← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

من حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ سَبْعَةً مِنْ خَلْقِهِ مِنْ فَوْقِ سَبع سَمَاواتٍ، ورَددَ اللعْنَةَ عَلَىْ واحِدٍ مِنْهُمْ ثَلاثا، وَلَعَنَ كُلَّ واحِدٍ مِنْهُمْ لَعْنةً تَكْفِيْهِ، قالَ: مَلْعُوْنٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ، مَلْعُوْنٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ، مَلْعُوْنٌ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْط، مَلْعُوْنٌ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَىْ، مَلْعُوْن مَنْ أتَىْ شَيْئا مِنَ الْبَهائِمِ، مَلْعُوْن مَنْ عَقَّ والِدَيْهِ، مَلْعُوْنٌ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ امْرَأة وَابْنَتِها، مَلْعُوْنٌ مَنْ غَيرَ حُدْوُدَ الأَرْضِ، مَلْعُوْن مَنِ ادَّعَىْ إِلَىْ غَيْرِ مَوالِيْهِ" (١). وروى ابن حبان في "صحيحه"، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللهِ، لَعَنَ اللهُ مَنْ غَيرَ تُخُوْمَ الأَرْضِ، لعَنَ اللهُ مَنْ كَمَّهَ أَعْمَىْ عَنِ السَّبِيْلِ، وَلعَنَ اللهُ مَنْ سَبَّ والِدَيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ تَوَلَىْ غَيْرَ مَوالِيْهِ، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوْطٍ، قالَها ثَلاثا فِيْ عَمَلِ قَوْمِ لُوْطٍ" (٢).

стр. 422

وروى أبو داود، والترمذي وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: "لعن رسول الله ﷺ الراشي والمرتشي" (١). وأخرجه ابن ماجه، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "لَعْنَةُ اللهِ عَلَىْ الرَّاشِيْ وَالْمُرْتَشِيْ" (٢). وروى الإِمام أحمد، وأبو يعلى، والطبراني في "الكبير"، والبيهقي في "الشعب" عن ثوبان رضي الله تعالى عنه، والحاكم في "المستدرك" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ وَالرَّائِشَ الَّذِيْ يَمْشِيْ بَيْنَهُمَا" (٣). نعم، يستثنى من الراشي من يدفع بالرشوة الظلم عن نفسه (٤). والرائش حكمه حكم موكله. وروى الإِمام أحمد، والستة عن ابن عمر، والثلاثة الأولون والنسائي عن عائشة، وهؤلاء وابن ماجه عن أسماء بنت أبي بكر الصديق، والطبراني في "الكبير" عن أبي أمامة، وعن ابن عباس رضي الله تعالى

стр. 423

عنهم قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْواصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ، وَالْواشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَة" (١). وروى الإِمام أحمد، والستة عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللْهُ الْواشِماتِ وَالْمُسْتَوْشِماتِ، وَالْمُتَنَمّصاتِ، وَالْمُتَفَلِّجاتِ لِلْحُسْنِ، الْمُغَيّراتِ لِخَلْقِ اللهِ" (٢). وروى الإِمام أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن علي ﵁، والإمام أحمد، وابن أبي شيبة، والترمذي وصححه، والنسائي عن ابن مسعود، والترمذي عن جابر، وابن ماجه عن ابن عباس، والإمام أحمد والبيهقي عن أبي هريرة ﵁، كلهم عن النبي ﷺ

стр. 424

قال: "لَعَنَ اللهُ الْمُحَللَ، وَالْمُحَلَّلَ لَه" (١). وروى البيهقي في "السنن" عن ابن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ النَّائِحَةَ، وَالْمُسْتَمِعَةَ، وَالْحالِقَةَ (٢)، وَالسَّالِقَةَ (٣)، وَالْواشِمَةَ، وَالْمُوْتشَمَةَ" (٤). وروى هو، والإمام أحمد، وأبو داود عن أبي سعيد، والطَّبراني في "الكبير" عن ابن عمر، وابن عباس ﵃: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ النَّائِحَةَ وَالْمُسْتَمِعَةَ" (٥).

стр. 425

وروى الإِمام مالك في "الموطأ"، والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وحسنه، والنسائي، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ زائِراتِ الْقُبُوْرِ، وَالْمُتَّخِذِيْنَ عَلَيْها الْمَساجِدَ وَالسُّرُجَ" (١). وروى ابن ماجه، والطبراني في "الكبير"، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْخامِشَةَ وَجْهَها، وَالشَاقَّةَ جَيْبَها، وَالدَّاعِيَةَ بِالْوَيْلِ وَالثُّبُوْرِ" (٢). وروى الطبراني في"الكبير" عن ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ سبَّ أَصْحابِيْ" (٣). وروى الديلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَلْعُوْن مَنْ لَعِبَ بِالشَّطْرَنج" (٤).

стр. 426

وعن بهز، عن أبيه، عن جده ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَلْعُوْنٌ مَنْ كَذَبَ" (١). وكلاهما ضعيف. وروى الطبراني في "الكبير"، والحاكم في "التاريخ"، عن أبي موسى الأشعري ﵁: أن النبي ﷺ قال: "مَلْعُوْن مَنْ سَألَ بِوَجْهِ اللهِ، وَمَلْعُوْن مَنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللهِ، ثُمَّ يَمْنَعُ سائِلَهُ، ما لَمْ يسْأَلْ هَجْرًا" (٢). وروى البيهقي في "السنن" عن الحسن مرسلاً، والديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ النَّاظِرَ، وَالْمَنْظُوْرَ إِلَيْهِ" (٣)؛ يعني: النظر إلى العورة. وروى ابن ماجه، والبيهقي (٤) عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْوالِدَةِ وَوَلَدِها،

стр. 427

وَبَيْنَ الأخ وَأَخِيْهِ" (١). وروى أبو داود، والترمذي، والحاكم عن حذيفة ﵁ قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ مَنْ قَعَدَ وَسْطَ الْحَلَقَةِ" (٢). أي: (لغير ضرورة)، أو: (بغير إذن أهلها) ليخرج الْمُسْتَمْلي، ونحوه. وروى الترمذي وحسنه، عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ عَبْدَ الدِّيْنارِ، لَعَنَ اللهُ عَبْدَ الدِّرْهَمِ" (٣). وروى الديلمي عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ فَقِيْراً تَواضَعَ لِغَنِي مِنْ أَجْلِ غِناهُ؛ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فَقَدْ ذهبَ ثُلُثا دِيْنِهِ" (٤). وروى الإِمام أحمد، عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ

