وروى تمَّام في "فوائده"، والديلمي، وابن النَّجار عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه: أَنَّ النَّبِي ﷺ قال: "عَرْشاً كَعَرْشِ مُوسَى، وَخَشَباتٍ؛ والأَمْرُ أَعْجَلُ مِنْ ذَلِكَ" (١).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن هارون بن رِئاب قال: قيل لبني إسرائيل: يا بني إسرائيل! زخرفتم مساجدكم، وخربتم قلوبكم، وسمَّنتم أنفسكم كما تسمن البهائم ليوم ذبحها، فنظرت إليكم نظرة ولعنتكم، وإن دعوتموني لم أستجب لكم، وإن سألتموني لم أعطكم.
وعن يزيد بن ميسرة رحمه الله تعالى قال: قال الحواريون: يا مسيح الله! انظر إلى بيت الله ما أحسنه!
قال: آمين آمين، بحق أقول لكم: لا يترك الله تعالى من هذا المسجد حجرًا قائمًا على حجر إلا أهلكه بذنوب أهله.
إن الله لا يصنع بالذهب ولا بالفضة ولا بهذه الحجارة شيئًا.
إن أحب إلى الله منها القلوب الصَّالحة، بها يعمر الله تعالى الأرض، وبها يخرب الأرض إذا كانت على غير ذلك (٢).
стр. 3992
وروى الدينوري في "المجالسة" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: إن الله تعالى قال لشعياء ﵇: قم في قومك، أوحِ على لسانك.
فلما قام شعياء أنطق الله لسانه بالوحي، فقال: يا سماء اسمعي، ويا أرض أنصتي.
قال: فاستمعت السماء، وأنصتت الأرض.
فقال: إن الله ﵎ يقول لكم: إني استقبلت بني إسرائيل بالكرامة، وهم كالغنم الضائعة لا راعي لها، فأويت شاذها، وجمعت فاذها، وجبرت كسرها، وداويت مريضها، وأسمنت مهزولها، فبطرت فتناطحت، فقتل بعضها بعضًا حتى لم يبقَ منها عظم صحيح.
إن الحمار ربما يذكر رَّيه الذي يشبع عليه فيراجعه، وإن الثور ربما يذكر مرجه الذي سمنَ فيه فينتابه، وإن البعير ربما يذكر وطنه الذي أنيخ فيه فينزع إليه، وإن هؤلاء القوم لا يذكرون من أين جاءهم الخير وهم أهل الألباب والعقول، ليسوا بإبل ولا بقر ولا حمير.
وإني ضارب لهم مثلًا فاسمعوا؛ قل لهم: كيف ترون في أرض كانت زمانًا من زمانها خِرْبة مَواتًا لا زرع فيها ولا حرث، وكان لها رب قوي حكيم، فأقبل عليها بالعمارة، وأحاط عليها سياجاً، وشيَّد فيها قصورًا، وأنبط فيها نهرًا، وصفَّ فيها غراساً من الزَّيتون والرُّمان والنخيل والأعناب وألوان الثِّمار، وولى ذلك ذا رأي وهمَّة، حفيظاً قوياً أميناً، فلما جاء إبان ثمرها أثمرت خروبًا، ما كنتم قائلين له ومشيرين عليه؟
стр. 3993
قالوا: كنا نقول له: بئست الأرض أرضك، ونشير عليه أن يقلع سياجها، ويهدم قصرها، ويدفن نهرها، ويحرق غرسها حتى تعود خربة مواتاً لا عمران فيها.
فقال الله تعالى: قل لهم: إن السِّياج ذمتي، وإن القصر شريعتي، وإن النهر كتابي مثل لهم، والخروب أعمالهم الخبيثة، وإني قد قضيت عليهم قضاءهم على أنفسهم، يتقربون إليَّ بذبح البقر والغنم وليس ينالني اللَّحم ولا آكله، ويدَّعون بأنهم يتقربون إليَّ بالتقوى والكف عن ذبح الأنفس التي حرمتها عليهم، ويزوِّقون المساجد، وليس لي إلى تزويقها حاجة، إنما أمرت برفعها لأُذْكَرَ فيها وأُسبَّح، ويقولون: لو كان يقدر على جمع أُلفتنا لجمعها، ولو كان يقدر على أن يفقه قلوبنا لفقهها، فاعمد إلى عودين يابسين، فاكتب فيهما كتاباً: إنَّ الله يأمركما أن تعودا عودًا واحدًا، فقال لهما ذلك، فاختلطا فصارا عودًا واحدًا، وصار الكتاب في طرف العود كتاباً واحدًا.
يا معشر بني إسرائيل! إنَّ الله تعالى يقول لكم: إني قَدِرْتُ على أن أُفقِّهَ العيدان اليابسة، وعلى أن أؤلف بينهما، فكيف لا أقدر أن أجمع ألفتكم إن شئت؟ أم كيف لا أقدر على أن أفقه قلوبكم؟
ويقولون: صمنا فلم يرفع صيامنا، وصلَّينا فلم تنور صلاَّتنا، وزكينا فلم تزك زكوتنا، ودعونا فلم يستجب لنا، فقال الله تعالى: سلهم لم ذلك؟ وما الذي يمنعني أن أجيبهم؟ ألست أسمع السَّامعين، وأبصر الناظرين، وأقرب المجيبين، وأرحم الراحمين؟ ألأن خزائني فنيت،
стр. 3994
ويداي مبسوطتان بالخير أنفق كيف أشاء؟ أم لأن ذات يدي قلَّتْ؟ كيف ومفاتيح الخير بيدي لا يفتحها ولا يغلقها غيري؟ أم لأنَّ رحمتي ضاقت؟ كيف ورحمتي وسعت كل شيء، وإنما يتراحم المتراحمون ببعضها؟ أم لأن البخل يعتريني؟ كيف وأنا الفتاح للخيرات، أجود من أَعطى وأكرم من سُئل؟
ولكن كيف أرفع صيامهم وهم يَلْبِسُونه بقول الزور، ويتقوون عليه بطعمة الحرام؟
أم كيف أنور صلاتهم وقلوبهم صاغية إلى من يحادني؟
أم كيف أستجيب دعاءهم، [وإنما] (١) هو قول بألسنتهم والعمل من ذلك بعيد.
