وقال بعضهم: المراد بآل إبراهيم: نفسه، وهو استعمال شائع في لسان العرب.
وقد روى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن السُّدي قال: زرع إبراهيم خليل الرحمن صلوات الله وسلامه عليه، وزرع النَّاس في تلك السَّنة، فهلك زرع النَّاس، وزكا زرع إبراهيم ﵇، واحتاج الناس إليه، وكان الناس يأتون إبراهيم فيبتاعون منه، فقال لهم: من آمن بالله أعطيته، ومن أبى منعته، فمنهم من آمن به فأعطاه من الزَّرع، ومنهم من أبى فلم يأخذ منه، ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ٥٥] (١).
وعلى ذلك: فالضمير في قوله: ﴿مَنْ آمَنَ بِهِ﴾ راجع إلى إبراهيم في قوله في الآية السَّابقة: ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ﴾ [النساء: ٥٤]، وعلى الأول فهو عائد إلى الله تعالى، أو إلى الكتاب.
- الحادي عشر: تزكية النفس .
وذلك في قول قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨]، وهو خلق اليهود أجمعين.
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ [النساء: ٤٩].
أجمعوا أنها نزلت في اليهود، وقد تقدم الكلام على ذلك.
وقد ذم الله تعالى كل من قال مثل مقالة قارون في قوله تعالى:
стр. 4062
﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٩) قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الزمر: ٤٩ - ٥١].
قال الثعلبي في قوله تعالى: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٠]: يعني: قارون قد قال: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي﴾ [القصص: ٧٨].
وروى ابن جرير عن السدي في قوله: ﴿قَدْ قَالَهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾: الأمم الماضية.
قال: ﴿وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ﴾ [الزمر: ٥١] من أمة محمَّد ﷺ (١).
والمعنى أن من زكَّى نفسه من هذه الأمة، وقال هذه المقالة أو نحوها، فقد عَرَّض نفسه للعقوبات على ما اكتسبه من الصِّفات.
وفي كلام السدي إشارة إلى أن سائر الأمم كانت مشتملة على تزكية النفس ونسبة الكمال إليها في حال الرخاء، فإذا كان وقت الشِّدة ظهر على من كان يزكي نفسه منهم غاية العجز، وفزع إلى الله تعالى.
وقلت: [من السربع]
إِنَّا عَلى الدُّنْيا لَجارُونا ... لَوْ أَنَّنا بِالأَمْرِ دارُونا
نَغْنَى فَنَطْغَى وَنَجُوبُ الْفَلا ... وَنَحْنُ في الطُّغْيانِ ضارُونا
стр. 4063
نَبْلَى فنعنو فإذا نَحْنُ مِنْ ... ما قَد تَداعَيْناهُ عارُونا
إِنَّا وَأَنْتُمْ يا بَنِي آدَمَ ... لَفِي غُرُوْرٍ لا تُمارُونا
نُشْبِهُ في الشِّدَّةِ هارُونا ... وَفِي رَخاءِ الْعَيْشِ قارُونا
- الثاني عشر: صناعة الكيمياء .
وأكثر ما يتعاناها اليهود والنَّصارى.
ثمَّ إن الكيمياء إن كانت بحيث تقلب عين الحديد أو النحاس مثلًا ذهبا أو فضَّة بغير صناعة ولا ضم شيء آخر فهذا ليس من باب العمل، ولكنَّه من باب خرق العادة، فإن كان صاحبه صالحًا فهو من باب الكرامة.
ومن هذا القبيل: ما روي أن رجلًا جاء إلى ذي النون المصري رحمه الله تعالى فقال: علي دَيْنٌ.
قال: ما قدره؟
قال: ثمانمئة دينار.
فأخذ من الأرض حصاة فإذا هي درة، فباعها بثمانمئة دينار، ووفى دينه.
وإن كانت الصناعة تؤثر في الحديد مثلًا حتى يصير ذهبًا أو فضة فهذا صبغ وتصفية، وليس بقلب عين حقيقة، فهذا من باب الغش وهو حرام.
نعم تصفية الأحجار المجردة عن الصبغ كتصفية الحديد حتى يصير فولاذًا فهذا لا بأس به، وهو من الكسب الطَّيب.
стр. 4064
واعلم أن الاشتغال بعلم الكيمياء، وتضييع الأموال والأوقات في عملها مما تبيّن للنّاس أنه لا يفيد شيئًا، فهو من باب السَّفَه وإضاعة المال لغير ضرورة ولا فائدة، وكم من إنسان ذا جوعة وعرية وكثرت ديونه وهو في طلب ذلك، ولم يحصل منه على طائل حتى مات.
واعلم أن طالب المال بالكيمياء لا يزال فقيرًا، وإنما الكيمياء الاحتراف والاكتساب من حيث إذنُ الشرع فيه كما قلت: [من المديد]
يا طالبَ الْكِيْمياءِ فَافْهَمْ ... مِنْ غَيْرِ غِشٌ وَلا خَدِيْعَة
لازِمْ عَلى كَسْبِكَ الَّذِي لا ... يَعِيبهُ الْعِلْمُ والشَّرِيْعَة
لا تَسْمَعَنَّ قَوْلَ مَنْ تَمَنَّى ... يَوْماً بِأَقْوالِهِ الْوَسِيْعَة
كَمْ صَيْدٍ مِنْ زُبْيَةِ هِزَبْر ... ما صِيْدَ إِلَّا عَلى طَمِيْعَة
- الثالث عشر، والرابع عشر، والخامس عشر: البطر، والفرح بغير الله تعالى وفضله، وحب المحمدة بما لم يفعل .
وكل ذلك من فعل اليهود.
قال الله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٨٨].
وقرأ إبراهيم: ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ ممدوداً (١)؛ أي: أعطوا.
стр. 4065
وقرأ سعيد بن جبير: ﴿بِمَا أَتَوْا﴾ مبنياً لنائب الفاعل (١)؛ أي: أعطوا.
