تَابِع
(١١) بَابُ النَّهْي عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الكِتَابِ
١٠٣ - ومنها: البخل، والأمر به، ومنع من تجب عليه الزكاة الزكاة، ومنع الزَّكاة ممن تجب عليه، وأخذ من لا يستحقها منها .
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ﴾ [النساء: ٣٧]؛ هي في أهل الكتاب على ما سنبينه.
وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾ [البقرة: ٨٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
قيل: إنهم كانوا يأمرون بالزَّكاة والصَّدقات، فَتدفع إليهم الناس صدقاتهم ليقسموها في الفقراء، فكانوا يستأثرون بها ويكنزونها، ولذلك قال عقبَه: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ
стр. 4028
﴿فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ [التوبة: ٣٤ - ٣٥].
وهذه الآية سبب سكنى أبي ذر رضي الله تعالى عنه بالربذة بإشارة عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، وهي إحدى ما انتقده الخارجون على عثمان رضي الله تعالى عنه.
والذي في "صحيح البخاري" عن زيد بن وهب قال: مررت بالرَّبذة فإذا أنا بأبي ذر ﵁، فقلت له: ما أنزلك هذا المنزل؟
قال: كنت بالشّام فاختلفت أنا ومعاوية في ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، فقال معاوية رضي الله تعالى عنه: نزلت في أهل الكتاب.
فقلت: نزلت فينا وفيهم.
وكان بيني وبينه في ذلك، فكتب إلى عثمان رضي الله تعالى عنه يشكوني، فكتب إليَّ عثمان رضي الله تعالى عنه أن اقدم المدينة، فقدمتها، فكثر عليَّ النَّاس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك، فذكرت ذلك لعثمان رضي الله تعالى عنه، فقال لي: إن شئت تنحَّيت وكنت قريبًا، فذلك أنزلني هذا المنزل، ولو أمَّروا عليَّ حبشيًا لسمعت وأطعت (١).
وليس في بني إسرائيل ولا غيرهم من تظاهر بمنع الزكاة بأبلغ مما تظاهر به قارون.
стр. 4029
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ [القصص: ٧٦].
قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: كان قارون ابن عم موسى ﵊. رواه الفريابي (١).
وقيل: كان عمه.
وقيل: ابن خالته (٢).
وكان عامل فرعون علي بني إسرائيل، فتعدى عليهم وظلمهم.
وهو معنى قوله: ﴿كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦] كما نقله الثَّعلبي، وغيره عن سعيد بن جبير، ويحيى بن سلام (٣).
وروى ابن أبي حاتم، وغيره عن قتادة قال: كان قارون ابن عم موسى أخي أبيه، وكان قطع البحر مع بني إسرائيل، وكان يسمى المنوَّر من حسن صوته بالقرآن، ولكن عدوَّ الله نافق كما نافق السَّامُري، فأهلكه الله ببغيه.
قال: وإنما بغى لكثرة ماله وولده (٤).
стр. 4030
قيل: وكان من بغيه أنَّ النبوة كانت في موسى، والحبورة كانت في هارون، فحسدهما.
والمعنى أنه غار على النُّبوة أن يتظاهر بها موسى.
ولا يمنع ذلك من شركة هارون معه في النبوة، وعلى الحبورة؛ أي: إفادة العلم أن يتظاهر بها هارون مع أن قارون كان قد جمع التوراة والعلم، إلا أن الناس لم يقبلوا ما عليه بالسؤال عن العلم والاستفادة منه كما أقبلوا على موسى وهارون، فحسدهما حتى جرَّه الحسد إلى البغي.
وفي الحديث: "وَإِذَا حَسَدْتَ فَلا تَبغِ" (١)؛ أي: بأن تتمنى زوال النعمة عن محسودك، أو تسعى في ضرره كما فعل قارون.
وروى ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى﴾ [القصص: ٧٦] قال: كان ابن عمه، وكان يتتبع العلم حتى جمع علمًا، فلم يزل في أمره ذلك حتى بغى على موسى وحسده، فقال له موسى: إن الله أمرني أن آخذ الزكاة، فأبى، فقال: إن موسى يريد أن يأكل أموالكم ... الحديث على ما سيأتي (٢).
стр. 4031
ونقل الثَّعلبي، وغيره عن الضَّحاك: أن بغي قارون كفره (١).
وقيل: نسبته ما آتاه الله تعالى إلى نفسه بعلمه وحيلته كما قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].
قال ابن زيد: أي: بفضلي.
وقال علي بن عيسى: على علم وحيلة عندي، ومعرفة بوجوه المكاسب والتِّجارات.
وعن ابن عبَّاس: ﴿عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ بصنعة الذَّهب.
قال القرطبي: وأشار إلى علم الكيمياء.
وحكى النقَّاش أنَّ موسى ﵇ علَّمه الثلث من صنعة الكيمياء، ويوشع الثلث، وهارون الثلث، فخدعهما قارون، وكان على إيمانه حتى علم ما عندهما، وعمل الكيمياء، فكثرت أمواله (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن الوليد بن زروان في قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ﴾ [القصص: ٧٦]، قال: كان قارون يعلم الكيمياء (٣).
وروى عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: بلغنا أن قارون لمَّا أوتي الكنوز والمال جعل باب داره من ذهب، وجعل داره كلها من صفائح الذَّهب، وكان الملأ من بني إسرائيل يغدون
стр. 4032
عليه ويروحون فيطعمهم الطَّعام، ويتحدثون عنده (١).
وفي حديث سلمان رضي الله تعالى عنه مرفوعًا: "كانَتْ دارُ قارُونَ مِنْ فِضَّةٍ وَأَساسُها مِنْ ذَهَبٍ" (٢).
والأساس -بفتح الهمزة-: أصل البناء، ومثله الأس مثلثًا، والأَسَسُ -بفتحتين- ويجوز أن يكون بكسر الهمزة، ولعله أقرب إلى الرواية: جمع أس.
وجمع الأساس أُسَس -بضم فَفَتْح- وأساسات، وجمعه المتحرك: آساس كأسباب.