أم كيف تزكو صدقاتهم وهي من أموال غيرهم؟ وإنما أجزي عليها المغتصبين.
وإن من علامة رجائي رضي المساكين (٢).
٨٧ - ومن أعمال أهل الكتاب: خروج المرأة متبرجة بزينتها، وتبخترها بالمساجد وغيرها، وتمكين زوجها إياها من ذلك .
روى ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: بينما رسول الله ﷺ جالس في المسجد إذ دخلت امرأة من مزينة ترفل في زينة
стр. 3995
لها في المسجد، فقال النَّبي ﷺ : "يَا أيُها الناسُ! انْهَوا نِسَاءَكمْ عَنْ لُبْسِ الزِّيْنَةِ والتَّبَخْتُرِ في المَساجِدِ؛ فَإِنَّ بَنِيْ إِسْرائِيْلَ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَتْ نِسَاءُهُمُ الزّيْنَةَ وَتَبَخْتَرْنَ في المَسْجِدِ" (١).
وروى الشَّيخان عنها أنها قالت: لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل (٢).
وأخرجه أبو داود عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن: أنها أخبرت: أنَّ عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لو أدرك رسول الله ﷺ ما أحدثت النِّساء لمنعهن المسجدكما منعته نساء بني إسرائيل.
قال يحيى: فقلت لعمرة: أَمُنِعَهُ نساء بني إسرائيل؟
قالت: نعم (٣).
وروى النسائي، وابن خزيمة، وابن حبان في "صحيحيهما"، والحاكم وصححه، عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَيُّمَا امْرَأةٍ اسْتَعْطَرَتْ فَمَرَّتْ عَلَى قَوْمٍ لِيَجِدُوا ريْحَهَا فَهيَ زانِيَةٌ، وَكُلُّ عَيْنٍ زانِيَةٌ" (٤).
стр. 3996
وهو عند أبي داود، والتِّرمذي، وصححه بلفظ آخر (١).
٨٨ - ومنها: اختلاط النساء بالرجال في جماعة الصلاة .
والسنَّة أن تكون المرأة خلف الرَّجل، وَصَف النِّساء خلف صف الرِّجال، وصلاة المرأة في بيتها أفضل.
روى عبد الرزاق، ومن طريقه الطَّبراني -ورجاله رجال الصَّحيح- عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان الرِّجال والنِّساء في بني إسرائيل يصلُّون جميعًا، وكانت المرأة لها الخليل تلبس القالبين تطول بهما لخليلها، فألقي عليهن الحيض؛ أي: الاستحاضة.
قال: وكان ابن مسعود يقول: أخِّروهُّن حيث أَخَّرَهُنَّ الله (٢).
٨٩ - ومنها: إيثار زِي الرهبان، وترك التطيب والتنظف، ولبس الزينة المباحة لحضور المساجد، والمشاهد، وزيارة الإخوان لقادر عليها .
قال الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١].
وروى الطَّبراني في "الأوسط" عن أبي كريمة قال: سمعت علي ابن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وهو يخطب على منبر الكوفة يقول: يا أيُّها النَّاس! إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِيَّاكُمْ وَلِباسَ الرُّهْبانِ؛ فَإِنَّ
стр. 3997
مَنْ تَرَهَّبَ أَوْ تَشَبَّهَ فَلَيْسَ مِنِّي" (١).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن أبي العالية رحمه الله تعالى قال: زارني عبد الكريم بن أمية وعليه ثياب صوف فقلت: هذا زِيُّ الرُّهبان؛ إن المسلمين إذا تزاوروا تجمَّلوا (٢).
وروى الطَّبراني، والبيهقيُّ في "سننه" عن ابن عمر، عن النَّبي ﷺ قال: "إِذا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَلْبَسْ ثَوْبَيْهِ؛ فَإِنَّ اللهَ أَحَقُّ مَنْ تُزُيِّنَ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوْبانِ فَلْيَأتَزِرْ إِذَا صَلَّى وَلا يَشْتَمِلِ اشْتِمالَ اليَهُودِ" (٣).
وروى أبو داود، والحاكم وصححه، عن شداد بن أوس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خالِفُوا اليَهُودَ؛ فَإنَّهُمْ لا يُصَلُّونَ في خِفافِهِمْ وَلا في نِعالِهِم" (٤).
وروى ابن ماجه عن أبي الدَّردَّاء رضي الله تعالى عنه قال: قال
стр. 3998
رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَحْسَنَ ما زُرْتُمُ الله بِهِ في قُبُورِكُمْ وَمَساجِدِكُمُ البَياضُ" (١).
وروى أبو داود عن أبي الأحوص، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في ثوبٍ دُونٍ، فقال: "ألكَ مالٌ؟ ".
قلت: نعم.
قال: "مِنْ أَيِّ المالِ؟ ".