стр. 428

قال: "لَعَنَ اللهُ الَّذِيْنَ يُشَقّقُوْنَ الْخُطَبَ تَشْقِيْقَ الشِّعْرِ" (١)؛ يعني: التفصح في الكلام. وروى الإِمام مالك في "الموطأ"، والإمام الشافعيُّ، والبيهقيُّ في "السُّنن" عن عمرة بنت عبد الرحمن مرسلاً، والبيهقي عنها، عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: "لَعَنَ اللهُ الْمُخْتَفِيَ وَالْمُخْتَفِيَةَ" (٢). قال في "القاموس": المختفي: النباش؛ كأنه من اختفيته: إذا أزلت خفاياه (٣). وروى البخاري في "تاريخه" عن عكرمة مرسلاً، والخطيب عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْمُسَوِّفاتِ" (٤). ورواه الطَّبراني في "الكبير" من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وزاد فيه: "الَّتِيْ يَدْعُوْها زَوْجُها إِلَىْ فِراشِهِ فَتَقُوْلُ: (سَوْفَ)

стр. 429

حَتَّىْ تَغْلِبَهُ عَيْناه" (١). وروى أبو يعلى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ الْمُفْسِلَةَ التِيْ إِذا أَرادَ زَوْجُها أَنْ يَأتِيَها قالَتْ: أَنا حائِضُ [وليست بحائض] (٢) " (٣). وروى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى مرسلاً، قال: مرَّ رسول الله ﷺ بكتاب في أرض فقال: "لَعَنَ اللهُ مَنْ فَعَلَ هَذا، لا تَضَعُوْا كِتابَ اللهِ إِلاَّ مَوْضِعَهُ" (٤). وروى الإِمام أحمد، وأبو داود عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَلْعُوْن مَنْ أتىْ امْرَأةً فِيْ دُبُرِهَا" (٥). وروى الترمذي، والدَّارقطني، والبيهقيُّ في "شعب الإيمان" عن

стр. 430

أبي بكر رضي الله تعالى عنه: "مَلْعُوْنٌ مَنْ ضَارَّ مُؤْمِناً، أَوْ مَكَرَ بِهِ" (١). وروى الدارقطني في "العلل" عن علي ﵁: أن النبي ﷺ قال: "لُعِنَتِ الْقَدَرَّيةُ عَلَىْ لِسانِ سَبْعِيْنَ نبَيًّا". وفي "تاريخ الحاكم" عن أبي أمامة نحوه (٢) في المرجئة. وروى الطَّبراني في "الكبير" عن جابر بن سَمُرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ مَنْ بَدا بَعْدَ هَجْرِه، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ بَدا بَعْدَ هَجْرِه، وَلَعَنَ اللهُ مَنْ بَدَا بَعْدَ هَجْرِه إِلاَّ فِيْ الْفِتْنَةِ، فَإِنَّ الْبَدْوَ فِيْ الْفِتْنَةِ خَيْرٌ مِنَ الإِقامَةِ فِيْها" (٣). وروى الترمذي، والحاكم وصححه، والطبراني في "الكبير"، وأبو نعيم، والبيهقي في "الشعب" عن عائشة ﵂، والحاكم وصححه، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن جده ﵁: أن النبي ﷺ قال: "سِتَّةٌ لَعَنْتُهُمْ -وَكُلُّ نبَى مُجابٌ -: الزَّائِدُ فِيْ كِتابِ اللهِ، وَالْمُكَذِّبُ بِقَدَرِ اللهِ، وَالْمُتَسَلِّطُ بِالْجَبَرُوْتِ فَيُعِزُّ بِذَلِكَ مَنْ أَذَلَّ اللهُ، وَيُذِلُّ مَنْ أَعَزَّ اللهُ، وَالْمُسْتَحِلُّ لِحُرَمِ الله، وَالْمُسْتَحِلُّ مِنْ عِتْرَتيْ ما حَرَّمَ اللهُ، وَالتَّارِكُ لِسُنَّتِيْ" (٤).

стр. 431

وأخرجه الطبراني في "الكبير" من حديث عمرو بن شفوي اليافعي ﵁ بنحوه إلا أنه قال: "سَبْعَةٌ لَعَنْتُهُمْ، وَزادَ: وَالْمُسْتَأْثِرُ بِالْفَيْءِ" (١). وروى عبد بن حُميد، وأبو الشيخ، وابن مَردويه في "تفاسيرهم"، والطَّبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ بَنِيْ إِسْرائِيْلَ لَمَّا عَمِلُوْا الْخَطِيْئَةَ نهَاهُمْ عُلَماؤُهُمْ تَعْذِيْراً، ثُمَّ جالَسُوْهُمْ، وَواكَلُوْهُمْ، وَشارابوْهُمْ كَأنْ لَمْ يَعْمَلُوْا بِالأَمْسِ قَطِيْعَةً، فَلَمَّا رَأَىْ اللهُ ذَلِكَ مِنْهُمْ ضَرَبَ بِقُلُوْبِ بَعْضِهِمْ عَلَىْ بَعْضٍ، وَلَعَنَهُمْ عَلَىْ لِسانِ نبِيٍّ مِنَ الأَنْبِياءِ". ثم قرأ رسول الله ﷺ : ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧٨] حتى فرغ من الآية، ثم قال: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [المائدة: ٧٩]. ثم قال رسول الله ﷺ : "وَاللهِ لتأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوْفِ، وَلتنْهُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَلتأْطُرُنَّهُمْ عَلَىْ الْحَق أَطْراً، أَوْ لَيَضْرِبَن اللهُ بِقُلُوْبِ بَعْضِكُمْ عَلَىْ بَعْضٍ، وَلَيَلْعَننَّكُمْ كَما لَعَنَهُمْ" (٢).

стр. 432

وروى ابن ماجه عن عمر ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الْجالِبُ مَرْزُوْقٌ، وَالْمُحْتَكِرُ مَلْعُوْنٌ" (١). وروى الطبراني في "الكبير"، وابن قانع في "معجمه" عن المهاجر ابن قنفذ رضي الله تعالى عنه قال: رأى رسول الله ﷺ . ثلاثة على دابة، فقال: "الثَّالِثُ مَلْعُوْن" (٢). وهذا محمول على أنه أراد الثالث من أولئك الثلاثة، أو على أنه فيما لو ضعفت الدَّابة عن حمل الثلاثة. ٥١ - ومن خصال الملائكة ﵈: الصَّلاة على الميت من المسلمين . روى ابن باكُويه الشِّيرازي عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الْمَلائِكَةَ صَلَّتْ عَلَىْ آدَمَ فَكَبَّرَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعاً". ورواه أبو نعيم في "الحلية"، ولفظه: "كَبَّرَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَىْ آدَمَ ﵇ أَرْبَعاً" (٣). وهو بهذا اللفظ عند الحاكم في "المستدرك" من حديث