وقال المفسرون: نزلت في اليهود؛ فرحوا بإضلالهم الناس، وقول الناس: إنهم علماء، وليسوا كذلك، وفرحوا بما آتى الله آل إبراهيم، وهم براء من ذلك (٢).
واعلم أن الفرح بغير الله تعالى وفضله إنما يكون عن جهل وطيش، ولذلك كان مذمومًا.
ولم يذكر الله تعالى [الفرح] (٣) مطلقًا غير مقيد إلا ذمه كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ﴾ [القصص: ٧٦].
وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ١٠].
وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ﴾ [الأنعام: ٤٤].
وما مدحه سبحانه إلا مقيدًا حتى قال في وصف الشُّهداء: ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٧٠].
وقال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨].
قال أبو سعيد الخدري، وابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهم كما أخرجه ابن أبي شيبة، والمفسرون، والبيهقيّ.
والبراءُ بن عازب رضي الله تعالى عنهما كما أخرجه الطَّبراني في
стр. 4066
"الأوسط": فضل الله القرآن ورحمته أن جعلك من أهله (١).
بل رواه أبو الشيخ عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعًا إلى رسول الله ﷺ (٢).
وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والحاكم وصححه، وغيرهم عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: قال لي رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله أَمَرَني أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ".
فقلت: أسمَّاني لك؟
قال: نعم.
قيل لأُبَي: أفرحت بذلك؟
قال: وما يمنعني والله تعالى يقول: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨] (٣) - بالتاء الفوقية -
стр. 4067
وهي قراءة أُبَي كما أخرجه أبو داود، والحاكم، وصححه (١).
وأما قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، فالمراد النهيُ عن الأسف على ما فات من الدُّنيا، والفرح بما أتى الله العبد منها من حيث إنها دنيا، لا من حيث إنه فضل من الله تعالى.
ولذلك قال بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٨]؛ فإنَّ من علم أن ما بيده فضل من الله تعالى، وهو عارية عنده لا يفرح به من حيث هو.
ولذلك قال جعفر الصَّادق رحمه الله تعالى في هذه الآية: يا ابن آدم! ما لك تأسف على مفقود لا يرده إليك الفوت؟ وما لك تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت (٢)؟
فأما من فرح بالشيء من حيث إن الله تعالى هو الذي أنعم عليه به فيستدل بذلك على أنه من الله تعالى على بال، فهذا لا بأس به، ومنه قول أيوب ﵇ وقد قال الله تعالى له حين جمع جراد الذهب في ثوبه: ألم أغنك عن هذا؟ قال: بلى، ولكن لا غنى لي عن بركتك، أو عن فضلك (٣).
стр. 4068
وروى ابن أبي شيبة، والمفسرون، والحاكم وصححه، والبيهقيّ في "الشُّعب" عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، الآية قال: ليس أحد إلا هو يحزن ويفرح، ولكن إن أصابته مصيبة جعلها صبرًا، وإن أصابه خيرٌ جعله شكرًا (١).
أي: ولكن المراد في الآية أن يكون العبد كذلك صابرًا عند المصيبة لا جَزِعًا، شاكرًا عند النعمة لا بَطِرًا.
وروى ابن أبي شيبة، وعبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، وابن أبي حاتم عن أسلم رحمه الله تعالى قال: رأيت عبد الله بن الأرقم جاء إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه بحلية آنية وفضة، فقال عمر: اللهم إنك ذكرت هذا المال فقلت: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ [آل عمران: ١٤] حتى ختم الآية، وقلت: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: ٢٣]، وإنا لا نستطيع إلا أن نفرح بما زينت لنا، فاجعلنا ننفقه في حق، وأعوذ بك من شره (٢).
стр. 4069
- السادس عشر: حمل النِّساء على السروج ومراكب الرِّجال باديات وجوههن وزينتهن .
بل تمكين النساء من إبدائهن زينتهن مطلقًا، وهذه دياثة، وهتك مروؤة؛ وإن كن إماءه، وإن كان لهنَّ جاه.
وربما فعل ذلك كفار الفرنج، ونساء اليهود لا يحتجبن من الرِّجال.
وقد قال الله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وروى ابن ماجه بسند ضعيف، عن عائشة ﵂ قالت: بينما رسول الله ﷺ جالس إذ دخلت امرأة من مزينة ترفل في زينة لها في المسجد، فقال النَّبي ﷺ : "يَا أَيُّهَا النَّاسُ! انْهَوْا نِسَاءَكمْ عَنْ لُبْسِ الزِّيْنَةِ والتَّبَخْتُرِ في الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّ بَنِي إِسْرائِيْلَ لَمْ يُلْعَنُوا حَتَّى لَبِسَ نِساؤُهُم الزِّيْنَةَ وَتَبَخْتَرْنَ في الْمَساجِدِ" (١).
стр. 4070
وروى ابن حبَّان، والحاكم - وصححاه - عن ابن عمر (١) ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "يَكُونُ في آخِرِ الزَّمانِ نِسَاءٌ يَرْكَبْنَ عَلَى سُرُوج كَأشْباهِ الرِّجَالِ يَنْزِلْنَ عَلَى أَبْوابِ الْمَسَاجِدِ، نِسَاؤُهُمْ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ عَلَى رُؤُسِهِنَّ كَأسْنِمَةِ البُخْتِ العِجَافِ، العَنُوهُنَّ فَإِنهنَّ مَلْعُوناَتٌ، لَوْ كَانَ وَرَاءكُمْ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ خَدَمَتْهُنَّ نِسَاؤُكُمْ كَأَحَدٍ مِنْكُم نِسَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُم" (٢).
وروى الترمذي عن ميمونة بنت سعد ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: "الرَّافِلَةُ في الزِّيْنَةِ فِي غَيْرِ أَهْلِها ظُلْمَةٌ يَوْمَ القِيامَةِ لا نُوْرَ لَهَا" (٣).
- السابع عشر، والثامن عشر: السَّرقة، والقذف .
وهما من أقبح الكبائر، وأخبث الذُّنوب، وهما من أخلاق اليهود والنَّصارى.
وقال الله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨].
