← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

وقد روى التِّرمذي وصححه، وابن خزيمة، وابن حبَّان في "صحيحيهما"، والحاكم وصحَّحه على شرط الشَّيخين، عن الحارث الأشعري رضي الله تعالى عنه، وليس له في الكتب الستة غير هذا الحديث: أن النَّبي ﷺ قال: "أُمِرَ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِماتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِها، وَأَنْ يَأْمُرَ بَنيْ إِسْرائِيْلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِها، وَإِنَّهُ كَادَ أَنْ يُبْطِئَ بِها. قَالَ عِيْسَى ﵇: إِنَّ الله تَعالَى أَمَرَكَ بِخَمْسِ كَلِماتٍ لِتَعْمَلَ بِها، وَتأمُرَ بَنِي إِسْرائِيْلَ أَنْ يَعْمَلُوا بِها، فَإِمَّا أَنْ تأمُرَهُمْ وإِمَّا أَنْ آمُرَهُمْ، فَقالَ يَحْيَى ﵇: أَخْشَى إِنْ سبقْتَنِي بِها أَنْ يُخْسَفَ بِي أَوْ أُعَذَّبَ، فَجَمَعَ النّاسَ في بَيْتِ المَقْدِسِ فامْتَلأَ، وَقَعَدُوا عَلَى الشُّرَفِ، فَقالَ: إِنَّ الله تَعالَى أَمَرَنِي بِخَمْسِ كَلِماتٍ أَنْ أَعْمَلَ بِهِنَّ وَآمُرَكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهِنَّ: أَوَّلُهُنَّ: أَنْ تَعْبُدُوا الله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً، وَإِنَّ مَثَلَ مَنْ أَشْرَكَ بِاللهِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا مِنْ خالِصِ مالِهِ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ فَقالَ: هَذهِ دَارِي وَهذَا عَمَلِي، فاعْمَلْ وَأَدّ إليَّ، وَكانَ يَعْمَلُ وُيؤَدِّي إلَى غَيْرِ سَيّدهِ، فأيَّكُمْ يَرْضَى أَنْ يَكُونَ عَبْدُهُ كَذَلِكَ. وَإِنَّ الله تَعالَى أَمَرَكُمْ بِالصَّلاةِ، فَإِذا صَلَّيْتُم فَلا تَلْتَفِتُوا؛ فَإِن الله يَنْصِبُ وَجْهَهُ لِوَجْهِ عَبْدِهِ فِي صَلاتِهِ ما لَمْ يَلْتَفِتْ. وَآمُرُكُمْ بِالصِّيامِ؛ فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ في عِصابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيْها مِسْكٌ، وَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ ريحُهَا، وَإِنَّ رِيْحَ الصِّيامِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيْحِ المِسْكِ.

стр. 3957

وَآمُرُكُمْ بالصدقَةِ؛ فَإنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُل أَسَرَهُ العَدُوُّ فَأَوْثَقُوا يَدَهُ إلَى عُنُقِهِ، وَقَدَّمُوهُ لِيَضْرِبُوا عُنُقَهُ فَقالَ: أَنا أفْدِي نفسِي مِنْكُم بِالْقَلِيْلِ والكَثِيْرِ، فَفَدَى نفسَهُ مِنْهُمْ. وَآمُرُكُمْ أَنْ تَذْكُرُوا الله؛ فَإِن مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ خَرَجَ العَدُوُّ في أثَرهِ سِراعاً حَتى أتَى عَلَى حِضنٍ حَصِيْنٍ فأحْرَزَ نفسَهُ مِنْهُمْ، كَذَلِكَ العَبْدُ لا يُحْرِزُ نَفْسَهُ مِنَ الشَّيْطانِ إلا بِذِكْرِ الله تَعالَى. قال رسول الله ﷺ : "وَأَنا آمُرُكُمْ بِخَمْسٍ أَمَرَني اللهُ تَعالَى بِهِنَّ: السَّمْعُ والطّاعَةُ، والجهادُ، والهِجْرَةُ، والحجُّ، والجَماعَةُ؛ فَإِنَّ مَنْ فارَقَ الجَماعَةَ قِيْدَ شِبْرٍ فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الإِسْلامِ مِنْ عُنُقِهِ إِلَّا أَنْ يُراجِعَ، وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى الجاهِلِيَّةِ فَأنَّهُ مِنْ جُثاءِ جَهَنَّمَ". فقال رجل: يا رسول الله! وإن صلَّى وصام؟ فقال: "وَإِنْ صَلَّى وَصامَ؛ فادْعُوا بِدَعْوَى الله الَّذِي سَمَّاكُمُ المُسْلِمِيْنَ المُؤْمِنيْنَ عِبادَ اللهِ" (١). وقد ذكرت هذا الحديث بتمامه لكثرة فوائده (٢).

стр. 3958

٦١ - ومن أعمال أهل الكتاب: عدم إتمام الرُّكوع والسُّجود في الصَّلاة . والطمأنينة فيهما ركن عند الشافعي والأكثرين (١). وقد كان أهل الكتاب يسجدون في الصلاة، وأمَّا الرُّكوع فقال جماعة: إنه من خصوصيات هذه الأمة، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] أن المراد بالرُّكوع هنا خفض الرَّأس فقط من غير انحناء، أو كانوا يركعون بعد السُّجود، ولذلك آخره في الآية. وعليه: فالخصوصية في تقديم الرُّكوع عن السُّجود. وقيل: آخره لأجل تأكيده لأنهم ما كانوا يهتمون به اهتمامهم بالسُّجود، أو كده تحريضاً لها على مخالفة اليهود؛ فإنهم كانوا لا يرفعون فَأُمِرتْ به مخالفة لليهود. أو خصَّت به من عبادة هذه الأمة دون قومه كما خص موسى وهارون ﵉ بأن يدعو موسى ويؤمِّن هارون دون سائر بني إسرائيل. أو لأنه يُقال: ركع إذا صلَّى، ومن ثمَّ فسَّر ابن عباس ﴿وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣]: صلِّي مع المصلين، مع قُرَّاء بيت المقدس. كما رواه ابن عساكر (٢).