стр. 433

أنس رضي الله تعالى عنه (١). وروى الدارقطني، والبيهقي في "سننه" بسند صحيح، عن أُبي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "صَلَّتِ الْمَلائِكَةُ عَلَى آدَمَ ﵇ فَكَبَّرَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعا، وَقالَتْ: هَذه سُنتكُمْ يا بَنِيْ آدَمَ" (٢). * فَائِدَةٌ جَلِيْلَةٌ: روى محمَّد بن سعد في "طبقاته"، والبيهقي في "الدَّلائل" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كنَّا مع النبي ﷺ بتبوك، فطلعت الشمس بضياء وشعاع ونور، لم أرها طلعت فيما مضى، فأتى جبريل ﵇ إلى رسول الله ﷺ فقال: "يَا جِبْرِيْلُ! ما لِيْ أَرَىْ الشَّمْسَ الْيَوْمَ طَلَعَتْ بِضِياءٍ وَنُوْرٍ وَشُعاعٍ لَمْ أَرَها طَلَعَتْ فِيْما مَضَىْ؟ قال: ذاك أن معاوية بن معاوية الليثي مات بالمدينة اليوم، فبعث الله إليه سبعين ألف ملك يصلون عليه. قال: وَفِيْمَ ذاكَ؟ قال: كان يكثر قراءة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] بالليل والنهار، وفي ممشاه وقعوده، فهل لك أن أقبض لك الأرض فتصلي عليه؟

стр. 434

قال: نعَمْ"، فصلى عليه (١). وقال في رواية أخرى: جاء جبريل ﵇ فقال: "يا محمَّد! مات معاوية بن معاوية المزني، أتحب أن تصلي عليه؟ " قال: "نعَمْ"، قال: فضرب بجناحه فلم يبق من شجرة ولا أكمة حتى اتضعت له، ورفع السرير له حتَّى نظر إليه، وخلفه صفَّان من الملائكة، في كل صف سبعون ألف ملك، قال: "قلت: يا جِبْرِيْلُ! بِمَ نالَ هَذهِ الْمَنْزِلَةَ مِنَ اللهِ تَعَالَىْ؟ " قال: "بحبِّه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ [الإخلاص: ١] يقرؤها قائمًا، وقاعداً، وذاهباً، وجائيًا، وعلى كل حال" (٢). * تنبِيهانِ: الأَوَّلُ: روى الإِمام أحمد بإسناد حسن، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُصَلِّيْ الْمَلائِكَةُ عَلَىْ نائِحَةٍ، وَلا مُسْتَمِعَةٍ" (٣)؛ أي: لا تصلي صلاة الميت عليهما، أو: لا تستغفر لهما. الثَّانِيْ: وروى الدَّارقطني في "سننه" عن ابن عباس ﵄ قال: صلى

стр. 435

جبريل على آدم ﵇، وكبر عليه أربعاً، صلَّى جبريل بالملائكة يومئذٍ في مسجد الخيف، وأخذ من قبل القبلة، ولحد له، وسَنَّم قبره (١). وروى ابن عساكر عنه: أنَّ جبريل ولي آدم ﵉، وجاء بكفن وحنوط وسدر، ثم قال: يا بني آدم أترون ما أصنع بأبيكم؟ فاصنعوا بموتاكم، فغسَّلوه، وكفنوه، وحنَّطوه، ثم حملوه إلى الكعبة، فصلى عليه جبريل، فعرف فضل جبريل يؤمئذ على الملائكة، فكبر عليه أربعاً، ووضعوه مما يلي القبلة عند القبور، ودفنوه في مسجد الخيف (٢). فأي الروايتين صح كان دالاُّ على أن الملائكة صلوا عليه في المسجد. وفيه: جواز الصَّلاة على الميت في المسجد. والعمدة في الاحتجاج له: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما صلَّى رسول الله ﷺ على سهيل بن بيضاء إلا في المسجد (٣). وبهذا قال الشافعي، وأحمد. قال الزركشي: وهي رواية المدنيين عن مالك. وقال أبو حنيفة - وتلك في الرواية المشهورة عنه -: لا تصح الصَّلاة عليه في المسجد.

стр. 436

واحتج لهذا المذهب بحديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "مَنْ صَلَّىْ عَلَىْ جَنازَةٍ فِيْ الْمَسْجِدِ فَلا شَيْءَ لَه" (١)، وهو ضعيف. وقال الخطيب البغداديُّ: المحفوظ في الرواية: "فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ"، فتكون تلك الرواية محمولة على هذه، واللام فيها بمعنى على كما في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧]؛ أي: عليها (٢). ٥٢ - ومن أعمال الملائكة ﵈: الإعلام بالموت -لا سيما بموت الصَّالحين - ليصلى عليهم، وتحضر جنائزهم لإعلام جبريل ﵇ رسول الله ﷺ بموت معاوية بن معاوية (٣). وقد صحح النووي رضي الله تعالى عنه في "مجموعه" استحباب الإعلام بموت المسلم لكثرة المصلين عليه (٤). ٥٣ - ومنها: تغسيل الموتى، وتكفينهم، وتحنيطهم، ودفنهم: وروى الطَّبراني في "الأوسط" عن أُبي بن كعب رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ آدَمَ غَسَّلَتْهُ الْمَلائِكَةُ بِماءٍ، وَسِدْرٍ، وَكَفَّنُوْهُ،

стр. 437

وَلَحَدُوْا لَهُ، وَدَفَنُوْهُ، وَقالُوْا: هَذِهِ سُنتكُمْ يا بَنِيْ آدَمَ فِيْ مَوْتاكُمْ" (١). وعن ابن عباس ﵄: أن جبريل ﵇ ولي آدم ﵇، فجاءه بكفن وحنوط وسدر (٢). وروى الطبراني في "الكبير" عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ الْمَلائِكَةَ تُغَسِّلُ حَمْزَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُطلِبِ، وَحَنْظَلَةَ بنَ الرَّاهِبِ" (٣). وروى ابن سعد عن الحسن ﵀ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَقَدْ رَأَيْتُ الْمَلائِكَةَ تُغَسِّلُ حَمْزَةَ" (٤). وروى ابن أبي الدُّنيا في "الهواتف" عن أبي بكر بن أبي مريم قال: حج قوم، فمات صاحب لهم بأرض فَلاَة، فطلبوا الماء، فلم يقدروا عليه، فأتاهم آتٍ، فقالوا: دلنا على الماء، فقال: إن حلفتم لي ثلاثًا وثلاثين يمينا أنه لم يكن صَرَّافا, ولا مَكَّاسا, ولا عريفا، ولا بريدا دللتكم على الماء، فحلفوا له ثلاثًا وثلاثين يمينا، فدلهم على الماء، وكان منهم غير بعيد، ثم قالوا: عاونا على غسله، فقال: إن حلفتم لي ثلاثًا وثلاثين