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ٢٣].
стр. 4071
ولقد كان قارون وقومه في قذف موسى ﵇ سلفًا لليهود، وكان قذفة مريم أم عيسى ﵉ خلفًا لهم؛ فقبح الله تلك الأسلاف وتلك الأخلاف.
وقد روى البخاري في "تاريخه"، والحاكم وصححه، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال لي النَّبي ﷺ : "إِنَّ لَكَ مِنْ عِيْسَى مَثَلًا؛ أَبْغَضَتْهُ اليَهُودُ حَتَّى بَهَتُوا أُمَّهُ، وَأَحَبَّتْهُ النَّصارَى حَتَّى أَنْزَلُوهُ لِمَنْزِلَةِ الَّذِي لَيْسَ لَهِ" (١).
وما أشبه الرَّوافض باليهود.
* لَطِيْفَةٌ:
روى الدِّينوري في "مجالسته" عن محمَّد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى قال: جاء رجل إلى سليمان بن داود ﵉ فقال: يا نبي الله! إن لي جيران سرقوا إوزتي.
فنادى: الصَّلاة جامعة، ثمَّ خطبهم فقال في خطبته: واحدكم سرق إوزة جاره، ثمَّ يدخل المسجد والريش على رأسه؟ فمسح رجل برأسه فقال سليمان: خذوه؛ فإنه صاحبكم (٢).
- التاسع عشر: أن قارون وقومه كان أحدهم لا ينظر في وجه خادمه تكبرًا .
وهذا خلاف أخلاق الصَّالحين، بل من أخلاق الجبارين، وإنما
стр. 4072
الصّالحون من كان له منهم خادم فإنما يعامله بالرفق والتَّواضع.
روى الإمام أحمد، والسِّتة إلا أبا داود عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، عن النَّبي ﷺ أنه قال: "إِخْوانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللهُ تَعالَى فِتْنَةً تَحْتَ أَيْدِيْكُمْ، فَمَنْ كانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِنْ طَعامِهِ، وَلْيُلْبِسْهُ مِنْ لِباسِهِ، وَلا يُكَلِّفْهُ ما يَغْلِبُهُ، فَإِنْ كَلَّفَهُ مَا يَغْلِبُهُ فَلْيُعِنْهُ" (١).
وروى الشيخان، والخرائطي -واللفظ له - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا كَفَى أَحَدُكُمْ مَمْلُوكَهُ صَنْعَةَ طَعَامِهِ، وَكَفاهُ حَرَّهُ وَمُؤْنتَهُ، وَقَرَّبَهُ إِلَيْهِ فَلْيُجْلِسْهُ فَلْيَأكُلْ مَعَهُ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلْيُناوِلْهُ" (٢).
ومن الصَّالحين من ترك الاستخدام مبالغة في التواضع، وحذرًا من أن لا ينصف الخادم.
كما روى الدينوري في "المجالسة" عن محمَّد بن واسع الأزدي
رحمه الله تعالى قال: كتب أبو الدَّرداء إلى سلمان ﵄: أما بعد! فإني أنبئت أنك اشتريت خادماً، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يَزالُ العَبْدُ مِنَ اللهِ وَهُوَ مِنْهُ ما لَمْ يُخْدَمْ، فَإِذا خُدِمَ وَقَعَ عَلَيْهِ الْحِسابُ".
وإن أم الدرداء سألتني أن أشتري لها خادماً وكنت لذلك موسرًا،
стр. 4073
وإني خفت الحساب (١).
وأخرجه الحاكم في "تاريخ نيسابور"، وأبو نعيم في "الحلية"، ولفظه: "فَإِذا خُدِمَ وَجبَ عَلَيْهِ الْحِسَابُ" (٢).
ومعنى وجب: وقع، كما في الرواية السابقة؛ أي: حق وتوجَّه.
وروى مسلم عن عبد الرحمن الحُبُليِّ قال: سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما وسأله رجل، فقال: ألسنا من فقراء المهاجرين؟
فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟
قال: نعم.
قال: ألك سكن تسكنه؟
قال: نعم.
قال: فأنت من الأغنياء.
قال: فإن لي خادمًا.
قال: فأنت من الملوك (٣).
وروى ابن جرير عن زيد بن أسلم -مرسلًا - قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 4074
"مَنْ كانَ لَهُ بَيْتٌ وَخادِم فَهُوَ مَلِكٌ" (١).
وروى ابن أبي حاتم، والثعلبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾ [المائدة: ٢٠] عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "كَانَتْ بَنُو إِسْرائِيْلَ إِذا كانَ لأَحَدِهِمْ خادِمٌ وَدابَّةٌ وامْرَأةٌ يُكْتَبُ مَلِكًا" (٢).
وذكر الثعلبي عن الضحاك قال: كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية؛ فمن كان مسكنه واسعاً وفيه ماء جارٍ فهو ملك (٣).
وروى عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة في قوله ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ قال: ملَّكَهم الخدم، وكانوا أول من ملك الخدم.
وفي رواية لابن جرير: كنا نُحدَّث أنهم أول من سُخر لهم الخدم من بني آدم (٤).
قال ابن عطية: وهذا ضعيف لأنَّ القبط كانوا يُسخِّرون بني إسرائيل.
стр. 4075
قال: وظاهر أمر بني آدم أنَّ بعضهم كان يسخر بعضًا منذ تناسلوا وكثروا، وإن اختلفت الأمم في معنى التملك فقط. انتهى (١).
قلت: الظاهر في قول قتادة: أنَّ بني إسرائيل أول من سُخر لهم الخدم: أن المراد التسخير بحق كما تدل عليه الرَّواية الأخرى: أول من ملك الخدم.
وأما القبط ومن قبلهم فإنما كانوا يسخرون النَّاس بغير حق.
فقول ابن عطية: (إنه ضعيف) فيه نظر.
- تمام العشرين: أن قارون وقومه كان أحدهم لا ينظر إلى جارية إلا إذا كانت بكرًا على ما ذكره ابن ظفر .
