← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.

стр. 4096

تعالى عنهما قال: المباشرة: الجماع، ولكن الله كريم يكني (١). وقال مجاهد: المباشرة في كل كتاب الله الجماع. أخرجه ابن جرير (٢). وبلغني عن بعض الصالحين أنه كان يقول: ما انعقد ولد من جماع في شهر رمضان إلا كان ولدًا مباركاً. قلت: وهذا ظاهر لأنه جماع مأمور به وإن كان الأمر فيه للإباحة، ولأنه مخالف لسمت أهل الكتاب، ولأمر الله سبحانه بابتغاء الولد فيه، ولأن الشياطين تكون مصفدة عن النطف والأغذية التي تتولد عنها النطفة، وكثير من يهتم باستطاعتها في رمضان ما لا يهتم به في غيره، وترق القلوب بسبب الطعام، وتضعف النفوس، وتصفو الأخلاط. وقد قال جماعة من الأطباء: إن الولد يغلب عليه ما كان الغالب على والديه من الأمزجة حالة انتشار لذتهما، وتولد نطفته عنهما؛ والله أعلم. ١٤٠ - ومنها: الوصال في الصوم بأن يجمع يومين أو أكثر في الصوم من غير فرق بينهما بطعام أو شراب في الليلة التي بينهما. روى الإمام أحمد، والطبراني بإسناد صحيح، عن ليلى امرأة

стр. 4097

بشير بن الخَصَاصية قالت: أردت أن أصوم يومين متواصلين، فمنعني بشير رضي الله تعالى عنه، وقال: إن رسول الله ﷺ نهى عنه، وقال: "يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصارَى، وَلَكِنْ صُومُوا كَمَا أَمَرَكُمُ اللهُ تَعالَى و ﴿أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فَإِذا كانَ اللَّيْلُ فأَفْطِرُوا". وفي رواية: "وَلَكِنْ صُوْمِي كَما أَمَرَكِ اللهُ وَأَتِمِّي وَأَفْطِرِيْ" - بياء المخاطبة (١). وقد قيل: إن قوله: "يفعل ذلك النصارى" مدرجٌ في الحديث من كلام بشير، وهو قريب في الرواية الأخيرة. وفي "الصحيحين": من حديث أنس، وأبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ نهى عن الوصال. قالوا: فإنك تواصل يا رسول الله؟ قال: "إِنِّي لَسْتُ مِثْلَكُم؛ إِنِّي أَبِيْتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِيْني" (٢). وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: نهى رسول الله ﷺ عن الوصال رحمة لهم (٣).

стр. 4098

وفيه إشارة إلى أنه إنما نهاهم عنه تيسيرًا عليهم ورحمة لهم لئلا يتشددوا في الدين كما تشددت فيه رهبان النصارى، ثمّ بين أن الوصال ليس مشقاً في حقه، فأباحه الله له كرامة وخصيصة. ١٤١ - ومنها: التشدد في الصيام، والامتناع فيه عن اللحم وما يلائمه من الأدم ، والاقتصار على الزيت ونحوه كما يفعل النصارى في صيامهم. وهذا يتفق كثيرًا للمتعمقين في الدين، ولم يثبت عن النبي ﷺ وأصحابه أنهم فعلوا ذلك في صومهم، وإنما هو معروف من فعل النصارى. وأصله: أن ملكًا من ملوكهم أكل اللحم في الصوم فوجع، فترك اللحم، وأمرهم بتركه. وروى ابن ماجه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "سَيِّدُ طَعامِ أَهْلِ الدُّنْيا وَأَهْلِ الْجَنَّةِ اللَّحْمُ" (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَيْرُ الإِدامِ اللّحْمُ، وَهُوَ سَيِّدُ الإِدامِ" (٢).

стр. 4099

وروى ابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَكْلُ اللَّحْمِ يُحَسِّنُ الوَجْهَ، وَيُحَسِّنُ الْخُلُقَ" (١). وروى ابن السني، وأبو نعيم كلاهما في "الطب"، والبيهقيّ عن علي ﵁: اللحم من اللحم؛ فمن لم يأكل اللحم أربعين يومًا ساء خلقه (٢). وروى أبو داود، والترمذي، وهؤلاء عن ابن مسعود ﵁ قال: كان النبي ﷺ يعجبه الذراع؛ أي: من الشاة ونحوها (٣). وسبب ذلك كما قال بعض العلماء قربُها من المرعى. وروى الشيخان، والترمذي عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ أكل لحم دجاج (٤). وروى هؤلاء، وأبو داود، وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يحب الحلوى والعسل (٥).

стр. 4100

وروى البيهقي في "الشعب" عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذا أُتِيَ أَحَدُكُمْ بِالطِّيْبِ فَلْيُصِبْ مِنْهُ، وَإِذَا أُتِيَ بِالْحَلْوَى فَلْيُصِبْ مِنْها" (١). وروى مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "بَيْتٌ لا تَمْرَ فِيْهِ جِياعٌ أَهْلُهُ" (٢)؛ أي: بيت في المدينة ونحوها من البلاد التي عمدة أقواتها لأهلها التمر. فهذه الأحاديث، وأمثالها تدل على أن تناول هذه الطيبات وأمثالها لا تخل بالزهادة، ولا بالعبادة إذا كان العبد يتناولها على وجه الشرع - سواء كان ذلك في صوم، أو فطر -. قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١]. قال علي بن الحسين: قد جمع الله الطِّب في نصف آية، فقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ (٣).

стр. 4101

وروى ابن أبي شيبة عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كل ما شئت، واشرب ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف، ومَخِيلة. وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وصحح عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كُلُوا واشْرَبُوا، وَتَصَدَّقُوا، والْبَسُوا في غَيْرِ مَخِيْلَةٍ وَلا سَرَفٍ؛ فَإِنَّ الله سُبْحانهُ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ" (١). ومن ثمّ تعلم أن المبالغين في التنعم والتبسط في التلذذات في رمضان مفرطون مخالفون للحكمة التي شرع من أجلها الصوم من قمع الشهوة وكسرُ النفس، حتى إن أحدهم يأكل في رمضان من أنواع الطيبات ما لا يأكله في غيره، وربما صرف في رمضان ما لا يصرفه من أول السنة إلى آخرها غير رمضان، حتى إن بعض الجهلة ربما اشتاق إلى رمضان لا لأجل الصيام، ولكن لأجل ما اصطلح عليه الناس من الطَّيبات، فلا ينبغي للمتدين أن يهتم لنفسه في رمضان ما لا يهتم لها في غيره. وإذا كان سرَّ الصَّوم كسرُ الشهوة ومجاهدة النفس لتنقاد للطاعة، فأي جدوى -كما قال حجة الإِسلام الغزالي في "الإحياء"- لتأخير أكلة، وجمع أكلتين عند العشاء مع الانهماك في الشهوات الأُخر طول النهار؛ أي: ومع التأنق في تحسين المآكل والمشارب التي يستوفيها بعد

