَةِ ما لا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلا عَيْن رَأَتْ". فقلنا: بأبينا أنت وأمِّنا يا رسول الله! لمن تلك؟ قال: "لِمَنْ أَفْشَى السَّلامَ، وَأَدامَ الصِّيامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ والنَّاسُ نِيامٌ". فقلنا: بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله! ومن يطيق ذلك؟ فقال: "سَأُخْبِرُكُمْ عَمَّنْ يُطِيْقُ ذَلِكَ، مَنْ لَقِيَ أَخاهُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَرَدَّ ﵇ فَقَدْ أَفْشَى السَّلامَ، وَمَنْ أَطْعَمَ أَهْلَهُ وَعِيالَهُ مِنَ الطَّعامِ حَتّى يُشْبِعَهُمْ فَقدْ أَطْعَمَ الطَّعامَ، وَمَنْ صامَ رَمَضانَ وَمِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فَقَدْ أَدامَ الصِّيامَ، وَمَنْ صَلَّى العِشَاءَ الآخِرَة والغَداةَ في جَماعَةٍ فَقَد صَلَّى والنّاسُ نِيامٌ؛ اليَهُودُ والنَّصارَى والمَجُوسُ" (٢).

стр. 3951

قلت: وهذا الحديث يدل أن صلاة الصُّبح أيضًا لا يصلي اليهود والنصارى في وقتها، بل اليهود يصلون عند طلوع الشَّمس إلى المشرق حين يسجد لها الكفار، فمن نام عن صلاة الفجر عمدًا أو تشاغل عنها كان أيضًا متشبهًا باليهود والنصارى، وهاتان الصلاتان -أعني: الصبح والعشاء- أشد الصلاة على المنافقين كما في الحديث، وسيأتي. ٥٨ - ومنها: تأخير صلاة الفجر، وهو من فعل اليهود كما سبق، ومن فعل النَّصارى، وصلاة المغرب، وهو من فعل اليهود . روى الطَّبراني - ورجاله ثقات - عن الصُّنابحي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَزالُ أُمَّتِي في مُسْكَةٍ مِنْ دِيْنِها مَا لَمْ يَنْتَظِرُوا بِالْمَغْرِبِ اشْتِباكَ النُّجُوْمِ مُضاهاةَ اليَهُوْدِ، وَمَا لَمْ يُؤَخرُوا الفَجْرَ مُضاهاةَ النَّصارَى" (١). وروى سعيد بن منصور عن الحارث بن وهب، عن أبي عبد الرحمن الصُّنابحي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "لا تَزالُ أُمَّتِي في مُسْكَةٍ مَا لَمْ يَنْتَظِرُوا بِالْمَغْرِبِ اشْتِباكَ النُّجُوْمِ مُضاهاةَ اليَهُوْدِ، وَمَا لَمْ يَنتظِرُوا بِالْفَجْرِ محَاقَ النُّجُوْمِ مُضَاهَاةَ النَّصْرانِيَّةِ، وَلَمْ يَكِلُوا الجَنائِزَ إِلَى أَهْلِهَا" (٢).

стр. 3952

وروى الطَّبراني عن الحارث بن وهب - ولم يذكر الصُّنابحي - ولفظه: "لا تَزالُ أُمَّتِي عَلَى الإِسْلامِ" (١). ٥٩ - ومنها: الإعلام للصلاة بالبوق؛ وهو شأن اليهود، أو بالنّاقوس؛ وهو شأن النصارى . وفي معناه كل آلة تصلح للهو كالطبل، والمزمار، والنفير. والسَّاعات الدقاقات التي تصنعها الفرنج، ويتداولها أكابر النَّاس الآن من الرُّوم وغيرهم هي من جملة النواقيس، والاكتفاء بدقها دون الأذان غير لائق بأهل الإِسلام والإيمان. روى الشَّيخان، والتِّرمذي عن ابن عمر ﵄ قال: كان المسلمون حين قدموا المدينة يتحيَّنون الصَّلاة، وليس ينادي بها أحد، فتكلموا يوماً في ذلك، فقال بعضهم: اتَّخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النَّصارى. وقال بعضهم: مثل قرن اليهود. فقال عمر رضي الله تعالى عنه: ألا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسولُ اللهِ ﷺ : "يَا بِلالُ! قُمْ فَنَادِ بِالصَّلاةِ" (٢). روى سعيد بن منصور عن أبي عمر بن أنس قال: أخبرني عمومتي من الأنصار قالوا: اهتمَّ النَّبي ﷺ بالصلاة؛ كيف يجمع الناس لها، فقيل له: انصب راية عند حضور الصَّلاة، فلم يعجبه ذلك.

