وأما اتخاذ يوم عاشوراء مأتمًا للحسين فإنَّه بدعة ابتدعها الروافض؛ فيجب الحذر من التشبه بهم فيها.
وأما الاكتحال يوم عاشوراء ففيه حديث ضعيف، ورواه البيهقي عن جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنِ اكْتَحَلَ بِالإِثْمِدِ يَوْمَ عاشُوراءَ لَمْ يَرْمَدْ أَبَدًا" (١).
١٤٩ - ومن أخلاق اليهود والنَّصارى: ترك الحج والعمرة إلى بيت الله الحرام مع الاستطاعة .
فإن انضم إلى ذلك إنكار وجوب الحج كان كفرًا.
ولا يكفر بإنكار وجوب العمرة لاختلاف العلماء فيها.
قال الله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧].
روى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن الضَّحاك رحمه الله تعالى قال: لما نزلت آية الحج جمع رسول الله ﷺ أهل الأديان، مشركي العرب، والنصارى، واليهود، والمجوس، والصابئين -أي: مع المسلمين- فخطبهم، فقال: "إِنَّ اللهَ سُبْحانَهُ كتَبَ عَلَيْكُمُ الْحَجَّ فَحُجُّوا"، فآمنت به أهل ملة واحدة وهم المسلمون.
стр. 4132
وفي رواية: فلم يقبله إلا المسلمون، وكفرت به خمس ملل؛ قالوا: لا نؤمن به، ولا نستقبله، ولا نحجه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] (١).
وروى هؤلاء والبيهقيُّ في "السنن" عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾ [آل عمران: ٨٥] الآية قالت اليهود: نحن المسلمون، فقال لهم النبي ﷺ : "إِنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَجَّ البَيْتِ".
فقالوا: لم يكتب علينا، وأَبَوا أن يحجوا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٩٧] (٢).
وقال سعيد بن المسيّب رحمه الله تعالى: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الحج إلى مكة غير واجب. نقله الثعلبي، وغيره (٣).
وروى الترمذي وضعفه، وابن عديّ، وغيرهما عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ مَلَكَ زَادًا وَراحِلَةً تُبَلِّغُهُ إلَى بَيْتِ اللهِ وَلَمْ يَحُجَّ فَلا عَلَيْهِ أَنْ لا يَمُوتَ يَهُودِيًّا أَو نَصْرانِيًّا؛ وَذَلِكَ أَنَّ
стр. 4133
الله تَعَالَى يقولُ في كِتابِهِ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] الآية" (١).
وروى الإمام أحمد في كتاب "الإيمان"، وسعيد بن منصور، وأبو يعلى بإسناد قريب، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلامِ لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حابِسٌ، أُوْ سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أَوْ حاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فَلْيَمُتْ عَلَى أَيِّ حالٍ شَاءَ، يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرانِيًّا" (٢).
وروى الإمام أحمد -قال ابن المنذري: وإسناده حسن، واللفظ له- وسعيد بن منصور -وإسناده صحيح كما قال السيوطي-[عن عمر ابن الخطاب ﵁: أنَّه] قال: "مَنْ كانَ ذَا يَسَارٍ فَماتَ وَلَمْ يَحُجَّ فَلْيَمُتْ إِنْ شاءَ يَهُودِيًّا، وإِنْ شَاءَ نَصْرانِيًّا" (٣).
قال العلماء: هذا الحديث مخرج على التحذير والتخويف من ترك الحج مع القدرة.
стр. 4134
قلت: ويؤخذ من هذه الأحاديث أنَّه يُخشى على من ترك الحج مع الاستطاعة من سوء الخاتمة، والحيلولة بين العبد وبين العصمة من الشيطان عند الموت؛ إذ روي أن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان؛ الواحد عن يمينه، والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه يقول: يا بني! إني كنت عليك شفيقًا ولك محبًا، ولكن مت على دين النصارى وهو خير الأديان، والذي عن شماله على صفة أمه تقول: يا بني! كان بطني لك وعاء، وثدي لك سقاء، وفخذي لك وطاء، ولكن مت على دين اليهود وهو خير الأديان، فعند ذلك يزيغ الله من يريد زيغه، وهو معنى قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ [آل عمران: ٨] الآية. نقله القرطبي في "التذكرة".
والأخبار المتقدمة دليل على وجوب الحجِّ على الفور مع الاستطاعة، وممن قال به الإمامان مالك، وأحمد، وأبو يوسف، والمزني (١).
وقال الإمام الشافعي: إنه واجب على التراخي لأنَّ الحج فُرِض في سنة خمس أو ست، وهو الراجح، ولم يحج النبي ﷺ حتى كانت سنة عشر، فلو كان الوجوب على الفور لم يؤخره.
ثمَّ أَظْهَرُ الوجهين من مذهب الشافعي ﵁: أن من أخر الحج بعد الاستطاعة حتى مات، مات عاصيًا لأنا إنما جوَّزنا له التأخير دون التفويت.
стр. 4135
قال أصحابنا: ومن استطاع وخشي الغصب، أو هلاك ماله، حرم عليه تأخير الحج؛ لأنَّ الواجب الموسع يجوز تأخيره بشرط أن يغلب على الظن السلامة إلى وقت فعله (١).
١٥٠ - ومن أعمال اليهود: رفع اليدين عند الخروج من المسجد الحرام وغيره من المعابد، والوقوف للدُّعاء .
روى الأزرقي في "تاريخ مكة" عن عثمان بن الأسود قال: كنت مع مجاهد فخرجنا من باب المسجد، فاستقبلت الكعبة، فرفعت يدي، فقال: لا تفعل؛ إن هذا من فعل اليهود (٢).
وروى عبد الرزاق عن ابن جريج رحمه الله تعالى قال: قلت لعطاء: هل بَلَغك أن النبي ﷺ أو بعض أصحابه كان يستقبل القبلة حين يخرج ويدعو؟
قال: لا.
ثمَّ أخبرني عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما: أنَّه قال لبعض من يستقبل البيت كذلك يدعو إذا خرج عند خروجه: لمَ تصنعون؟ هذا صنع اليهود في كنائسهم؛ ادعوا في البيت ما بدا لكم، ثمَّ اخرجوا (٣).