стр. 4102

فطره، ورسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ مِنَ الإِسْرافِ أَنْ تَأكُلَ كُلَّ ما اشْتَهَيْتَ". رواه ابن ماجه، وغيره من حديث أنس رضي الله تعالى عنه (١). نعم، إن وسع في نفقته وعمل مستلذات الأطعمة من غير إسراف ولا مَخِيلة لأجل عياله أو صغار أولاده، أو لضيفه، أو لإخوان يجمعهم على طعامه، فهذا له أصل في السنة، وكان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان كما في "الصحيح" (٢). وقال العلماء: يستحب الإكثار من السخاء والجود في رمضان لهذا الحديث، ولغيره. بل إكرام الإخوان وإصابة الشهوة منهم في رمضان وغيره مندوب إليه. وقد روى الطبراني في "الكبير" عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وافَقَ مِنْ أَخِيْهِ شَهْوَةً غُفِرَ لَهُ" (٣).

стр. 4103

وروى البيهقي عن الليث بن أبي سليم قال: أول من خَبَصَ الخَبِيص عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، قَدِمَت عليه عِيرٌ تحمل النَّقيَّ والعسل، فخلط بينهما، وعمل الخبيص، وبعث به إلى أم سلمة ﵂، فلما وضعته بين يدي رسول الله ﷺ أكله، فاستطابه، فقال: "مَنْ بَعَثَ هَذا؟ ". قالت: عثمان بن عفان. فقال النبي ﷺ : "اللَّهُمَّ إِنَّ عُثْمانَ تَرَضَّاكَ فارْضَ عَنْهُ" (١). وعن عبد الله بن عوف رحمه الله تعالى قال: ما أتينا ابن سيرين في يوم عيد قط إلا أطعمنا خبيصًا؛ أي: فالوذق (٢). ورواه أبو نعيم في "الحلية"، ولم يقل: يوم عيد (٣). وفيها عن أبي خلدة قال: دخلت على محمَّد بن سيرين رحمه الله تعالى فقال: ما أدري ما أتحفكم به، كلكم في بيته [خبز ولحم] (٤)، يا جارية! تلك الشهدة، فجاءت بها، فجعل يقطع، ويأكل ويطعمنا (٥). وقوله: تلك الشَّهدةَ؛ أي: القطعة من العسل مع شمعه، وهو منصوب بإضمار: هاتِ، أو على الأغراء.

стр. 4104

ثم اعلم أن التبسط في الشهوات والاسترسال فيها ربما أدى إلى قسوة القلب والغفلة عن ذكر الله تعالى، وقد يؤول بصاحبه إلى الإسراف والمَخِيلة وغيرهما من المفاسد الدينية، فاللائق بالعبد الاقتصاد والتوسط بين الإفراط والتفريط في قدر المأكل والمشرب، وسائر التمتعات، وفي أنواعها وقيمتها، مع مراقبة الله في سائر الأحوال، وسياسة النفس في سائر الأمور، وبهذا جاءت السنة. روى الترمذي، وغيره عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ "تَعَشَّوْا وَلَوْ بِكَفِّ مِنْ حَشَفٍ؛ فَإِنَّ تَرْكَ العَشاءِ مَهْرَمَةٌ" (١). وروى ابن ماجه عن جابر رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لا تَدَعُوا العَشاءَ وَلَوْ بِكَفٍّ مِنْ تَمْرٍ؛ فَإِنَّ تَرْكَهُ مَهْرَمَةٌ" (٢). وروى الترمذي وحسنه، وابن حبَّان في "صحيحه" عن المقدام ابن معدي كرب رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما مَلأَ آدَمِيٌ وِعاءً شَرًّا مِنْ بَطْنٍ، بِحَسْبِ ابنِ آدَمَ أُكُلاتٌ -وفي لفظ: لُقَيْماتٌ- يُقِمْنَ صُلْبَهُ؛ فَإِنْ كانَ لا مَحالَةَ فَثُلُثٌ لِطَعامِهِ، وَثُلُثٌ لِشَرابِهِ، وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ" (٣).

стр. 4105

وروى ابن ماجه، والبيهقيّ -وحسنه جميعهم- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "مِنَ الإِسْرافِ - وفي لفظ: إِنَّ مِنَ الإِسْرافِ - أَنْ تَأكُلَ كُلَّما اشْتَهَيْتَ" (١). و"ما" في قوله: "كل ما اشتهيت" موصولةٌ. ويحتمل أن تكون على المفعولية أي: كل مأكول اشتهيت. ويحتمل أن تكون على الظرفية؛ أي: في كل وقت اشتهيت؛ فإن الشهوة أكثر ما تكون غير صادقة، بل ولهاً من الإنسان وتشغلاً، وتارة تكون الشهوة صادقة والأكل عند صدق الشهوة واستحكامها محمود شرعًا وطباً، وأمَّا عند الشهوة الكاذبة كلما وقعت الشهوة به فذلك هو المراد في الحديث. وروى ابن السني، وأبو نعيم، والبيهقيُّ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لِلْقَلْبِ فَرْحَةٌ عِنْدَ أَكْلِ اللَّحْمِ، وَما دامَ الفَرَحُ لامْرِئٍ إِلَّا أَشِرَ وَبَطِرَ" (٢). وروى الترمذي وحسَّنه، وأبو يعلى -واللفظ له - عن علي