وهذا من باب الحماقة والتكبر والأنفة، وقد تزوج الثيبات نبينا ﷺ ، وداود وسليمان صلوات الله عليهما وسلامه، وغيرهما من الأنبياء ﵈، وقد يرغب في الثيبات وإن كان البكر أفضل لمعانٍ أخرَ ككون الأبكار أنتق أرحامًا، وأرضى باليسير، وقد تكون الثيّب أولى لإصلاح البيت، والقيام على العيال، وتعجيل قضاء الوطر.
وفي المثل: الثيّب عجالة الراكب (٢).
وما يفعله الملوك من تكثير الجواري وتعطيلهن فهو من الجبروت وسوء الملكة.
стр. 4076
وقد روى البزار عن سلمان الفارسي رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "مَنِ اتَّخَذَ مِنَ الْخَدَمِ - أَيِ: الْخادِماتِ -أَكثَرَ ما يَنْكِحُ ثُمَّ بَغَيْنَ، فَعَلَيْهِ مِثْلُ آثامِهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ آثامِهِنَّ شَيْء" (١).
- الحادي والعشرون: موافقة الكفار والفجار في أعمالهم وأخلاقهم .
كما وافق قارون فرعون في الخضب بالسَّواد، وقد سبق أنه كان من عماله وأعوانه.
وقد علمت ما في التشبه بالفجار وأعداء الله تعالى من البعد عن الله تعالى.
- الثاني والعشرون، والثالث والعشرون: البخل والشُّح، والأمر بهما .
وقد فسر الشح في "القاموس" بالبخل والحرص (٢)، ثم فسر الحرص بالجشع (٣)، وفسر الجشع بأشد الحرص وأسوئه، وأن تأخذ نصيبك وتطمع في نصيب غيرك (٤).
стр. 4077
والحاصل أن هذه الألفاظ والضنة متقاربة المعنى، يرجع معناها إلى الإمساك على الشيء واحتباسه، وحقيقته حبُّ القلب للمضنون به، فيمسك عليه ويقبض لشدة تعلقه به، فينشأ عن ذلك انقباض اليد عن بذله كما ينشأ عن الكرم والسَّخاء، والسماحة والجود بسط اليد بالشيء وبذله.
وقد يحصل في هذه الأخلاق إفراط كما يحصل في تلك الأخلاق تفريط، وكلاهما مذموم، فلذلك قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ [الإسراء: ٢٩].
فعبر عن الإمساك المتناهي بعمل اليد، وعن السماح المتناهي ببسط اليد، ثمّ أشار كل البسط إلى أنه إنما يذم إذا تناهى كل التَّناهي بخلاف البخل؛ فإنَّه مذموم وإن قل.
ثمَّ أشار إلى مدح الاقتصاد في آية أخرى بقوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: ٦٧].
ولقد تناهى البخل بقارون حتى خسف به إلى التناهي؛ فإنه بخل بما يجب عليه من الزكاة، وهو -أعني: البخل بالواجب هو- البخل الذي يوجب لصاحبه العذاب، على أن موسى ﵇ رضي منه، كما في الأثر أن يبذل من كل ألف درهم درهمًا، ومن كل ألف دينار دينارًا، فبخل وشح (١)، والبخل شيمة اليهود كما قال الله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ
стр. 4078
فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ٥٣]؛ أي: يمنعون الحقوق وَلَو كانت قليلًا بقدر النقير، وهي النُّكتة التي في ظهر النَّواة.
وقال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٠]؛
أي: يتحمَّلون وزره وإثمه.
روى ابن جرير عن ابن عباس، وعن مجاهد: أنها نزلت في اليهود (١).
وقال آخرون: هي في اليهود، وغيرهم من مَنَعَةِ الزكاة.
ويؤيده ما رواه البخاري، والنَّسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ آتاهُ اللهُ مالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَومَ القِيامَةِ شُجاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيْبَتانِ يُطَوَّقُهُ يَوْمَ القِيامَةِ، ثُمَّ يأخُذُهُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي: شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ: أَنا مالُكَ، أَنا كَنزُكَ"، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ﴾ (٢).
وفي الحديث: أن معنى: ﴿سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ﴾: أنه يجعل أطواقاً في أعناقهم.
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (٣٦) الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ
стр. 4079
فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٦ - ٣٧]؛ يعني: المال.
قال أكثر المفسرين: إنها نزلت في اليهود.
فهذه الأخلاق الثَّلاثة المشار إليها في الآية -أعني: البخل والأمر به، وإظهار الفقر، وكتمان الغنى- من أخلاق اليهود، بل والنَّصارى، غير أنها في اليهود أظهر وأبلغ.
روى أبو داود، والحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُم بِالشُّحِّ، أَمَرَهُمْ بِالبُخْلِ فَبَخِلُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالْقَطِيْعَةِ فَقَطَعُوا، وَأَمَرَهُمْ بِالفُجُورِ فَفجَرُوا" (١).
وقد قدمنا قول عيسى ﵇: إن الشَّيطان يريد أن يوقعكم في بخله فلا تفعلوا.
وقوله ﵇ بشدة: ما يدخل غني الجنة.
وروى الدينوري عن أبي عبد الله الصُّوفي قال: قال عيسى ﵇: طالب الدُّنيا مثل شارب البحر؛ كلما ازداد شربًا ازداد عطشًا حتى تقتله (٢).
وروى ابن عساكر عن سفيان الثَّوري قال: قال المسيح ﵇: إنما تطلب الدنيا لتبر، فتَرْكُها أَبَرُّ (٣).
стр. 4080
وقد ذكر الثعلبي في "العرائس" عن أبي سليمان الداراني رحمه الله تعالى: أن قارون كان في أول أمره منقطعاً للعبادة، فحسَّن له الشيطان مخالطة النَّاس والكسب ليعود به على النَّاس بالصَّدقات والصِّلات، ولا زال يحسن له ذلك حتى طلب الدنيا واكتسب، فلما أقبل على ذلك حلت الدنيا في قلبه، فجمعها ومنعها، فآل أمره إلى ما آل إليه ... في خبر طويل.