стр. 4136
* تَنْبِيْهٌ:
في مسائل يتوهم أنها شبيهة بما تقدم، وليس كذلك:
إحداها: رفع اليدين في الدعاء من حيث هو سنة، وهو من آداب الدعاء ولو عند دخول المسجد، وعند الخروج منه لا سيما بالمأثور، لكن لا يستحب له الوقوف، ورفع اليدين، واستقبال القبلة؛ لأنَّ هذه الهيئة هي التي من صنع اليهود.
وروى أبو داود بإسناد جيد، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ أنَّه كان إذا دخل المسجد قال: "أَعُوْذُ بِاللهِ العَظِيْمِ، وَبِوَجْهِهِ الكَرِيْمِ، وَبِسُلْطانِهِ القَدِيْمِ، مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيْمِ".
قال: "فَإِذا قالَ ذَلِكَ قالَ الشَّيْطانُ: حُفِظَ مِنِّي سائِرَ اليَوْمِ" (١).
وروى أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بأسانيد صحيحة، عن أبي حُميد، أو أبي أُسيد رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا دَخَلَ أَحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ فَلْيُصَلِّ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لِيَقُلْ: اللَّهُمَّ افْتَحْ لِي أَبْوابَ رَحْمَتِكَ، وَإِذا خَرَجَ فَلْيَقُلْ: اللهُمَّ إنِّي أَسْألُكَ مِنْ فَضْلِكَ" (٢).
стр. 4137
والحديث في "مسلم" دون ذكر السلام (١).
زاد ابن السني في روايته: "وإذا خَرَجَ فَلْيُسَلِّمْ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَعِذْنِي مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيْمِ" (٢).
وروى ابن السني عن عبد الله بن الحسين، عن أبيه، عن جدته (٣) قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل المسجد حمد الله، وسمَّى، وقال: "اللهُمَّ اغْفِرْ لِي وافْتَحْ أَبْوابَ رَحْمَتِكَ" (٤).
وعن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَحَدَكُمْ إِذا أَرادَ أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ تَداعَتْ جُنُوْدُ إِبْلِيْسَ، وَأَجْلَبَتْ واجْتَمَعَتْ كَما يَجْتَمعُ النَّحْلُ عَلَى يَعْسُوْبِها، فَإِذا قَامَ أَحَدُكُمْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوْذُ بِكَ مِنْ إِبْلِيْسَ وَجُنُوْدِهِ، فَإِنَّهُ إِذا قَالَهَا لَمْ تَضُرَّهُ" (٥).
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد قال: "بِسْمِ اللهِ، اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وإذا خَرَجَ قالَ: بَسْمِ
стр. 4138
اللهِ، اللهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحمدٍ" (١).
الثانية: قال علماؤنا الشافعية، وغيرهم: يستحب للعبد حين يرى الكعبة شرفها الله تعالى -قال القاضي زكريا، وغيره: أو يصل إلى محلّ رؤيتها وإن لم يرها لِعمى، أو ظلمة، أو نحوهما- أن يرفع يديه ويدعو بالدعاء المأثور، وبما أحب.
قالوا: والداخل إلى مكة من الثنية العليا يراه من رأس الجبل فيقف ويدعو.
وكان الإمام مالك رضي الله تعالى عنه لا يرى ذلك (٢).
وروى الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج مرسلًا: أن النبي ﷺ كان إذا رأى البيت رفع يديه وقال: "اللهُمَّ زِدْ هَذَا البَيْتَ تَشْرِيْفًا وَتَكْرِيْمًا، وَتَعْظِيْمًا وَمَهابَةً، وَزِدْ مَنْ شَرَّفَهُ وَكَرَّمَهُ مِمَّنْ حَجَّهُ واعْتَمَرَهُ تَشْرِيْفًا وَتَكْرِيْمًا، وَتَعْظِيْمًا وَمَهابَةً وَبِرًّا" (٣).
قال الشافعي: ليس في رفع اليدين عند رؤية البيت شيء؛ فلا أكرهه ولا أستحبه.
قال البيهقي: وكأنه لم يعتمد على الحديث لانقطاعه لأنه معضل
стр. 4139
بين ابن جريج والنبي ﷺ .
وروي هذا الحديث من طرق أخرى كلها واهية، وأكثرها منقطع (١).
وفي "سنن أبي داود" عن المهاجر المكي قال: سئل جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما عن الرجل يرى البيت فيرفع يديه، فقال: ما كنت أرى أحدًا يفعل هذا إلا اليهود، وقد حججنا مع رسول الله ﷺ فلم يكن يفعله (٢).
الثالثة: الوقوف عند رأس الردم، وهو المعروف بالمدعى من صنع إبراهيم ﵇.
روى الأئمة الحفاظ: عبد الرزاق، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وآخرون عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس ﵄: أول ما اتخذ الناس المناطق من قبل أم إسماعيل اتخذت منطقًا لتعفي أثرها على سارة، ثمَّ جاء إبراهيم بها وبابنها إسماعيل ﵈ وهي ترضعه حتى وضعها عند البيت عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد، وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك، ووضع عندها جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثمَّ قفى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل ﵈، فقالت: يا إبراهيم! أين تذهب وتتركنا في هذا الموضع الذي ليس فيه أنيس ولا شيء؟
فقالت له ذلك مرارًا، وجعل لا يلتفت إليها، فقالت له: الله أمرك بهذا؟
стр. 4140
قال: نعم.
قالت: إذًا لا يضيعنا.
ثمَّ رجعت، فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثَّنِيَّة حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثمَّ دعا بهذه الدعوات، ورفع يديه، فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَشْكُرُونَ﴾ [إبراهيم: ٣٧] (١).
قلت: وهذا الحديث كافٍ للاستدلال على استحباب رفع اليدين عند الدعاء بالمدعى، وبغيره لأنه من فعل إبراهيم ﵇، ونحن مأمورون باتباع ملته (٢).
الرابعة: خلع النعلين عند باب المسجد، وعند الدخول إلى الحرم لا بأس به، وبالنية الصالحة فيكون مستحبًا، وهو متعين إذا كان فيهما قَذَرٌ أو نجس -وإن كان من فعل بني إسرائيل- لأنه من فعل الأنبياء ﵈.
قال الله تعالى: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ [طه: ١٢].