стр. 438

يمينًا [أنه لم يكن صَرَّافاً، ولا مَكَّاساً، ولا عريفاً، ولا بريداً، دللتكم على غسله، فأعانهم على غسله، قالوا له: تقدمْ فصلِّ عليه، فقال: لا، إلا أن تحلفوا لي أربعًا وثلاثين يمينًا أنه لم يكن صَرَّافاً، ولا مَكَّاساً، ولا عريفاً، ولا بريداً صليت عليه، فحلفوا له أربعث وثلاثين يمينًا، فصلى عليه، ثم ذهبوا ينظرون، فلم يروا أحدًا، فكانوا يرون أنه ملك (١). * تنبِيْهٌ: قال ابن هبيرة في "الإشراف على مذاهب الأشراف": اتفقوا على أن الشهيد -وهو من مات في قتال الكفار- لا يغسل، انتهى. فعلى هذا: لا يقتدى بالملائكة في تغسيل الشهيد؛ حيث غسَّلوا حمزة وحنظلة -كما علمت- وقد قتلا شهيدين في غزوة أحد، لكنا أوردنا حديث ابن عبَّاس والحسن في هذا المحل؛ إشارة إلى أن أصل تغسيل الميت من عمل الملائكة ﵈، ولذلك قدمنا حديث تغسيلهم لآدم ﵇؛ لأنه محل الاقتداء بهم لأن آدم لم يمت شهيدًا. وروي: أن الملائكة لم تغسّل حمزة وحنظلة إلا لأنهما كانا جُنُبَيْن حين استشهدا. فالنظر حينئذٍ في الشهيد إذا مات جنبًا هل يُغسَّل أم لا؟ فقال مالك رضي الله تعالى عنه: لا يُغسَّل.

стр. 439

وهو الأصح من مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه. لأنه ﷺ لم يغسل حمزة وحنظلة مع أنهما ماتا جنبين، وإنما أخبر عن الملائكة أنهم غسلوهما. وقال الشافعي في قوله الآخر، وأبو حنيفة، وأحمد رضي الله تعالى عنهم: يُغسَّل (١). ومن فعل ذلك على هذا القول كان متشبها بالملائكة ﵈ في غسل الشهيد الجنب. * تَتِمَّةٌ: روى الحاكم عن ابن عباس ﵄ قال: قتل حمزة رضي الله تعالى عنه جنباً، فقال رسول الله ﷺ : "غَسَّلَتْهُ الْمَلائِكَةُ" (٢). وروى هو وصححه، وأبو نعيم، عن عبد الله بن الزُّبير ﵄: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إِنْ حَنْظَلَةُ تُغَسِّلُهُ الْمَلائِكَةُ، فاسألوا (٣) أهلَه: "ما شأنه"، قالت: "خرج وهو جنب حين سمع الهائعة"، فقال رسول الله ﷺ : "لِذَلِكَ غَسَّلَتْهُ الْمَلائِكَةُ ﵈" (٤).

стр. 440

* فَائِدَةٌ: قال العلماء رحمهم الله تعالى: الحكمة في عدم تغسيل الشهيد إبقاء أثر الشهادة عليه. وهذا هو الحكمة في استحباب تكفينه في ثيابه الملطَّخة بالدَّم. قالوا: وفي عدم غسله حكمة أخرى، وهي أن القتل طُهر، فلا يحتاج إلى طهارة أخرى. وكذلك -أيضاَّ - الحكمة في أنه لا يصلى عليه، كما هو مذهب الإِمام مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد = أنَّ الصلاة على الميت شفاعة، والشهيد لا يحتاج إلى شافع. * فَائِدَةٌ أُخْرَىْ: روى أبو نعيم عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه لما مات يوم الخندق، خرج رسول الله ﷺ مسرعًا، فإنه لينقطع شسع الرجل فما يرجع، ويسقط رداؤه فما يلوي، وما يعرج أحد على أحد، فقالوا: يا رسول الله! إن كدت لتقطعنا؟ قال: "خَشِيْتُ أَنْ تَسْبِقَنا الْمَلائِكَةُ إِلَىْ غَسْلِهِ كَمَا سَبَقَتْنا إِلَىْ غَسْلِ حَنْظَلَةَ". قلت: في هذا الحديث إشارة إلى استحباب منافسة الملائكة ﵈، ومسابقتهم إلى أعمال الخير فضلًا عَن الاقتداء بهم، والتشبه بهم.

стр. 441

* تنبِيْهٌ: حصلت لسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه شهادة الآخرة، ولم تتم له شهادة الدُّنيا بحيث إنه لا يغسل، فلذلك غسله النبي ﷺ ؛ فإن الشهيد الذي لا يغسل ولا يصلى عليه هو الذي مات في قتال الكفار المباح بسبب القتال - ولو بعَوْدِ سلاحه إليه، أو بإصابة سلاح مسلم إياه، أو سقوطه، أو رمح دابته، أو نحو ذلك - فإن مات بعد انقضاء القتال وفيه حياة مستقرة - ولو بسبب جراحة فيه من القتال يقطع بموته منها -، أو مات في قتال البُغاة، فلا يجري عليه حكم الشهادة في الدنيا، وإن أعطي الشهادة في الآخرة، وكذلك كان حال سعد بن معاذ ﵁. روى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أصيب سعد ابن معاذ رضي الله تعالى عنه يوم الخندق، رماه حِبَّان بن العَرَقة في الأكحل، فضرب النبي ﷺ خيمة في المسجد ليعوده من قريب، فلما رجع رسول الله ﷺ من الخندق، ووضع السِّلاح، واغتسل، أتاه جبريل ﵇ وهو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السِّلاح، والله ما وَضَعْتُهُ، اخرج إليهم، قال النبي ﷺ : "فَأَيْنَ؟ " فأشار إلى بني قريظة، فأتاهم رسول الله ﷺ فنزلوا على حكمه، فرد الحكم إلى سعد، قال: فإنِّي أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى النِّساء والذُّرية، وأن تقسم أموالهم، فقال سعد: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحبَّ إلي أن أجاهدهم فيك من قوم كذبوا رسولَك، وأخرجوه، اللهم فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان بقي من حرب، فافجرها،

стр. 442

واجعل موتي قريبًا، فانفجرت من لبته، فمات سعد بن معاذ ﵁ (١). وحِبَّان بن العرقة - بكسر الحاء المهملة، وتشديد الموحدة، وبالنون - وقيل: هو جبَّار - بالجيم، وتشديد الموحدة، وبالراء -. والعَرَقة: بفتح العين المهملة، والراء، وقيل: بكسرها، وهو المشهور، وبالقاف (٢). ٥٤ - ومن خصال الملائكة ﵈: الأسف على الصَّالحين عند موتهم: روى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزُّهد" عن ثابت البُناني رحمه الله تعالى قال: لما مات موسى بن عمران ﵇ جالت الملائكة في السَّماوات بعضها إلى بعض واضعي أيديهم على الخدود ينادون: مات موسى كَليمُ الله، وأي الخلق لا يموت؟ (٣). وفي ذلك أن وضع اليد على الخد - وهي هيئة الكآبة والحزن - ليس بمذموم، بخلاف لطم الخد. وقلت في المعنى: [من البسيط] وَضَعْتُ كَفِّيْ عَلَىْ خَدِّيْ لِفُرْقَتِهِمْ ... حُزْنًا عَلَيْهِمْ كَحَالِ الْمُفْكِرِ الْوَجِعِ