قال: قد آتاني اللهُ من الإبل والغنم والخيل والرَّقيقِ.
قال: "فَإِذا آتاكَ اللهُ فَلْيُرَ أثَرُ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْكَ وَكَرامَتِهِ" (٢).
وصحح التِّرمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ" (٣).
وبالجملة: فإن اليهود أخس الناس ثيابًا، وبزة وهيئة، يؤثرون التقذير، ويقترون على أنفسهم ولو كثرت أموالهم، فلا ينبغي للمسلم أن يبخل على نفسه بما يمكنه من التمتع المباح، وسيأتي أن من أخلاقهم البخل.
٩٠ - ومنها: تقديم الصبيان للإمامة .
والاقتداء بالصبي المميِّز -وإن صحَّ- أولى منه الاقتداء بالرَّجل البالغ.
стр. 3999
روى ابن جرير عن عكرمة قال: كان أهل الكتاب يقدِّمون الغلمان الَّذين لم يبلغوا الحنث يصلُّون بهم، يقولون: ليس لهم ذنوب، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩].
وعن مجاهد: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾؛ قال: يعني: اليهود؛ كانوا يقدمون صبيانًا لهم أمامهم في الصَّلاة، يزعمون أنهم لا ذنوب لهم.
قال: فتلك التزكية (١).
وأخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄ (٢).
واعلم أنه يقدم للإمامة العدل، فإن تساويا فالأفقه، فإن تساويا فالأقرأ، فإن تساويا فالأورع، فإن تساويا فالأسن.
٩١ - ومنها: تزكية النفس .
وهي شاملة لتزكية كل واحد لنفسه، ولتزكيته لأهل اعتقاده أو حرفته، أو قريبه لمجرد الحميَّة.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (٤٩) انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ٤٩، ٥٠]
قال الحسن في الآية: هم اليهود والنَّصارى؛ قالوا: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ
стр. 4000
اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ [المائدة: ١٨]، ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة: ١١١]. رواه عبد الرزاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم (١).
ورويا عن الضحَّاك قال: قالت اليهود: ليس لنا ذنوب إلا كذنوب أولادنا يوم يولدون، فإن كانت لهم ذنوب فإنَّا نحن مثلهم (٢).
قال الله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ [النساء: ٥٠].
وقال الله تعالى ناهيًا لهذه الأمة عن ارتكاب ما به ذم أهل الكتاب: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢].
أي: لا تثنوا على أنفسكم إعجابًا، أو: لا يزكي بعضكم بعضاً رياءً.
فأما على وجه التحدث بالنعمة أو الإخبار بما هو عنده من علم أو حرفة ليقصد للتَّعلم منه فإنَّه مقبول لقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١].
ومن القواعد: أن الأمور بمقاصدها.
وروى الزبير بن بكار في "الموفقيات" عن جدِّه عبد الله بن مصعب قال: قال أبو بكر الصِّديق رضي الله تعالى عنه لقيس بن عاصم: صف لي نفسك.
стр. 4001
فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النجم: ٣٢]، فلست بمزك نفسي وقد نهانا الله عنه، فأَعجب أبا بكر ذلك منه (١).
وأمَّا قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا﴾ [الشمس: ٩]، ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ [الأعلى: ١٤]، فالمراد منه: الاتصاف بالبر والإحسان والتقوى، لا الثناء على النَّفس.
وقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾ [النجم: ٣٢]، إشارة إلى أنَّ الزَّكاة والفضل بالاتصاف بالتقوى لا بوصف النفس بها، وإلى أن المزكِّي حقيقة هو الذي يزكيه الله تعالى بتوفيقه للتقوى، أو بما نشره له من الثناء.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو القاسم البغوي في "معجم الصَّحابة"، والطَّبراني بسند صحيح، من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن الأقرع ابن حابس: أنه أتى النَّبي ﷺ فقال: يا محمد! أخرج إلينا، فلم يجبه، فقال: يا محمد! إن حمدي لزَيْنٌ، وإن ذمي لشَيْنٌ.
فقال النَّبي ﷺ : "ذَاكَ اللهُ".
فأنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ [الحجرات: ٤] (٢).
стр. 4002
قال: لا أعلم روى الأقرع مسندًا غير هذا، والأقرع كان من المؤلفة قلوبهم (١).
وأخرج القصة التِّرمذي -وحسَّنه- والمفسرون عن البراء رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا -ولم يذكر أنه الأقرع- (٢).
وكذلك أخرجه عبد الرزاق، وغيره عن قتادة: أن رجلًا جاء إلى النَّبي ﷺ ، فقال: يا محمد! إن مدحي زين، وإن شتمي شين، فقال النبي ﷺ : "ذاكَ هُوَ اللهُ"، فنزلت الآية (٣).
أي: الذي حمده ومدحه زين، وذمه وشتمه شين إنما هو الله تعالى لأنه أعلم بعباده؛ بالمتقي منهم وغيره.
٩٢ - ومن أعمال أهل الكتاب، وأخلاقهم: ترك تغطية وجوه موتاهم .
روى الطَّبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "خَمِّرُوا وُجُوهَ مَوْتاكُمْ وَلا تَشَبَّهُوا بِاليَهُودِ" (٤).
стр. 4003
٩٣ - ومنها: اتِّباع الجنازة بمجمرةٍ أو نار .
روى عبد الرَّزاق عن عبد الأعلى رحمه الله تعالى قال: كنت مع سعيد بن جبير رحمه الله تعالى وهو يتبع جنازة معها مجمرة تتبع به، فرمى به، وقال: سمعت ابن عباس رضي الله تعالى عنهما يقول: لا تشبَّهوا بأهل الكتاب (١).