- الرابع والعشرون: قطيعة الرحم، ومعاداة الأهل لأجل الدنيا .
فإن قارون حمله حبُّ الدنيا على قطيعة رحمه، وذلك أيضاً من أعمال أهل الكتاب وغيرهم.
روى ابن حبَّان في "صحيحه"، والحاكم - وقال: صحيح الإسناد، واللفظ له - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إيَّاكُمْ والفُحْشَ والتَّفَحُّشَ؛ فَإِنَّ اللهَ لَا يُحب الفاحِشَ الْمُتَفَحِّشَ، وإِيَّاكُمْ والظلمَ؛ فَإِنَّهُ هُوَ الظُّلُماتُ يَوْمَ القِيامَةِ، وَإيَّاكُمْ والشُّحَّ؛ فَإِنَّهُ دَعَا مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَسَفَكُوا دِماءَهُمْ، وَدَعا مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ فَقَطَعُوا أَرْحامَهُمْ، وَدَعَا مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ فاسْتَحَلُّوا حُرُماتِهِمْ" (١).
وتقدم نحوه من حديث ابن عمرو رضي الله تعالى عنهما.
وروى العقيلي في "الضُّعفاء" عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أنَّ النَّبي ﷺ قال: "صِلُوا قَرابَاتِكُم، وَلا تُجَاوِرُوْهُمْ؛ فَإِنَّ الْجِوارَ
стр. 4081
يُوْرِثُ بَيْنَكُمُ الضَّغائِنَ" (١).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن يحيى بن يمان قال: قال رجل لسفيان الثوري: إني أحبك.
قال: كيف لا تحبني ولست بابن عمي، ولا جاري (٢).
وفي معنى ذلك ما رواه البيهقي في "الشعب" عن بشر بن الحارث رحمه الله تعالى قال: العداوة في القرابة، والحسد في الجيران، والنميمة في الإخوان (٣).
وروى في "دلائل النبوة" عن كعب رحمه الله تعالى: [أنه قال لأبي مسلم الخولاني]: كيف تجد قومك لك؟
قال: مكرمين مطيعين.
قال: ما صدقتني التوراة إذًا: ما كان رجل حليم في قوم إلا بَغَوا عليه وحسدوه (٤).
واعلم أن سبب عداوة الأهل أمران:
الأوّل: أن يتفاضلوا في الفضائل والنعم، فيغار أحدهم ممن هو فوقه، فيحسده ويبغي عليه، وعليه حديث أبي موسى.
стр. 4082
والثاني: أن يكون أحدهم عالمًا، فيأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهو أحرص على صلاح أهله من صلاح غيرهم، وأولى أن يبدأ بهم في النصيحة كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤].
وروى ابن عساكر، وغيره عن عبد الواحد الدمشقي قال: رأيت أبا الدرداء يحدث الناس ويفتيهم، وولده وأهل بيته جلوس في جانب يتحدثون، فقيل له: يا أبا الدرداء! ما بال الناس يرغبون فيما عندك من العلم، وأهل بيتك جلوس لاهين؟
قال: إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ في الأَنْبِياءِ وَأَشَدَّهُمْ عَلَيْهِمُ الأَقْرَبُونَ".
ثمَّ قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَزْهَدَ النَّاسِ في العالِمِ أَهْلُهُ حَتَّى يُفارِقَهُم" (١).
وقلت في المعنى: [من الخفيف]
أَزْهَدُ الناسِ في الْحَكِيْمِ قَرِيْبُهْ ... إِنْ يغيضا (٢) بِالنُّصْحِ صارَ حَبِيبُهْ
إِنَّ لِلنّصْحِ سَطْوَةً ضاقَ مِنْها ... مِنْ فُؤادِ الّذِي نَصَحْتَ رَحِيْبُه
стр. 4083
كَمْ حَكِيْمٍ قَلاهُ لِلنُّصْحِ جارٌ ... وَحَفاهُ ابْنُ خالِهِ وَرَقِيْبُه
والرقيب هنا: ابن العم.
واعلم أنه كما ابتلي موسى ﵇ بقارون وهو ابن عمه أو عمه، ابتلي محمد ﷺ بعمه أبي لهب.
وقد قص الله تعالى أذية قارون لموسى في طي قوله تعالى: ﴿إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ﴾ [القصص: ٧٦]، وهو طي بالنشر أشبه، وإشارة إلى التَّصريح أقرب.
ولمح بأذية أبي لهب لمحمد ﷺ تلميحًا، فقال تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١ - ٢].
وصبر ﷺ على أذية أبي لهب امتثالًا لقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥].
وموسى ﵊ من أولي العزم اتفاقًا.
ثمَّ قال ﷺ على وجه التواضع: "يَرْحَمُ اللهُ أَخِي مُوسَى؛ لَقَد أُوْذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذا فَصَبَرَ" (١).
وكان من أذية أبي لهب له ما تضمنه ما رواه البخاري، والمفسرون عن ابن عباس ﵄ قال: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]، (ورهطك منهم المخلصين): خرج النبي ﷺ حتى صعد على
стр. 4084
الصفا، فهتف: يا صاحباه!
فقالوا: من هذا الذي يهتف؟
قالوا: محمد.
فاجتمعوا إليه، فجعل الرجل إذا لم يستطيع أن يخرج أرسل رسولًا لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال: "أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا بِالوادِي تُرِيْدُ أَنْ تُغِيْرَ عَلَيْكُمْ أَكُنتمْ مُصَدِّقِيَّ؟ "
قالوا: نعم، ما جرَّبنا عليكَ إلَّا صدقاً.
قال: "فَإِنِّي نَذِيْرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيْدٍ".
فقال أبو لهب: تبًّا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] (١).
وقوله: (رهطك منهم المخلصين) منسوخٌ (٢).