والمراد بالأساس في الحديث: أصول البناء الظَّاهرة لا المطمورة في الأرض، وإنما كانت ذهبًا والأعالي فضَّة ليقرب الذَّهب من الساكن في البناء بخلاف ما لو عكس.
قال الله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾. القائل له: موسى، أو المؤمنون من قومه: ﴿لَا تَفْرَحْ﴾؛ أي: بما أوتيته من الدنيا وإن كثر؛ لأنَّ الفرح به نتيجة حبه والرضى به، وهو مانع من محبة الله تعالى التي هي شرط الإيمان به ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦]؛ تعليل لنهيهم إياه عن الفرح بالدُّنيا.
стр. 4033
قال مجاهد في قوله: ﴿لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾: المتبدِّخين الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله تعالى على ما أعطاهم. رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
وقال في رواية لابن أبي حاتم: الفرح ها هنا هو البغي (٢).
وقال ابن عبَّاس: المرحين. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (٣).
وقيل: الباخلين (٤).
وكل ذلك إما تفسير للفرح بلازمه، أو بما يترتب عليه.
والتبدخ - بمعجمات وبدال مهملة - كما حكاه في "القاموس": التَّعظم، والتَّكبر، والعلو.
ويقال: بدخ مثلث الدال المهملة، وبذخ - بكسر المعْجمة -: تكبر بذخاً - بالتحريك - (٥).
والأشر والمرح بمعنى، أو هما بمعنى النشاط والتبختر.
والبطر: النشاط، والأشر، وقلة احتمال النعمة، والدهش والحيرة،
стр. 4034
والطغيان بالنعمة، وكراهة الشيء من غير أن يستحق الكراهة؛ فعل الكل كفرح.
وبطر الحق أن يتكبر عنده فلا يلحقه؛ قاله في "القاموس" (١).
واستقرب الوالد تفسير الفرح في الآية بالبطر، وأنشد قول بعض العرب:
لَسْتُ بِفَرَّاحٍ إِذا الدَّهْرُ بَسَر
فإنه يدل على أن الفرح قد يراد به ما هو فوق السرور؛ فإن مطلق السُّرور بالشيء لا يستحق عليه الإنسان أن يذم ولا يمتدح فيه.
قال تعالى حكايته عن القائلين لقارون: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ﴾ [القصص: ٧٧]؛ أي: اطلب فيما أعطاك الله من الدُّنيا ما ينفعك في الدار الآخرة لتكون عبدًا صالحًا، ويكون مالك صالحًا.
وفي الحديث: "نِعْمَ الْمالُ الصَّالحُ لِلْعَبْدِ الصَّالِح" (٢).
﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧]؛ أي: ما تتمتع به من الحلال.
وقال مجاهد: ﴿نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: الذي تثاب عليه في
стр. 4035
الآخرة. رواه عبد الرزاق، والفريابي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
وقال ابن عباس: نصيبك من الدُّنيا: أن تعمل فيها لآخرتك.
وفي رواية: أن تعمل لله. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (٢).
وعندي أنه لا يفسر بأجمع مما اشتمل عليه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُوْلُ العَبْدُ: مَالِي، مَالِي، وَإِنَّما لَهُ مِنْ مَالِهِ ثلاثة: مَا أَكَلَ فَأَفْنَى، أَوْ لَبِسَ فَأَبْلَى، أَوْ تَصَدَّقَ فَأَبْقَى، وَما سِوَى ذَلِكَ فَهُو ذاهِبٌ وَتَارِكُهُ لِلنَّاسِ". رواه مسلم (٣).
وحديث عبد الله بن الشخير رضي الله تعالى عنه قال: انتهيت إلى رسول الله ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١]، وفي لفظ: وقد أنزلت عليه: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، وهو يقول: " [يقول] ابن آدَمَ مَالِي مَالِي، وَهَلْ لَكَ مِنْ مَالِكَ إِلَّا ما أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَوْ لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَبْقَيْتَ" (٤).
وفي لفظ الطبراني: "أَوْ أَعْطَيْتَ فَأَمْضَيْتَ" (٥).
стр. 4036
وقيل في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾: إنه الكفن؛ فإنه لا بد لكل واحد منه (١).
وقد قيل: [من البسيط]
هِيَ الْقَناعَةُ لا تَبْغِي بِها بَدلًا ... فِيها النَّعِيْمُ وَفِيها راحَةُ الْبَدَنِ
انْظُرْ لِمَنْ مَلَكَ الدُّنْيا بِأَجْمَعِها ... هَلْ راحَ مِنْها بِغَيْرِ الْقُطْنِ والْكَفَنِ
قال: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾؛ أي: أطعه كما أنعم عليك ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ﴾؛ أي: بالمعاصي ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ (٧٧) قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٧ - ٨٧].
قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ﴾ [القصص: ٧٨].
وهذا أنزله الله تعالى عقب ذكر محاورة قارون لقومه على وجه المراد لقوله، أو التعجيب، أو التوبيخ له وإن كان هالكًا على حد قوله ﷺ لصناديد قريش بعد أن قُتلوا وهم في قَليب بدر: "إِنِّي وَجَدْتُ ما وَعَدَنِي حَقًّا، فَهَلْ وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ " (٢)، أو لمن هو على مثل حال قارون من الاغترار بالقوة والأموال.
стр. 4037
قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩].
قال ابن جريج رحمه الله تعالى: خرج على بغلة شهباء عليها الأرجوان، ومعه ثلثمئة جارية على البغال الشهب، عليهن الثياب الحمر (١).
وقال السدي: خرج في جواري بيض على سروج من ذهب، عليهن ثياب حمر، وحلي ذهب (٢).
وقال عطاء: خرج في ثوبين أحمرين (٣).
وقال الحسن: في ثياب صفر وحمر (٤). رواها ابن أبي حاتم.
وقال الكلبي: خرج في ثوب أخضر كان الله تعالى أنزله على موسى ﵇ من الجنة فسرقه قارون. ذكره الثعلبي وغيره (٥).