стр. 4106

رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "أَنتمُ اليَوْمَ خَيْرٌ أَمْ إِذَا غُدِيَ عَلَى أَحَدِكُمْ بِجَفْنَةٍ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ، وَرِيحَ عَلَيْهِ بِأُخْرَى، وَغَدا فِي حُلَّةٍ وَراحَ في أُخْرَى، وَسَتَرْتُمْ بُيُوْتَكُمْ كَما تُسْتَرُ الْكَعْبَةُ؟ " قالوا: نحن يومئذ خير نتفرَّغ للعبادة. قال: "بَلْ أَنتمُ اليَوْمَ خَيْرٌ" (١). ١٤٢ - ومن أعمال اليهود والنصارى: التشديد في الدين مطلقًا العزم وغيره، والتكلف فيه . ومنه التبتل والترهيب الآتي ذكره في محله، والتورع المظلم كما وقع لبني إسرائيل حين أمرهم موسى ﵊ بذبح بقرة في قصة القتيل لبيان قاتله من تكرار قولهم لموسى ﵇: ادع لنا ربك يبين لنا، والتعنت في السؤال حتى قال رسول الله ﷺ : "لَوْ أَنَّهُم اعْتَرَضُوْا بَقَرَة فَذَبَحُوْها لأَجْزَأَتْ عَنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ شَدَّدُوْا فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ". أخرجه ابن أبي حاتم، وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٢). وقال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وروى الإمام أحمد عن الأغر المزني رضي الله تعالى عنه: أنه

стр. 4107

سمع النبي ﷺ : "إِنَّ خَيْرَ دِيْنَكُمْ أَيْسَرُهُ، إِنَّ خَيْرَ دِيْنِكُمْ أَيْسَرُهُ" (١). وروى البخاري، والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "الدِّيْنُ يُسْرٌ، وَلَنْ يُغالِبَ أَحَدٌ الدِّيْنَ إِلَّا غَلَبَهُ، سَدِّدُوا وَقارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، واسْتَعِيْنُوا بِالْغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ، وَشَيْءٍ مِنَ الدّلْجَةِ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف، عن أبيه، عن جده ﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَالَ: "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَإِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِتَشْدِيْدِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَسَتَجِدُوْنَ بَقاياهُمْ في الصَّوامِعِ والدِّياراتِ" (٣). وروى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: وضع رسول الله ﷺ ذقني على منكبه لأنظر إلى الحبشة حتى كنت التي مللت وانصرفت عنهم، قالت: وقال يومئذ: "لتعْلَم يَهُوْدُ أَنَّ في دِيننَا فُسْحَةً، إِنِّي أُرْسِلْتُ بِحَنِيْفِيَّةٍ سَمْحَةٍ" (٤).

стр. 4108

وقال الحسن: دين الله وضع دون الغلو وفوق التقصير. رواه الحكيم التِّرمذي في "نوادره" (١). ولا تتدبر دين اليهودية ودين النصرانية إلا وجدته إما غلوًا وإفراطًا، وإما تقصيرًا وتفريطًا، وهما يتوافقان تارة ويتضادان تارة، ودين الإسلام دون ذلك، ومن ثمَّ كانت هذه الأمة أمة وسطًا مقتصدة لتقام بهم الحجة لله على أهل الغلو وأهل التقصير؛ قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٤٣]. وروى البيهقي في "الشعب" عن سعيد الجهني، عن بعض الصحابة ﵃ قال: قال رسول اللهِ ﷺ : "العِلْمُ أَفْضَلُ مِنَ العَمَلِ، وَخَيْرُ الأَعْمالِ أَوْسَطُها، وَدِيْنُ اللهِ بَيْنَ القاصِي والغَالِي، والْحَسَنَةُ بَيْنَ السَّيِّئَتَيْنِ لا تَنالُها إِلَّا بِاللهِ، وَشَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ" (٢). قال في "الصحاح": والحقحقة أرفع السير، وأتعبه للظهر. قال في "القاموس": أو اللجاج في السير، أو السير أول الليل، أو أن يلحح في السير حتى تعطب راحلته أو تنقطع، انتهى (٣). استعيرت في الحديث للغلو في العبادة، وحمل النفس على ما يؤول بها إلى الملال والانقطاع عن العبادة، أو سيق قوله: "شَرُّ السَّيْرِ الْحَقْحَقَةُ"

стр. 4109

سياق المثل، وقد ضرب النبي ﷺ لذلك مثلًا آخر فقال ﷺ : "إِنَّ هَذَا الدِّيْنَ مَتِيْنٌ، فَأَوْغِلْ فِيْهِ بِرِفْقٍ، وَلا تُبْغِضْ لِنَفْسِكَ عِبادَةَ رَبِّكَ؛ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لا سَفَرًا أَقْطَعَ، وَلا ظَهْرًا أَبْقَى". وفي لفظ: "فَأَوْغِلُوا فِيْهِ بِرِفْقٍ، وَلا تُكَرِّهُوا عِبادَةَ اللهِ إلَى عِبادِهِ؛ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لا يَقْطَعُ سَفَرًا وَلا يَسْتَبْقِي ظهرًا". رواه البيهقي في "الشعب" باللفظ الأول عن ابن عمرو، وباللفظ الثاني عن عائشة رضي الله تعالى عنهم (١). ورواه البزار من حديث جابر ﵁، ولفظه: "إِنَّ هَذا الدِّينَ مَتِيْنٌ فَأَوْغِلْ فِيْهِ بِرِفْقٍ؛ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لا أَرْضًا قَطَعَ، وَلا ظَهْرًا أَبْقَى" (٢). وصدر الحديث عند الإمام أحمد من حديث أنس بنحوه (٣). ١٤٣ - ومن أخلاق أهل الكتاب: ترك السحور لمن يريد الصِّيام . روى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فَضلُ ما بَيْنَ صِيَامِنَا

стр. 4110

وَصِيامِ أَهْلِ الكِتابِ أكْلَةُ السَّحَرِ" (١). وأشار ﷺ إلى أن السحور من خواص هذه الأمة بقوله فيما رواه النسائي -بإسناد حسن- عن عبد الله بن الحارث، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: دخلت على النبي ﷺ وهو يتسحر، فقال: "إِنَّها بَرَكَةٌ أَعْطاكُمُ اللهُ إِيَّاها، فَلا تَدَعُوْهُ" (٢). * تَنْبِيْهٌ: يستحب السحور من التمر، وإلا فمهما تيسر ولو بجُرعة ماء. وروى أبو داود، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "نِعْمَ سَحُوْرُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ" (٣). ورواه ابن حبَّان من حديث جابر، ولفظه: "نِعْمَ السَّحُوْرُ التَّمْرُ" (٤). وهو بفتح السين المهملة: اسم لما يتسحر به، وهو المراد في الحديث. وبضمها: اسم الفعل؛ أي: المصدر. والوجهان محتملان في قوله ﷺ : "السَّحُوْرُ كلُّهُ بَرَكَةٌ، فَلا تَدَعُوهُ وَلَوْ أَنْ يَجْرعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ؛ فَإِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِيْنَ". رواه الإمام أحمد من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه (٥).