стр. 3953

فذكروا له القرن، فلم يعجبه ذلك. وقال: هو من أمر اليهود. فذكروا له النَّاقوس، فلم يعجبه ذلك، وقال: هو من أمر النَّصارى. فانصرف عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه وهو مُهْتَمٌّ، فَأُرِيَ الأذان في منامه (١). وروى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ استشار المسلمين فيما يجمعهم على الصَّلاة، فقالوا: البوق، فكرهه من أجل اليهود. ثمَّ ذُكِرَ النَّاقوس، فكرهه من أجل النَّصارى. فأُريَ تلك الليلة عبد الله بن زيد [وعمر بن الخطاب] النِّداء، فأخبر النَّبي ﷺ ، فأمر النَبيُّ ﷺ بلالاً فأذَّن (٢). والمعروف - وبه يجمع بين حديثي ابن عمر - أن عبد الله بن زيد ابن عبد ربه الأنصَّاري رضي الله تعالى عنه رأى الأذان في منامه، وأنَّ عمر ﵁ رأى مثل رُؤياه، فقصَّ ذلك ابن زيد على رسول الله ﷺ ، فقال له: "إِنَّ هَذهِ لَرُؤْيا حَقِّ، فَقُمْ مَعَ بِلالٍ؛ فإنَّهُ أَنْدَى، أَوْ أَمَدُّ صَوْتاً مِنْكَ، فأَلْقِ عَلَيْهِ مَا قِيْلَ لَكَ، وَلْيُنَادِ بِذَلِكَ". فلما سمع عمر رضي الله تعالى عنه نداء بلال خرج إلى رسول الله ﷺ وهو يقول: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق لقد رأيت مثل الَّذي قال.

стр. 3954

فقال رسول الله ﷺ : "فَلِلَّهِ الحَمْدُ، فَذَلِكَ أثبَتُ". وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي عن عبد الله بن زيد بمعناه (١). قال الشَّيخ أبو الفتح ابن سيِّد الناس اليعمري في "شرح التِّرمذي"، قال: أبو عبيد: وأخبرني أبو بكر الحكم بن عبد الله بن زيد: أنَّ عبد الله قال في ذلك: [من الخفيف] أَحَمَدُ اللهَ ذا الْجَلالِ وَذا الإِكْـ ... ـرامِ حَمْداً عَلى الأَذانِ كَثِيرا إِذْ أَتانِيَ الْبَشِيْرُ حَقًّا مِنَ اللَّـ ... ـهِ فَأَكْرِمْ بِهِ لَدَيَّ بَشِيرا في لَيالٍ والَى بِهِنَّ ثلاثٍ ... كُلَّما جاءَ زادَنِي تَوْقِيراً (٢) ونقل القرطبي عن كتاب "المديح" للدارقطني: أنَّ أبا بكر الصِّديق رضي الله تعالى عنه أُري الأذان، وأنه أخبر النَّبي ﷺ بذلك، وأنَّ النَّبي ﷺ أمر بلالًا بالأذان قبل أن يخبره الأنصاري.