стр. 3959

وقرأ ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: ﴿واركعي واسجدي في السَّاجدين﴾ كما أخرجه أبو داود في "المصاحف" (١). وهو مما يشير إلى أنَّ معنى اركعي: صلِّي، أو هو على ترتيب الرُّكوع والسُّجود كما في هذه الأمة. وبالجملة: فإن من لا يتم الركوع والسجود متشبه بأهل الكتاب في الجملة. وقد روى الطبراني في "الكبير"، وأبو يعلى بإسناد حسن، وابن خزيمة في "صحيحه" عن أبي صالح، عن أبي عبد الله الأشعري رحمهما الله تعالى: أَنَّ رسول اللهِ ﷺ رأى رجلًا لا يتمُّ ركوعهُ وينقرُ في سجودهِ فقال رسول اللهِ ﷺ : "لَوْ ماتَ هَذَا عَلَى حالِهِ هَذ ماتَ عَلَى غَيْرِ مِلَّةِ محمَّدٍ ﷺ ". [ثمَّ] (٢) قال رسول الله ﷺ : "مَثَلُ الَّذِي لا يُتِمُّ رُكُوْعَهُ وَيَنْقُرُ في سُجُودِهِ مَثَلُ الجَائِعِ يَأكُلُ التَّمْرَةَ والتَّمْرَتَيْنِ لا يُغْنِيانِ عَنْهُ شَيْئًا". قال أبو صالح: قلت لأبي عبد الله: من حدَّث بهذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: أمراء الأجناد: عمرو بن العاص، وخالد بن الوليد، وشُرحبيل بن حسنة؛ سمعوه من النَّبي ﷺ (٣).

стр. 3960

وروى الطبراني - ورواته ثقات - عن بلال رضي الله تعالى عنه: أنه أبصر رجلًا لا يتم الركوع ولا السجود، فقال: لو مات هذا لمات على غير ملة محمد ﷺ (١). وروى الإمام أحمد، والأربعة - وصححه التِّرمذي - وابن خزيمة، وابن حبَّان، والدّارقطني، والبيهقيّ عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُجْزِئُ صَلاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيْمَ ظَهْرَهُ في الرُّكُوعِ والسُّجُودِ" (٢). ٦٢ - ومن أخلاق أهل الكتاب: ترك الصَّف في الصلاة . ومن خصائص هذه الأمة صفوفهم في الصَّلاة، وتساويهم فيها. روى الطَّبراني في "الأوسط" بإسناد حسن، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ رسول الله ﷺ ذكرت عنده اليهود فقال: "إِنَّ اليَهُودَ قَدْ سَئِمُوا دِيْنَهُمْ، وَهُمْ قَوْمٌ حُسَّدٌ، وَلَمْ يَحْسُدُوا المُسْلِمِيْنَ عَلَى أَفْضَلِ مِنْ ثَلاثٍ: رَدِّ السَّلامِ، وإِقامَةِ الصُّفُوفِ، وَقَولهِمْ خَلْفَ إِمامِهِمْ في المَكْتُوبَةِ: آمِيْنَ" (٣).

стр. 3961

وروى ابن خزيمة في "صحيحه" عن أنس ﵁ قال: كنا مع النَّبي ﷺ جلوساً فقال: "إِن الله تَعالَى أَعْطَانِي خِصَالًا ثَلاثا: أَعْطانِي صَلاةً في الصُّفُوفِ، وَأَعْطانِي التَّحِيَّةَ إِنَّها لتحِيَّةُ أَهْلِ الجَنَةِ، وَأَعطانِي التَّأمِيْنَ وَلَمْ يُعْطِهِ أَحَدًا مِنَ النَّبِيِّينَ إِلا أَنْ يَكُونَ اللهُ أَعْطَى هارُونَ يَدْعُو مُوسَى وُيؤَمِّنُ هارُونُ" (١). وروى أبو نعيم في "الدلائل"، وغيره عن كعب الأحبار: أن من صفة هذه الأمة في كتاب الله -يعني: التوراة -: يصفون في الصلاة كصفوف الملائكة، ويصفون في القتال كصفوفهم في الملائكة (٢). ٦٣ - ومن أعمال اليهود: اشتمال الصَّمَّاء في الصلاة . روى الحاكم وصححه، والبيهقيّ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا صَلى أَحَدُكُمْ في ثَوْبٍ واحِدٍ فَلْيَشُدَّهُ عَلَى حِقْوِهِ، وَلا يَشْتَمِلْ كاشْتِمالِ اليَهُودِ" (٣).

стр. 3962

قال الخطابي: اشتمال اليهود أن يجلل بدنه بالثوب، ويسدُل من غير أن يشيل طرفه. قال: وأما اشتمال الصمَّاء هو أن يجلل بدنه بالثوب، ثمَّ يرفع طرفه على عاتقيه من أحد جانبيه، فيبدو منه فرجه. قال: وقد جاء هذا التفسير في الحديث، وفسر الأصمعي الصمَّاء بالأول (١). وقال البغوي في "شرح السنَّة": وقد روي أن النَّبي ﷺ نهى عن الصمّاء اشتمال اليهود، فجعلهما شيئًا واحدًا (٢). وروى ابن أبي شيبة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لو لم أجد إلا ثوباً واحدًا كنت أتزر به أحبُّ إليَّ من أن أتوشح به توشيح اليهود (٣). ومتى توشح بالثوب، وخالف بين طرفيه، وستر عورته لم يكره، وعليه حمل حديث جابر رضي الله تعالى عنه: رأيت النَّبي ﷺ يصلي في ثوب واحد متوشحاً به. رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح (٤).

стр. 3963

٦٤ - ومنها: الصَّلاة في السراويل مجردًا عن غيره من الثياب . وهو خلاف الأولى للرجل، أو مكروه - وإن كانت صلاته صحيحة - بخلاف المرأة، فلا تصح لها فيه مجردًا صلاة حيث أمكنها الستر. وقد روى الخطيب عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النَّبي ﷺ نهى عن الصَّلاة في السَّراويل (١). وروى الإمام أحمد بإسناد حسن، والطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه: أنَّه قيل للنَّبي ﷺ : إن أهل الكتاب يتسرولون ولا يأتزرون. فقال النبي ﷺ : "تَسَرْوَلُوا واتَّزِرُوا، وَخالِفُوا أَهْلَ الكِتابِ". فقيل: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يتخففون ولا ينتعلون. فقال ﷺ : "تَخَفَّفُوا وانتعِلُوا، وَخالِفُوا أَهْلَ الكِتابِ". فقيل: يا رسول الله! إن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفرون سبالهم. فقال: "قُصُّوا سِبالَكُم وَوَفِّرُوا عَثانِينَكُمْ، وَخالِفُوا أَهْلَ الكِتابِ" (٢). وهذا الحديث فيه إشارة إلى أن من أعمال أهل الكتاب المشي