стр. 4111

قال الحافظ عبد العظيم المنذري: وإسناده قوي (١). ١٤٤ - ومنها: تأخير الفطر إلى طلوع النَّجم . والمتظاهرون بهذه العادة اليهوديةِ النصرانيةِ الروافضُ قبحهم الله تعالى. روى الإمام مالك، والشيخان، والترمذي رحمهم الله تعالى عن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا يَزالُ النّاسُ بِخَيْرٍ ما عَجَّلُوا الفِطْرَ" (٢). أخرج ابن ماجه مثله من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وزاد: "فَإِنَّ اليَهُودَ والنَّصارَى (٣) يُؤَخِّرُونَ" (٤). وروى أبو داود، وابن خزيمة، وابن حبَّان في "صحيحيهما"، والحاكم وصححه، عنه، عن النبي ﷺ قال: "لا يَزالُ الدَّيْنُ ظاهِراً مَا عَجَّلَ النَّاسُ الفِطْرَ لأَنَّ اليَهُودَ والنَّصارَى يُؤَخّرُونَ" (٥). وروى الطَّبراني في "الكبير" بسند حسن، عن أبي الدرداء رضي

стр. 4112

الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لَنْ تَزالَ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي ما لَمْ يَنْتَظِرُوا بِفُطُورِهِمْ ما عَجَّلُوا" (١). ورواه ابن حبَّان في "صحيحه" من حديث سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما، ولفظه: "لا تَزالُ أُمَّتِي عَلَى سُنَّتِي ما لَمْ تَنتظِرْ بِفِطْرِهَا النُّجُومَ" (٢). وهو صريح في أن تأخير الفطر إلى طلوع النجم بدعةٌ مخالفة للسنة. قال أنس رضي الله تعالى عنه: ما رأيت رسول الله ﷺ قط صلى صلاة المغرب -أي: وهو صائم- حتى يفطر ولو على شربة من ماء. رواه أبو يعلى، وابن خزيمة، وابن حبَّان في "صحيحيهما" (٣). * تَنبِيْهٌ: يستحب الفطر على الرطب أو التمر. ومن لطائف أخي العلامة شهاب الدِّين أحمد رحمه الله تعالى،

стр. 4113

وقوله: [من مجزوء الرجز] فُطُورُ التَّمْرِ سُنَّة ... رَسُوْلُ اللهِ سَنَّه يَنالُ الأَجْرَ شَخْصٌ ... يُحَلِّي مِنْهُ سِنَّه فإن لم يتيسر التمر فعلى شيء حلو؛ قالوا: لأنَّ الصوم يضعف البصر، والإفطار على الحلو يقوي البصر. فإن لم يتيسر فعلى الماء. لكن الذي صوبه النووي -وهو المذهب- أن التمر إن لم يتيسر فعلى الماء للأحاديث الصحيحة في ذلك (١). واستحب القاضي حسين من أصحابنا الشافعية: أن يكون فطر العبد على ما يتناول من النهر ونحوه بيده ليكون فطره على حلال لغلبة الشبهات في المآكل (٢). وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ يحبُّ أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النَّار (٣). وروى الطبراني عنه قال: كان رسول الله ﷺ يفطر إذا كان صائمًا

стр. 4114

على اللبن (١). وروى ابن خزيمة في "صحيحه" عن سلمان رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ خطبهم فقال في حديث طويل في فضل رمضان: "مَنْ فَطَّرَ فِيْهِ صَائِماً كَانَ مَغْفِرَةً لِذُنُويِهِ وَعِتْقَ رَقَبَتِهِ مِنَ النَّارِ، وَكَانَ لَهُ مِثْلَ أَجْرِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَجْرِهِ شَيْءٌ". قالوا: يا رسول الله! ليس كلنا يجد ما يُفْطِر به الصائم؟ قال: "يُعْطِي اللهُ هَذا الثَّوابَ مَنْ فَطَّرَ صائِمًا عَلَى تَمْرَةٍ، أَوْ جُرْعَةِ ماءٍ، أَوْ مَذْقَةِ لَبَنٍ" (٢). وفي هذا الحديث، والذي قبله إشارة إلى أن الفطر على اللبن سنة - أي: إذا لم يكن تمر - والتحرج عن أكل الألبان في أيام الصوم من عادة النصارى، والسُّنة بخلاف ذلك؛ فافهم! ١٤٥ - ومنها: الفطر قبل تحلة الفطر، وهو غروب الشمس . والنصارى يفطرون من صيامهم قبل الغروب، وربما أفطروا عند العصر، وهذا من الكبائر. روى ابن خزيمة، وابن حبَّان في "صحيحيهما" عن أبي أمامة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بَيْنَما أَنا ناَئِمٌ أتَانِي رَجُلانِ فأَخَذَا

стр. 4115

بِضَبُعَيَّ، فَأَتَيَا بِي جَبَلًا وَعِراً حَتَّى إِذا كُنْتُ في سَوَاءِ الْجَبَلِ إِذا بِأَصْوَاتٍ شَدِيْدَةٍ، قُلْتُ: ما هَذِهِ الأصْواتُ؟ قالُوا: هَذَا عواءُ أَهْلِ النَّارِ، ثُمَّ انْطَلَقَا بِي فَإِذا أَنا بِقَوْمٍ مُعَلَّقِيْنَ بِعَراقِيْبِهِمْ مُشَقَّقَةٌ أَشْدَاقُهُمْ تَسِيْلُ أَشْدَاقُهُمْ دَمًا، قُلْتُ: مَنْ هَؤُلاءِ؟ قَالا: الَّذِيْنَ يُفْطِرُوْنَ قَبْلَ تَحِلَّةِ صَوْمِهِم" (١)؛ أي: قبل وقت الإفطار. ١٤٦ - ومنها: صوم عيد الفطر، والأضحى، وأيام التشريق . فإن هذه الأيام إذا وافقت صوم أهل الكتاب لصاموها ولم يبالوا، ولأنها أيام عيد، ومن عادة اليهود أن يصوموا يوم عيدهم كما سيأتي عن السيوطي. وقد جاء النهي عن صوم هذه الأيام، وقد أجمع العلماء على صيام اليومين الأولين، وأما صيام أيام التشريق فالأكثرون على تحريمه، وهو قول أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه، وهو الجديد من قولي الشَّافعي، وهو الأصح لما روى أبو داود من طريق مالك عن يزيد بن الهاد، عن أبي مرة مولى أم هانئ: أنه دخل مع عبد الله بن عمرو على عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، فقرَّب إليها طعامًا، فقال عبد الله: كُلْ إني صائم. فقال عمرو: فهذه الأيام التي كان رسول الله ﷺ يلزمنا بإفطارها وينهانا عن صيامها؟