أمر بذلك ليفعله أدبًا، وتواضعًا، وتبركًا بإمساس بشرة قدميه الوادي المقدس كما قيل: [من الطويل]
стр. 4141
وَنَمْشِي حُفاةً في ثَراها تَأَدُّبًا ... نَرَى أَنَّنا نَمْشِي بِوادٍ مُقَدَّسِ وروى ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: كانت الأنبياء ﵈
إذا أتوا عَلَم الحرم نزعوا نعالهم (١).
وروى هو والأزرقي في "تاريخ مكة" عن عبد الله بن الزبير ﵁ قال: إن كانت الأمة من بني إسرائيل لتقدم مكة، فإذا بلغت ذا طوى خلعت نعالها تعظيمًا للحرم (٢).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن مجاهد قال: كان يحج من بني إسرائيل مئة ألف، فإذا بلغوا أنصاب الحرم خلعوا نعالهم، ثمَّ دخلوا الحرم حفاة (٣).
وروى الأزرقي، وابن عساكر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: حج الحواريون فلما دخلوا الحرم مشوا تعظيمًا للحرم (٤).
стр. 4142
١٥١ - ومن أخلاق اليهود والنصارى: ترك التضحية .
فإن الله تعالى برأهم من إبراهيم ﵇، ومن الحنيفية، ومن ملته وحنيفيته الحج والأضحية.
قال الله تعالى: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: ٦٧].
وأول من ضحَّى إبراهيم ﵇.
روى الحاكم عن زيد بن أرقم ﵁ قال: قال أصحاب رسول الله ﷺ : يا رسول الله! ما هذه الأضاحي؟
قال: "سُنَّةُ أَبِيْكُمْ إِبْراهِيْمَ".
قالوا: فما لنا فيها يا رسول الله؟
قال: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ حَسَنَةٌ".
قالوا: فالصوف؟
قال: "بِكُلِّ شَعْرَةٍ مِنْ الصُّوفِ حَسَنَةٌ" (١).
١٥٢ - ومنها: التحرج عن النحر .
وشريعتنا واردة بالنحر والذبح جميعًا.
قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢].
стр. 4143
والمستحب في الإبل، وكل ما طال عنقه النحر في اللَّبَّة: وهي النقرة أسفل العنق.
وفي غير ذلك الذبح: وهو قطع الحلق أعلى العنق.
وروى ابن أبي حاتم، وابن المنذر عن مجاهد، وعكرمة رحمهما الله تعالى قالا: كان لبني إسرائيل الذبح، وأنتم لكم النحر، ثمَّ قرأ: ﴿فَذَبَحُوهَا﴾ [البقرة: ٧١]، ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ [الكوثر: ٢] (١).
١٥٣ - ومن أعمال النصارى: الذبح بالظفر .
روى الإمام أحمد، والأئمة الستة عن رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنَّه قال: "ما أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ فَكُلُوْهُ لَيْسَ بِالسِّنِّ والظُّفُرِ، وَسأُخْبِرُكُمْ عَنْ ذَلِكَ؛ أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ" (٢).
والحبشة كان دينهم النصرانية.
وقال النوويّ في "شرح مسلم": معناه أنهم -يعني: الحبشة- كفار، وقد نهيتم عن التشبه بالكفار، وهذا شعار لهم (٣).
стр. 4144
١٥٤ - ومنها: تقذُّر الطعام .
وهو مكروه، بل ينبغي لمن لم يعجبه الطعام أن يتركه، ولا يتقذر منه، ولا يعيبه.
وفي الحديث: مَا عَابَ رسولُ اللهِ ﷺ طَعَامًا قَطُّ؛ إِنِ اشْتَهاهُ أَكَلَهُ، وإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ (١).
روى الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن قبيصة ابن هُلْب، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ وسأله رجل فقال: إن من الطعام طعامًا أتحرج منه؟
فقال: "لا يَتَحَلَّجَنَّ في صَدْرِكَ شَيْءٌ ضَارَعْتَ فِيْهِ النَّصْرانِيَّةَ" (٢).
وقوله: "لا يتحلجن" -بالحاء المهملة قبل اللام، والجيم بعدها، ونون التوكيد- قال في "القاموس": أي: لا يدخلنَّ عليك منه شيء؛ فإنَّه نظيف (٣).
وروي بالخاء المعجمة، ومعناه: لا يتحركنَّ في قلبك شيء من الريبة والشك (٤).
وقوله: "ضارعت فيه النصرانية"؛ أي: شابهت به أخلاق النصارى.
стр. 4145
والجملة استئنافية، أو صفة لشيء.
١٥٥ - ومن أخلاق اليهود: التحرج عن أكل لحوم الإبل وألبانها، والعروق، والشحوم .
وقد سبق عن الشعبي: أن الروافض يشاركون اليهود في الامتناع عن أكل لحوم الإبل وألبانها.
قال الله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [آل عمران: ٩٣، ٩٤]
روى البخاري في "تاريخه"، والترمذي عن ابن عباس ﵄: أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه.
قال: "كَانَ يَسْكُنُ البَدْوَ، فَاشْتَكَى عِرْقَ النِّسَا، فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا يُلائِمُهُ إِلَّا لُحُوْمَ الإِبِلِ وَألبَانَهَا، فَلِذَلِكَ حَرَّمَها".
قالوا: صدقت (١).
وروى المفسرون، والحاكم، والبيهقيُّ عنه أنَّه قال في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣]؛ قال: العرق أخذه عرق النساء، وكان يبيت له زقاء -يعني: به صياح- فجعل لله عليه إن
стр. 4146
شفاه الله أن لا يأكل لحما فيه عروق، فحرمته اليهود.
وفي رواية عنه: حرم العروق، ولحوم الإبل (١).
وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عنه أنَّه كان يقول: الذي حرم إسرائيل على نفسه: زيادتا الكبد، والكليتان إلا ما كان على الظهر؛ فإن ذلك كان يقرب للقربان، فتأكله النار (٢).
ويجمع بين هذه الروايات بأن كل هذه الأمور حرمها إسرائيل ﵇ على نفسه، فحدث ابن عباس بكل منها مرة، وجمع في مرة أخرى.
وروى عبد الرزاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة قال: لولا هذه الآية: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] لتتبع المسلمون من العروق ما تتبع منه اليهود (٣).