стр. 3955

ذكره في حديث النَّبي ﷺ عن أبي بكر، وحديث أبي بكر عنه (١). * تنبِيْهٌ: الأذان والإقامة، وكذلك مجموع الصَّلوات الخمس كما علمت من خصائص هذه الأمة. روى إسحاق الختلي في "الديباج"، ومن طريقه أبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَدَاءُ الحُقُوقِ، وَحِفْظُ الأَماناَتِ دِيْني وَدِيْنُ الأَنْبِياءِ مِنْ قَبْلِي، وَقَدْ أُعْطِيْتُ ما لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنْ قَبْلِي مِنَ الأُمَمِ: أَنْ جَعَلَ اللهُ تَعالَى قُرُبَاتِكُمُ الاسْتِغَفارَ، وَجَعَلَ صَلاتَكُمُ الخَمْسَ بِالأَذانِ والإِقامَةِ، وَلَمْ يُصَلِّهَا أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ؛ فَحافِظُوا عَلَى صَلاتِكُمْ، وَأَيُّ عَبْدٍ صَلَّى الفَرِيْضَةَ واسْتَغْفَرَ الله تَعالَى عَشْرَ مَراتٍ لَمْ يَقُمْ مِنْ مَقامِهِ حَتى يَغْفِرَ اللهُ لَهُ ذُنُوْبَهُ، وَلَو كانَ مِثْلَ رَمْلِ عالج وَجِبالِ تِهامَةَ لَغَفَرَهَا" (٢). ٦٠ - ومن أعمال اليهود: الانحراف عن القبلة . لما تقدم عن الشعبي أن اليهود يولون عن القبلة شيئًا، وكذلك الرافضة. بل أدب المسلم في صلاته أن يديم النظر إلى موضع سجوده ولا يلتفت، وقد كان هذا الأدب مأمورًا به في شريعة أهل الكتاب، وكان منهم من يخالف فيه.

стр. 3956

وقد روى التِّرمذي وصححه، وابن خزيمة، وابن حبَّان في "صحيحيهما"، والحاكم وصحَّحه على شرط الشَّيخين، عن الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه، وليس له في الكتب الستة غير هذا الحديث: أن النَّبي ﷺ قال: "أُمِرَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِماتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِها، وَأَنْ يَأْمُرَ بَنيْ إِسْرائِيْلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِها، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِها. قَالَ عِيْسَى ﵇: إِنَّ الله تَعالَى أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِماتٍ لِتَعْمَلَ بِها، وَتأمُرَ بَنِي إِسْرائِيْلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِها، فَإِمَّا أَنْ تأمُرَهُمْ وإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ، فَقالَ يَحْيَى ﵇: أَخْشَى إِنْ سبقْتَنِي بِها أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النّاسَ في بَيْتِ المَقْدِسِ فامْتَلأَ، وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ، فَقالَ: إِنَّ الله تَعالَى أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِماتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا الله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خالِصِ مالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقالَ: هَذهِ دَارِي وَهذَا عَمَلِي، فاعْمَلْ وَأَدّ إليَّ، وَكانَ يَعْمَلُ وُيؤَدِّي إلَى غَيْرِ سَيّدهِ، فأيَّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ. وَإِنَّ الله تَعالَى أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ، فَإِذا صَلَّيْتُم فَلا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِن الله يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاتِهِ ما لَمْ يَلْتَفِتْ. وَآمُرُكُمْ بِالصِّيامِ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ في عِصابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيْها مِسْكٌ، وَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ ريحُهَا، وَإِنَّ رِيْحَ الصِّيامِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيْحِ المِسْكِ.

стр. 3957

وَآمُرُكُمْ بالصدقَةِ؛ فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُل أَسَرَهُ العَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إلَى عُنُقِهِ، وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقالَ: أَنا أفْدِي نفسِي مِنْكُم بِالْقَلِيْلِ والكَثِيْرِ، فَفَدَى نفسَهُ مِنْهُمْ. وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا الله؛ فَإِن مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ في أثَرهِ سِراعاً حَتى أتَى عَلَى حِضنٍ حَصِيْنٍ فأحْرَزَ نفسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطانِ إلا بِذِكْرِ الله تَعالَى. قال رسول الله ﷺ : "وَأَنا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ أَمَرَني اللهُ تَعالَى بِهِنَّ: السَّمْعُ والطّاعَةُ، والجهادُ، والهِجْرَةُ، والحجُّ، والجَماعَةُ؛ فَإِنَّ مَنْ فارَقَ الجَماعَةَ قِيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يُراجِعَ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى الجاهِلِيَّةِ فَأنَّهُ مِنْ جُثاءِ جَهَنَّمَ". فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلَّى وصام؟ فقال: "وَإِنْ صَلَّى وَصامَ؛ فادْعُوا بِدَعْوَى الله الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِيْنَ المُؤْمِنيْنَ عِبادَ اللهِ" (١). وقد ذكرت هذا الحديث بتمامه لكثرة فوائده (٢).