стр. 4116

قال مالك رضي الله تعالى عنه: هي أيام التشريق (١). وروى مسلم، وأبو داود، والنسائي عن نبُيشة الهذلي -وهو بالتصغير رضي الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ : " أَيَّامُ التَّشْرِيْقِ أَيَّامُ أَكْلِ وَشُرْبٍ" (٢). فإن قلت: فقد روى التِّرمذي وحسنه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قرأ: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] وعنده يهودي، فقال: لو أنزلت هذه الآية علينا لاتخذنا يومها عيدًا. قال ابن عباس: فإنها نزلت في يوم عيد، في يوم جمعة ويوم عرفة، فسمَّى ابن عباس يوم عرفة عيداً مع أنَّ صومه من السُّنَّة لغير الحاج (٣). فالجواب أن ظهور ما هو شأن العيد من الفرح والابتهاج والسرور يوم عرفة إنما يتم للحاج، فلذلك كره له صومه، واستحب لغيره صيامه؛ إذ لا يتم له من معنى العيد ما يتم للحاج. ومن ثمَّ حمل بعض العلماء ما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ :

стр. 4117

"يَوْمُ عَرَفَةَ وَيوْمُ النّحْرِ وَأَيَّامُ التَّشْرِيْقِ عِيْدُ أَهْلِ الإسْلامِ، وَهِيَ أّيَّامُ أكْلٍ وَشُرْبٍ" (١) على أنه لعله قال في حجة الوداع، وأنه مخصوص بالحاج حيث كان الأفضل في حقه الفطر يوم عرفة ليتقوى بذلك على الوقوف والدُّعاء. قال الشيخ زين الدين العراقي: ويدل لهذا التأويل أن النسائي بوَّب على هذا الحديث في كتاب "الحج": النهي عن صوم يوم عرفة؛ أشار إلى أن النهي مخصوص بالحاج، انتهى. وفي الحديث وجه آخر وهو أن قوله: "وهي أيام أكل وشرب" يعود على أيام التشريق فقط، أو عليها مع يوم النحر دون يوم عرفة، أو يعود على مجموع السابق، لا على جميعه. نعم، يبقى في الحديث تسمية يوم عرفة عيداً. والحاصل أن أعياد أهل الإسلام على قسمين: - عيد لسائر الأمة. - وعيد لجماعة مخصوصين من الأمة في مكان مخصوص. فالأول: الفطر والنحر، فنهيت سائر الأمة عن صيام هذا العيد لظهوره في عموم هذه الأمة. والثاني: يوم عرفة، فندب صيامه لما فيه من الفضل العظيم إلا للحاج بعرفة، فنهي عن صومه لظهوره في حقه دون من لم يكن بصفته

стр. 4118

من الأمة، ولا في موقفه. ثمَّ حمل النهي عن صوم العيد الأول على التحريم لتمحضه للعيدية، والنهي عن صوم الثاني على الكراهة لعدم تمحضه لذلك. كما حمل النهي عن إفراد يوم الجمعة بالصوم على الكراهية لأنه عيد من حيث الاجتماع للصلاة، والتنظف، والتطيب والزينة له، ولم يحمل على التحريم لعدم تمحضه للعيدية من حيث زيادةُ التكليف فيه بتحريم البيع والمعاملة فيه بعد الأذان، والسفر فيه بعد الفجر، أو بعد الزوال على الخلاف فيه، ومن حيث إن الاجتماع فيه لا يطلب من سائر الأمة، بل ممن اتَّصف بصفة توجب عليه الجمعة، أو تصح منه بها. ١٤٧ - ومنها: تخصيص يوم من الأسبوع بنوع من التعظيم لم يَرِدْ به الشرع . ومن ثمَّ كره إفراد ليلة الجمعة بقيام، ويومها بصيام، وكذلك يوم السبت ويوم الأحد. روى الأئمة الستة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَصُوْمُ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إِلَّا أَنْ يَصُوْمَ قَبْلَهُ أَوْ يَصُوْمَ بَعْدَهُ" (١).

стр. 4119

وروى مسلم من حديثه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَخصُّوا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ بِقِيامٍ مِنْ بَيْنِ اللَّيالِي، وَلا تَخُصُّوا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِصِيامٍ مِنْ بَيْنِ الأيَّامِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ في صَوْمٍ يَصُوْمُهُ أَحَدُكُمْ" (١). وروى البخاري، وأبو داود، والنسائي عن جويرية بنت الحارث رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ". قالت: لا. قال: "أَتُرِيْدِيْنَ أَنْ تَصُوْمِي غَدًا؟ ". قالت: لا. قال: "فأَفْطِرِي" (٢). وروى الإمام أحمد عن عبيد الأعرج قال: حدَّثتني جدتي ﵂: أنها دخلت على رسول الله ﷺ وهو يتغذى وذلك يوم السبت، فقال لها: "تَعالَى فَكُلِي". فقالت: إني صائمة. فقال: "أَصُمْتِ أَمْسِ؟ ". قالت: لا.

стр. 4120

قال: "كُلِي؛ فَإنَّ صِيامَ السَّبْتِ لا لَكِ وَلا عَلَيْكِ" (١). وروى أصحاب السنن الأربعة عن عبد الله بن بُسْر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ إِلَّا فِيْمَا افْتَرَضَ عَلَيْكُمْ؛ فَإنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحَاءَ شَجَرَةٍ أَوْ عُوْدَ شَجَرَةٍ فَلْيَمْضَغْهُ". حسنه الترمذي، وصححه ابن السَّكَن، والحاكم (٢). والأظهر من مذهب الشافعي رضي الله تعالى عنه كراهية إفراد يوم الجمعة أو يوم السبت بالصوم (٣). وذهب إليه الإمام أحمد، وأبو يوسف، والقاضي أبو بكر بن العربي من المالكية في يوم الجمعة، وكذلك الأحد بالقياس عليهما ما لم يوافق عادة له أو نذرًا (٤). قال الترمذي: ومعنى الكراهية في هذا -أي: في صوم يوم السبت-