وذكر الثعلبي عن الكلبي في قوله: ﴿إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [آل عمران: ٩٣] الآية، قال: لم يحرمه الله عليهم في التوراة، وإنما حرم عليهم بعد التوراة بظلمهم وكفرهم بآيات الله، وكانت بنو إسرائيل إذا أصابوا ذنبًا عظيمًا حرم الله تعالى عليهم طعامًا طيبًا، أو صَبَّ
стр. 4147
عليهم رِجْزًا، وهو الموت، وذلك قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ [النساء: ١٦٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ [الأنعام: ١٤٦] (١).
قال ابن جريج: كل شيء لم تفرج قوائمه من البهائم، وما انفرجت قوائمه أكلوه، ولا يأكلون البعير، ولا البط، ولا الوز، ولا حمار الوحش. رواه أبو الشيخ (٢).
وهو بمعناه مروي عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد (٣).
لكن قال سعيد بن جبير: إن الديك مما حرم عليهم؛ أي: دون الدجاج الإناث. رواه أبو الشيخ أيضًا (٤).
وقال ﵎: ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾ [الأنعام: ١٤٦].
وما حمل الظهر: ما علق به من الشحم.
والحوايا: المباعر والمرابض التي تكون فيها الأمعاء، وما اختلط
стр. 4148
بعظم: الإلية، وشحم القوائم، والجنب، والرأس، والعين، والأذن، وما عداها؛ فهذه المستثنيات حلال لهم من الثرب، وشحم الكلية، وكل شيء كان كذلك فهو حرام عليهم.
وإنما حرمت عليهم هذه الطيبات عقوبة لهم بسبب بغيهم، ثمَّ لم يرجعوا عن البغي فباعوا ما حرم عليهم، وكلوا ثمنه كما قال رسول الله ﷺ : "لَعَنَ اللهُ اليَهُودَ؛ حُرِّمَتْ عَلَيْهِمُ الشُّحُوْمُ فَبَاعُوهَا وَأَكَلُوا ثَمَنَها". رواه الشيخان (١).
١٥٦ - ومن أعمال النصارى: أكل لحم الخنزير، والميتة، والدم المسفوح .
ولا يجوز في شريعتنا شيء من ذلك إلا في حالة الاضطرار.
وقد سبق أن النصارى يأكلون ما ذبح بالظفر، وهو ميتة.
وروى ابن سعد في "الطبقات" عن الأزرق بن قيس قال: قدم على النبي ﷺ أسقف نجران والعاقب، فعرض عليهما الإِسلام، فقال: إنا كنا مسلمين قبلك.
قال: "كَذَبْتُما؛ إِنَّه مَنَعَكُمَا مِنْ الإسْلامِ ثَلاثٌ: قَوْلُكُما: اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا، وَأَكْلُكُمَا لَحْمَ الْخِنْزِيْرِ، وَسُجُودُكُما لِلصَّنَمِ" (٢).
стр. 4149
وروى الحاكم وصححه، وأبو نعيم في "الدلائل" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قدم على النبي ﷺ العاقب والسيد، فدعاهما إلى الإِسلام، فقالا: أسلمنا يا محمَّد.
قال: "كَذَبْتُمَا، إِنْ شِئْتُمَا أَخْبَرْتُكُمَا ما يَمْنَعُكُمَا مِنَ الإِسْلامِ".
قالا: فهات.
قال: "حُبُّ الطِّيْبِ، وَشُرْبُ الْخَمْرِ، وَأَكْلُ لَحْمِ الْخِنْزِيْرِ" (١).
قلت: روى أبو نعيم في "الحلية" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: أُتي برجل من أفضل أهل زمانه إلى ملك كان يفتن الناس على أكل لحوم الخنازير، فلما أُتي به استعظم الناس مكانه، وهالهم أمره، فقال له صاحب شرطة الملك: ائتني بِجَدْي، فذبحه مما يحل لك أكله، فأعطنيه؛ فإن الملك إذا دعا بلحم الخنزير أتيتك به، فأتى صاحب الشرطة باللحم الذي كان أعطاه لحم الجَدْي، فأمره الملك أن يأكل منه، فأبى، فجعل صاحب الشرطة يغمز إليه، ويأمره بأكله، ويريه أنَّه اللحم الذي دفعه إليه، فأبى أن يأكله، فأمر الملك صاحب الشرطة أن يقتله، فلما ذهب به قال له: ما يمنعك أن تأكل وهو اللحم الذي دفعت إلي؟ أظننت أني أتيتك بغيره؟
قال: قد علمت أنَّه هو، ولكن خفت أن يقتاس الناس به، فكلما
стр. 4150
أريد أحد على أكل لحم الخنزير قال: قد أكله فلان، فيقتاس الناس بي، فأكون فتنة لهم.
قال: فقتل (١).
قلت: رحم الله هذا الرجل؛ ما أعظم أجرَه عند الله! وما فعله أولى ما يُطلب من العالم المقتدى به، فلا ترى الناس للعالم في شيء أطوع منهم له في رخصة أو معصية يدعوهم إليه، أو يعمل بها بمحضرهم كما عمت البلوى الآن ممن ينسبون إلى العلم، فيخالطون الحكام الظلمة، ويأكلون من أموالهم، ويمالونهم، ويلبسون الحرير، ويفرشونه، أو يأكلون ما لا يحل لهم، ويشربون ما حرم الله عليهم، فإذا بينت تحريم شيء من ذلك لبعض العامة، قال لك: ما بال فلان يفعله أو يقره؟
ومن ثمَّ قيل: إذا زل عالِم زل بزلته عالَم.
على أن ذلك ليس من الزلة، بل من باب الفسق والجرأة على الله تعالى، فعسى الله تعالى أن يحببنا إليه ببغض هؤلاء، ويثيبنا على غيظنا عليهم، إنه على كل شيء قدير.
ولقد قلت: [من السريع]
وَاللهِ ما الْعالِمُ بِالْفاسِقِ ... وَلا بِنَذْلٍ بِالْخنا ناطِقِ
وَلا بِمَنْ يَبْغِي وَيسْطُو عَلى ... إِخْوانِهِ كَسَطْوَةِ الْباشِقِ
стр. 4151
وَلا بِمَنْ يَلَبْسُ ثَوْبَ الْخَنا ... أَوْ لُبْسَةَ الْخارِقِ والْمارِقِ
وَلا بِمَنْ يَأْكُلُ مالَ الرِّبا ... وَمالَ أَيْتامٍ كَما السَّارِقِ
وَلا بِمَنْ يُؤثِرُ حُبَّ الْمَها ... عَلى هَوى النَّاهِدِ والْعاتِقِ
الْعِلْمُ كُلُّ الْعِلْمِ ما يَنْتَهِي ... بِهِ الْفَتَى عَنْ سَخَطِ الْخالِقِ
١٥٧ - ومن أعمال اليهود والنصارى: شرب الخمر .