стр. 443

وَلَمْ أَكُنْ لاطِمًا خَدِّيْ لِبَيْنِهِمُ ... لأَنَ ذَاكَ دليْلُ السُّخْطِ وَالْجَزَعِ ٥٥ - ومنها: البكاء لموت الغريب لغربته لا جزعا لموته . * مَطْلَبٌ: إذا توفي في غربته لم يعذَّب. روى ابن أبي الدُّنيا في "كتاب الموت" عن الحسن قال: إن الله إذا توفي المؤمن ببلاد غربته لم يعذبه رحمة لغربته، وأمر الملائكة فبكته لغيبة بواكيه عنه (١). ٥٦ - ومنها: حضور جنائز الصالحين، وحملها، وتشييعها: روى الإِمام أحمد في "الزُّهد"، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي الجلد: أن داود ﵇ قال في مسألته: إلهي! فما جزاء من شيع الجنائز ابتغاء مرضاتك؟ قال الله: جزاؤه أن تشيعه الملائكة يوم يموت إلى قبره، وأن أصلِّيَ على روحه في الأرواح (٢). وروى البيهقي في "الدَّلائل" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ في سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه: "تَحَرَّكَ لَهُ

стр. 444

الْعَرْشُ، وَشَيَّعَ جَنازَتَهُ سَبْعُوْنَ ألفَ مَلَكٍ" (١) وروى ابن سعد، عن محمود بن لَبِيد ﵁: أن القوم قالوا: يا رسول الله! ما حَمَلْنا ميتًا أخف علينا من سعد؟ قال: "ما يَمْنَعُكُمْ أَنْ تَخِفَّ عَلَيْكُمْ وَقَدْ هَبَطَ مِنَ الْمَلائِكَةِ كَذا وَكَذا، لَمْ يَهْبِطُوْا قَطُّ قَبْلَ يَوْمِهِمْ، قَدْ حَمَلُوْهُ مَعَكُمْ" (٢). وعن الحسن رحمه الله تعالى قال: لما مات ابن معاذ - وكان رجلًا جسيماً، جزلاً - جعل المنافقون يقولون: لم نر رجلًا أخف منه، وقالوا: تدرون لم ذاك؟ لمحكمه في بني قريظة، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فقال: "وَالَّذِيْ نَفْسِيْ بِيَده لَقَدْ كانَتِ الْمَلائِكَةُ تَحْمِلُ سَرِيْرَه" (٣). وروى هذا الحديث الحاكم بنحوه من طريق قتادة، عن أنس ﵁ (٤). قلت: كذلك يطمس الله على قلوب المنافقين حتى يروا الأمور الحسنةَ قبيحةً؛ فإن خفة جنازة سعد رضي الله تعالى عنه إنما كانت لكرامته، فزعموا أنها كانت بخلاف ذلك، وأنها عقوبة له على حكمه في بني قريظة مع أنه موافق في حكمه الله تعالى. وأين نظر هؤلاء من نظر النبي ﷺ ، وأصحابه الكرام ﵃ الذين

стр. 445

منهم حسان بن ثابت -رضي الله تعالى عنه، القائل - يبكي سعداً، ويرثيه رضي الله تعالى عنهما: [من الطويل] لَقَدْ سَمَحَتْ مِنْ فَيْضِ عَيْنيَ عَبْرَةٌ ... وَحُق لِعَيْنيْ أَنْ تَفِيْضَ عَلَىْ سَعْدِ قَتِيْلٌ ثَوَىْ فِيْ مَعْرَكٍ فُجِعَتْ بِهِ ... عُيُوْنٌ درارِيْ الذَمْعِ دائِمَةُ الْوَجْدِ عَلَىْ مِلةِ الرَّحْمَنِ وارِثُ جَنَةٍ ... مَعَ الشُهَداءِ وَفْدُهُمْ أَكْرَمُ الْوَفْدِ فَإِنْ تَكُ قَدْ وَدَعْتَنا وَتَرَكْتَنا ... وَأَمْسَيْتَ فِيْ غَبْراءَ مُظْلِمَةِ اللَّحْدِ فَأَنْتَ الَّذِيْ يا سَعْدُ أُبْتَ لِمَشْهَدٍ ... كَرِيْمٍ وَأَبْوَابِ الْمَكارِمِ وَالْمَجْدِ بِحُكْمِكَ فِيْ حُييِّ قُرَيْظَةَ بِالَّذِيْ ... قَضَىْ اللهُ فِيْهِمْ ما قَضَيْتَ عَلَىْ عَمْدِ فَوافَقَ حُكْمَ الله حُكْمُكَ فِيْهِمُ ... وَلَمْ تَعْفُ إِذْ ذَكَّرْتَ ما كانَ مِنْ عَهْدِ فَإِنْ كانَ ريبُ الدَّهْرِ أَقْصاكَ فِيْ الأُلَىْ ... شَرَوْا هَذِهِ الدُّنْيا بِجَنَاتِها الْخُلْدِ

стр. 446

فَنِعْمَ مَصيْرُ الصَّادِقِيْنَ إِذا دُعُوْا ... إِلَىْ اللهِ يَوْماً لِلْوَجاهَةِ وَالْقَصْدِ (١) - ومن شهود الملائكة لجنائز الصَّالحين: ما رواه الطَّبراني في "الكبير"، وأبو نعيم في "معرفة الصَّحابة" رضي الله تعالى عنهم، عن سهم ابن حبيش - وكان ممن شهد قتل عثمان ﵁ قال: فلما أمسينا قلت: لئن تركتم صاحبكم حتى يصبح مثلوا به، فانطلقوا به إلى بَقيع الغَرقد، فأمكنا له من جوف الليل، ثم حملناه، وغشينا سواد من خلفنا، فهبناهم حتى كدنا أن نتفرق عنه، ومنادٍ: لا روع عليكم اثبتوا؛ فإنَّا جئنا لنشهده معكم. وكان ابن حبيش يقول: هم -والله- الملائكةُ ﵈ (٢). ومن ذلك ما رواه أبو الحسن بن جَهْضَم، ونقله عنه الإِمام عبد الحق الإشبيلي في كتاب "العاقبة" عن أبي بكر المصري من شهود الملائكة لجنازة ذي النون المصري، ولجنازة أبي إبراهيم المزني رحمهما الله في صُور طيرٍ خُضْر (٣). قلت: وكذلك شاهد غَيْرُ واحد طيراً خضراً ترفرف حول جنازة شيخ الإِسلام الوالد حول نعشه، وقد خفَّ نعشُه على حامليه حتى كاد