٩٤ - ومنها: مشي الهُوينا .
قال ﷺ : "لا تَدبُّوا بِها دَبِيْبَ اليَهُودِ"؛ كذا أورده ابن الحاج في "المدخل" (٢).
وفي "مصنف عبد الرَّزاق" عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى قال: كان يقول: انبسطوا بالجنائز، ولا تدبوا دبيب اليهود والنَّصارى (٣).
وفيه عن الحسن رحمه الله تعالى أنَّه قال: أسرعوا بجنائزكم، ولا تهودوا تهود اليهود (٤).
ثم قال ابن الحاج في "المدخل": قد قال علماؤنا: إن السنة في المشي بالجنازة أن يكون كالشاب المسرع في حاجته.
стр. 4004
قال: وهذا المأمور به هو وسط بين الدبيب بها والاستعجال الذي يضر بها، ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧]، انتهى (١).
قلت: وكذلك مذهب الشَّافعي رضي الله تعالى عنه: أن الإسراع بها بين المشي، والخَبَب أفضل ما لم يضر بالميت؛ لحديث الإمام أحمد، والأئمة السِّتة رحمهم الله تعالى عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النَّبي ﷺ قالَ: "أَسْرِعُوا بِالجِنازَةِ؛ فَإِنْ تَكُ صالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونها إِلَيْهِ، وَإِنْ يَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقابِكُمْ" (٢).
وروى ابن ماجه، والبيهقيّ عن أبي موسى ﵁: أن النَّبي ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ بِالقَصْدِ في جَنائِزِكُمْ إِذا مَشَيْتُمْ بِهَا" -سنده ضعيف- (٣).
ثم أخرج البيهقي عن أبي موسى من قوله: إذا انطلقتم بجنائزكم فأسرعوا (٤).
стр. 4005
قال البيهقي: وهذا يدل على أن المراد كراهة شدة الإسراع. انتهى (١).
وقال أبو بكرة رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ -يعني: في الجنازة- وإنَّا لنكاد أن نرمل بها رملًا. رواه أبو داود، والنسائيّ، والحاكم، وصححه (٢).
* تنبِيْهٌ:
شاع في كلام العوام أن من رأى جنازة ليس بين يديها من يجهر بالذكر وهم يسرعون بها لغربة صاحبها، أو فقره، أو غير ذلك أن يقال: كجنائز اليهود: السكوت، والهرولة.
وهذا خطأ كبير، ونسبة للسنة المحمدية إلى فعل اليهود، فمن أصرَّ على ذلك بعد أن عرف أنَّ هذا من السنَّة عُزِّر وزجر، فقد علمت ما في الإسراع من الفضل، بل علمت أن الدَّبيب بالجنازة من فعل اليهود.
وأما السُّكوت فقال العلماء: يكره للماشي مع الجنازة الحديث؛ فإن ناح أو صاح حرم، ويستحب له الفكر في الموت وما بعده.
قال النَّووي رحمه الله تعالى: والمختار، أو الصَّواب ما كان عليه السلف من السُّكوت في حال السَّير معها، فلا يرفع صوته لقراءة، ولا ذكر
стр. 4006
ولا غيرهما لأنه أسكن للخاطر، وأجصع للفكر فيما يتعلق بالجنازة، وهو المطلوب في هذا الحال (١).
٩٥ - ومنها: القيام للجنازة .
روى عبد الرزاق عن إبراهيم النخعي قال: أول من قام للجنائز اليهود (٢).
وروى أبو داود، والتّرمذي، وابن ماجه -وضُعِّف- عن عبادة بن الصَّامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا تبع جنازة لم يقعد حتى توضع في اللَّحد، فعرض له حبر فقال: هكذا نصنع يا محمد، فجلس رسول الله ﷺ ، وقال: "خَالِفُوهُمْ" (٣).
وروى الإمام أحمد عن عبد الله بن سخبرة الأزدي رحمه الله تعالى قال: إنا لجلوس مع علي رضي الله تعالى عنه ننتظر جنازة إذ مرت بنا جنازة، فقمنا، فقال علي رضي الله تعالى عنه: ما يقيمكم؟
فقلنا: هذا ما تأتونا به يا أصحاب رسول الله ﷺ . قال: وما ذاك؟
قال: زعم أبو موسى رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال:
стр. 4007
"إِذا مَرَّتْ بِكُمْ جِنازَةٌ فَإن كانَ مُسْلِماً أَوْ يَهُوديًّا أَوْ نَصْرانِيًّا فَقُومُوا لَهَا؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَها نقُومُ، وَلَكِنْ نَقُوْمُ لِمَنْ مَعَها مِنَ المَلائِكَةِ".
فقال علي ﵁: ما فعلها رسول الله ﷺ غير مرة برجل من اليهود؛ كانوا أهل الكتاب، وكان يتشبه بهم، فإذا نُهِيَ انتهى، فما عاد بعد (١).
وروى النسائي عن مسعود بن الحكم، عن علي ﵁ قال: ذكر القيام على الجنازة حتى توضع، فقال علي رضي الله تعالى عنه: قام رسول الله ﷺ ، ثمَّ قعد.
وحديث علي ﵁ في "صحيح مسلم" مختصراً (٢).
وأخرجه ابن حبان بلفظ: كان يأمرنا بالقيام في الجنائز، ثم جلس بعد ذلك، وأمرنا بالجلوس (٣).