وقد كان في صدر الإِسلام مباحًا، ثمَّ حرم، ثمَّ صار تحريمها مما أُجمع عليه، وعلم من الدين ضرورة.
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن جعفر بن حرفاس: أن عيسى بن مريم ﵉ كان يقول: رأس الخطيئة حبُّ الدنيا، والخمر مفتاح كل شر، والنساء حبالة الشيطان (١).
وروى ابن أبي حاتم، والبيهقيُّ عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: إن هذه الآية التي في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠] هي في التوراة: إن الله أنزل الحق ليبطل به الباطل، ويذهب به اللعب، والزفن، والمزامير، والكبارات؛ يعني: البرابط، والزمارات؛ يعني: الدف، والطنابير، والشعر.
والخمر مُزَّة لمن طعمها، وأقسم ربي بيمينه وعزه حياته لا يشربها
стр. 4152
عبد بعدما حرمتها عليه إلا عطشته يوم القيامة، ولا يدعها بعدما حرمتها عليه إلا سقيته إياها من حظيرة القدس (١).
وهذا الأثر، والذي قبله يدلان على تحريم الخمر في شريعة موسى وعيسى ﵉ كما يدلّ على تحريم الخنزير في شريعة عيسى ﵇.
وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد"، وابن عساكر عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉ للحواريين: يا معشر الحواريين! لا تطرحوا اللؤلؤ إلى الخنزير؛ فإن الخنزير لا يصنع باللؤلؤ شيئًا، ولا تعطوا الحكمة من لا يريدها؛ فإن الحكمة خير من اللؤلؤ، ومن لا يريدها شر من الخنزير (٢).
ألا ترى أنَّه ﵇ جعل الخنزير شر الحيوانات، ثمَّ جعل المُعْرِض عن الحكمة شرًا منه؟
١٥٨ - ومنها: كل السُّحت .
وهو أكل أموال الناس بالباطل؛ كالربا، والسرقة، والغصب،
стр. 4153
والرشوة في الحكم، وأخذ القاضي ونحوه للهدية.
وهو بضم السين المهملة، مع إسكان الحاء المهملة، أو ضمها: الحرام، أو ما خبث من المكاسب، فلزم عنه العار.
وأسحت: اكتسبه.
وأسحت الشيء: استأصله.
ويقال: سحتٌ فيهما.
والمسحوت الجوف: من لا يشبع، ومن يتخم كثيرًا ضد؛ ذكر ذلك في "القاموس" (١).
وإنما سمي الحرام سحتًا لأنه يسحت آكله؛ أي: يستأصله بالعقوبة، أو لأنه يسحت جوف آكله فلا يشبع منه.
أفادنا شيخنا الشيخ أحمد العيثاوي رحمه الله تعالى: أن لقمة الحرام توسع الجوف لأخرى، ثمَّ الأخرى لأخرى، فلذلك لا ينتهي أخذه عنه حتى يموت.
وقلت في المعنى: [من المتقارب]
مَنِ اعتادَ أكلَ الحرامِ اتَّسَعْ ... مِعاهُ فليسَ لهُ مِنْ شِبَعْ
فمن يترخَّص فِيه شَفًا ... سيغْمِسُه في الكثيرِ الوَلَعْ
ولا ينتهي عنهُ حتَّى المماتِ ... وانسدَّ عنه طريقُ الورَعْ
стр. 4154
قال الله تعالى في اليهود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢].
وقال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: ٦٣].
وقال الحسن رحمه الله تعالى: الربانيون علماء النصارى، والأحبار: علماء اليهود؛ كما نقله الثعلبي، وغيره (١).
وقوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ٦٣]، ذمٌ عائد إلى الكل من العلماء وسائر أهل الكتاب، فالذم واقع على الفريقين العامة لسماع الكذب وأكل السحت، والعلماء لترك النهي عن ذلك.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ما في القرآن أشد من هذه الآية. رواه ابن جرير (٢).
وقال الضحاك بن مزاحم رحمه الله تعالى: ما في القرآن أخوف عندي من هذه الآية؛ أساء الثناء على الفريقين جميعًا. رواه الإمام عبد الله ابن المبارك في "الزهد"، والمفسرون (٣).
وقال الله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ
стр. 4155
النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [النساء: ١٦٠، ١٦١].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٤].
وذكر الثعلبي عن الحسن قال: كان الحكام من بني إسرائيل إذا أتاه أحد برشوة جعلها في كمه، فيريه إياها فينظر إليها، ويتكلم بحاجته فيسمع منه، ولا ينظر إلى خصمه، فيأكل الرشوة، ويسمع الكذب، فلذلك وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] (١).
وروى أبو داود، والترمذي وصححه هو وابن حبَّان، والحاكم عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما قال: لَعَنَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : الرَّاشِيَ والْمُرْتَشِي (٢).
ورواه الإمام أحمد، والبزار من حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه؛ زاد "والرَّائِشَ"؛ يعني: الذي يمشي بينهما، كما فسر به في الحديث (٣).
وصحح الحاكم نحوه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٤).
نعم، يستثنى من يرتشي ليدفع عن دينه، أو ماله، أو بضعه، فقد رويت الرخصة فيه عن ابن مسعود، والحسن، ووهب بن منبه.
стр. 4156
قال أبو الليث السمرقندي: وبه نأخذ (١).
قال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه: إذا ارتشى الحاكم انعزل في الوقت، وإن لم يُعزل بَطَلَ كلُّ حكمٍ حكمَ به بعد ذلك.
قال القرطبي: وهذا لا يجوز أن يختلف فيه؛ لأنَّ الرشوة منه فسق، والفاسق لا يجوز حكمه (٢).
وروى الطبراني في "الكبير" بإسناد صحيح، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: الرشوة في الحكم كفر، وهي بين الناس سحت (٣).
وعنه بإسناد غريب جيد: أنَّه قال: السحت الرشوة في الدين (٤)؛ قال سفيان: يعني: في الحكم (٥).