وفيه أقوال أُخر تقدّمت في محلها.
وروى الديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَرْبَعُ خِصالٍ مِنْ خِصَالِ [آل] قارُونَ: لِباسُ الخِفافِ
стр. 4038
الْمَقْلُوبَةِ، وَلِباسُ الأُرْجُوانِ، وَجَرُّ نِعَالِ السُّيُوفِ، وكانَ الرَّجُلُ لا يَنْظُرُ إِلى وَجْهِ خادِمِهِ تَكَبُّرًا" (١).
والأرجوان قال في "القاموس": بالضم الأحمر.
وثياب حمر: جمع أحمر، والحمرة وأحمر: أرجواني قاني (٢).
وأورد ابن ظَفْر هذا الحديث في "تفسيره"، فقال: وكان أحدهم لا ينظر في وجه جارية إلا بكرًا.
وروى ابن أبي حاتم عن عبدة بن أبي لبابة رضي الله تعالى عنه: أول من صبغ بالسَّواد قارون؛ يعني: الشيب (٣).
ويعارضه ما سبق أن أول من صبغ به فرعون.
ويجاب بأنهما تواردا على الأولية، أو فرعون أول من صبغ مطلقًا وقارون أول من صبغ من بني إسرائيل.
قال الله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾؛ أي: عند نظرهم إليه في خروجه في زينته ﴿يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩].
وهم جماعة من أهل التوحيد كما رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن قتادة (٤).
стр. 4039
وقيل: من الكفار.
قال والدي في "تفسيره": يكون على الأول قولهم غبطة؛ وهي لا تضر المؤمن، وعلى الثاني حسداً.
قلت: ولا مانع أن يكون حسداً على الأول لأنه قد يقع من الموحدين.
بل قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ [القصص: ٨٢]، تصريح بأنهم كانوا موحدين، وبأن قولهم كان حسدًا لأنه وصفهم بتمني مكانه، إلا أن نقول: هو على تقدير: مثل مكانه.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾؛ أي: النافع ﴿وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ﴾ [القصص: ٨٠].
الضمير في: ﴿يُلَقَّاهَا﴾ يعود إلى الثواب بمعنى المثوبة، أو السيرة التي هي الإيمان والعمل الصَّالح.
أو هو من قول الله تعالى مقطوعاً عن قول أهل العلم، وعليه: فالضمير عائد إلى الكلمة التي قالوها.
و﴿يُلَقَّاهَا﴾ بمعنى: يلقنها، ويلهمها.
قال تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١].
قال ابن عباس في حديثه الذي صححه الحاكم، وأشرنا إليه سابقًا: فقال له -أي: لقارون- موسى ﵇: إن الله أمرني أن
стр. 4040
آخذ الزَّكاة فأبى، وقال: إن موسى يريد أن يأكل أموالكم، جاءكم بالصَّلاهَ، وجاءكم بأشياء فاحتملتموها، فتحتملون أن تعطوه أموالكم؟ فقالوا: لا نحتمل فما ترى؟ فقال لهم: أرى أن أرسل إلى بَغِيِّ من بغايا بني إسرائيل فنرسلها إليه فترميه بأنه راودها على نفسها، فأرسلوا إليها، فقالوا لها: نعطيك حكمك على أن تشهدي على موسى أنه فَجَرَ بكِ، قالت: نعم، فجاء قارون إلى موسى، قال: اجمع بني إسرائيل فأخبرهم بما أمرك ربك، قال: نعم، فجمعهم، فقالوا له: بم أمر ربك؟ قال: أمرني أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تصلوا الرَّحم، وكذا وكذا، وأمرني في الزاني إذا زنى وقد أحصن أن يرجم، قالوا: ولو كنت أنت؟ قال: نعم، قالوا: فإنك قد زنيت، قال: أنا؟ فأرسلوا إلى المرأة فجاءت، فقالوا: ما تشهدين على موسى؟ فقال لها موسى ﵇: أنشدك بالله إلا ما صدقت، فقالت: أما إذ نشدتني بالله، فإنهم دعوني وجعلوا لي جُعلاً على أن أقذفك بنفسي، وأنا أشهد أنك بريء، وأنك رسول الله، فخرَّ موسى ﵇ ساجداً يبكي، فأوحى الله تعالى إليه: ما يبكيك؟ قد سلطناك على الأرض فمرها تطيعك، فرفع رأسه، فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى أعقابهم، فجعلوا يقولون: يا موسى! يا موسى! فقال: خذيهم، فأخذتهم إلى رُكَبهم، فجعلوا يقولون: يا موسى! يا موسى! فقال: خذيهم، فأخذتْهُم فغيبتهم، فأوحى الله إليه: يا موسى! سألك عبادي وتضرعوا إليك فلم تجبهم، وعزتي لو أنهم دعوني لأجبتهم.
стр. 4041
قال ابن عباس: وذلك قوله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ [القصص: ٨١]؛ خسف به إلى الأرض السفلى (١).
وإنما فعل موسى ﵇ ذلك ولم ينخدع لاستغاثة قارون وقومه به غضباً لله تعالى لا لنفسه كما روي في الأثر، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾، فنسب فعل موسى إلى نفسه.
وروى عبد الرزاق، وابن أبي حاتم عن أبي عمران الجوني أنه قيل لموسى ﵇: لا أُعْبِدُ الأرض بعدك أحدًا أبداً (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن سمرة بن جندب ﵁ قال: يخسف بقارون وقومه في كل يوم قدر قامة، فلا يبلغ الأرض السفلى إلى يوم القيامة (٣).
وروى عبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن قتادة، وابنُ المنذر عن ابن جريج قالا: ذكر لنا أنه يخسف به كل يوم قامة، وأنه يتجلجل فيها لا يبلغ قعرها إلى يوم القيامة (٤).
وظاهر ذلك يخالف قول ابن عبَّاس: خسف به إلى الأرض السفلى.