стр. 3964

بالخف مجردًا عن النعل حيث يمشي بالنعل. ومنه: المشي بالخف الملصق بالنعل، ويقال له: الجكمة، أو: الجزمة؛ يلبسه كثير من الناس في الأسفار، فربما أدى بهم إلى بطلان الصلاة أو تركها، وينبغي للمسلم أن يحذر من ذلك ما يؤدي إلى ما ذكرناه. وكذلك من أعمالهم: لبس السراويل مجردًا عن شيء يستر سائر البدن - سواء كان في الصلاة، أو غيرها -. وقد تقدم أن القميص فوق السراويل من لباس الأنبياء عليهم الصلاة السلام. وأول من اتَّخذ السَّراويل إبراهيم ﵇. قال واصل مولى [ابن] عيينة: أوحى الله تعالى إلى إبراهيم ﵇: إنك أكرم أهل الأرض؛ فإذا سجدت فلا ير أهل الأرض عورتك؛ فاتَّخذَ السراويل. ذكره الثعلبي في "العرائس" (١). ومن ثمَّ لم يأمرهم النبي ﷺ بترك السراويل لأنه من لباس الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام وإن لبسه اليهود، لكن أمرهم أن يأتزروا فوقه؛ فإن السراويل إذا كان مجردًا عما يستره كان مثلة وتمثيلًا للعورة وإن سترها، فإذا ستر زال المعنى، وظهرت بذلك مخالفة أهل الكتاب. وكذلك كان الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام إذا لبسوا السراويل

стр. 3965

يلبسونه مستوراً بالقميص، وذلك أبلغ في الستر. ٦٥ - ومنها: السَّدل . وهو كما قال أبو عبيد، والشيخ أبو إسحاق في "المهذب": إلقاء طرفي الرداء من الجانبين من غير أن يضمه من جانبيه، وهو مكروه في الضَلاة وخارجاً عنها عند الشافعي رضي الله تعالى عنه، وجماعة من العلماء ﵃، إلا أن يكون للخيلاء فيحرم (١). ذكره التِّرمذي بعد أن روى حديث النهي عن السَّدل أنَّه من فعل اليهود (٢). وروى عبد الرازق، وأبو عبيد في "الغريب"، والبيهقيِّ عن علي رضي الله تعالى عنه: أنه رأى قوماً سادلين فقال: كأنهم اليهود خرجوا من فُهرهم. قيل لعبد الرازق: ما معنى: "من فُهرهم"؟ قال: من كنائسهم (٣). وهو: بضم الفاء وبالراء.

стр. 3966

قال في "القاموس": مدارس اليهود يجتمع إليه في عيدهم، وهو يوم يأكلون فيه ويشربون. وقال: أفهر: شهد عيد اليهود ومدارسهم (١). وظاهر كلامه أنه مفرد، ومفهوم كلام عبد الرَّزاق أنه جمع، إلَّا أن يكون أراد تفسير المعنى. وروى البزار، والطَّبراني في "الثَّلاثة"، والبيهقيّ عن أبي جحيفة رضي الله تعالى عنه قال: أبصر رسول الله ﷺ رجلًا يصلِّي وقد سدل ثوبه، فدنا منه رسول الله ﷺ ، فعطف عليه ثوبه (٢). ٦٦ - ومنها: لبس التَّاج . وهو الطيلسان المقوَّر. ويقال له المدوَّر لأنه مدور كالسفرة. ويقال له: الأخضر والأسود. وكذلك الطرحة السَّوداء، وهي الطَّيلسان المسدول من الجانبين لما علمت أن السدل من أعمال اليهود. وقد كان ذلك في دولة العباسيين فمن بعدهم إلى أواخر المئة

стр. 3967

التاسعة شعارًا لقاضي القضاة، وكان من البدع، ثمَّ إن الله تعالى كفى النَّاس اليوم مؤنة هذه البدعة فبطلت. روى مسلم عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "يَتْبَعُ الدَّجَّالَ مِنْ يَهُودِ أصْفَهانَ سَبْعُونَ أَلْفاً عَلَيْهِمُ الطَّيالِسَةُ" (١). وروى البخاريُّ عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنه نظر إلى النَّاس يوم الجمعة فرأى طيالسة، فقال: كأنهم السَّاعة يهود خيبر (٢). وأما القناع ويقال له: الطيلسان المحنَّك فإنَّه من السنة، وإياه كان يلبس من حكي عنهم من السلف؛ كعمر بن عبد العزيز، والحسن، وابن سيرين، وحميد بن هلال، ومكحول، ومسروق، وإبراهيم النخعي، وميمون بن مهران، وسعيد بن المسَّيب. وروى البيهقي في "الشعب" عن خالد بن خداش قال: جئت لمالك بن أنس رضي الله تعالى عنه فرأيت عليه طيلساناً، فقلت: يا أبا عبد الله! هذا شيء أحدثته أم رأيت عليه النَّاس؟ فقال: لا، بل شيء رأيت عليه الناس (٣). وروى وكيع في "الغرر" عن محمَّد بن زياد قال: خرج أبو نخيلة من البصرة، فلقيه ناس فقالوا: كيف تركت الناس بها؟

стр. 3968

فقال [من الرجز]: كُلُّهُمُ مُبْتَكِرٌ لِشَأْنِهِ ... قاعِمُ لَحْيَيْهِ بِطَيْلَسانِهِ وللحافظ السيوطي كتاب لطيف حافل في الطيلسان، ومنه انتقيت ما ذكرته هنا (١). * تنبِيْهٌ: أحدث الناس بعد الطرحة الشدود المسدولة على الكتفين للعلماء، ولبعض وجوه النَّاس حتى كانت كالشعار لهم. وقد أَدْرَكتُ النَّاسَ مكبين عليه حتى كانوا يعيبون على من لم يفعله، وكنت ربما وضعته في سن الشَّباب، فلما رأيت ما في السدل اتَّخذته طويلًا، ثمَّ كنت ألقي أحد طرفيه على الكتف لأسلم من السَّدل، ثمَّ رأيت تركه بالكلية لأني لم أكن ينشرح صدري له، فإن تركه أقرب إلى السُّنَّة؛ فإن التَّقنع المسنون لا يتم بمجرد وضع طرفه على الكتف، بل لا بد من وضع بعضه على الرأس، وهو أمر متروك في النَّاس بالكلية بحيث إن من فعله الآن أخذته ألسنتُهم.