وروى عبد الرزاق عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "هَدَايَا الأُمَرَاءِ سُحْتٌ" (٦).
стр. 4157
وأخرجه الخطيب في "تلخيص المتشابه" من حديث أنس، ولفظه: "هَدَايَا العُمَّالِ سُحْتٌ" (١).
وروى الثعلبي بإسناده عن الحسن قال: إذا كان لك على رجل دين، فما أكلت في بيته فهو السحت (٢).
وهذا فيه تهويل لأمر الربا.
وروى مسلم عن جابر رضي الله تعالى عنه: لعن رسول الله ﷺ آكل الربا، وموكله، وكاتبه، وشاهديه؛ وقال: "هُمْ سَوَاءٌ" (٣).
وروى [الطبراني] في "الأوسط"، و"الصغير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعَانَ ظَالِمًا بِباطِلٍ لِيُدْحِضَ بِهِ حَقًّا بَرِئَ مِنْ ذِمَّةِ اللهِ وَذِمَّةِ رَسُولِهِ، وَمَنْ أَكَلَ دِرْهَمًا مِنَ الرِّبَا فَهُوَ مِثْلُ ثَلاثٍ وَثَلاثِيْنَ زَنْيَةً، وَمَنْ نَبَتَ لَحْمُهُ مِنْ سُحْتٍ فالنَّارُ أَوْلَى بِهِ" (٤).
وروى ابن مردويه، والديلمي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
стр. 4158
قال: قال رسول الله ﷺ : "سِتُّ خِصالٍ مِنَ السُّحْتِ: رشْوَةُ الإِمامِ، وَهِيَ أَخْبَثُ ذَلِكَ كُلِّهِ، وَثَمَنُ الكَلْبِ، وَعَسَبُ الفَحْلِ، وَمَهْرُ البَغِيِّ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ، وَحُلْوَانُ الكاهِنِ" (١).
وقد رويت أحاديث في كسب الحجام، ولعل هذا كان أولًا ثمَّ نسخ، وصار مباحًا.
والحق أنَّه كسب طيب كما قال القرطبي، وغيره (٢).
وقال الثعلبي: وقال عمر، وعلي، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم: السحت خمسة عشر: الرشوة في الحكم، ومهر البغي، وحلوان الكاهن، وثمن الكلب، والقرد، والخمر، والخنزير، والميتة، والدم، وعسب الفحل، وأجرة النائحة، والمغنية، [والقايدة]، والساحر، وأجر صور التماثيل، [وهدية الشفاعة] (٣).
وروى المفسرون، والبيهقيُّ في "الشعب" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: من شفع لرجل ليدفع عنه مظلمة، أو يرد عليه حقًّا، فأهدى له هدية فقبلها، فذلك السحت.
فقيل له: يا أبا عبد الرحمن! إنا كنا نعد السحت الرشوة في الحكم.
стр. 4159
فقال: ذلك الكفر؛ ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤] (١).
وروى ابن جرير عن ابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١]، قال: لا تأكلوا السحت على كتابي (٢).
وروى ابن المنذر عن مسروق رحمه الله تعالى قال: قلت لعمر ابن الخطاب: أرأيت الرشوة في الحكم من السحت؟
قال: لا، ولكن كفر، إنما السحت أن يكون للرجل عند السلطان جاء ومنزلة، ويكون للآخر إلى السلطان حاجة، فلا يقض حاجته حتى يهدي إليه هدية (٣).
وقوله: ولكن كفر، وكذلك قول ابن مسعود: ذلك كفر؛ هو محمول على استحلال الرشوة.
وكلام عمر، وابن مسعود رضي الله تعالى عنهما نص في تحريم أخذ الهدية على الشفاعة، وبذل الجاه في دفع المظلمة، ورد الحق، وعليه ظاهر كلام الماوردي لأنَّ ذلك من فروض الكفايات (٤).
стр. 4160
لكن نقل النوويّ في "فتاواه" عن القاضي، وغيره فيما لو حبس ظلمًا، فبذل مالًا لمن يتكلم في خلاصه -قائده أو غيره- جاز، وحمل ما نقلناه عن الماوردي على ما إذا شفع، ثمَّ بذل له مال، فأخذه؛ فإنَّه حرام لأنه عمل متبرعًا، فلا يستحق شيئًا (١).
لكن قول عمر رضي الله تعالى عنه: فلا يقضي حاجته حتى يهدي له هدية؛ يقتضي منع هذا الحمل.
قال ابن حجر المكي في "شرح الإرشاد": وتلخيصه: وإن كان فرض كفاية إلا أن الحاجة اقتضت المسامحة في أخذ عوض عليه لاضطرار الناس إليه، واطراد عزلهم لعدم السعي فيه إلا بمقابل.
قال: وبهذا يندفع قياسه على تولية القضاء، انتهى.
قلت: هذا التعليل في جواز الإعطاء، والجعل على ذلك ظاهر، واقتضاؤه لجواز الأخذ بعيد.
وإذا تقرر أن هذه الأمور التي أتينا عليها هنا داخلة في السحت، وثبت بنص القرآن العظيم أن اليهود والنصارى كانوا يأكلون السحت، فقد علم أن هذه الأمور كلها من أخلاقهم، وأنَّ مَنْ فَعَلها أو أكل مما يحصل منها فهو متشبه في ذلك باليهود والنصارى، ومن لم يتب من العلماء عن ذلك فهو متشبه بالربانيين والأحبار حين لم ينهوا عنها.
стр. 4161
* لَطِيْفَةٌ:
روى الدينوري في "المجالسة" عن ابن قتيبة قال: حدثني بعض أصحابنا أن بعض العمال من أهل البصرة قدم من عمل، وقدم معه مال كثير كان خَانَ فيه السلطان، فاتخذ طعامًا ودعا أصحابه، فجعل يطعمهم ويحدثهم بالكذب، فقال بعضهم: نحن كما قال الله تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢] (١).
قلت: هذا يقع كثيرًا لكثير ممن ينسب إلى العلم، يترددون إلى بيوت الأجناد، وعمَّال المُكوس، وأَكَلة الحرام الصِّرف، فيأكلون من طعامهم، ويستمعون لما عسى أن يقع من الكذب والفحش في كلامهم، فهم من أشبه الناس بمن ذكر في الآية.