стр. 4042
ويجاب بأنه لا تعارض؛ لأنَّ معنى كلام ابن عباس إلى جهة الأرض السفلى، أو خسفاً ينتهي آخرًا إلى الأرض السفلى، وذلك يوم القيامة، وليس معناه خسفاً انتهى إلى الأرض السفلى؛ فتدبره!
وقد اشتمل ما ذكرناه عن قارون وقومه على قبائح، وكلها من أعمال بني إسرائيل التي يجب أن لا يتشبه بهم فيها.
١٠٤ - ١٣٤ - أحدها: منع الزكاة كما تقدم .
وروى الشَّيخان، وأبو داود عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلا فِضَّةٍ لا يُؤَدِّي حَقَّها إِلَّا جُعِلَتْ يَوْمَ القِيامَةِ صَفائِحَ، ثُمَّ أُحْمِيَ عَلَيْها في نَارِ جَهَنَّمَ، ثُمَّ كُوِيَ بِها وَجْهُهُ وَجَبْهَتُهُ وَظَهْرُهُ في يَوْمٍ كانَ مِقْدارُهُ خَمْسِيْنَ ألفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فَيَرَى سَبِيلَهُ؛ إِمَّا إلَى الْجَنَّةِ، وَإِمَّا إلَى النارِ" (١).
وقد امتحن الله تعالى أرباب الأموال الكثيرة بالشُّح بالزكوات مع أن منهم من تسمح نفسه بأضعاف الزكاة في هوى نفسه، والواحد منهم كلما كثر ماله كلما شحت نفسه خصوصاً بالزكاة لأنه يستكثرها، ويستضيعها لو أعطاها الفقراء.
ولقد رأيت من كان يعطي الزكاة وماله قليل، فلما أثرى بخل ومنع.
وقد حكي أن قارون لما أمر بالزكاة حسبها فوجدها شيئًا كثيرًا،
стр. 4043
فقال: يا موسى! ما هذه إلا جزية، أو أخت الجزية (١).
وقد روى ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن خيثمة رحمه الله تعالى قال: كانت مفاتيح خزائن قارون من جلود، كل مفتاح مثل الأصبع، كل مفتاح على خزانة على حدة، فإذا ركب حملت المفاتيح على سبعين بغلًا (٢).
وفي رواية ابن المنذر: لكل مفتاح منها كنز (٣).
- الثاني: موالاة الظَّلمة، والعمل لهم .
حيث كان قارون عاملاً لفرعون، وهو من بني إسرائيل.
فانظر كيف كانت مخالطته للظَّلمة ومعاونته لهم قد أدت به آخرًا إلى النكال، وانظر كيف سرى قبائح فرعون إلى قارون مع أنه ليس من جنسه ولا من قومه، بل بمجرد المخالفة والموالاة.
وقد تقدم تقرير ذلك في مقدمة الكتاب.
وفي الحديث: "الظَّلَمَةُ وَأَعْوانُهُمْ في النَّارِ". أخرجه الدَّيلمي عن حذيفة ﵁ (٤).
стр. 4044
وروى الطَّبراني في "الكبير" - بسند ضعيف - عن أوس بن شرحبيل أحد بني أشجع رضي الله تعالى عنه: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ مَشَى مَعَ ظالِمٍ لِيُعِيْنَهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ ظَالِمٌ فَقَدْ خَرَجَ مِنَ الإِسْلامِ" (١).
- الثالث: مخالطةُ السلاطين، والتردد إليهم لغير ضرورة ملجئة كأن يأمروه ويخشى على نفسه لو خالفهم؛ فإنها تعرضُ للفتنة .
وروى الإمام أحمد، والبيهقي بسند صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ بَدا جَفَا، وَمَنِ اتَّبعَ الصَّيْدَ غَفَلَ، وَمَن أتى أَبْوابَ السَّلاطِيْنِ افتُتِنَ، وَمَا ازْدَادَ عَبْدٌ مِنَ السُّلْطانِ قُرْبًا إِلَّا ازْدادَ مِنَ اللهِ بُعْداً" (٢).
وروى أبو داود، والتِّرمذي وحسَّنه، والنَّسائي من حديث ابن عبّاس بنحوه (٣).
ومن تأمل أمر قارون وما كَمَنَ في نفسه من الظُّلم بسبب تردده إلى فرعون وصحبته تحقق كيف يكون افتتان من يأتي أبواب السلاطين.
стр. 4045
وللسيوطي رحمه الله تعالى جزء في هذا المعنى سمَّاه "ما رواه الأساطين في عدم المجيء إلى السلاطين"، وقد لخصتُهُ في منظومَّةٍ حافلةٍ.
وقال الله تعالى عقب قصَّة قارون: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣].
قال عكرمة رحمه الله تعالى: العلو: التكبر، وطلب الشرف والمنزلة عند سلاطينها وملوكها.
قال: والفساد: العمل بمعاصي الله تعالى، وأخذ المال بغير حقه.
وقال الحسن رحمه الله تعالى في قوله: ﴿لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ﴾: الشرف والعز عند ذوي سلطانهم. رواهما ابن أبي حاتم (١).
ومن المعلوم أن العزَّ والمنزلة عند السُّلطان يعظم به جاء الإنسان فيستجره إلى الفساد والظلم إلَّا من عصم الله تعالى، وهو أعز من الغراب الأعصم.
وإنما جاء في النفي بـ (لا)، وكررها إشارة إلى نفي إرادة كل واحد منهما، لا نفي مجموعهما لأنَّ كل واحد منهما كافٍ في الإبعاد عن الآخر، والتنزه عنهما معاً هو التقوى المحمودة العاقبة، ولذلك قال: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [القصص: ٨٣]؛ أي: العاقبة المحمودة، وفسرت بالجنة والخلود فيها.
- الرابع: البغي والتعدِّي .
والبغي عاقبته على صاحبه وخيمة.
стр. 4046
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ [يونس: ٢٣].
وروى أبو الشيخ، وابن مردويه، والخطيب عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثٌ مَنْ كُنَّ فِيْهِ فَهْيَ راجِعَةٌ عَلَى صَاحِبِها: البَغْيُ، والْمَكْرُ، والنَّكْثُ" (١).