стр. 3969

٦٧ - ومنها: التَّميل في الصلاة . ومتى كانت فيها ثلاث حركات متواليات بطلت، وكذلك تبطل بالوثبة الفاحشة. روى الحكيم الترمذي في "نوادره"، وابن عدي في "كامله"، وأبو نعيم في "حليته" عن القاسم بن محمَّد، عن أسماء بنت أبي بكر، عن أم رومان والدة عائشة رضي الله تعالى عنهم قالت: رآني أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه أتميل في صلاتي، فزجرني زجرة كدت أنصرف من صلاتي، ثمَّ قال: سمعت رسول الله ﷺ : "إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلاةِ فَلْيُسَكنْ أَطْرافَهُ، وَلا يَتَمَيَّلْ كَما يَتَميَّلُ اليَهُودُ؛ فَإِنَّ تَسْكِيْنَ الأَطْرافِ في الصَّلاةِ مِنْ تَمامِ الصَّلاة" (١). وقال أبو عمرو بن العلاء: إنما يسمى اليهود يهودًا وهودًا؛ لأنهم يتهوَّدون؛ أي: يتحركون عند قراءة التَّوراة، ويقولون: إن السَّماوات والأرض تحركت حين آتى الله تعالى موسى التَّوراة (٢). وعلى هذا: فالتميل عند قراءة القرآن، أو عند سماعه إذًا كان تصنعاً ورياءً، أو على سبيل العبث، فهو شبيه بتميل اليهود عند سماع التَّوراة. وإذا كان لغرض التفسح في نفس القارئ لو كان في قراءته أو

стр. 3970

سماعه متدبرًا لمعانيه، فأثر فيه التدبر هذه الحركة عن طرب، أو رغبة أو رهبة، فهذه حركة محمودة لا بأس بها. ٦٨ - ومنها: الاختصار في الصَّلاة . وهو وضع اليد على الخاصرة، وتقدم أنَّه من فعل الشَّيطان أيضًا. روى البيهقي في "الشعب" عن مسروق رحمه الله تعالى قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنه عن ذلك؛ يعني: وضع اليد على الخاصرة في الصلاة، فقالت: هذا فعل اليهود (١). وروى عبد الرَّزَّاق عنه، عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنها نهت أن يجعل الرجل أصابعه في خاصرته في الصَّلاة كما تصنع اليهود. وفي رواية: فإنَّه محشر اليهود (٢)؛ أي: إنهم يحشرون يوم القيامة ويد كل واحد منهم على خاصرته. ٦٩ - ومنها: قبض كف اليسرى أو رسغها باليد اليمنى من غير أن يقبض من الساعد شيئًا . فقد روى ابن أبي شيبة عن مجاهد رحمه الله تعالى: أن أهل الكتاب يفعلونه (٣). واعلم أن وضع اليد اليمنى على اليسرى سنة، بل روى ابن أبي

стр. 3971

شيبَة عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أخلاق النبيين وضع اليمنى على الشمال (١)؛ يعني: في الصلاة. وتقدَّم مرفوعاً. وروى ابن أبي شيبة عن الحسن رحمه الله تعالى - مرسلًا - قال: قال رسول الله ﷺ : "كأَني أنظُرُ إِلَى أَخبارِ بَني إِسْرائِيلَ واضِعِي أَيْمانِهمْ عَلَى شَمائِلِهِمْ في الصَّلاةِ" (٢). وفيه إيماء إلى أن غير الأحبار منهم كانوا يتركون هذا الأدب، أو أنه إنما كان مخصوصاً بالأحبار. ولمَّا كان هذا من فعل الأنبياء والصَّالحين تعين أن لا يترك العمل به؛ فاستحبه أبو حنيفة، والشَّافعي، وأحمد بن حنبل رضي الله تعالى عنهم. واختار مالك ﵁ إرسال اليدين، ولعله فرَّ من موافقة اليهود في أصل وضع اليمين على الشمال. وغيره من الأئمة نظروا إلى ما تقدَّم، ثمَّ تحرَّوا هيئة يخالفون فيها اليهود. ومذهبنا أن يقبض بكفه اليمنى كوع اليسرى -وهو العظم الذي على الإبهام - وبعض ساعدها، باسطاً أصابع اليمنى في عرض مفصل اليسرى، أو ناشرًا لها صوب الساعد.

стр. 3972

ثم محل وضع اليدين؛ قال الشَّافعي رحمه الله تعالى: تحت الصَّدر وفوق السُّرَّة. وقال أبو حنيفة رحمه الله تعالى: تحتها. وعن أحمد رحمه الله تعالى روايتان كالقولين، والثانية أرجح (١). ٧٠ - ومنها: تغميض العينين في الصَّلاة . والمستحب إدامة نظر المصلي إلى موضع سجوده. روى الدَّيلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُغْمِضُوا أَعْيُنكُمْ في السُّجُودِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ فِعْلِ اليَهُودِ" (٢). وروى عبد الرَّزاق عن مجاهد قال: يكره أن يغمض الرجل عينيه في الصَّلاة كما تغمض اليهود (٣). ٧١ - ومنها: السُّجود على طرف الجبين . ولا بد في السُّجود من مباشرة الجبهة أو بعضها مُصَلاهُ من غير حائل. قال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: إني لأعلم لم تسجد اليهود على حرف.

стр. 3973

قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]. قال: لتأخذن أمري، أو لأرمينكم به، فسجدوا وهم ينظرون إليه مخافة أن يسقط عليهم. رواه ابن أبي حاتم (١). وفي رواية: كانوا إذا نظروا إلى الجبل قالوا: سمعنا وأطعنا، وإذا نظروا إلى الكتاب قالوا: سمعنا وعصينا (٢). وقال عطاء: توعدهم الله تعالى بوقوع الجبل إن لم يقبلوا أحكام التَّوراة، وكانوا أَبَوْها لثقلها، فقبلوا بعد الزجر كل منهم ساجد على حاجبه الأيسر وهو ينظر بعينه اليُمنى إلى الجبل فَرَقاً من سقوطه، فلذلك ترى اليهود يسجدون على حاجبهم الأيسر، ويقولون: هي السجدة التي رفعت عنا بها العقوبة (٣). ٧٢ - ومنها: الاعتماد على اليد في جلوس الصلاة لغير ضرورة . روى عبد الرَّزاق عن ابن جريج رحمه الله تعالى قال: أخبرني إبراهيم بن ميسرة أنه سمع عمرو بن شريد رضي الله تعالى عنه (٤)،

стр. 3974

يخبر عن النَّبي ﷺ : أنه كان يقول في وضع الرَّجُل شماله إذا جلس في الصَّلاة: "هِيَ قِعْدَةُ الْمَغْضُوْبِ عَلَيْهِم" (١). وروى الحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ : أنه نهى أن يجلس الرجل في الصَّلاة وهو معتمد على يده اليسرى، وقال: "إِنَّها صَلاةُ اليَهُودِ" (٢). وقال نافع: رأى ابن عمر رجلًا يصلِّي جالساً معتمدًا على يديه فقال: ما يجلسك في صلاتك جلوس المغضوب عليهم (٣)؟ وقال محمَّد بن عجلان: رأى نافع رجلًا جالساً معتمداً بيديه على الأرض، فقال: إنك جلست جلوس قوم عُذِّبوا (٤). ويظهر من كلام ابن عمر ونافع، ومن الحديث الأول: أن الجلوس مع الاعتماد على اليدين أو على إحداهما من أعمال اليهود -سواء كان