وروى البيهقي: أن علياً رضي الله تعالى عنه رأى ناساً قياماً ينتظرون الجنازة أن توضع، فأشار إليهم بدرة معه، أو سوط أن اجلسوا؛ فإن رسول الله ﷺ قد جلس بعد أن كان يقوم (٤).
стр. 4008
واختار ابن عقيل من الحنابلة، والنَّووي من أصحابنا في "شرح مسلم" و"المهذب" وفاقًا للمتولِّي ندبَ القيام (١).
ونظر فيه الأذرعي، وهو ظاهر؛ لأنَّ عليًا ﵁ كان أعرف بمراد النَّبي ﷺ من الشيخ بقعوده بعد قيامه، ولذلك أمر القُيَّام بالجلوس (٢).
بل حكي -كما في رواية ابن حبان- أن النَّبي ﷺ أمرهم بالجلوس حين جلس بعد أن كان يقوم، وأكثر الناس الآن يوافقون مختار النَّووي، فيقومون.
٩٦ - ومنها: إيثار الشق على اللحد للميت لغير ضرورة .
روى أصحاب السنن الأربعة -وصححه ابن السكن- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "اللَّحْدُ لَنَا، والشَّقُ لِغَيْرِنَا" (٣).
وروى الإمام أحمد من حديث جرير رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "اللَّحْدُ لَنا، والشَّقُ لِغَيْرِنا أَهْلَ الكِتابِ، أَوْ مِنْ أَهْلِ الكِتابِ" (٤).
стр. 4009
قال العلماء: اللَّحد، وهو أن يحفر ما يلي القبلة ليكون الميت تحت قبلة القبر؛ لأنه ألحد للنَّبي ﷺ كما في "صحيح مسلم"، وغيره (١)، ولقوله: "اللَّحْدُ لَنَا"، إلا أن تكون الأرض رخوة، فيشق في وسط القبر كالنهر، ويبنى جانباه وسقفه، ويرفع السقف قليلًا بحيث لا يمس الميت.
٩٧ - ومنها: وضع الميت في الناووس .
شيء يتخذ من الحجارة أو من الخشب كالصندوق، وقد كان أهل الكتاب وغيرهم يصنعونه.
قال الأوزاعي رحمه الله تعالى: شكت النواويس ما تجد من نتن جيف الكفار (٢)، فأوحى الله تعالى إليها: بطون علماء السوء أنتن مما فيك. نقله حجة الإسلام في "الإحياء"، وغيره (٣).
وقال الشَّافعي رضي الله تعالى عنه: بلغني أنه قيل لسعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه: ألا نتخذ لك شيئاً كأنه الصندوق من الخشب؟
قال: بل اصنعوا بي كما صنعتم برسول الله ﷺ ، انصبوا عليَّ اللَّبِنْ، وأَهِيلوا عليَّ التراب (٤).
стр. 4010
وهو عند "مسلم" موصولًا عنه دون قوله: وأهيلوا عليَّ التراب (١).
وجعلُ الميِّتِ في صندوق ونحوه مكروه، ولا تنفذ فيه وصية إلَّا إن احتيج إليه لنداوة الأرض ونحوها كما لو كان الميت متهرياً لا يضبطه إلا ذلك، أو دفن بأرض مَسْبَعة بحيث لا يصونه من السِّباع إلا ذلك؛ كما بحثه الأذرعي وأقرَّ عليه.
٩٨ - ومنها: أن اليهود والنَّصارى يجعلون طول القبر جنوبًا وشمالًا .
قال المتولي من أصحابنا الشَّافعية: يستحب جعل عرض القبر مما يلي القبلة، فإن جعل طولًا إليها بحيث إذا وضع الميت يكون رجلاه إلى القبلة، فإن فعل لضيق مكان لم يكره، وإلا كره.
وظاهر كلامه أن الكراهة فيما ذكر للتنزيه.
وتعقبه الأذرعي فقال: وينبغي تحريم جعل القبر كذلك بلا ضرورة لأنه يؤدي إلى انتهاك حرمته، وسب صاحبه لاعتقاد أنه من اليهود أو النَّصارى؛ فإن هذا شعارهم، انتهى (٢).
وهذا محله فيما لو وجِّهَ إلى القبلة، فأما لو وجه إلى الشرق أو الغرب أو الشمال حرم مطلقاً، ووجب نبشه ليوجه إلى القبلة ما لم يتغير.
стр. 4011
٩٩ - ومنها: رفع القبر عن الأرض أكثر من شبر، وتسنيمه .
روى ابن أبي عاصم عن معاوية رضي الله تعالى عنه أنه قال: إن تسوية القبر من السنَّة، وقد رفعت اليهود والنَّصارى فلا تشبهوا بهم (١).
وإنما قيدنا بالرفع بأكثر من شبر؛ لأنَّ هذا قدر ارتفاع قبر رسول الله ﷺ كما روى ابن حبَّان في "صحيحه" عن جابر (٢).
وأما ما رواه مسلم، وأبو داود، والنسائي عن أبي علي الهمداني قال: كنا مع فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه بأرض الروم بِرُودَس، فتوفي صاحب لنا، فأمر فضالة بقبر فسُوِّي، ثمَّ قال: سمعت رسول الله ﷺ يأمر بتسويتها (٣).
وعن علي رضي الله تعالى عنه: أمرني رسول الله ﷺ أن لا أدع قبرًا مشرفاً إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته (٤).
فالمراد بالتَّسوية فيهما، وفي كلام معاوية: التسطيح لا التَّسوية
стр. 4012
بالأرض جمعاً بين الأحاديث كما نقله النَّووي عن الأصحاب (١).