стр. 4121

أن يخص الرجل يوم السبت بصيام؛ لأنَّ اليهود يعظِّمون يوم السبت، انتهى (١). أي: والمراد: وتخصيصه بالصيام تعظيمًا له، فمن فعل ذلك فقد تشبه بهم. وكذلك من خص يوم الأحد بصيام فقد أشبه النصارى في تعظيمه. وقد نص ابن يونس على إلحاق الأحد بالسبت، وكراهية إفراده بالصوم. وذهب جماعة منهم مالك إلى عدم كراهية إفراد الجمعة بالصوم، وعدم كراهية صوم السبت وكذلك الأحد ولو مفردًا، وقالوا: إن النهي عن صومهما منسوخ (٢) بما رواه النسائيُّ: أن ابن عباس بعث إلى عائشة وأم سلمة رضي الله تعالى عنهم يسألهما: ما كان رسول الله ﷺ يحبُّ أن يصوم من الأيام؟ فقالتا: ما مات رسول الله ﷺ حتى كان أكثر صومه يوم السبت والأحد، ويقول: "هُما عِيدانِ لأَهْلِ الْكِتابِ فَنَحْنُ نُحِبُّ أَنْ نُخالِفَهُمْ" (٣). ولنا أن نقول: إن سلمنا صحة هذا الحديث، فإنَّه دليل على نسخ كراهية صوم السبت لا على نسخ كراهية إفراده بالصوم؛ لأنَّ ظاهر

стр. 4122

الحديث أنَّه كان يصوم الأحد معه. ولقائل أن يقول: إن مخالفة أهل الكتاب حاصلة بمجرد الصوم في اليوم الذي هو عيد لهم. وذكر البيهقي في كتاب "خصائص يوم الجمعة": أن وجه الحكمة في كراهية تخصيص يوم الجمعة بالصوم مخالفة اليهود فإنهم يصومون يوم عيدهم، أو يفردونه بالصوم، فنهي عن التشبه بهم كما خولفوا في يوم عاشوراء بصيام يوم قبله أو بعده، انتهى (١). فعلى هذا لا يحصل مخالفة اليهود بمجرد صيام السبت إلا لو ضم إليه يوم آخر. ثمَّ اختلف العلماء في وجه كراهية إفراد الجمعة بالصوم: فقيل: لئلا يلتزم الناس من تعظيمه ما التزمت اليهود في سبتهم من ترك الأعمال كلها؛ أي: في ليلة السبت ويومه. وهذه العلة صالحة لتعليل كل من النهي عن تخصيص ليلة الجمعة بقيام، ويومها بصيام، فربما لو شرع هذا لظن كثير من الناس أن هذه الليلة وهذا اليوم لا يتعاطى فيها شيء من الأعمال والأشغال سوى القيام والصيام، فيدخل عليهم التَّشديد في الدين، وما جعل عليهم في هذا الدين من حرج، وإنما هو يسر. وهذا من أسلم التعاليل من النقض والمعارضة.

стр. 4123

وقيل -واختاره النوويّ رحمه الله تعالى-: إن يوم الجمعة شرع فيه عبادات كثيرة من الذكر والدعاء، والقراءة، والصلاة على رسول الله ﷺ ، فاستحب فطره ليكون أعون على قضاء هذه الوظائف للنشاط من غير ضعف ولا ملل؛ نظير الحاج بعرفة كان الأولى له الفطر لهذه العلة. قال النوويّ رحمه الله تعالى: فإن قيل: لو كان كذلك لم تزل الكراهة بصوم يوم قبله أو بعده لبقاء المعنى المذكور. فالجواب: أنَّه يحصل له بفضيلة اليوم الذي قبله أو بعده ما يجبر ما قد يحصل من فتور أو تقصير في وظائف يوم الجمعة بسبب صومه (١). قال العراقي: والسُّؤال الذي سأله قوي، والجواب عنه ضعيف (٢). قلت: ومقتضى الحكمة التي ذكرها النوويّ أن من كان يعرف من نفسه أن لا يقوم بوظائف يوم الجمعة ولا يهتم به لا يكره في حقه الصوم لانتفاء المعنى. ثمَّ إن سلمت هذه الحكمة فإنما تصلح لتعليل كراهية صوم يوم الجمعة مطلقًا كما هو مذهب علي، والنخعي، الشعبي، ومجاهد، والزهري، وحكاه ابن عبد البر عن أحمد، وإسحاق. وروى عبد الرزاق، وابن أبي شيبة تعليل الكراهية بما ذكر عن علي رضي الله تعالى عنه؛ قال: من كان متطوعًا من الشهر أيامًا يصومها

стр. 4124

فليكن من صومه يوم الخميس، ولا تتعهدوا يوم الجمعة؛ فإنَّه يوم عيد وطعام وشراب، فيجتمع له يومان صالحان: يوم صامه، ويوم نسكه مع المسلمين (١). وفي لفظ لابن أبي شيبة: من كان منكم متطوعًا من الشهر فليصم يوم الخميس ولا يصم يوم الجمعة؛ فإنَّه يوم طعام وشراب وذِكْر (٢). وقد اشتمل كلام علي رضي الله تعالى عنه على علتين لكراهية صوم يوم الجمعة: إحداهما: التَّقوِّي بالطعام والشراب على الذكر. والثانية: أنَّه يوم عيد. ويؤيد ذلك ما رواه النسائيُّ عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا صِيامَ يَومَ عِيْدٍ" (٣). وهذه العلة الأخيرة اختار الحافظ أبو الفضل بن حجر التعليل بها لكراهية إفراد يوم الجمعة بالصيام، وأيدَّه بما رواه الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَومُ الْجُمُعَةِ يَوْمُ عِيْدٍ؛ فَلا تَجْعَلُوا يَوْمَ عِيْدِكُمْ يَوْمَ صَوْمِكُمْ إِلَّا أَنْ