стр. 3975

ذلك في الصَّلاة أو خارجاً عنها -. ٧٣ - ومنها: التكلم في الصَّلاة بالكلام الأجنبي . روى عبد الرزاق عن عطاء قال: بلغني أن المسلمين كانوا يتكلمون في الصلاة كما تتكلم اليهود والنصارى حتى نزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (١). ٧٤ - ومنها: مساوقة (٢) الإمام في القراءة. روى أبو الشيخ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: كانت بنو إسرائيل إذا قرأت أئمتهم جاوبوهم، فكره الله تعالى ذلك لهذه الأمة، فقال: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] (٣). وروى سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم عن محمد بن كعب القُرظي رحمه الله تعالى -مرسلًا- قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ في الصَّلاة أجابه من وراءه؛ إذا قال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قالوا مثل ما يقول حين تنقضي فاتحة القرآن والسورة، فلبث ما شاء الله أن يلبث، ثمَّ نزلت: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ (٤).

стр. 3976

وبهذه الآية احتجَّ من قال بأن المأموم لا يقرأ في الجهرية؛ كمالك في رواية عنه، وأحمد رضي الله تعالى عنهما (١). وأجيب بأن الآية نزلت في الخطبة كما قال مجاهد وغيره (٢)، وسميت قرآناً لاشتمالها عليه. وروى البيهقي في "سننه" عن أبي هريرة، ومعاوية (٣) رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: كان النَّاس يتكلمون في الصَّلاة، فنزلت هذه الآية (٤). وذهب أبو حنيفة ﵁ على أنه لا يجب على المأموم قراءة (٥)، ويدل له الحديث: "مَنْ صَلَّى خَلْفَ إِمامِ فَإِنَّ قِراءَةَ الإِمامِ لَهُ قِراءَةٌ" (٦) في أحاديث أخر، لكنها كلها ضعيفة كما نص عليه البيهقي (٧)، وغيره من أئمة الحديث.

стр. 3977

وذهب الشافعي إلى وجوب قراءة الفاتحة عليه مطلقاً (١) إلا في ركعة المسبوق لحديث الصحيحين: "لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِأُمِّ القُرآنِ" (٢). وحديث عبادة بن الصَّامت ﵁: أن النَّبي ﷺ قرأ في صلاة الصُّبح فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لَعَلَّكُمْ تَقْرَؤُونَ وَراءَ إِمامِكُم". قلنا: نعم، هذا يا رسول الله. قال: "لا تَفْعَلُوا إلا بِفاتِحَةِ الكِتابِ؛ فَإنَّهُ لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأ بِها". رواه أبو داود، والترمذي، والدَّارقطني، وحسَّناه (٣). وقال الخطابي: إسناده جيد لا مطعن فيه (٤). ولأحاديث أخرى (٥). ٧٥ - ومنها: القيام إلى صلاَّة بعد الفراغ من أخرى من غير فصل بينهما . روى أبو داود عن الأزرق بن قيس قال: صلَّى بنا أمام لنا

стр. 3978

يُكنَّى أبا رمثة، فقال: صليت هذه الصَّلاة أو مثل هذه الصَّلاة مع رسول الله ﷺ . قال: وكان أبو بكر وعمر ﵄ يقومان في الصف المتقدِّم عن يمينه، وكان رجل قد شهد التكبيرة الأولى من الصَّلاة، فصلَّى نبي الله ﷺ ثم سلم عن يمينه وعن يساره حتى رأينا بياض خديه، ثم انفتل كانفتال، أو كانفتالة أبي رمثة -يعني: نفسه- فقام الرجل الذي أدرك معه التكبيرة الأولى من الصلاة يشفع؛ أي: يصلي صلاة أخرى، فوثب إليه عمر رضي الله تعالى عنه فأخذ بمنكبيه، فهزه، وقال: اجلس؛ فإنه لم يهلك أهل الكتاب إلا أنه لم تكن لصلاتهم -وفي رواية: بين صلاتهم- فصلٌ، فرفع النبي ﷺ بصره فقال: "أَصابَ اللهُ بِكَ يا عُمَر"، وفي رواية: "يَا ابْنَ الخَطابِ" (١). وروى الإمام أحمد بسند صحيح، وأبو يعلى عن عبد الله بن رباح، عن رجل من الصَّحابة رضي الله تعالى عنهم: أن النَّبي ﷺ صلَّى العصر، فقام رجل، فرآه عمر رضي الله تعالى عنه، فقال له: اجلس؛ فإنما هلك أهل الكتاب بأنه لم يكن لصلاتهم فصلٌ. فقال رسول الله ﷺ : "أَحْسَنَ ابْنُ الخَطَّابِ" (٢).

стр. 3979

* لَطِيْفَةٌ: سئل الشيخ العلامَّة شمس الذين محمد بن الخناجري الحلبي عن من سلم فارغاً من صلاته، ثمَّ عاد واقفًا وهذه عادته؟ فأجاب بأن هذا ليس من السنة، بل هو من صنع اليهود. فاتفق أن السؤال كان عن رجل من أعيان حلب، وكان أجداده الأقدمون من اليهود، فعوتب المفتي في ذلك من بعض الأكابر، فأراه النقل، ثم قال معتذرًا: إن اليهودية قد جذبت فلاناً إلى نفسها؛ يعني: المستفتي عنه. ٧٦ - ومنها: أنهم إذا قضوا صلاتهم لم يكن بأسرع من يقوموا فيدعوا . والأولى للمصلي أن يقول الأذكار الواردة وهو قاعد. روى ابن أبي شيبة عن مجاهد: أنه كره القيام بعدها؛ أي: بعد الصَّلاة تشبهاً باليهود (١). وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لا تقوموا تدعون كما تصنع اليهود في كنائسهم (٢). وكأنه كره أن يخرج الإنسان على نفسه أن لا يدعو إلا قائماً، بل الأولى أن لا يتقيَّد بهيئة في الدُّعاء.