ومذهب الشَّافعي ﵁: أن تسطيح القبر أفضل من تسنيمه، واحتج بحديث فضالة وعلي رضي الله تعالى عنهما كما نبه عليه الحافظ ابن حجر العسقلاني في "تخريج أحاديث الرافعي" (٢).
وعن أبي حنيفة، ومالك، وأحمد رضي الله تعالى عنهم: أن التسنيم أفضل، وعللوه بأن التَّسطيح صار شعارًا للشِّيعة، واحتج له (٣).
قلنا: إن السنة لا تترك لموافقة أهل البدع فيها لأنه معارض أيضًا بأن التسنيم من شعار أهل الكتاب.
ثمَّ إن التسطيح هو ما عليه قبر النَّبي ﷺ وقبر صاحبيه رضي الله تعالى عنهما كما روى أبو داود بإسناد صحيح، عن القاسم بن محمَّد رحمه الله تعالى قال: دخلت على عائشة ﵂ فقلت لها: اكشف لي عن قبر النَّبي ﷺ وصاحبيه، فكشفت عن ثلاثة قبور لا مشرفة، ولا لاطية، مسطوحة ببطحاء العرصة الحمراء (٤).
أي: لا مرتفعة كثيرًا، ولا لاصقة بالأرض.
стр. 4013
وعورض بما رواه البخاري عن سفيان التمَّار: أنه رأى قبر النَّبي ﷺ مسنماً (١).
قال البيهقي: يمكن الجمع بينهما بأنه كان أولًا مسطحاً كما قال القاسم، ثم لما سقط الجدار في زمن الوليد بن عبد الملك أصلح فجعل مسنماً.
قال: وحديث القاسم أولى وأصح (٢).
١٠٠ - ومنها: نبش القبور، وسرقة الأكفان .
روى البخاري في باب: ما يذكر عن بني إسرائيل، عن رِبعي بن خِراش رحمه الله تعالى قال: قال عقبة بن عمرو لحذيفة رضي الله تعالى عنهما: ألا تحدثنا ما سمعت من رسول الله ﷺ ؟
قال: إني سمعته يقول -وذكر حديثين- ثمَّ قال: وسمعته ﷺ يقولُ: "إِنَّ رَجُلًا حَضَرَهُ المَوْتُ، فَلَمَّا يئسَ مِنَ الحَياةِ أَوْصَى أَهْلَهُ: إِذا أَنا مُتُّ فاجْمَعُوا لِي حَطَباً كَثِيْرًا وَأَوْقِدُوا ناَرًا، حَتَّى إِذا أَكَلَتْ لَحْمِي وَخَلَصَتْ إلَى عَظْمِي فامْتُحِشَتْ، فَخُذُوْها فاطْحَنُوها، ثُم انْظُرُوا يَوْماً رَاحًا فاذْرُوْها في اليَمِّ، فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ اللهُ وَقالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ خَشْيَتِكَ، فَغَفَرَ لَهُ".
стр. 4014
قال عقبة بن عمرو: وأنا سمعته يقول ذلك، وكان نباشاً (١).
قلت: وقد يعارض هذا ما رواه أبو نعيم في "معرفة الصَّحابة" عن عبيد الجهني -وكانت له صحبة- قال: قال رسول الله ﷺ : "أتَانِي جِبْرِيلُ ﵇: إِنَّ في أُمَّتِكَ ثَلاثَةُ أَعْمالٍ لَمْ يَعْمَلْ بِها الأُمَمُ قَبْلَها: النَّبَّاشُونَ، والمُتَسَمِّنُونَ، والنِّساءُ بِالنّساءِ" (٢).
ويحتمل أن يقال: إن معنى: لم يعمل بها الأمم؛ أي: لم يظهر العمل بها فيهم، فلا ينافي أن يعمله واحد منهم.
١٠١ - ومنها: حبُّ الدُّنيا .
بل هو خلق كل إنسان إلا من عصم الله تعالى ورحمه.
قال الله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: ١٤].
قال بعض العلماء: هذه الآية تعريض بما كان عليه اليهود من الانهماك في هذه الشهوات.
وتقدم أن بضعاً وثمانين آية من أول سورة آل عمران نزلت في
стр. 4015
نصارى نجران، وهذه الآية منها، فتكون تعريضاً بأغنياء النَّصارى أيضًا.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزُّهد"، ومن طريقه إبراهيم عن الحسن رحمه الله تعالى قال: لقد عبدت بنو إسرائيل الأصنام بعد عبادتهم الرَّحمن لحبهم الدُّنيا (١).
قلت: لمَّح الحسن إلى عبادتهم العِجل لكونه صيغ من الذهب.
قال الله تعالى: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣]؛ أي: حب العجل.
ومن ثم كان عيسى ﵇ يحث على الزُّهد، ويمدح الفقر خشية أن يقع قومه فيما وقع فيه بنو إسرائيل.
وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الدُّنيا" عن الحسن -مرسلًا- قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الدُّنْيا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ، وَإِنَّ اللهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيْها، فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ؛ إِنَّ بَنِي إِسْرائِيلَ لَمَّا بُسِطَتْ لَهُمُ الدُّنْيا وَمُهِّدَتْ باهوا في الحلية والنِّساءِ، والطِّيْبِ والثِّيابِ" (٢).
وهو في "صحيح مسلم" من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه دون قوله: "إنَّ بني إسرائيل"؛ زاد: "فاتَّقُوا الدُّنْيا، واتَّقُوا النِّساءَ" (٣).