قلتُ: دليل الأوّل الآية المارة.
ودليل الثَّاني قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ [فاطر: ٤٣].
ودليل الثَّالث قوله تعالى: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [الفتح: ١٠].
وروى ابن لال عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: لو بغى جبل على جبل لدُّك الباغي (٢).
كما قيل في المعنى: [من البسيط]
يا صاحبَ الْبَغْيِّ إِنَّ الْبَغْيَ مَصْرَعَةٌ ... فَاعْدِلْ فَخَيْرُ فِعالِ الْمَرْءِ أَعْدَلُهُ
стр. 4047
فَلَوْ بَغَى جَبَلٌ يَوْماً عَلى جَبَلٍ ... لانْدَكَّ مِنْهُ أَعالِيْهِ وَأَسْفَلُهُ (١)
وروى عبد الكريم بن السَّمعاني في "ذيل تاريخ بغداد" من طريق ابن أبي الدنيا عن شرقي بن القطامي قال: قال صيفي بن رباح التميمي لبنيه: يا بني! اعلموا أن أسرع الجرم عقوبة البغي، وشر النُّصرة التعدي، وألأم الأخلاق الضيق، وأسوا الأدب العتاب (٢).
وروى من طريقه أيضًا عن عبد الله بن أشهب التميمي، عن أبيه قال: كانوا يقفون في الجاهلية بالموقف فيسمعون صوتًا من الجبل: [من الكامل]
الْبَغْيُ يَصْرَعُ أَهْلَهُ وَيُحِلُّهُمْ ... دارَ الْمَذَلَّةِ والْمعاطِسُ رُغْمُ
فيطيفون بالجبل ولا يرون شيئًا، ويسمعون الصوت بذلك (٣).
- الخامس: جر الرداء والإزار ونحوهما خيلاء وفخرًا .
وهو حرام، ومنه حلي نعال السُّيوف.
ونعل السَّيف كما في "النهاية": الحديدة التي تكون في أسفل قرابه (٤).
стр. 4048
وقال في "الصحاح": ما يكون في أسفل جفنه من حديد أو فضَّة.
أنشد لذي الرمة: [من الطويل]
إِلى مَلِكِ لا ينصف الساقُ نَعْلَهُ ... أجل لا وَإِنْ كانَتْ طِوالًا حَمائِلُهْ
وروى الشَّيخان، والترمذي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "لا يَنْظُرُ اللهُ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلاءَ" (١).
وروى الإمام أحمد، والبخاري عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَنْظُرُ اللهُ يَوْمَ القِيامَةِ في مَنْ جَرَّ إِزارَهُ بَطَرًا" (٢).
- السادس: لباس الأرجوان، وما يتأنق في تظريفه وتزويقه .
ومنه لبس الخفاف المقلوبة كما في الحديث المتقدم، وهي الجركسيات التي يعتادها ركبان الخيل، أو هي تشبهها، وهي قليلة النفع.
وذلك كله خلاف الأولى، فإن اقترن به الاختيال والبطر والتَّفاخر حرم بهذا القيد، فإن تجرد لباس الأحمر عن ذلك فلا يحرم ولا يكره.
وقد ثبت في "الصَّحيحين" وغيرهما من حديث البراء، وأبي جحيفة رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ لبس الأحمر (٣).
стр. 4049
ولا يحرم شيء من ذوات الألوان إلَّا المزعفر على الرجال لنص الشّافعي رضي الله تعالى عنه عليه كما نص عليه البيهقي، وصححه النَّووي في "شرح المهذب"، وغيره (١).
وكذلك المعصفر لثبوت النهي عنه كما في "صحيح مسلم" عن ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: رآني رسول الله ﷺ وعليَّ ثوبان معصفران فقال: "هَذانِ مِنْ ثِيابِ الكُفَّارِ؛ فَلا تَلْبَسْهُمَا" (٢).
وفيه إشارة إلى أن العلة في تحريمه التشبه بالكفار، وقد تقدم أن أول ما رُئِيَت المعصفرات حين خرج قارون في زينته.
- والسابع: لبس الحرير للرِّجال .
روى ابن مردويه عن أوس بن أوس الثقفي رضي الله تعالى عنه، عن النَّبي ﷺ ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ [القصص: ٧٩]؛ قال: "فِي أَرْبَعَةِ آلافٍ عَلَيْهِ البزيون" (٣).
стр. 4050
وهو - بكسر الباء الموحدة، وإسكان الزاي، وفتح الياء التحتية، أو بضم الموحدة، وضم التحتية، والواو ساكنة فيهما؛ كما في "القاموس"، واقتصر في "الصحاح" على الثاني -: السندس؛ وهو ضرب من الديباج، وهي ثياب الحرير (١).
وقد سبق قول عمر رضي الله تعالى عنه للنَّبي ﷺ : كسرى وقيصر على سرر الذَّهب وفرش الحرير والديباج.
وقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كسرى وقيصر يطأون الخز والديباج والحرير، وأنت نائم على حصير قد أثر في جنبك؟
وقول النبي ﷺ : "أَما تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيا وَلَنا الآخِرَة" (٢).
- والثامن: التحلي بالذَّهب والفضَّة .
وهو حرام إلَّا خاتم الفضة، وتحلية آلة الحرب بالفضَّة، وضبة الفضة على ما هو مقرر في كتب الفقه، وكذلك استعمال أواني الذَّهب والفضة، وتحلية البيوت بصفائحها ونحوها، وهو حرام على الرِّجال والنِّساء، وكذلك تحلية الخيول والسُّروج بهما أو بالحرير.
وقد تقدم عن السدي: أنَّ قارون خرج على قومه في جوار بيض على سروج من ذهب عليهنَّ ثياب حمر وحلي ذهب.
وتقدم أنه جعل باب داره من ذهب، وداره من صفائح الذَّهب.