стр. 3980

وفي كتاب الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩١]. قال جابر بن عبد الله ﵄: كنا ندعو قيامًا وقعودًا، ونسبِّح ركوعًا وسجوداً (١). وقال جميل بن زيد: رأيت ابن عمر رضي الله تعالى عنهما دخل البيت وصلَّى ركعتين، ثمَّ خرجت وتركته قائمًا يدعو ويكبر (٢). رواهما ابن أبي شيبة. ٧٧ - ومنها: ترك تعظيم يوم الجمعة وليلتها، وترك صلاة الجمعة . وهو اليوم الذي أضلَّته أهل الملَّتين اليهود والنَّصارى، وهدانا الله تعالى له. روى الشَّيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّه سمع النَّبي ﷺ يقول: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوْتُوا الكِتَابَ مِنَ قَبْلِنا، ثُمَّ هَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللهُ عَلَيْهِمْ فاخْتَلَفُوا، فَهَدَانا اللهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنا فِيْهِ تَبَعٌ؛ اليَهُودُ غَدًا، والنَّصارَى بَعْدَ غَدٍ" (٣). وروى مسلم عن حذيفة، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما: أن النَّبي ﷺ قال: "أَضَلَّ اللهُ عَنِ الجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنا، وَكانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ

стр. 3981

السَّبْتِ، وَكَانَ للنَّصارَى يَوْمُ الأَحَدِ، فَجاءَ اللهُ بِنا فَهَدانا لِيَوْمِ الجُمُعَةِ" (١). وقلت في "منظومتي" في خصائص يوم الجمعة: [من الرجز] أَضَلَّهُ الْيَهُوْدُ والنَّصارَى ... وَاخْتَلَفُوا فأَصْبَحُوا حَيارَى وَوَفَقَ الرَّحْمَنُ هَذِي الأمَّة ... حَتَّى اهْتَدَوْا لَهُ بِنُورِ الرَّحْمَةْ ٧٨ - ومنها: ترك العمل يوم الجمعة . قال محمَّد بن الحسن: يكره ترك العمل يوم الجمعة كفعل اليهود والنَّصارى في السبت والأحد (٢). وذكر ابن الحاج في "المدخل": أن العلماء قد كرهوا ترك العمل يوم الجمعة، وأن يخص يوم الجمعة بذلك خيفة من التشبه باليهود في السبت، والنَّصارى بالأحد (٣). وظاهر مذهب الشَّافعي أنه لا كراهة. نعم إن قصد بترك العمل التشَّبه باليهود في السَّبت والنَّصارى في الأحد كان مكروهاً، بل ربما حرم.

стр. 3982

فإن ترك العمل لأجل التبكير للمسجد الجامع، أو لغسل الثَّوب وتحصيل الطِّيب فلا بأس. هذا قبل الصَّلاة، وأما بعدها فنص جماعة من السَّلف على استحباب الكسب والانتشار في طلب الرِّزق لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠]. ٧٩ - ومنها: البيع والشِّراء، وسائر المعاملات يوم الجمعة بعد الأذان بين يدي الخطيب ، والسَّفر يوم الجمعة بعد طلوع الفجر؛ فإن ذلك يحرم. ومن المعلوم أن أهل الكتابين والمشركين يفعلون ذلك، ولا يتحاشون عنه. وفي كتاب الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩]. قال ميمون بن مهران رحمه الله تعالى: كان بالمدينة إذا أذن المؤذن من يوم الجمعة ينادون في الأسواق: حرم البيع، حرم البيع. رواه ابن أبي شيبة، وغيره (١). ٨٠ - ومنها: الصلاة في المحاريب . ولذلك كرهها أبو حنيفة، وغيره رحمهم الله تعالى. قال ابن تيمية: وهو ظاهر مذهب أحمد، وينبغي للإمام الوقوف

стр. 3983

فيما يلي المحراب خروجاً من الخلاف. روى البزار -ورجاله موثقون- عن عبد الله؛ يعني: ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنه كره الصَّلاة في المحراب، وقال: إنما كانت الكنائس، فلا تشبهوا بأهل الكتاب (١). وروى سعيد بن منصور، ولفظه: كان يكره الصلاة في الطاق، ويقول: إنه في الكنائس؛ فلا تشبهوا بأهل الكتاب (٢). وروى ابن أبي شيبة عن موسى الجهني قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَزالُ أُمَّتِي بِخَيْرٍ ما لَمْ يَتَّخِذُوا في مَسَاجِدِهِمْ مَذابِحَ كَمَذابِحِ النَّصارَى" (٣)؛ يعني: المحاريب. وعن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن من أشراط السَّاعة أن تتخذ المذابح في المساجد (٤). وروى عبد الرزاق عن الضَّحاك بن مزاحم رضي الله تعالى عنه قال: أول شرك كان في هذه الأمة الصَّلاة في هذه المحاريب (٥). وعن كعب رحمه الله تعالى قال: يكون في آخر الزَّمان قوم تنقص أعمارهم، ويزينون مساجدهم، ويتخذون فيها مذابح كمذابح النَّصارى؛

стр. 3984

فإذا فعلوا ذلك صب عليهم البلاء (١). وذهب الشَّافعي، وغيره إلى جواز الصَّلاة في المحاريب. وروى ابن أبي شيبة عن البراء بن عازب ﵄: أن كان يصلِّي في الطاق (٢)؛ يعني: المحراب. ٨١ - ومنها: وضع الستارة والحجاب على المذابح؛ أي: المحاريب، والمناسك؛ أي: المعابد . روى ابن أبي حاتم عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: أنه قال لعمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه: لم استحبَّ النَّصارى الحجب على مذابحهم؟ قال: إنما استحبَّ النَّصارى الحجب على مذابحهم ومناسكهم لقول الله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾ [مريم: ١٧] (٣). ومن هذا الصنع: وضع الستور على أبواب الضَّرائح وشبابيكها، وهو من إضاعة المال. ٨٢ - ومنها: القراءة باللحون المُخْرِجة للفظ القرآن عن رونقه وحلاوته، وللقراءة عن التجويد . روى الحكيم التِّرمذي في "نوادره"، والطَّبراني في "الأوسط"،

стр. 3985

والبيهقيُّ في "الشُّعب" عن حذيفة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "اِقْرَءُوا القُرْآنَ بِلُحُونِ العَرَبِ وَأَصْواتِها، وأِّياكُمْ وَلُحُونَ أَهْلِ الكِتابَيْنِ وَأَهْلِ الفِسْقِ؛ فَإنَّهُ سَيَجِيءُ بَعْدِي قَوْمٌ يُرَجِّعُونَ القِراءَةَ تَرْجِيعَ الغِناءِ والرَّهْبانِيَّةِ والنَّوحِ، لا يُجاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ، مَفْتُوْنةٌ قُلُوبُهُم وَقُلُوبُ مُنْ يُعْجِبُهُم شَأنُهُم" (١). قال ابن الحاج في "المدخل": اللُّحون جمع لحن، وهو التَّطريب، وترجيع الصوت، وتحسينه بالقراءة والشِّعر. قال علماؤنا: يشبه هذا الذي يفعله قراء زماننا بين يدي الوعَّاظ في المجالس من اللحون الأعجمية التي يقرؤون بها ما نهى عنه رسول الله ﷺ . قال: والتَّرجيع في القراءة: ترديد الحروف والحركات، والقراءة كقراءة النَّصارى. قال: والتَّرتيل في القراءة هو التَّأني فيه، والتَّمهل، وتبين الحروف والحركات تشبيهًا بالشَّعر المرتل، وهو المطلوب في قراءة القرآن. انتهى (٢). ومذهبنا أن تحسين الصوت بالقرآن وترتيله مستحب ما لم يخرج عن حدّ القراءة بالتمطيط فيكره.