стр. 4125

تَصُوْمُوْا قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ" (١). فإن قلت: الصوم قبل يوم الجمعة أو بعدها لا يخرجه عن كونه عيدًا؟ فالجواب: إن صاحب الشرع ﷺ نص على أن كراهية صومه -وإن كان عيدًا- يزول بصيامٍ قبله أو بعده. فإن قلت: يلزم على هذا أن لا يمنع من صيام يوم النحر من صام قبله بيوم، ولا من صام آخر أيام التشريق من صام بعده يومًا، وهذا لا قائل به؟ فالجواب: منع هذا. والفرق بين ما تمحض للعيدية ليوم الفطر ويوم النحر والتشريق، فمنع من صامه مطلقًا، وما فيه شائبة العيدية وليس بعيد محض كيوم عرفة ويوم الجمعة فكره صوم يوم عرفة في مكان [مخصوص، لقوم] (٢) مخصوصين، وكره صوم يوم الجمعة في حالة مخصوصة، ومن ثمَّ لو نذر صوم يوم عرفة وإن كان حاجًا في عرفة، أو صوم يوم الجمعة انعقد النذر، وتعين الصَّوم بخلاف ما لو نذر صيام يوم الفطر، أو يوم النَّحر، أو أيام التَّشريق إلا ما روي عن أبي حنيفة رضي الله تعالى عنه: أنَّه ينعقد

стр. 4126

النَّذر، ولا يصوم هذه الأيام، بل يقضي (١). ١٤٨ - ومن أعمال بني إسرائيل: صيام يوم عاشوراء مفردًا عن يوم قبله أو بعده . والذي تحرر في صوم عاشوراء: أنَّ النَّبي ﷺ كان يصومه بمكة، وكانت قريش تصومه، ثمَّ لما هاجر إلى المدينة وجد اليهود يصومونه ويتخذونه عيدًا، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء، ثمَّ أمر بمخالفتهم، فكان يصوم يوم عاشوراء ويأمر بصيامه، ولا يتخذه عيدًا، ثمَّ أمر بأن يصام قبله يومًا أو بعده لتتحقق مخالفتنا لأهل الكتاب. وفي "صحيح مسلم" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ صام يوم عاشوراء، فقالوا: يا رسول الله! يوم تعظمه اليهود والنصارى؟ فقال رسول اللهِ ﷺ : "فَإِذا كَانَ العامُ الْمُقْبِلُ صُمْنا التَّاسِعَ". فلم يجئ عاشوراء حتى توفي رسول الله ﷺ (٢). ومذهب الشافعي، وأحمد رضي الله تعالى عنهما: أنَّه يستحب صوم التاسع والعاشر جميعًا، فإن لم يتيسر صوم التاسع فالحادي عشر،

стр. 4127

وإفراد عاشوراء بالصوم خلاف الأولى (١). * فائِدَةٌ في فضل عاشوراء، وهو اليوم العاشر من المحرم: روى البزار عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "عاشُوْراءُ عِيْدُ نَبِيٍّ كانَ قَبْلَكُمْ؛ فَصُوْمُوْا أَنْتُمْ" (٢). وروى أبو يعلى عن أنس رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "فُلِقَ البَحْرُ لِبَنِي إِسْرائِيْلَ يَوْمَ عاشُوْراءَ" (٣). وروى الطبراني في "الكبير" بسند ضعيف، عن عثمان بن مطر رضي الله تعالى عنه -وكان له صحبة - عن النَّبي ﷺ أنَّه قال في حديث: "وَفِي رَجَبٍ حَمَلَ اللهُ نوُحًا في السَّفِيْنَةِ فَصامَ رَجَبَ، وَأَمَرَ مَنْ مَعَهُ أَنْ يَصُوْمُوا، فَجَرَتْ بِهِمُ السَّفِيْنةُ سَبْعَةَ أَشْهُر، آخِرُ ذَلِكَ يَومُ عاشُوراءَ أُهْبِطَ عَلَى الْجُودِيِّ، فَصَامَ نُوْحٌ وَمَنْ مَعَهُ والْوَحْشُ شُكْرًا لله ، وَفِي يَوْمِ عاشُوْراءَ فَلَقَ اللهُ البَحْرَ لِبَنِي إِسْرائِيْلَ، وَفِي يَوْمِ عاشُوْراءَ تابَ اللهُ عَلَى آدَمَ ﵇، وَعَلَى أَهْلِ مَدِيْنَةِ يُوْنسُ ﵇، وَفِيْهِ وُلِدَ إِبْراهِيْمُ ﵇" (٤).

стр. 4128

وفي قوله: "فجرت بهم السفينة سبعة أشهر" إطلاق اسم الشهر على بعضه حيث جمع كما في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧] وهي: شوال، وذو القعدة، وعشرة أيام من ذي الحجة. وقال قتادة: ركب نوح ﵇ في السفينة في رجب يوم عشر بقين، ونزل من السفينة يوم عاشوراء (١). وقال عكرمة: هو يوم تاب الله فيه على آدم ﵇ (٢)؛ يعني: يوم عاشوراء. رواهما عبد الرزاق. وكلام قتادة لا يوافق الحديث، فكأن "ستة" في الحديث تصحف على بعض الرواة "سبعة"، ولا يوافق ما هو المشهور من أن نوحًا ركب في السفينة يوم عاشر رجب، واستوت على الجودي يوم عاشوراء، وأن ركوبه بمن معه كان ستة أشهر لا تزيد ولا تنقص (٣). وروى مسلم عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ سئل عن صوم عاشوراء فقال: "يُكَفِّرُ ذُنُوبَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ" (٤). وروى هو وأصحاب السنن عنه أيضًا قال: سئل رسول الله ﷺ عن صوم يوم عرفة فقال: "يُكَفِّرُ ذُنُوبَ السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ والبَاقِيَةِ" (٥).

стр. 4129

قال العلماء: تعظيم يوم عاشوراء مما كان محفوظًا مشهورًا في أهل الكتاب، وأما تعظيم يوم عرفة فإنما اشتهر تعظيمه في هذه الأمة، فناسب أن يكون مضاعفًا ثواب صومه على صوم يوم عاشوراء. وقد روي في "الأثر": أن عشر ذي الحجة هو العشر الذي أصله أهل الكتاب. ونظير هذا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "الوُضُوءُ قَبْلَ الطَعامِ حَسَنَةٌ، وَبَعْدَهُ حَسَنَاتٌ" (١). فإن الحكمة في ذلك أن الوضوء قبل الطعام من شريعة موسى ﵊، وبعده من شريعة محمَّد ﷺ كما يؤخذ من حديث سلمان المتقدم، ونبه عليه الحافظ السيوطي (٢). وروى الطبراني في "الكبير" بسند ضعيف، عن أبي سعيد رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ وَسَّعَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ عاشُوْراءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سَنَتَهُ كُلَّهَا" (٣). وأخرجه -بسند ضعيف أيضًا- عن ابن مسعود رضي الله تعالى