стр. 4051
وتنزيه المؤمن عن هذه الأخلاق القارونية لطف به من ألطاف ربِّ البرية، وذلك إما بزي ذلك عنه، ومنعه منه، وإمَّا أن يخلق الله تعالى في طبعه النفرة عن ذلك، أو يخلق له من العقل ما يمنعه من ذلك، ويبين له قبحه وسوء عاقبته.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣ - ٣٥].
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الآية: يقول: لولا أن أجعل الناس كلهم كفارًا لجعلت لبيوت الكفار سقفًا من فضَّة ومعارج من فضة، وهي درج عليها يصعدون إلى الغرف، وسرر فضة، وزخرفًا هو الذَّهب. أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (١).
وروى ابن جرير نحوه عن قتادة، وزاد: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٥]؛ قال: خصوصاً (٢).
وروى هو وابن المنذر عن الحسن رحمه الله تعالى في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [الزخرف: ٣٣] قال: لولا أن يكون النَّاس أجمعون كفّارًا فيميلوا إلى الدُّنيا لجعل الله لهم الذي قال.
стр. 4052
وقد مالت الدُّنيا بأكثر أهلها وما فعل ذلك، فكيف لو فعل! (١)
وروى الحاكم في "المستدرك" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ [الزخرف: ٣٢]؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "إِنَّ اللهَ قَسَمَ بَيْنَكُمْ أَخْلاقَكُمْ كَمَا قَسَمَ أَرْزاقَكُمْ، وَإِنَّ الله يُعْطِي الدُّنْيا لِمَنْ يُحب وَمَنْ لا يُحبُّ، وَلا يُعْطِي الدَّيْنَ إلاَّ مَنْ أَحَبَّ، فَمَنْ أَعْطاهُ الدِّيْنَ فَقَدْ أَحَبَّهُ" (٢).
وروى ابن مردويه عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "يَقُولُ اللهُ تَعالَى: لَوْلا أَنْ يَجْزَعَ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ لَعَصَبْتُ الْكَافِرَ عُصابَةً مِنْ حَدِيْدٍ فَلا يَشْتَكِي شَيْئا أَبَدًا، وَلَصَبَبْتُ عَلَيْه الدُّنْيا صَبًّا" (٣).
أي: لفعلت ذلك بكل كافر.
وكذلك تحمل الآية على العموم؛ لأنَّ ذلك قد صار لبعض الكفار والفجَّار دون سائرهم.
وقد علمت ما في حديث ابن مسعود من أنَّ الله تعالى يعطي الدُّنيا
стр. 4053
من يحب ومن لا يحب، والحكمة في ذلك أنها ليست عنده شيء كما في الحديث: "لَوْ كانَتِ الدُّنْيا تُساوِي عِنْدَ اللهِ جَناحَ بَعُوْضَةٍ ما سَقى كافِرًا مِنْها شَربَةَ مَاءٍ" (١).
فتخويل العبد في الدُّنيا ودوام الصِّحة والنِّعمة عليه ليس دليل كرامته عند الله وحبه إياه، بل دليل كرامته عنده وحبه إياه توفيقه للتَّقوى وهدايته للدِّين لأنَّ ذلك هو الذي يؤدي إلى دار النعيم الدَّائمة الخالدة.
والنعيم والنِّعمة ما لم يكونا دائمين فليسا بكرامة لأنهما يسلبان منه، وسلبهما منه إهانة له.
وبذلك يظهر أنَّ الرِّضا بنعيم الدُّنيا المسلوب وإن فوَّت حصوله نعيم الآخرة المطلوب حمقٌ عظيم وجهلٌ بالغ.
- التاسع: التكاثر بكثرة المال والولد .
وهو جهل محض واغترار صرف.
وقد سبق عن قتادة: أن قارون إنما بغى على قومه بكرة ماله وولده.
قال الله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٦].
وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠].
стр. 4054
وقال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ [سبأ: ٣٧].
وأكثر الأغبياء من الأغنياء يحسبون أن كثرة المال والولد دليل القرب والخيرية عند الله، وهذا غاية الجهل، وهو خلاف ما في كتاب الله تعالى، ولقد كان قارون يعتقد ذلك في ماله وما خول فيه.
ألا ترى إلى قوله: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]؟
قال السُّدي في "تفسيره": علم الله أَنيِّ أهلٌ لذلك. رواه ابن أبي حاتم (١).
ونظير ذلك قول ذلك الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٦].
فغلط المتخولين في الدُّنيا من أربعة أوجه:
أولها: أنهم يعتقدون أنها كرامة، وهي إهانة.
وثانيها: أنهم يستدلون بها على القرب والخيرية، وهي دليل الطرد والشرية.
وثالثها: أنهم يستدلون بحصولها في هذه الدار على حصولها في دار القرار وكأنهم أمِنُوا من أن يقال لهم هناك: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ [الأحقاف: ٢٠].
ورابعها: أنهم يعتقدون أنها منحة، والحال أنها محنة وفتنة
стр. 4055
كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: ١٥].
وإنما قدَّم الأموال في هذه الآية، وفي الآيات السَّابقة ونحوها لأن المال يشترك فيه عموم الناس في الميل إليه، ويكون سبباً في تحصيل الأهل والمال؛ إذ بالمال تحصِّل النساء بالبيع أو النكاح، والولد لا يحصل إلا بالحليلة زوجة أو أَمَة.
وأما قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ [آل عمران: ١٤] فإنه قدَّم النساء والبنين لأنَّ التلذذ بهما لذاتهما، أمَّا النِّساء فبالاستمتاع، وأما البنون فبوجودهم صغاراً وبالاشتغال بهم والاستعانة بهم كباراً، وأما التَّلذذ بالأموال فإنما هو من حيث التوصل بها إلى التلذذ بالنِّساء والبنين؛ فإن كثرة المال تضاعف التلذذ بالنساء والبنين؛ إذ أيهما وافقهما فيما يطلبانه منه كانوا أطوع له، وكلما كانوا أطوع له تضاعف تلذذه بهم.
ولما كان ما يحصل للعبد من الفتنة وعدم القربة وما هو مغرم به من التكاثر وعدم الإغناء المشار إليه بقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: ١٠] في المال أبلغَ وأكثرَ منها في الأولاد قُدِّمَتِ الأموال.