وأخرجه النسائي، وزاد: "فَما تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَة أَضَرَّ عَلَى
стр. 4016
الرِّجالِ مِنَ النِّساءِ" (١).
وروى الشَّيخان عن عمرو بن عوف الأنصاري رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ بعث أبا عبيدة بن الجرَّاح إلى البحرين يأتي بجزيتها، فقدم بمال من البحرين، فسمع الأنصار بقدوم أبي عبيدة، فوافوا صلاة الفجر مع رسول الله ﷺ ، فلما صلَّى رسول الله ﷺ انصرف فتعرضوا له، فتبسَّم رسول الله ﷺ حين رآهم، ثمَّ قال: "أَظُنُّكُمْ سَمِعْتُمْ أَنَّ أَبا عُبَيْدَةَ قَدِمَ بِشَيْءٍ مِنَ الْبَحْرَيْنِ".
قالوا: أجل يا رسول الله.
فقال: "أَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا، فَواللهِ ما الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيا عَلَيْكُمْ كَما بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنافَسُوهَا كَمَا تَنافَسُوها، فتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُم" (٢).
واعلم أنه لم تأت شريعة قبل شريعة محمد ﷺ بمدح الفقر وذم الغنى وحبِّ الدُّنيا بمثل ما جاءت به شريعة عيسى ﵊، ومن ثمَّ كانت مظهرية الزهد فيه وفي ملته أظهر منها في الملل السابقة، وكثر في ملته الترهب والتقشف، وكان حبُّ الدُّنيا عندهم قبيحًا، ومن أحبَّها بولغ في ذمه.
стр. 4017
قال مكحول رحمه الله تعالى: قال عيسى بن مريم ﵉: يا معشر الحواريين! أيُّكم يستطيع أن يبني على موج البحر داراً؟
قالوا: يا روح الله! ومن يقدر على ذلك؟
قال: إيَّاكم الدُّنيا فلا تتخذوها داراً (١).
وقال خيثمة بن عبد الرحمن رحمهما الله تعالى: قال عيسى بن مريم ﵉ لرجل: تصدَّق بمالك والحقني.
قال: فنكس، فقال عيسى ﵇ بشدة: ما يدخل الغني الجنة (٢).
وقال وهب بن منبه رحمه الله تعالى: قال عيسى بن مريم ﵉ للحواريين: بحق أقول لكم -وكان كثيرًا ما يقول: بحق أقول لكم-: إن أشدَّكم حباً للدُّنيا أشدُّكُم جزعاً على المصيبة (٣).
وقال أيضًا: إن عيسى ﵇ قال: بحق أقول لكم: إن أكناف السماء لخالية من الأغنياء، ولدخول جمل في سَمِّ الخِياط أيسر من دخول غني الجنة (٤).
стр. 4018
وقال سفيان رحمه الله تعالى: كان عيسى بن مريم ﵉ يقول: حبُّ الدنيا رأس كل خطيئة، والمال فيه داء كثير.
قالوا: وما داؤه؟
قال: لا يسلم صاحبه من الفخر والخيلاء.
قالوا: فإن سلم؟
قال: يشغله إصلاحه عن ذكر الله (١). رواهما (٢) أحمد في "الزهد".
وروى ابنه في "زوائده" عن ابن شوذب قال: قال عيسى ﵇: جودة الثياب خيلاء القلب (٣).
والآثار عن سيدنا عيسى ﵊ كثيرة.
وقال بعضهم في معنى كلامه المتقدم: [من الخفيف]
أَيُّها الْمَرْءُ إِنَّ دُنْياكَ بَحْرٌ ... مَوْجُهُ طامحٌ فَلا تأمنَنْها
وَسَبِيْلُ النَّجاةِ فِيْها يَسِيْرٌ ... وَهْوُ أَخْذُ الْكَفافِ والقُوتِ مِنْها (٤)
стр. 4019
وروى الحاكم -وقال: صحيح الإسناد- عن ابن عباس ﵄ قال: قال عمر رضي الله تعالى عنه: استأذنت على رسول الله ﷺ ، فدخلت عليه في مشربة وإنه لمضطجع على خصفة إن بعضه ليلي التراب، وتحت رأسه وسادة محشوة ليفاً، وإن فوق رأسه لإهاب عطن، وفي ناحية المشربة، فسلمت عليه فجلست، فقلت: أنت نبي الله وصفوته، وكسرى وقيصر على سُرُر الذَّهب، وفرش الدِّيباج والحرير؟
فقال: "أُولَئِكَ عُجِّلَتْ لَهُمْ طَيِّباتُهُمْ وَهيَ وَشِيْكَةُ الانْقِطاعِ، وَإِنَّا قَومٌ أُخِّرَتْ لَنَا طَيباتُنا في آخِرَتنا" (١).
ورواه ابن ماجه معناه، وقال فيه: "يَا ابْنَ الْخَطَّابِ! أَما تَرْضَى أَنْ تَكُوْنَ لَنا الآخِرَةَ وَلَهُمُ الدُّنْيا؟ " (٢).
وروى الطَّبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النَّبي ﷺ وهو في غرفة كأنها بيت حمام، وهو نائم على حصير قد أثر بجنبه، فبكيت، فقال: "مَا يُبْكِيكَ يا عَبْد اللهِ؟ ".
قلت: يا رسول الله! كسرى وقيصر يطئون على الخَزِّ والدِّيباج والحرير، وأنت نائم على هذا الحصير قد أثر بجنبك.