стр. 4130

عنه، ولفظه: "مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيالِهِ يَوْمَ عاشُوْراءَ لَمْ يَزَلْ في سَعَةٍ سائِرَ سَنَتِهِ" (١). وأخرجه البيهقي في "فضل الشهور والأيام" من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "مَنْ وَسَّعَ عَلَى عِيالِهِ وَأَهْلِهِ يَوْمَ عاشُوراءَ وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ سائِرَ سَنَتِهِ" (٢). قال البيهقي بعد أن رواه من طرق، وعن جماعة من الصحابة رضي الله تعالى عنهم: هذه الأسانيد -وإن كانت ضعيفة- فهي إذا ضم بعضها إلى بعض أحدث قوة، انتهى (٣). قال العراقي في "أماليه" لحديث أبي هريرة: صحح بعضَ طرقه ابنُ ناصر؛ قال: وله طرق عن جابر رضي الله تعالى عنه على شرط مسلم، أخرج بعضها ابن عبد البر في "الاستذكار" (٤). وروى هو والدارقطني بسند جيد، عن عمر رضي الله تعالى عنه موقوفًا، والبيهقيُّ في "الشُّعب" عن محمَّد بن المنتشر قال: كان يقال ... فذكره. انتهى (٥).

стр. 4131

وأما اتخاذ يوم عاشوراء مأتمًا للحسين فإنَّه بدعة ابتدعها الروافض؛ فيجب الحذر من التشبه بهم فيها. وأما الاكتحال يوم عاشوراء ففيه حديث ضعيف، ورواه البيهقي عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اكْتَحَلَ بِالإِثْمِدِ يَوْمَ عاشُوراءَ لَمْ يَرْمَدْ أَبَدًا" (١). ١٤٩ - ومن أخلاق اليهود والنَّصارى: ترك الحج والعمرة إلى بيت الله الحرام مع الاستطاعة . فإن انضم إلى ذلك إنكار وجوب الحج كان كفرًا. ولا يكفر بإنكار وجوب العمرة لاختلاف العلماء فيها. قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧]. روى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن الضَّحاك رحمه الله تعالى قال: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان، مشركي العرب، والنصارى، واليهود، والمجوس، والصابئين -أي: مع المسلمين- فخطبهم، فقال: "إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ كتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا"، فآمنت به أهل ملة واحدة وهم المسلمون.

стр. 4132

وفي رواية: فلم يقبله إلا المسلمون، وكفرت به خمس ملل؛ قالوا: لا نؤمن به، ولا نستقبله، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] (١). وروى هؤلاء والبيهقيُّ في "السنن" عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية قالت اليهود: نحن المسلمون، فقال لهم النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَجَّ البَيْتِ". فقالوا: لم يكتب علينا، وأَبَوا أن يحجوا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] (٢). وقال سعيد بن المسيّب رحمه الله تعالى: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب. نقله الثعلبي، وغيره (٣). وروى الترمذي وضعفه، وابن عديّ، وغيرهما عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَلَكَ زَادًا وَراحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلَى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أَنْ لا يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَو نَصْرانِيًّا؛ وَذَلِكَ أَنَّ

стр. 4133

الله تَعَالَى يقولُ في كِتابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآية" (١). وروى الإمام أحمد في كتاب "الإيمان"، وسعيد بن منصور، وأبو يعلى بإسناد قريب، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حابِسٌ، أُوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ حاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حالٍ شَاءَ، يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرانِيًّا" (٢). وروى الإمام أحمد -قال ابن المنذري: وإسناده حسن، واللفظ له- وسعيد بن منصور -وإسناده صحيح كما قال السيوطي-[عن عمر ابن الخطاب ﵁: أنَّه] قال: "مَنْ كانَ ذَا يَسَارٍ فَماتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شاءَ يَهُودِيًّا، وإِنْ شَاءَ نَصْرانِيًّا" (٣). قال العلماء: هذا الحديث مخرج على التحذير والتخويف من ترك الحج مع القدرة.

стр. 4134

قلت: ويؤخذ من هذه الأحاديث أنَّه يُخشى على من ترك الحج مع الاستطاعة من سوء الخاتمة، والحيلولة بين العبد وبين العصمة من الشيطان عند الموت؛ إذ روي أن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان؛ الواحد عن يمينه، والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه يقول: يا بني! إني كنت عليك شفيقًا ولك محبًا، ولكن مت على دين النصارى وهو خير الأديان، والذي عن شماله على صفة أمه تقول: يا بني! كان بطني لك وعاء، وثدي لك سقاء، وفخذي لك وطاء، ولكن مت على دين اليهود وهو خير الأديان، فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية. نقله القرطبي في "التذكرة". والأخبار المتقدمة دليل على وجوب الحجِّ على الفور مع الاستطاعة، وممن قال به الإمامان مالك، وأحمد، وأبو يوسف، والمزني (١). وقال الإمام الشافعي: إنه واجب على التراخي لأنَّ الحج فُرِض في سنة خمس أو ست، وهو الراجح، ولم يحج النبي ﷺ حتى كانت سنة عشر، فلو كان الوجوب على الفور لم يؤخره. ثمَّ أَظْهَرُ الوجهين من مذهب الشافعي ﵁: أن من أخر الحج بعد الاستطاعة حتى مات، مات عاصيًا لأنا إنما جوَّزنا له التأخير دون التفويت.

стр. 4135

قال أصحابنا: ومن استطاع وخشي الغصب، أو هلاك ماله، حرم عليه تأخير الحج؛ لأنَّ الواجب الموسع يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله (١). ١٥٠ - ومن أعمال اليهود: رفع اليدين عند الخروج من المسجد الحرام وغيره من المعابد، والوقوف للدُّعاء . روى الأزرقي في "تاريخ مكة" عن عثمان بن الأسود قال: كنت مع مجاهد فخرجنا من باب المسجد، فاستقبلت الكعبة، فرفعت يدي، فقال: لا تفعل؛ إن هذا من فعل اليهود (٢). وروى عبد الرزاق عن ابن جريج رحمه الله تعالى قال: قلت لعطاء: هل بَلَغك أن النبي ﷺ أو بعض أصحابه كان يستقبل القبلة حين يخرج ويدعو؟ قال: لا. ثمَّ أخبرني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أنَّه قال لبعض من يستقبل البيت كذلك يدعو إذا خرج عند خروجه: لمَ تصنعون؟ هذا صنع اليهود في كنائسهم؛ ادعوا في البيت ما بدا لكم، ثمَّ اخرجوا (٣).
следующие страницы →