ثمَّ إن الله تعالى كما ابتلى موسى ﵇ بثلاث من رؤوس أهل زمانه: أحدهم من أهله وقومه، والآخران من غير قومه، وهم فرعون وهامان وقارون، وقد جمعهم الله تعالى مقدمًا لقارون لشرف نسبه، ولأنه قريب موسى، وعداوة القريب أشد، فقال : ﴿وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾ [العنكبوت: ٣٩].
стр. 4085
وابتلى محمدًا ﷺ بثلاث من رؤوس أهل زمانه: واحد من أقاربه، وهو أبو لهب، والآخران أجنبيان منه؛ وهما أبو جهل، وعبد الله بن أُبيِّ ابنُ سلول المنافق، والآخران مشركان كما كان أحد الثلاثة المبتلى بهم موسى ﵇ منافقًا، وهو قارون، كما تقدم وصفُه بالنفاق عن قتادة، والآخران مشركان، وهما فرعون وهامان.
ثمَّ إن أبا جهل كان أشدهم كفرًا، وأكثرهم تمردًا، فكان مقابلًا لفرعون، وقد ثبت في "السنن" (١) كما نبه عليه النوويّ في "تهذيب الأسماء واللغات": أن النبي ﷺ قال لما قتل أبو جهل يوم بدر: "قُتِلَ فِرْعَوْنُ هَذهِ الأُمَّةِ" (٢).
ثمَّ بقيت هذه السنة في ورثة الأنبياء من العلماء والأولياء، فلا يكاد أحد منهم يخلو ممن يؤذيه ولو من جيرانه وذويه كما قال النبي ﷺ : "لَوْ كانَ الْمُؤْمِنُ في جُحْرِ ضَبٍّ لَقَيَّضَ اللهُ لَهُ فِيْهِ مَنْ يُؤْذِيْهِ". أخرجه الدارقطني في "الأفراد"، وقال غريب، والطبراني في "الأوسط"، والبيهقيّ في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه (٣).
وروى أبو سعيد النقاش في "معجمه"، وابن النجار في "تاريخه"
стр. 4086
عن علي رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لَمْ يَكُنْ مُؤْمِنٌ وَلا يَكُوْنُ إلَى يَوْمِ القِيامَةِ إِلَّا وَلَهُ جارٌ يُؤْذِيْهِ" (١).
وروى البيهقي عن الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى قال: إذا أراد الله تعالى أن يتحف العبد سَلَّط الله عليه من يظلمه (٢).
وبما تقرر من أذى قارون وقومه لموسى ﵇: يتبين أن من أعمالهم وقبائحهم:
بغض أولياء الله تعالى وأذيتهم.
وبغض العلماء.
وإساءة الأدب معهم.
وعدم توقيرهم.
والجرأة عليهم.
وكفران نعمة الأستاذ والمعلم.
وعقوقه وعدم حفظ حقوقه.
وبها تتم أعماله وأعمال قومه المذمومة ثلاثين، وهي في الجملة من قبائح بني إسرائيل، وتابعهم فيها سائر أهل الكتاب.
فليعطف على ذلك ما بقي من قبائحهم التي تدخل في النهي عن
стр. 4087
التشبه بهم، ونقول:
١٣٥ - ومنها: التصدق بما يغتصبون من الناس، ويظلمونهم بأخذه منهم .
وقد تقدم عن وهب بن منبه فيما أوحى الله تعالى إلى شعيب ﵇: أن الله قال لبني إسرائيل: كيف تزكو صدقاتهم وهي من أموال غيرهم، وإنما أجزي عليها المغتصبين.
ولقد قيل في هذا الباب: [من الطويل]
وَمُطْعِمَةِ الأَيْتامِ مِنْ كَدِّ فَرْجِها ... لَكِ الْوَيْلُ لا تَزْنِي وَلا تتَصَدَّقِي
وفي كتاب الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ﴾ [البقرة: ٢٦٧].
قال سعيد بن جبير في قوله: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾: الحلال.
رواه عبد بن حميد (١).
قال ابن زيد في قوله: ﴿وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ﴾: الحرام. رواه ابن جرير (٢).
وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ جَمَعَ مالًا مِنْ حَرامٍ ثُمَّ تَصَدَّقَ بِهِ، لَمْ
стр. 4088
يَكُنْ فِيْهِ أَجْرٌ، وَكانَ أَجْرُهُ عَلَيْهِ". صححه ابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١).
وقال ﷺ : "لا يَكْسِبُ عَبْدٌ مالًا حَراماً فَيُنْفِقَ مِنْهُ فَيُبارَكَ لَهُ فِيْهِ، وَلا يَتَصَدَّقُ بِهِ فَيُقْبَلَ مِنْهُ، وَلا يَتْرُكُهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ إلاَّ كانَ زادَهُ إلَى النَّارِ؛ إِنَّ الله لا يَمْحُو السَّيِّئَ بِالسَّيِّئِ، وَلا يَمْحُو السَّيِّئَ إِلَّا بِالْحَسَنِ، إِنَّ الْخَبِيْثَ لا يَمْحُو الْخَبِيْثَ". رواه البيهقي في "الشعب" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه (٢).
١٣٦ - ومنها: التصدق بأردأ الأموال، وبما لا يحب .
وقد سبق نظيره عن قابيل.
قال الله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٩٢]؛ أي: من شيء محبوب عندكم، أو مكروه.
وهذه الآية من الآيات التي نزلت في وقد نجران، وقد تقدمها وتأخر عنها ما يتعلق بأهل الكتاب، ويني إسرائيل من أحوالهم وأعمالهم.
стр. 4089
وروى عبد بن حميد عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾ [المائدة: ٢٧] قال: كانا من بني إسرائيل، ولم يكونا ابني آدم لصلبه، وإنما كان القربان في بني إسرائيل، وكان آدم أول من مات (١).
وقد [جاء] (٢) في قصتهما أن خيرهما [قرب] (٣) كبشًا من أحسن الغنم، وشرهما قرَّب صُبرة طعام من أردا الطعام، فلم يتقبل منه (٤).
١٣٧ - ومنها: ترك صيام رمضان من غير عذر كالمرض والسفر .
قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣، ١٨٤].
قال جماعة: التَّشبيه في الآية راجع إلى مطلق العموم.
وقال آخرون: بل راجع إلى قدر الصوم ووقته.
وقالوا: إنه كتب صوم رمضان على سائر الأمم (٥).
стр. 4090
ويروى عن علي رضي الله تعالى عنه قال: أول من صام رمضان آدم ﵇.
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "صِيامُ رَمَضانَ كتَبَهُ [الله] (١) عَلَى الأُمَمِ قَبْلَكُم" (٢).
وعن الحسن قال: لقد كتب الصيام على كل أمة خلت، كما كتب علينا شهرًا كاملًا (٣).
وروى ابن جرير عن الشعبي رحمه الله تعالى قال: إن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا، وكانوا ربما صاموا في القيظ فحولوه إلى الفصل؛ أي: فصل الربيع، وضاعفوه حتى صار إلى خمسين يوماً، فذلك قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] (٤).
وعن السدي قال: إن صيام رمضان كتب على اليهود فلم يقبلوه، ثمَّ صاموا يومًا واحدًا من السنة، وزعموا أنّه اليوم الذي أغرق الله فيه فرعون، وكتب على النصارى فقبلوه وصاموه، ثمَّ كان يقع في الحر
стр. 4091
الشديد والبرد الشديد، فشق عليهم صيامه، وتركه أكثرهم، فرأى علماؤهم أن يحولوه إلى زمان الربيع، ويزيدوه عشرة أيام، ثم أصابهم مَوَتان، فقالوا: لو زدتم في صيامكم، فزادوه عشرًا، فصار صيام النصارى خمسين يوماً" (١).
وروى الطبراني عن دَغْفل -بفتح الدال المهملة، وإسكان الغين المعجمة- بن حنظلة رضي الله تعالى عنه موقوفاً عليه في "المعجم الكبير"، ومرفوعًا إلى النبي ﷺ في "الأوسط" -بإسنادين صحيحين- كما أخرجه البخاري في "تاريخه"، والنحاس في "ناسخه" قال: كان على النصارى صوم شهر رمضان، وكان عليهم ملك فمرض، فقال: لئن شفاه الله ليزيدن ثمانية أيام، ثم كان عليهم ملك آخر بعده يأكل اللحم فوجع، فقال: لئن شفاه الله ليزيدن ثمانية أيام، ثمَّ كان عليهم ملك بعده فقال: ما ندع من هذه الأيام أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع، فصارت خمسين يومًا.
وفي رواية البخاري، والنَّحاس: إن الملك الأوّل زاد عشرة أيام، والثاني سبعة أيام، والثالث ثلاثة، وإن الثاني أوجع فوه (٢).
стр. 4092
وهذا من تلاعب الملوك بالدِّين، ولا يخفى أن اليهود والنصارى إلى الآن يصومون رمضان إلا إن وافق صيامهم، فتارك صوم رمضان أو يوم منه لغير عذر متشبه باليهود والنصارى، فإن جحد وجوبه كان كافراً حقيقة.
١٣٨ - ومنها: تقدم رمضان يصوم يوم أو يومين .
وقد جاء النَّهي عنه في شريعتنا إلا من وافق عادة له.
روى عبد بن حميد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كتب على النصارى الصيام كما كتب عليكم، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣].
قال: وكان أول أمر النصارى أن قدموا يوماً؛ قالوا: حتى لا نخطئ، ثمَّ قدموا يومًا وأخروا يومًا، وقالوا: حتى لا نخطئ، ثمَّ آخرهم صاروا إلى أن قالوا: تقدم عشرًا ونؤخر عشرًا حتى لا نخطئ، فضلوا (١).
ونقل القرطبي عن الشعبي قال: لو صمت السنة كلها لأفطرت يوم الشك (٢).
وذلك أنَّ النصارى فرض عليهم صيام شهر رمضان كما فرض علينا، فحولوه إلى الفصل الشمسي لأنه قد كان وافق القيظ فعدوا ثلاثين
стр. 4093
يومًا، ثمَّ جاء بعدهم قرن فأخذوا بالوثيقة لأنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يومًا وبعدها يومًا، ثمَّ لم يزل الآخر يستن بسنة من قبله حتى صاروا إلى خمسين يوماً.
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن عبيد اللحام قال: كنت أمشي مع الشعبي رحمه الله تعالى فقام إليه رجل فقال: يا أبا عمرو! ما تقولون؛ قوم يصومون قبل شهر رمضان بيوم؟
قال: ولم؟
قال: حتى لا يفوتهم شيء من الشهر.
قال: هكذا هلكت بنو إسرائيل؛ تقدموا قبل الشَّهر يومًا وبعده يومًا، فصاموا اثنين وثلاثين يومًا، فلمَّا ذهب ذلك القرن جاء قوم آخرون فتقدموا قبل الشَّهر بيومين وبعده بيومين حتى صار أربعة وثلاثين يومًا، حتى صار صومهم خمسين يوماً؛ صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته (١).
وقال الحافظ زين الدِّين العراقي في الحكمة في النهي عن تقدم الشهر بيوم أو يومين حتى لا يختلط صوم الفرض بصوم نفل قبله ولا بعده تحذيراً مما صنعت النصارى من الزيادة على ما افترض عليهم لرأيهم الفاسد، فكان ﷺ يأمر بمخالفة أهل الكتاب، وكان أولًا يحب موافقتهم فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثمَّ أمر بعد ذلك بمخالفتهم، انتهى (٢).
стр. 4094
١٣٩ - ومنها: التحرج عن الأكل والشرب، والنِّكاح من بعد النَّوم في ليالي الصوم .
ومن المنقول عن أبي العالية، والرَّبيع في قوله تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] أن التشبيه واقع على صفة الصوم الذي كان عليهم من منعهم من الأكل والشرب والنكاح، فإذا حان الإفطار فلا يفعل هذه الأشياء من نام، وكذلك كان صوم النصارى (١).