فقالَ: "فَلا تَبْكِ يا عَبْد اللهِ؛ فَإنَّ لَهُمُ الدُّنْيا وَلَنا الآخِرَةَ، وَمَا أَنَا
стр. 4020
والدُّنْيا، وَما مَثَلِي وَمَثَلُ الدُّنْيَا إِلَّا كَمَثَلِ رَاكِبٍ نزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ سَارَ وَتَرَكَهَا". ورواه أبو الشيخ بنحوه (١).
وهو عند التِّرمذي وصححه، وابن ماجه باختصار (٢).
وروى البزار -بإسناد جيدٍ- عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "إِنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُم الدِّيْنارُ وَالدِّرْهَمُ، وَهُمَا مُهْلِكَاكُمْ" (٣).
وروى الخِلَعي في "فوائده" عن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النَّبي ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "هَنِيْئاً لِلْمُتَحابيِّنَ في اللهِ جَنَّاتِ عَدْنٍ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُرَافِقَنِي فِيْها فَلْيُنْصِفْ مِنْ نَفْسِهِ، وَمَنْ أَمْسَى وَأَصْبَحَ وَهَمُّهُ الدِّيْنارُ والدِّرْهَمُ تَكاثُرًا حَشَرَهُ اللهُ مَعَ اليَهُودِ والنَّصَارَى والَّذِيْنَ قَالُوا: ﴿مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] (٤).
١٠٢ - ومن أخلاق أهل الكتاب: المباهاة بالدنيا، والتكاثر بها .
تقدم الحديث أن بني إسرائيل لما بسطت لهم الدنيا ومهدت
стр. 4021
باهوا في الحلية والنساء، والطيب والثياب.
وروى ابن أبي حاتم عن قتادة في قوله تعالى: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، قال: نزلت في اليهود (١).
وروى الحاكم وصححه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "ما أَخْشَى عَلَيْكُمُ الفَقْرَ، وَلَكِنْ أَخْشَى عَلَيْكُمُ التَّكاثُرَ" (٢).
وتقدم في حديث "الصحيحين": "مَا الفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ، وَلَكِنْ أَخْشَى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَتَنافَسُوهَا كَمَا تَنافَسُوها، فَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ".
تَابِع
(١١) بَابُ النَّهْي عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الكِتَابِ
١٠٣ - ومنها: البخل، والأمر به، ومنع من تجب عليه الزكاة الزكاة، ومنع الزَّكاة ممن تجب عليه، وأخذ من لا يستحقها منها .
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]؛ هي في أهل الكتاب على ما سنبينه.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
قيل: إنهم كانوا يأمرون بالزَّكاة والصَّدقات، فَتدفع إليهم الناس صدقاتهم ليقسموها في الفقراء، فكانوا يستأثرون بها ويكنزونها، ولذلك قال عقبَه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
стр. 4028
﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
وهذه الآية سبب سكنى أبي ذر رضي الله تعالى عنه بالربذة بإشارة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وهي إحدى ما انتقده الخارجون على عثمان رضي الله تعالى عنه.
والذي في "صحيح البخاري" عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبذة فإذا أنا بأبي ذر ﵁، فقلت له: ما أنزلك هذا المنزل؟
قال: كنت بالشّام فاختلفت أنا ومعاوية في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: نزلت في أهل الكتاب.
فقلت: نزلت فينا وفيهم.
وكان بيني وبينه في ذلك، فكتب إلى عثمان رضي الله تعالى عنه يشكوني، فكتب إليَّ عثمان رضي الله تعالى عنه أن اقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليَّ النَّاس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان رضي الله تعالى عنه، فقال لي: إن شئت تنحَّيت وكنت قريبًا، فذلك أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروا عليَّ حبشيًا لسمعت وأطعت (١).
وليس في بني إسرائيل ولا غيرهم من تظاهر بمنع الزكاة بأبلغ مما تظاهر به قارون.
стр. 4029
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦].
قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: كان قارون ابن عم موسى ﵊. رواه الفريابي (١).
وقيل: كان عمه.
وقيل: ابن خالته (٢).
وكان عامل فرعون علي بني إسرائيل، فتعدى عليهم وظلمهم.
وهو معنى قوله: ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] كما نقله الثَّعلبي، وغيره عن سعيد بن جبير، ويحيى بن سلام (٣).
وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن قتادة قال: كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان يسمى المنوَّر من حسن صوته بالقرآن، ولكن عدوَّ الله نافق كما نافق السَّامُري، فأهلكه الله ببغيه.
قال: وإنما بغى لكثرة ماله وولده (٤).
стр. 4030
قيل: وكان من بغيه أنَّ النبوة كانت في موسى، والحبورة كانت في هارون، فحسدهما.
والمعنى أنه غار على النُّبوة أن يتظاهر بها موسى.
ولا يمنع ذلك من شركة هارون معه في النبوة، وعلى الحبورة؛ أي: إفادة العلم أن يتظاهر بها هارون مع أن قارون كان قد جمع التوراة والعلم، إلا أن الناس لم يقبلوا ما عليه بالسؤال عن العلم والاستفادة منه كما أقبلوا على موسى وهارون، فحسدهما حتى جرَّه الحسد إلى البغي.
وفي الحديث: "وَإِذَا حَسَدْتَ فَلا تَبغِ" (١)؛ أي: بأن تتمنى زوال النعمة عن محسودك، أو تسعى في ضرره كما فعل قارون.
وروى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦] قال: كان ابن عمه، وكان يتتبع العلم حتى جمع علمًا، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده، فقال له موسى: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى، فقال: إن موسى يريد أن يأكل أموالكم ... الحديث على ما سيأتي (٢).