стр. 3986

فإن أفرط بحيث يزيد حرفاً ويخفي حرفًا فيحرم، كما نص عليه النَّووي في "الأذكار"، وغيره (١). ٨٣ - ومنها: تَحْلِيَة المصاحف بالذَّهب والفضة وغيرهما، مع هجرها من التلاوة، وترك العمل بها . قال سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١]: أدرجوا التَّوراة في الحرير، وحلُّوها بالذَّهب والفضة، ولم يعملوا بها؛ فذلك نبذهم لكتاب الله وراء ظهورهم. نقله الثَّعلبي، وغيره (٢). وروى الحكيم التِّرمذي عن أبي الدَّرداء ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا زَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ، وَحَلَّيْتُمْ مَصَاحِفَكُمْ فالدَّمارُ عَلَيْكُمُ" (٣). ٨٤ - ومنها: اتخاذ القبور مساجد، والبناء على القبور . روى الشَّيخان عن عائشة، وابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهم قالا: لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه، فإذا اغتمَّ بها كشفها، فقال وهو كذلك: "لَعْنَةُ اللهِ عَلَى اليَهُودِ والنَّصارَى؛ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَساجِدَ -يُحَذِّرُ ما صَنَعُوا-" (٤).

стр. 3987

وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "قاتَلَ اللهُ اليَهُودَ اتَّخَذُوا ... ". وفي رواية مسلم: "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ والنَّصَارَى اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيائِهِمْ مَسَاجِدَ" (١). وروى الإمام أحمد بإسناد جيد، وابن حبَّان في "صحيحه" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "إِنَّ مِنْ شِرارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْياء، والَّذِيْنَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَساجِدَ" (٢). وروى مسلم عن جابر ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ نهى أن يبنى على القبور (٣). وروى الإمام أحمد، وأصحاب السنن الثلاثة عن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله ﷺ زائرات القبور، والمتَّخذين عليها المساجد والسُّرج (٤). قال العلماء: يحرم أن يبنى في المقبرة المسبلة على قبر صالح، أو عالم، أو أمير، أو غيرهم بيتاً أو مسجدًا، أو مشهداً، أو نحو ذلك

стр. 3988

لأنَّ المقبرة إنما سبلت للدَّفن، ولاستلزام البناء لنبش كثير من قبور المسلمين، وإخراج عظامهم، وللنهي عن ذلك، ولأنه من فعل اليهود والنَّصارى، ولاتخاذ القبور مساجد (١). ولا تصح الصَّلاة في المقبرة عند الإمام أحمد. وقال غيره: تصح بشروطها مع الكراهة. وكذلك حكم المجزرة، والمزبلة، والحمَّام، وقارعة الطَّريق، وأعطان الإبل (٢). ويحرم استقبال قبور الأنبياء في الصلاة، ويكره استقبال قبور غيرهم للنهي عن ذلك، كما في "صحيح مسلم" (٣). ٨٥ - ومنها: تخريب المساجد، ومنع النَّاس من الصَّلاة والعبادة فيها، وتقذيرها، وتغيير صيغتها دارًا أو حانوتًا، أو غير ذلك . قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ [البقرة: ١١٤]. قال ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: هم النَّصارى.

стр. 3989

وقال مجاهد: كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون النَّاس أن يصلوا فيه. قال قتادة: أولئك أعداء الله الرُّوم، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بخت نصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس. روى هذه الآثار ابن جرير (١). ٨٦ - ومنها: تشريف المساجد، وزخرفتها وهو مكروه . روى ابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرَاكُمْ سَتُشَرِّفُوْنَ مَسَاجِدَكُمْ كَمَا شَرَّفَتِ اليَهُودُ كَنائِسَها، وَكَما شَرَّفَتِ النَصارَى بِيَعَها" (٢). وهي -كعنب-: جمع بيعة- بالكسر- معبد النصارى، كما في "القاموس" (٣). وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس أيضًا- موقوفًا- قال: لتزخرفن مساجدكم كما زخرفت اليهود والنصارى مساجدهم (٤). وروى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال

стр. 3990

رسول اللهِ ﷺ : "مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إِلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ" (١). وروى ابن أبي شيبة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان يقال: ليأتين على الناس زمان يبنون المساجد يتباهون فيها، ولا يعمرونها إلا قليلًا (٢). وروى هو والطبراني في "الكبير" بإسناد جيد، عن ابن عمر ﵄ قال: نهينا، أو نهانا أن نصلي في مسجد مشرف (٣). وروى الطَّبراني في "الكبير" أيضًا -بإسناد جيد- عن عبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه قال: قالت الأنصار: إلى متى نصلِّي يا رسول الله إلى هذا الجريد؟ فجمعوا دنانير، فأتوا بها النَّبي ﷺ ، فقالوا: نصلح هذا المسجد ونزينه. فقال: "لَيْسَ لِي رَغْبَةٌ عَنْ أَخِي مُوسى ﵇؛ عرشٌ كَعَرِيْشِ مُوسى" (٤).

стр. 3991

وروى تمَّام في "فوائده"، والديلمي، وابن النَّجار عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه: أَنَّ النَّبِي ﷺ قال: "عَرْشاً كَعَرْشِ مُوسَى، وَخَشَباتٍ؛ والأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ" (١). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن هارون بن رِئاب قال: قيل لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل! زخرفتم مساجدكم، وخربتم قلوبكم، وسمَّنتم أنفسكم كما تسمن البهائم ليوم ذبحها، فنظرت إليكم نظرة ولعنتكم، وإن دعوتموني لم أستجب لكم، وإن سألتموني لم أعطكم. وعن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى قال: قال الحواريون: يا مسيح الله! انظر إلى بيت الله ما أحسنه! قال: آمين آمين، بحق أقول لكم: لا يترك الله تعالى من هذا المسجد حجرًا قائمًا على حجر إلا أهلكه بذنوب أهله. إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الحجارة شيئًا. إن أحب إلى الله منها القلوب الصَّالحة، بها يعمر الله تعالى الأرض، وبها يخرب الأرض إذا كانت على غير ذلك (٢).