وهكذا كان الصيام في أول الإسلام، ثمَّ نسخ المنع من النكاح بعد النوم بسبب فعل عمر رضي الله تعالى عنه لذلك، كما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم من حديث معاذ، والإمام أحمد، وابن جرير، وابن أبي حاتم من حديث كعب بن مالك رضي الله تعالى عنهم (٢).
ونسخ المنع من الطَّعام والشراب بسبب قيس بن الصِّرمة الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وشدة جزعه، كما رواه البخاري من حديث
стр. 4095
البراء رضي الله تعالى عنه (١).
وأنزل الله تعالى بسبب القصتين: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
* فائِدَةٌ:
قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] قال أكثر المفسرين: يعني: الولد.
ورواه عبد بن حميد عن مجاهد، وقتادة، والضحاك (٢).
وهو مروي في تفسيري ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس (٣).
ورويا عنه أيضًا: أن المراد ليلة القدر (٤).
والأول أقرب؛ لأنه ذُكر بعد مباشرة النساء.
وقد روى البيهقي [ ... ] (٥) والمفسرون عن ابن عباس رضي الله
стр. 4096
تعالى عنهما قال: المباشرة: الجماع، ولكن الله كريم يكني (١).
وقال مجاهد: المباشرة في كل كتاب الله الجماع. أخرجه ابن جرير (٢).
وبلغني عن بعض الصالحين أنه كان يقول: ما انعقد ولد من جماع في شهر رمضان إلا كان ولدًا مباركاً.
قلت: وهذا ظاهر لأنه جماع مأمور به وإن كان الأمر فيه للإباحة، ولأنه مخالف لسمت أهل الكتاب، ولأمر الله سبحانه بابتغاء الولد فيه، ولأن الشياطين تكون مصفدة عن النطف والأغذية التي تتولد عنها النطفة، وكثير من يهتم باستطاعتها في رمضان ما لا يهتم به في غيره، وترق القلوب بسبب الطعام، وتضعف النفوس، وتصفو الأخلاط.
وقد قال جماعة من الأطباء: إن الولد يغلب عليه ما كان الغالب على والديه من الأمزجة حالة انتشار لذتهما، وتولد نطفته عنهما؛ والله أعلم.
١٤٠ - ومنها: الوصال في الصوم بأن يجمع يومين أو أكثر في الصوم من غير فرق بينهما بطعام أو شراب في الليلة التي بينهما.
روى الإمام أحمد، والطبراني بإسناد صحيح، عن ليلى امرأة
стр. 4097
بشير بن الخَصَاصية قالت: أردت أن أصوم يومين متواصلين، فمنعني بشير رضي الله تعالى عنه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: "يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصارَى، وَلَكِنْ صُومُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَعالَى و ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَإِذا كانَ اللَّيْلُ فأَفْطِرُوا".
وفي رواية: "وَلَكِنْ صُوْمِي كَما أَمَرَكِ اللهُ وَأَتِمِّي وَأَفْطِرِيْ" - بياء المخاطبة (١).
وقد قيل: إن قوله: "يفعل ذلك النصارى" مدرجٌ في الحديث من كلام بشير، وهو قريب في الرواية الأخيرة.
وفي "الصحيحين": من حديث أنس، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ نهى عن الوصال.
قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟
قال: "إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُم؛ إِنِّي أَبِيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيْني" (٢).
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم (٣).
стр. 4098
وفيه إشارة إلى أنه إنما نهاهم عنه تيسيرًا عليهم ورحمة لهم لئلا يتشددوا في الدين كما تشددت فيه رهبان النصارى، ثمّ بين أن الوصال ليس مشقاً في حقه، فأباحه الله له كرامة وخصيصة.
١٤١ - ومنها: التشدد في الصيام، والامتناع فيه عن اللحم وما يلائمه من الأدم ، والاقتصار على الزيت ونحوه كما يفعل النصارى في صيامهم.
وهذا يتفق كثيرًا للمتعمقين في الدين، ولم يثبت عن النبي ﷺ وأصحابه أنهم فعلوا ذلك في صومهم، وإنما هو معروف من فعل النصارى.
وأصله: أن ملكًا من ملوكهم أكل اللحم في الصوم فوجع، فترك اللحم، وأمرهم بتركه.
وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيِّدُ طَعامِ أَهْلِ الدُّنْيا وَأَهْلِ الْجَنَّةِ اللَّحْمُ" (١).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الإِدامِ اللّحْمُ، وَهُوَ سَيِّدُ الإِدامِ" (٢).
стр. 4099
وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَكْلُ اللَّحْمِ يُحَسِّنُ الوَجْهَ، وَيُحَسِّنُ الْخُلُقَ" (١).
وروى ابن السني، وأبو نعيم كلاهما في "الطب"، والبيهقيّ عن علي ﵁: اللحم من اللحم؛ فمن لم يأكل اللحم أربعين يومًا ساء خلقه (٢).
وروى أبو داود، والترمذي، وهؤلاء عن ابن مسعود ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعجبه الذراع؛ أي: من الشاة ونحوها (٣).
وسبب ذلك كما قال بعض العلماء قربُها من المرعى.
وروى الشيخان، والترمذي عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ أكل لحم دجاج (٤).
وروى هؤلاء، وأبو داود، وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل (٥).
стр. 4100
وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أُتِيَ أَحَدُكُمْ بِالطِّيْبِ فَلْيُصِبْ مِنْهُ، وَإِذَا أُتِيَ بِالْحَلْوَى فَلْيُصِبْ مِنْها" (١).
وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "بَيْتٌ لا تَمْرَ فِيْهِ جِياعٌ أَهْلُهُ" (٢)؛ أي: بيت في المدينة ونحوها من البلاد التي عمدة أقواتها لأهلها التمر.
فهذه الأحاديث، وأمثالها تدل على أن تناول هذه الطيبات وأمثالها لا تخل بالزهادة، ولا بالعبادة إذا كان العبد يتناولها على وجه الشرع - سواء كان ذلك في صوم، أو فطر -.
قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
قال علي بن الحسين: قد جمع الله الطِّب في نصف آية، فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٣).