стр. 3958

٦١ - ومن أعمال أهل الكتاب: عدم إتمام الرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة . والطمأنينة فيهما ركن عند الشافعي والأكثرين (١). وقد كان أهل الكتاب يسجدون في الصلاة، وأمَّا الرُّكوع فقال جماعة: إنه من خصوصيات هذه الأمة، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] أن المراد بالرُّكوع هنا خفض الرَّأس فقط من غير انحناء، أو كانوا يركعون بعد السُّجود، ولذلك آخره في الآية. وعليه: فالخصوصية في تقديم الرُّكوع عن السُّجود. وقيل: آخره لأجل تأكيده لأنهم ما كانوا يهتمون به اهتمامهم بالسُّجود، أو كده تحريضاً لها على مخالفة اليهود؛ فإنهم كانوا لا يرفعون فَأُمِرتْ به مخالفة لليهود. أو خصَّت به من عبادة هذه الأمة دون قومه كما خص موسى وهارون ﵉ بأن يدعو موسى ويؤمِّن هارون دون سائر بني إسرائيل. أو لأنه يُقال: ركع إذا صلَّى، ومن ثمَّ فسَّر ابن عباس ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]: صلِّي مع المصلين، مع قُرَّاء بيت المقدس. كما رواه ابن عساكر (٢).

стр. 3959

وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ﴿واركعي واسجدي في السَّاجدين﴾ كما أخرجه أبو داود في "المصاحف" (١). وهو مما يشير إلى أنَّ معنى اركعي: صلِّي، أو هو على ترتيب الرُّكوع والسُّجود كما في هذه الأمة. وبالجملة: فإن من لا يتم الركوع والسجود متشبه بأهل الكتاب في الجملة. وقد روى الطبراني في "الكبير"، وأبو يعلى بإسناد حسن، وابن خزيمة في "صحيحه" عن أبي صالح، عن أبي عبد الله الأشعري رحمهما الله تعالى: أَنَّ رسول اللهِ ﷺ رأى رجلًا لا يتمُّ ركوعهُ وينقرُ في سجودهِ فقال رسول اللهِ ﷺ : "لَوْ ماتَ هَذَا عَلَى حالِهِ هَذ ماتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ محمَّدٍ ﷺ ". [ثمَّ] (٢) قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي لا يُتِمُّ رُكُوْعَهُ وَيَنْقُرُ في سُجُودِهِ مَثَلُ الجَائِعِ يَأكُلُ التَّمْرَةَ والتَّمْرَتَيْنِ لا يُغْنِيانِ عَنْهُ شَيْئًا". قال أبو صالح: قلت لأبي عبد الله: من حدَّث بهذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: أمراء الأجناد: عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وشُرحبيل بن حسنة؛ سمعوه من النَّبي ﷺ (٣).

стр. 3960

وروى الطبراني - ورواته ثقات - عن بلال رضي الله تعالى عنه: أنه أبصر رجلًا لا يتم الركوع ولا السجود، فقال: لو مات هذا لمات على غير ملة محمد ﷺ (١). وروى الإمام أحمد، والأربعة - وصححه التِّرمذي - وابن خزيمة، وابن حبَّان، والدّارقطني، والبيهقيّ عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُجْزِئُ صَلاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيْمَ ظَهْرَهُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ" (٢). ٦٢ - ومن أخلاق أهل الكتاب: ترك الصَّف في الصلاة . ومن خصائص هذه الأمة صفوفهم في الصَّلاة، وتساويهم فيها. روى الطَّبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ رسول الله ﷺ ذكرت عنده اليهود فقال: "إِنَّ اليَهُودَ قَدْ سَئِمُوا دِيْنَهُمْ، وَهُمْ قَوْمٌ حُسَّدٌ، وَلَمْ يَحْسُدُوا المُسْلِمِيْنَ عَلَى أَفْضَلِ مِنْ ثَلاثٍ: رَدِّ السَّلامِ، وإِقامَةِ الصُّفُوفِ، وَقَولهِمْ خَلْفَ إِمامِهِمْ في المَكْتُوبَةِ: آمِيْنَ" (٣).
следующие страницы →