стр. 447

يطير، وقد ذكرت ذلك في كتاب ترجمة الوالد المسمى: "بلغة الواحد" بأبسط من ذلك. وقلت ملمًا بالقصة: [من الطويل] وَلَمْ أَرَ يَوْمًا فَوْقَ نَعْشٍ يُرَفْرِفُ ... طُيُوْر مِنَ الأَمْلاكِ تَحْنُوْ وَتَعْطِفُ كَما قَدْ رَأَيْنا فِيْ جَنازَةِ مَنْ بَكَتْ ... عَلَيْهِ قُلُوْبُ الْخَلْقِ تَذْكُوْ وَتَنْطِفُ أَبِيْ الْبَرَكاتِ الْعامِرِيِّ وَمَنْ بِهِ ... مَقادِيْرُنا تَسْمُوْ السِّماكَ وَتُشْرِفُ وَذَلِكَ أَمْرٌ شاهَدَتْهُ جَماعَة ... وَرُبَّ فَتَىً غَيْرِيَ بِذَلِكَ أَعْرَفُ وَقَدْ خَفَّ فِيْهِمْ نَعْشُهُ وَكَأنَّهُ ... يَطِيْرُ وَأَجْسادُ الْمُحِبِّيْنَ تَلْطُفُ * تنبِيْهٌ: إنما قيدنا هذه الخصلة من خصال الملائكة ﵈؛ أعني: شهود الجنائز، بجنائز الصالحين لأنها محل الاقتداء بالملائكة، والتشبه بهم في حضورها، وإلا فإن الملائكة ورد أنهم يحضرون جنائز الكفار أيضًا، كما في الحديث الذي رواه عبد الله ابن الإِمام أحمد، والطحاوي

стр. 448

عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا مَرَتْ بِكُمْ جَنازَةٌ فَإِنْ كانَ مُسْلِمًا، أَوْ يَهُودِيًّا، أَوْ نَصْرانِيًّا فَقُوْمُوْا لَها؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ نقُوْمُ لَها، وَلَكِنْ نَقُوْمُ لِمَنْ مَعَها مِنَ الْمَلائِكَةِ ﵈" (١). في هذا الحديث إشارة إلى أن الملائكة تحضر جنائز الكفار كما تحضر جنائز المسلمين، وكأن جنائز المسلمين تحضرها ملائكة الرَّحمة، وجنائز الكفار تحضرها ملائكة العذاب. ويدل على هذا حديث أبي سعيد الخُدري، عن النبي ﷺ -قال: "إِنَّ رَجُلاً قتَلَ تِسْعَة وَيسْعِيْنَ نَفْساً، ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ التَّوْبَةُ، فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَىْ راهِبٍ، فَأَتاهُ، فَقالَ: إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتسْعِيْنَ نَفْساً، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقالَ: لا، فَقَتَلَهُ، فَكَمَّلَ بِهِ مِئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ، فَدُلَّ عَلَىْ رَجُلٍ عالِمٍ، فَقالَ لَهُ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ، فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فَقالَ: نَعَمْ، وَمَنْ يَحُوْلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلَىْ أَرْضِ كَذا وَكَذا؟ فَإِنَّ بِها ناساً يَعْبُدُوْنَ اللهَ، فَاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، وَلا تَرْجِعْ إِلَىْ أَرْضِكِ؛ فَإِنَّها أَرْضُ سُوءٍ، فَانْطَلَقَ حَتَّىْ إِذا انْتَصَفَ الطَّرِيْقُ فَأَتاهُ الْمَوْتُ، فَاخْتَصَمَتْ فِيْهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلائِكَةُ الْعَذابِ، فَقالَتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جاءَ تائِباً مُقْبِلاً، وَقالَتْ مَلائِكَةُ الْعَذابِ: إِنَّه لَمْ يَعْمَلْ خَيْراً قَطُّ، فَأَتاهُمْ ملك فِيْ صُوْرَةِ آدمِيٍّ، فَجَعَلُوْهُ بَيْنَهُمْ، فَقالَ: قِيْسُوْا ما بَيْنَ الأَرْضَيْنِ، قالَ: أيُّتُها

стр. 449

كانَ أَدْنى فَهُوَ لَهُ، فَقاسُوْهُ، فَوَجَدُوْهُ أَدنى إِلَىْ الأَرْضِ الَّتِيْ أَرادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحْمَة". أخرجه الإِمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه (١). فالملائكة التي تحضر جنازة الكافر والفاسق الذي مات مُصِرًّا هم ملائكة العذاب. وذكر الحافظ عبد العظيم المنذري في حديث عمار رضي الله تعالى عنه الذي أخرجه أبو داود، وغيره: "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لا تَحْضُرُ جَنازَةَ الْكافِرِ بِخَيْرٍ، وَلا الْمُتَضَمِّخِ بِالزعْفَرانِ، وَلا الْجُنُبِ" (٢): أن المراد بالملائكة هنا هم الَّذين يتنزلون بالرَّحمة، والبركة دون الْحَفَظَةِ؛ فإنهم لا يفارقون على حال من الأحوال (٣). ا. هـ. وأما شهود المسلم لجنازة الكافر فلا فائدة فيه للميت؛ فإنه خالد في النَّار، ولا للحي؛ إذ لا ثواب له في ذلك، بل هو مكروه. إلا أنه لا بأس باتباع المسلم جنازة قريبه الكافر. قال الأذرعي: و [لا] يبعد إلحاق الزوجة والمملوك بالقريب. قال: وفي الجار نظر (٤).