- العاشر: الحسد .
فإنه حسد موسى على النبوة وهارون على الحبورة.
والحسد حرام، وهو من أفعال اليهود، بل سائر أهل الكتاب، ومنه قوله: ﴿الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ من بني إسرائيل ﴿يَالَيْتَ لَنَا
стр. 4056
مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: ٧٩].
وقد قيل: إن حسدهم كان غبطة، وهي مباحة.
وعلى الأول: فالمثل أطلق على العين، وقد يدل له: ﴿وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [القصص: ٨٢].
وقوله: ﴿لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾؛ أي: من المؤمنين والكافرين.
والبسط في الرزق وقدره قد يكون لخير يراد بالعبد، وقد يكون لشرٍ يراد به، فالبسط قد يكون بسبب طغيانه، والقدر قد يكون سببًا لزوال إيمانه، فاللائق بالعبد أن يرضى بقسمة الرَّب ؛ فإن الله أعلم بما يصلح لعبده ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٣٠].
وقال الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٥٤].
روى ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: قال أهل الكتاب: زعم محمَّد ﷺ أنه أوتي ما أوتي في تواضع وله تسع نسوة، وليس همَّه إلا النكاح، فأي ملك أفضل من هذا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] (١).
стр. 4057
وروى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان رحمه الله تعالى قال: أعطي النَّبي ﷺ بضعَ سبعين شابًا، فحسدته اليهود، فقال الله تعالى؛ ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ﴾ الآية (١).
ومن هنا قيل: إن النِّكاح لا ينافي الزُّهد.
قال القرطبي: والمراد -يعني: بالآية- تكذيب اليهود والرَّد عليهم في قولهم: لو كان نبياً ما رغب في كثرة النِّساء، ولشغلته النُّبوة عن ذلك، فأخبر الله تعالى بما كان لداود وسليمان ﵉، فوبخهم، فأقرت اليهود بأنه اجتمع عند سليمان ﵇ ألف امرأة، فقال لهم النَّبي ﷺ : ألف امرأة؟ قالوا: نعم، مئة مهرية، وتسعمئة سرية، وعند داود مئة، فقال لهم النَّبي ﷺ : ألف عند رجل، ومئة عند رجل أكثر، أو تسع نسوة؟ فسكتوا، وكان له يومئذ تسع. انتهى (٢).
وقيل: إن اليهود حسدوا النَّبي ﷺ على النُّبوة، وحسدوا أصحابه على الإيمان به.
وروى الطَّبراني، وابن المنذر عن ابن عبَّاس ﵄ في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ قال: نحن النَّاس دون النَّاس؛ يعني: العرب، أو الصَّحابة (٣).
стр. 4058
وروى ابن جرير عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ﴾ قال: أولئك اليهود حسدوا هذا الحي من العرب على ما آتاهم الله من فضله، بعث الله تعالى نبياً منهم فحسدوهم على ذلك (١).
وعلى كل تأويل: فالآية قاضية على أهل الكتاب بالحسد.
وفي الصَّحيح قول عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه: إن اليهود قوم حُسَّد (٢).
وقد تقدم أن الحسد من عمل الشيطان، وهو أول من عصى الله تعالى به.
وروى أبو داود عن أبي هريرة، وابنُ ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنهم قالا: قال رسول الله ﷺ : "الحَسَدُ يَأكُلُ الحَسَناتِ كَمَا تَأكُلُ النّارُ الحَطَبَ" (٣).
стр. 4059
وروى البيهقي في "الشُّعب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَجْتَمعُ في جَوْفِ أَحَدٍ الإِيْمانُ والْحَسَدُ" (١).
وروى الترمذي عن الزُّبير ﵁، عن النَّبي ﷺ أنَّه قال: "دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبَلَكُمُ: الْحَسَدُ والبَغْضَاءُ" (٢). الحديث، وسيأتى بتمامه.
وأنشدوا: [من مجزوء الكامل]
اصْبِرْ عَلى حَسَدِ الْحَسُو ... دِ فَإِنَّ صَبْرَكَ قاتِلُهْ
فالنّارُ تَأْكُلُ بَعْضَها ... إِنْ لَمْ تَجِدْ ما تأْكُلُهْ (٣)
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى موسى ﵇: يا موسى! لا تحسد النَّاس على ما آتيتهم من فضلي ونعمتي؛ فإن الحاسد عدو لنعمتي، مضاد لقضائي، ساخط لقسمي الذي قسمته بين عبادي، ومن يك كذلك فليس مني ولست منه (٤).
стр. 4060
وروى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "ذم الحسد"، وفي كتاب "العقوبات"، والطَّبراني في "الأوسط" - بإسناد جيد - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّهُ سَيُصِيْبُ أُمَّتِي دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَهُم".
قالوا: وما داءُ الأممِ؟
قال: "الأَشَرُ، والبَطَرُ، والتكاثُرُ، وَالتَّنافُسُ في الدُّنْيا، والتَّبَاعُدُ، والتَّحاسُدُ حَتَّى يَكُونَ البَغْيُ، ثُمَّ يَكُونَ الْهَرْجُ" (١)؛ يعني: القتل.
وهذا الحديث يدل على أن من تخلَّق بهذه الأخلاق تشبَّه بسائر الأمم الهالكة.
* تَنبِيْهٌ:
تقدم أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] داود وسليمان.
وفيه تلميح بأن الملك إذا أوتيه داود وسليمان وهما من آل إبراهيم ﵈، فلا بِدْع أن يؤتاه محمَّد ﷺ وهو من آله أيضًا.
وقد ثبت في الآية ما يدل لذلك، فقد روى عبد بن حميد، وابن المنذر عن عبادة بن الصَّامت رضي الله تعالى عنه: أنَّه قرأ الآية وقال: ومحمدٌ من آل إبراهيم.
стр. 4061
وقال بعضهم: المراد بآل إبراهيم: نفسه، وهو استعمال شائع في لسان العرب.