стр. 3992

وروى الدينوري في "المجالسة" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: إن الله تعالى قال لشعياء ﵇: قم في قومك، أوحِ على لسانك. فلما قام شعياء أنطق الله لسانه بالوحي، فقال: يا سماء اسمعي، ويا أرض أنصتي. قال: فاستمعت السماء، وأنصتت الأرض. فقال: إن الله ﵎ يقول لكم: إني استقبلت بني إسرائيل بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة لا راعي لها، فأويت شاذها، وجمعت فاذها، وجبرت كسرها، وداويت مريضها، وأسمنت مهزولها، فبطرت فتناطحت، فقتل بعضها بعضًا حتى لم يبقَ منها عظم صحيح. إن الحمار ربما يذكر رَّيه الذي يشبع عليه فيراجعه، وإن الثور ربما يذكر مرجه الذي سمنَ فيه فينتابه، وإن البعير ربما يذكر وطنه الذي أنيخ فيه فينزع إليه، وإن هؤلاء القوم لا يذكرون من أين جاءهم الخير وهم أهل الألباب والعقول، ليسوا بإبل ولا بقر ولا حمير. وإني ضارب لهم مثلًا فاسمعوا؛ قل لهم: كيف ترون في أرض كانت زمانًا من زمانها خِرْبة مَواتًا لا زرع فيها ولا حرث، وكان لها رب قوي حكيم، فأقبل عليها بالعمارة، وأحاط عليها سياجاً، وشيَّد فيها قصورًا، وأنبط فيها نهرًا، وصفَّ فيها غراساً من الزَّيتون والرُّمان والنخيل والأعناب وألوان الثِّمار، وولى ذلك ذا رأي وهمَّة، حفيظاً قوياً أميناً، فلما جاء إبان ثمرها أثمرت خروبًا، ما كنتم قائلين له ومشيرين عليه؟

стр. 3993

قالوا: كنا نقول له: بئست الأرض أرضك، ونشير عليه أن يقلع سياجها، ويهدم قصرها، ويدفن نهرها، ويحرق غرسها حتى تعود خربة مواتاً لا عمران فيها. فقال الله تعالى: قل لهم: إن السِّياج ذمتي، وإن القصر شريعتي، وإن النهر كتابي مثل لهم، والخروب أعمالهم الخبيثة، وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، يتقربون إليَّ بذبح البقر والغنم وليس ينالني اللَّحم ولا آكله، ويدَّعون بأنهم يتقربون إليَّ بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها عليهم، ويزوِّقون المساجد، وليس لي إلى تزويقها حاجة، إنما أمرت برفعها لأُذْكَرَ فيها وأُسبَّح، ويقولون: لو كان يقدر على جمع أُلفتنا لجمعها، ولو كان يقدر على أن يفقه قلوبنا لفقهها، فاعمد إلى عودين يابسين، فاكتب فيهما كتاباً: إنَّ الله يأمركما أن تعودا عودًا واحدًا، فقال لهما ذلك، فاختلطا فصارا عودًا واحدًا، وصار الكتاب في طرف العود كتاباً واحدًا. يا معشر بني إسرائيل! إنَّ الله تعالى يقول لكم: إني قَدِرْتُ على أن أُفقِّهَ العيدان اليابسة، وعلى أن أؤلف بينهما، فكيف لا أقدر أن أجمع ألفتكم إن شئت؟ أم كيف لا أقدر على أن أفقه قلوبكم؟ ويقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا، وصلَّينا فلم تنور صلاَّتنا، وزكينا فلم تزك زكوتنا، ودعونا فلم يستجب لنا، فقال الله تعالى: سلهم لم ذلك؟ وما الذي يمنعني أن أجيبهم؟ ألست أسمع السَّامعين، وأبصر الناظرين، وأقرب المجيبين، وأرحم الراحمين؟ ألأن خزائني فنيت،

стр. 3994

ويداي مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء؟ أم لأن ذات يدي قلَّتْ؟ كيف ومفاتيح الخير بيدي لا يفتحها ولا يغلقها غيري؟ أم لأنَّ رحمتي ضاقت؟ كيف ورحمتي وسعت كل شيء، وإنما يتراحم المتراحمون ببعضها؟ أم لأن البخل يعتريني؟ كيف وأنا الفتاح للخيرات، أجود من أَعطى وأكرم من سُئل؟ ولكن كيف أرفع صيامهم وهم يَلْبِسُونه بقول الزور، ويتقوون عليه بطعمة الحرام؟ أم كيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحادني؟ أم كيف أستجيب دعاءهم، [وإنما] (١) هو قول بألسنتهم والعمل من ذلك بعيد. أم كيف تزكو صدقاتهم وهي من أموال غيرهم؟ وإنما أجزي عليها المغتصبين. وإن من علامة رجائي رضي المساكين (٢). ٨٧ - ومن أعمال أهل الكتاب: خروج المرأة متبرجة بزينتها، وتبخترها بالمساجد وغيرها، وتمكين زوجها إياها من ذلك . روى ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: بينما رسول الله ﷺ جالس في المسجد إذ دخلت امرأة من مزينة ترفل في زينة

стр. 3995

لها في المسجد، فقال النَّبي ﷺ : "يَا أيُها الناسُ! انْهَوا نِسَاءَكمْ عَنْ لُبْسِ الزِّيْنَةِ والتَّبَخْتُرِ في المَساجِدِ؛ فَإِنَّ بَنِيْ إِسْرائِيْلَ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَتْ نِسَاءُهُمُ الزّيْنَةَ وَتَبَخْتَرْنَ في المَسْجِدِ" (١). وروى الشَّيخان عنها أنها قالت: لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل (٢). وأخرجه أبو داود عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن: أنها أخبرت: أنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدثت النِّساء لمنعهن المسجدكما منعته نساء بني إسرائيل. قال يحيى: فقلت لعمرة: أَمُنِعَهُ نساء بني إسرائيل؟ قالت: نعم (٣). وروى النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم وصححه، عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا ريْحَهَا فَهيَ زانِيَةٌ، وَكُلُّ عَيْنٍ زانِيَةٌ" (٤).
следующие страницы →