стр. 450

وفي اتباع المسلم جنازة المسلم الفاسق مع الثواب نفع الميت بالدُّعاء، وغيره. ٥٧ - ومن خصال الملائكة ﵈: المشي في الجنائز، والامتناع من الركوب فيها: روى الترمذيُّ، وابن ماجه، وصححه الحاكم، عن ثوبان ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في جنازةٍ، فرأى ناسًا ركبانًا، فقال: "أَلا تَسْتَحْيُوْنَ؟ إِنَّ مَلائِكَةَ اللهِ عَلَىْ أَقْدامِهِمْ، وَأَنْتُمْ عَلَىْ ظُهُوْرِ الدَّوابِّ؟ ! " (١). وروى أبو داود من حديثه أيضًا: أنَّ رسول الله ﷺ أُتِيَ بدابة وهو مع الجنازة، فأبى أن يركبها، فلمَّا انصرف أُتِيَ بدابة، فركب، فقيل له، فقال: "إِنَّ الْمَلائِكَةَ كانَتْ تَمْشِيْ فَلَمْ أكُنْ لأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُوْنَ، فَلَمَّا ذَهَبُوْا رَكِبْتُ" (٢). وفي هذا الحديث إشارة إلى أنَّ كراهة الرُّكوب إنَّما هو في تشييع الجنازة وكذلك هو في مذهب الشّافعيِّ رضي الله تعالى عنه، إلا لعذرٍ. ولا يكره الرُّكوب في الرُّجوع منها لهذا الحديث، وعليه حمل

стр. 451

حديث جابر بن سمُرة رضي الله تعالى عنه في "صحيح مسلم"، و"سنن أبي داود"، و"الترمذي"، قال: كنَّا مع النبي ﷺ في جنازة أبي الدَّحداح وهو على فرس له يسعى، ونحن حوله، وهو يتوقَّص به (١). بدليل رواية مسلم، وأبي داود، والنسائي عن جابر بن سمُرة أيضًا: أن النبي ﷺ اتبع جنازة أبي الدَّحداح ماشيًا، ورجع على فرس (٢). * فَائِدةٌ: روى الديلمي عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الْمَلائِكَةُ يَمْشُوْنَ مَعَ الْجَنازَةِ يَقُوْلُوْنَ: سُبْحانَ مَنْ تَعَزَّزَ بِالْقدْرَةِ، وَقَهَرَ الْعِبادَ بِالْمَوْتِ" (٣). ٥٨ - ومنها: المشي أمام الجنازة: روى أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن عم ﵄: أنَّ أباه أوصاه: إن أنت حملتني على السرير فامش مشيًا بين المشيين، وكن خلف الجنازة؛ فإن مقدمها للملائكة، وخلفها لبني آدم (٤). يستفاد من هذا الأثر: أن الملائكة ﵈ تمشي أمام

стр. 452

الجنازة، وأن الإنسان ينبغي أن يُخلي أمامها لهم، وبذلك أخذ أبو حنيفة ﵁، فقال: إن المشي خلف الجنازة أفضل (١). ولا شك أن المشي أمام الجنازة فيه مخالطة للملائكة، وتشبه بهم، ولا زحمة تحصل للملائكة بذلك لأنهم أرواح لطيفة، فالأَولى أن يكون المشي أمام الجنازة أفضل، وإن كان في المشي خلفها فضل أيضًا، وإلى هذا ذهب أكثر الصَّحابة والتابعين، وهو مذهب مالك، والشَّافعي، وأحمد ﵃؛ لقول ابن عمر ﵄: رأيت النبي ﷺ وأبا بكر وعمر يمشون أمام الجنازة. رواه أصحاب السُّنن (٢). وروى الترمذي، وابن ماجه، عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ -كان يمشي أمام الجنازة وأبو بكر وعمر وعثمان رضي الله تعالى عنهم (٣). وروى ابن أبي شيبة بسند صحيح، عن أبي صالح قال: كان أصحاب محمد ﷺ يمشون أمام الجنازة (٤).

стр. 453

وروى البيهقي عن زياد بن قيس الأشعريِّ قال: أتيت المدينة، فرأيت أصحاب النبي ﷺ يمشون أمام الجنازة (١). قلت: في وصية عمر لابنه أن يمشي خلف سريره إشارة لِمَا النَّاس عليه اليوم من مشي أقارب الجنازة خلفها، وتقديم النَّاس أمامها؛ فإن عمر أوصى ابنه أن يمشي خلفه، ولم يامر أن يمشي سائر النَّاس خلفه. ٥٩ - ومنها: الفكر في حال الميت، وما قدَّم من الأعمال، لا فيما ترك من الأهل والأموال . روى الحافظ أبو الفرج بن الجوزي في "صفة الصَّفوة" عن سُويد ابن غَفَلَة قال: إنَّ الملائكة تمشي أمام الجنازة، وتقول: ما قدم؟ ويقول الناس: ما أخر؟ (٢). وروى البيهقي في "شعب الإيمان" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا ماتَ الْمَيتُ تَقُوْلُ الْمَلائِكَةُ: ما قَدَّمَ؟ وَتَقُوْلُ النَّاسُ: ما خَلَّفَ؟ " (٣). ٦٠ - ومنها: زيارة قبور الصالحين، والأبرار: روى ابن عدي في "الكامل" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ زارَ قَبْرَ أَبَوَيْهِ، أَوْ أَحَدِهِما احْتِسابًا كانَ كَعَدْلِ

стр. 454

حَجَّةٍ مَبْرُوْرَة، وَمَنْ كانَ زَوَّاراً لَهُما زارَتِ الْمَلائِكَةُ قَبْرَهُ" (١). وروى أبو نعيم عن عليٍّ رضي الله تعالى عنه: أنَّ النبي ﷺ قال: "يا عَلِيُّ! تَعَلَّمِ الْقُرْآنَ، وَعَلِّمْهُ النَّاسَ؛ فَلَكَ بِكُلِّ حَرْفٍ عَشْرُ حَسَناتٍ؛ فَإِنْ مِتَّ مِتَّ شَهِيْداً، يا عَلِيُّ! تَعَلَّمِ الْقُرْآنَ، وَعَلِّمْهُ النَّاسَ؛ فَإِنْ مِتَّ حَجَّتِ الْمَلائِكَةُ إِلَىْ قَبْرِكَ كَما يَحُجُّ النَّاسُ إِلَىْ الْبَيْتِ الْعَتِيْقِ" (٢). ٦١ - ومنها: الدُّعاء بالمأثور عند رؤية الهلال: روى عبد الرَّزَّاق، عن ابن جريج، عن عطاء قال: بينما رجل يسير في فَلاَة من الأرض إذ هلَّ هلال، فجعل ينظر إليه، فسمع قائلًا يقول - ولا يراه -: اللهم أهلَّه علينا بالأمن والإيمان، والسَّلامة والإسلام، والهدى والمغفرة، والتوفيق لما ترضى، والحفظ مما تسخط، ربي وربُّكَ الله؛ فلم يزل يرددها حتى حفظها الرَّجل (٣). وأخرجه ابن أبي الدُّنيا في "الهواتف" بنحوه (٤). ٦٢ - ومنها: الصيام، والإمساك عن الطَّعام والشراب، وعن سائر الشهوات ، بل هذه الحالة لازمة للملائكة ﵈؛