وقد روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السُّدي قال: زرع إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله وسلامه عليه، وزرع النَّاس في تلك السَّنة، فهلك زرع النَّاس، وزكا زرع إبراهيم ﵇، واحتاج الناس إليه، وكان الناس يأتون إبراهيم فيبتاعون منه، فقال لهم: من آمن بالله أعطيته، ومن أبى منعته، فمنهم من آمن به فأعطاه من الزَّرع، ومنهم من أبى فلم يأخذ منه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥] (١).
وعلى ذلك: فالضمير في قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ راجع إلى إبراهيم في قوله في الآية السَّابقة: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ٥٤]، وعلى الأول فهو عائد إلى الله تعالى، أو إلى الكتاب.
- الحادي عشر: تزكية النفس .
وذلك في قول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وهو خلق اليهود أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩].
أجمعوا أنها نزلت في اليهود، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وقد ذم الله تعالى كل من قال مثل مقالة قارون في قوله تعالى:
стр. 4062
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٤٩ - ٥١].
قال الثعلبي في قوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٠]: يعني: قارون قد قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].
وروى ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الأمم الماضية.
قال: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ [الزمر: ٥١] من أمة محمَّد ﷺ (١).
والمعنى أن من زكَّى نفسه من هذه الأمة، وقال هذه المقالة أو نحوها، فقد عَرَّض نفسه للعقوبات على ما اكتسبه من الصِّفات.
وفي كلام السدي إشارة إلى أن سائر الأمم كانت مشتملة على تزكية النفس ونسبة الكمال إليها في حال الرخاء، فإذا كان وقت الشِّدة ظهر على من كان يزكي نفسه منهم غاية العجز، وفزع إلى الله تعالى.
وقلت: [من السربع]
إِنَّا عَلى الدُّنْيا لَجارُونا ... لَوْ أَنَّنا بِالأَمْرِ دارُونا
نَغْنَى فَنَطْغَى وَنَجُوبُ الْفَلا ... وَنَحْنُ في الطُّغْيانِ ضارُونا
стр. 4063
نَبْلَى فنعنو فإذا نَحْنُ مِنْ ... ما قَد تَداعَيْناهُ عارُونا
إِنَّا وَأَنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ ... لَفِي غُرُوْرٍ لا تُمارُونا
نُشْبِهُ في الشِّدَّةِ هارُونا ... وَفِي رَخاءِ الْعَيْشِ قارُونا
- الثاني عشر: صناعة الكيمياء .
وأكثر ما يتعاناها اليهود والنَّصارى.
ثمَّ إن الكيمياء إن كانت بحيث تقلب عين الحديد أو النحاس مثلًا ذهبا أو فضَّة بغير صناعة ولا ضم شيء آخر فهذا ليس من باب العمل، ولكنَّه من باب خرق العادة، فإن كان صاحبه صالحًا فهو من باب الكرامة.
ومن هذا القبيل: ما روي أن رجلًا جاء إلى ذي النون المصري رحمه الله تعالى فقال: علي دَيْنٌ.
قال: ما قدره؟
قال: ثمانمئة دينار.
فأخذ من الأرض حصاة فإذا هي درة، فباعها بثمانمئة دينار، ووفى دينه.
وإن كانت الصناعة تؤثر في الحديد مثلًا حتى يصير ذهبًا أو فضة فهذا صبغ وتصفية، وليس بقلب عين حقيقة، فهذا من باب الغش وهو حرام.
نعم تصفية الأحجار المجردة عن الصبغ كتصفية الحديد حتى يصير فولاذًا فهذا لا بأس به، وهو من الكسب الطَّيب.
стр. 4064
واعلم أن الاشتغال بعلم الكيمياء، وتضييع الأموال والأوقات في عملها مما تبيّن للنّاس أنه لا يفيد شيئًا، فهو من باب السَّفَه وإضاعة المال لغير ضرورة ولا فائدة، وكم من إنسان ذا جوعة وعرية وكثرت ديونه وهو في طلب ذلك، ولم يحصل منه على طائل حتى مات.
واعلم أن طالب المال بالكيمياء لا يزال فقيرًا، وإنما الكيمياء الاحتراف والاكتساب من حيث إذنُ الشرع فيه كما قلت: [من المديد]
يا طالبَ الْكِيْمياءِ فَافْهَمْ ... مِنْ غَيْرِ غِشٌ وَلا خَدِيْعَة
لازِمْ عَلى كَسْبِكَ الَّذِي لا ... يَعِيبهُ الْعِلْمُ والشَّرِيْعَة
لا تَسْمَعَنَّ قَوْلَ مَنْ تَمَنَّى ... يَوْماً بِأَقْوالِهِ الْوَسِيْعَة
كَمْ صَيْدٍ مِنْ زُبْيَةِ هِزَبْر ... ما صِيْدَ إِلَّا عَلى طَمِيْعَة
- الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر: البطر، والفرح بغير الله تعالى وفضله، وحب المحمدة بما لم يفعل .
وكل ذلك من فعل اليهود.
قال الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨].
وقرأ إبراهيم: ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ ممدوداً (١)؛ أي: أعطوا.
стр. 4065
وقرأ سعيد بن جبير: ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ مبنياً لنائب الفاعل (١)؛ أي: أعطوا.
وقال المفسرون: نزلت في اليهود؛ فرحوا بإضلالهم الناس، وقول الناس: إنهم علماء، وليسوا كذلك، وفرحوا بما آتى الله آل إبراهيم، وهم براء من ذلك (٢).
واعلم أن الفرح بغير الله تعالى وفضله إنما يكون عن جهل وطيش، ولذلك كان مذمومًا.
ولم يذكر الله تعالى [الفرح] (٣) مطلقًا غير مقيد إلا ذمه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠].
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وما مدحه سبحانه إلا مقيدًا حتى قال في وصف الشُّهداء: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].
وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
قال أبو سعيد الخدري، وابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهم كما أخرجه ابن أبي شيبة، والمفسرون، والبيهقيّ.
والبراءُ بن عازب رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه الطَّبراني في