стр. 455

فإنهم يَقْتَاتون بالذِّكر، والتسبيح. قال جعفر الصادق رحمه الله تعالى: الصيام فيه تشبه بالملائكة ﵈؛ لأنهم لا يأكلون ولا يشربون، يسبحون الليل والنهار، لا يَفْتُرُوْنَ. وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ﴾ [هود: ٦٩، ٧٠]. قال القاضي ناصر الدين البيضاوي رحمه الله تعالى في "تفسيره": إنا ملائكة مرسلة إليهم، وإنما لم نمد أيدينا إليه لأنا لا نأكل (١). ٦٣ - ومنها: الاقتيات بالذكر: وهو أبلغ من الصيام، وهو حال الصمدانيين الذين كانوا يطوون الأربعينيات، وأكثر منها، ودونها بحيث يكون خارقًا للعادة، فيكتفون بالذكر، والفكر عن الطعام، والشراب. وقد قيل: [من البسيط] لها مَنَاهل مِنْ ذكراكَ تَشْغَلُها ... عن الشَّرابِ وتُلْهيها عن الزَّادِ ومن هذا القبيل ما ذكره أبو طالب المكي في "القوت"، وأبو حامد

стр. 456

الغزالي في "الإحياء": عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه: أنه كان يطوي ستة أيام، وعن عبد الله بن الزُّبير رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يطوي سبعة أيام، وعن الثوري، وابن أدهم: أنهما كانا يطويان ثلاثة أيام، وعن محمد بن عمر العوفي، وعبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيْم، وإبراهيم التَّيمي، وحجَّاج بن قرافصة، وحفص العابد المصِّيصي، والمستلم بن سعيد، وزهير الباني، وسليمان الخَوَّاص، وسهل بن عبد الله، وإبراهيم بن أحمد الخواص: أن طَيَّهم وصل إلى ثلاثين يومًا (١). وعن بعض هذه الطائفة: أنه وقف على راهب، فذاكره بحاله، وطمع في إسلامه، وترك ما هو عليه من الغرور، وكلمه في ذلك بكلام كثير إلى أن قال له الراهب: إن المسيح ﵇ كان يطوي أربعين، وإنه معجزة لا تكون إلا لنبي صادق، قال له الصوفي: فإن طويت خمسين يومًا تترك ما أنت عليه، وتدخل في دين الإسلام، وتعلم أنه حق، وأنك على باطل؟ قال: نعم، فقعد لا يبرح إلا حيث يراه، فطوى خمسين يوماً، فقال: أزيدك أيضاً؟ فطوى إلى تمام الستين، فعجب الراهب منه، وقال: ما كنت أظن أن أحداً يجاوز المسيح، وكان ذلك سبب إسلامه (٢). وقال أبو عثمان المغربي رحمه الله تعالى: الرباني يأكل مرة في

стр. 457

أربعين يومًا، والصمداني في ثمانين يومًا (١). ومن أعجب ما في هذا الباب ما روي عن سهل بن عبد الله: أنه اقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنوات (٢). وعن الشيخ محي الدين بن العربي: أنه اقتات من أول المحرم إلى عيد الفطر بلوزة واحدة. وذلك كله من باب خرق العادة، والالتحاق بالملائكة ﵈ في هذا الْخُلُقِ الشريف، وهو محمول على الاقتيات بالذكر. وعن بعض العلماء العاملين أنه قال: إني لأقتات بوردي من الذكر كما أقتات بالطَّعام والشَّراب. وقد قلت في المعنى: [من السريع] ذِكْرُكَ لِيْ قُوْتٌ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ... قُوْتا فَقَدْ فاتَ بِهِ الْفَوْتُ وَأَنْتَ لِيْ رُوْحٌ وَمَنْ يَنْفَصِلْ ... عَنْ رُوْحِهِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ وقال الشيخ العارف بالله شهاب الدين السُّهروردي في "عوارف المعارف": قيل لسهل بن عبد الله: هذا الذي يأكل في كل أربعين، وأكثر

стр. 458

مرةً (١)؛ أين يذهب لهب الجوع عنه؟ قال: يطفئه النور. قال: وقد سألت بعض الصالحين عن ذلك، فذكر لي كلامًا بعبارة دلت على أنه يجد فرحاً بربه ينطفئ معه لهب الجوع. قال: وهذا واقع في الخلق أن الشخص يطرقه فرح - وقد كان جائعاً - فيذهب عنه الجوع، وهكذا في طَرق الخوف يقع ذلك (٢). انتهى. فإن قيل: قد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن الوصال في الصوم، فقيل له: إنك تواصل، فقال: "لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ؛ إِنَّ اللهَ يُطْعِمُنِيْ، وَيَسْقِيْنِي" (٣)، فهذا يخالفه ما تقدم؟ فالجواب: أن هذا النهي إنما هو في مقام الدَّعوة العامة، والتشريع لكافة الناس، ولئلا يتخذ الوِصال سنة جارية يتعاطاه القادر عليه والضعيف عنه، فيحتاج إلى التكلف، فأما من كان يقتات بالذكر بحيث يستغني عن الطَّعام والشَّراب فقد يقال في حقه بإباحة الوصال له خاصة (٤). وعلى ذلك يخرج أحوال من أسلفنا ذكرهم من السَّلف رضوان الله عليهم أجمعين.

стр. 459

وقد حكى القاضي عِياض رحمه الله تعالى عن ابن وهب، وإسحاق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى: أنهم أجازوا الوصال (١). وحكى ابن حزم أن ابن وَضَّاح من المالكية كان يواصل أربعة أيام (٢). وأطلق أكثر الشافعية العبارة بكراهية الوصال، واختلفوا هل هي كراهة تنزيه، أو تحريم على وجهين؛ أصحهما الثاني (٣)، وهو ظاهر كلام الشَّافعيِّ رضي الله تعالى عنه؛ فإنه قال بعد أن ذكر حديث النهي عن الوصال: وفرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له، وحظرها عليهم (٤). وكذلك مذهب أبي حنيفة، ومالك ﵄ (٥).

стр. 460

وقال الحافظ زين العراقي في "شرح الترمذي": وأصرح ما يستدل به على عدم تحريم الوصال: ما رواه أبو داود بإسناد صحيح، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة، والمواصلة، ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه، فقيل له: يا رسول الله! إنك تواصل إلى السحر؟ فقال: "إِنِّي أُواصِلُ إِلَىْ السَّحَرِ وَرَبِّي يُطْعِمُنِيْ، وَيَسْقِيْنِيْ" (١)، انتهى (٢). قلت: وهنا أصل أصيل، وهو أن إدخال الطعام والشراب في الجوف إنما هو في الأصل مباح، وإنما يندب تعاطيه، أو يلزم إذا احتاج إليه الإنسان من حيث إنه يتقوت به، ويتحفظ به على حياته، فإذا أخذ الإنسان منه حاجته وكفايته لم يحسن في حقه أن يتناول زيادة عنها، بل إذا شبع منه حرم الزيادة عليه حذراً من الهلاك الذي من حذره ألجئ إلى استعمال الطعام والشراب إذا احتاج إليه، فإذا كان في عباد الله من
следующие страницы →