* تَنْبِيْهٌ:
روى أبو نعيم في "الحلية" عن ميمون بن مهران رحمه الله تعالى قال: أُهدي إلى عمر بن عبد العزيز تفاح وفاكهة، فردها وقال: لا أعلمنَّ أنكم بعثتم إلى أحد من أهل عمل شيئًا.
فقيل له: ألم يكن رسول الله ﷺ يقبل الهدية؟
قال: بلى، ولكنها لنا رشوة.
وفي رواية: إن بعض أهل بيته أهدى إليه تفاحًا، فرده.
قال عمرو بن مهاجر: فقلت: يا أمير المؤمنين! ابن عمك، ورجل
стр. 4162
من أهل بيتك، ولقد بلغك أن رسول الله ﷺ كان يأكل الهدية، ولا يأكل الصدقة.
قال: إن الهدية كانت للنبي ﷺ هدية، وهي لنا رشوة (١).
قلت: الحكمة في ذلك: أن النَّبي ﷺ كان معصومًا فلا تستميله الهدية عن الحق، بخلاف غيره من الولاة لأنه غير آمن من ذلك.
ومن ثمَّ لا يقبل الحاكم هدية من لم يكن له عادةٌ بالإهداء إليه، وما زاد منه على عادته في الهدية.
وغير الولاة يستحب له قبول الهدية إلَّا أن يعلم أن المهدي إليه إنما أهداها إليه ليساعده على باطل أو منع حق؛ فإنها تنقلب رشوة.
وفي الحديث: "خُذُوا العَطَاءَ ما دَامَ عَطَاءً، فَإِذَا تَجَاحَفَتْ (٢) قُرَيْشٌ بَيْنَهَا الْمُلْكَ، وَصَارَ العَطَاءُ رَشْوَةً عَلَى دِيْنِكُمْ فَدَعُوْهُ". رواه أبو داود، وغيره من حديث ذي الزوائد الجهني رضي الله تعالى عنه (٣).
وروى الطبراني في "الكبير" عن معاذ رضي الله تعالى عنه: [أن النبي ﷺ ] (٤) قال: "خُذُوا العَطَاءَ مَا دَامَ عَطاءً، فَإذَا صَارَ رِشْوَةً عَلَى الدِّيْنِ
стр. 4163
فَلا تأخُذُوْهُ، وَلَسْتُمْ بِتارِكِيْهِ؛ يَمْنَعُكُمُ الفَقْرُ والْحَاجَةُ"، الحديث (١).
* لَطِيْفَةٌ:
روى أبو الشيخ عن السدي قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيًا إلا ارتشى في الحكم، فإذا قيل له، يقول: سيغفر لي (٢).
* تَتِمَّةٌ:
هذه الأمور التي ذكرناها هنا من أنواع السحت كالربا وغيره، لمَّا كثرت في بني إسرائيل هلكوا واستؤصلوا، وذلك لأنَّ هذه الأمور تسحت؛ أي: تستأصل مرتكبها، ولذلك سميت سحتًا كما سبق.
ومن هذا القبيل قول موسى ﵇ لفرعون وقومه: ﴿وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ﴾ [طه: ٦١].
قال ابن زيد: فيهلككم هلاكًا ليس به بقية. قال والذي سُحِت ليس فيه بقية. أخرجه ابن أبي حاتم (٣).
وفي هذه الآية دليل على أن الكذب والافتراء يكون سببًا للاستئصال.
стр. 4164
وقد جمعت اليهود بين ذلك وأكل الحرام؛ إذ قال الله في وصفهم: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢].
وجاءت فيهما بصيغة المبالغة والتكثير؛ فإن وقوع شيء من ذلك على سبيل الزلة والهفوة لا يضر، والاستغفار يمحوه أو يخففه، حتى يتكرر ذلك من العبد أو القوم، ويكثر فيهلكوا.
وقد روى ابن جرير عن سِماك بن حرب، عن عبد الله بن عبد الرحمن قال: إذا ظهر الرِّبا والزنا في قرية أَذِنَ الله في هلاكها (١).
بل روى الإمام أحمد، وابن جرير عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "ما ظَهَرَ في قَوْمٍ الرِّبَا والزِّنَا إِلَّا أَحَلُّوا بِأَنْفُسِهِمْ عِقَابَ اللهِ" (٢).
١٥٩ - ومن أعمال أهل الكتاب: الاستئثار .
وقد ألهمت عدة من خصالهم في المنام.
ويدل له ما حكي: أن أحبار بني إسرائيل وقسِّيسي النصارى وبطارقتهم كانوا يستحثون الناس على الصدقات، ويأمرونهم بإعطاء الزكاة، وكانوا يدفعونها إليهم ليقسموها في الفقراء، وكانوا يستأثرون بها، ويستقلون حتى صاروا أكثر أموالًا من الملوك.
стр. 4165
قيل: وفيهم نزلت: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ﴾ [التوبة: ٣٤].
ومن ألطف الأخبار في هذا الباب لأهل الاعتبار: ما رواه عبد الرزاق، والطبراني في "الكبير"، وابن مردويه، والحافظ أبو بكر الواسطي في "فضائل بيت المقدس" عن رافع بن عمير رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "قَالَ اللهُ تَعالَى لِداوُدَ ﵇: ابْنِ لِي بَيْتًا في الأَرْضِ.
فَبَنَى دَاودُ لِنَفْسِهِ بَيْتًا قَبْلَ البَيْتِ الَّذِي أُمِرَ بِهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعالَى إِلَيْهِ: يا دَاوُدُ! نَصَبْتَ بَيْتَكَ قَبْلَ بَيْتِي؟
قَالَ: يا رَبِّ! هَكَذَا قُلْتَ: مَنْ مَلَكَ اسْتَأْثَرَ.
ثُمَّ أَخَذَ في بِناءِ الْمَسْجِدِ، فَلَمَّا أتمَّ السُّوْرُ سَقَطَ ثَلاثًا، فَشَكَى ذَلِكَ إلَى اللهِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: إِنَّكَ لا تَصْلُحُ أَنْ تَبْنِيَ لِي بَيْتًا.
قَالَ: وَلِمَ يَا رَبَ؟
قَالَ: لِمَا جَرَى عَلَى يَدَيْكَ مِنَ الدِّمَاءِ.
قَالَ: يَا رَبِّ! أَوَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ في هَوَاكَ وَحُبِّكَ.
قَالَ: بَلَى، وَلَكِنَّهُمْ عِبَادِي، وَأَنَا أَرْحَمُهُمْ.
فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَأَوْحَى اللهُ تَعالَى إِلَيْهِ: لا تَحْزَنْ؛ فَإِنِّي سَأَقْضِي بِنَاءَهُ عَلَى يَدَي ابْنِكَ سُلَيْمانُ.
فَلمَّا مَاتَ دَاوُدُ أَخَذَ سُلَيْمانُ ﵉ في بِنائِهِ، فَلَمَّا تَمَّ قَرَّبَ القَرابِيْنَ، وَذَبَحَ الذَّبائِحَ، وَجَمَعَ بَنِي إِسْرائِيلَ، فأوْحَى اللهُ تَعالَى
стр. 4166
إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سُرُوْرَكَ بِبِناءِ بَيْتِي فاسْأَلْنِي أُعْطِكَ.
قَالَ: أَسْألُكَ ثَلاثَ خِصالٍ: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ، وَمُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، وَمَنْ أتى هَذَا البَيْتَ لا يُرِيْدُ إلا الصَّلاةَ فِيْهِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ.
قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا اثْنتَيْنِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" (١).
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه -واللفظ له- وابن خزيمة، وابن حبَّان في "صحيحيهما"، والحاكم وصححه -قال المنذري: ولا علة له، وحسَّنه بعض الحفاظ، وهو شاهد لحديث رافع ابن عمير المذكور آنفًا- عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ ﵉ مِنْ بِناءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَألَ اللهَ ثَلاثًا: حُكْمًا يُصادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّه لا يَأتِيَ هَذا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لا يُرِيْدُ إِلَّا الصَّلاةَ فِيْهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا اثْنتَيْنِ فَقَدْ أُعْطِيَهُما، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" (٢).
وقوله في حديث رافع: يا رب! أنت قلت: من ملك استأثر، هو مثل سائر، وهذا الحديث أصله.
وفيه أنَّه من كلام الله تعالى الذي أنزله على داود ﵇.
стр. 4167
وفيه دليل على أن الاستئثار يظهر على الإنسان إذا مَلَكَ، لا يخلو منه إلا بالعصمة، قضاء قضاه الله تعالى؛ إذ معنى قوله: أنت قلت يا رب: من ملك استأثر: أنت قضيت، وحكمت، أو قلت فيما أوجبت إلي، ولذلك كان الإيثار من أعظم ما يثنى به على المتصف به كما قال تعالى في الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩].
وليس فوق هذا ثناء في باب الجود؛ لأنَّ الإيثار في حالة الملك والقدرة ممدوح، فكيف في حال الحاجة والخصاصة؟ ومن ثمَّ قيل:
لَيْسَ الْعَطاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَماحَةً ... حَتَّى تَجُودَ وَما لَدَيْكَ قَلِيلُ
ثمَّ الاستئثار إن كان بالمباح فلا عقوبة فيه، ومنه استئثار داود ﵇؛ فإن بناء بيته قبل بناء المسجد لم يكن محظورًا عليه، إذ أمره الله تعالى أن يبني له بيتًا، ولم يبين له أن لا يقدِّم عليه شيئًا، وإنما عوتب فيه لأنَّ مقام النبوة كان يقتضي المبادرة إلى بناء المسجد قبل كل شيء لا سيما وقد أمر به؛ كما فعل نبينا ﷺ لم يعرج على شيء حين نزل دار هجرته قبل بناء المسجد الشريف، وبهذا تظهر فضيلته ومزيته على داود ﵇.
وأما إن كان مما يجب عليه بذله ولا يباح له حبسه ولا التصرف فيه لنفسه كالزكاة والنفقات الواجبة عليه، وما كان في يده على وجه الأمانة ليؤديه للغير، فهذا مذموم منه، ممنوع عنه.
стр. 4168
ومنه ما كانت تصنعه الأحبار والرهبان من جمع الزكاة ليقسموها، ثمَّ الاستئثار بها، وهذا ليس في طمع الطامعين أقبح منه.
ومنه استئثار ملوك هذا الزمان، وأجناده، وأكابره، ووجوه أهله أنهم يأخذون أموال الناس وأموال الأوقاف فلا يردُّون ما يجب رده، ولا يصرفون ما يجب صرفه على مستحقيه، بل يتوسعون به، ويتبسطون فيه كما فعل الَّذين من قبلهم فذاقوا وبال أمرهم، فصدق الحديث: "لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ حَذْوَ النَّعْلِ النَّعْلَ" (١)؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون.
١٦٠ - ومن أعمال بني إسرائيل: الحيلة في أكل ما حُرِّم عليهم .
قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦].
والقرية المذكورة هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها: أيلة؛ كما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم
стр. 4169
عن ابن عباس، وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير (١).
وقال ابن شهاب: هي طبرية (٢).
وابن زيد: هي قرية يقال لها: مقنا، بين مدين وعيوثا (٣).
أخرجهما ابن أبي حاتم.
وروى عبد الرَّزَّاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم بإسناد صحيح، وصححه البيهقي في "السنن" عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو يقرأ في المصحف قبل أن يذهب بصره، فقلت: ما يبكيك جعلني الله فداك؟
قال: هل تعرف أيلة؟
قلت: وما أيلة؟
قال: قرية بها ناس من اليهود، فحرم الله عليهم الحيتان يوم السبت.
وفي رواية: ما يبكيك يا ابن عباس؟
فقال: هؤلاء الورقات؛ فإذا في سورة الأعراف؛ قال: تعرف أيلة؟
قلت: نعم.
стр. 4170
قال: فإنَّه كان بها حي من اليهود سيقت إليهم الحيتان يوم السبت، ثمَّ غاصت حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شُرَّعًا بيضًا سِمَانًا كأنها الماخض.
وفي رواية الحاكم: وكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرَّعًا بيضًا سمانًا كأمثال المخاض، فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها، ولم يدركوها إلا في مشقة ومؤنة شديدة، فقال بعضهم لبعض، أو من قال ذلك منهم: لعلها لو أخذناها يوم السبت وأكلناها في غير يوم السبت.
ففعل ذلك أهل بيت منهم، فأخذوا وشووا، فوجد جيرانهم ريح الشواء، فقالوا: ما نرى أصحاب بني فلان ليصيبوا بشيء.
فأخذها آخرون حتى فشى ذلك فيهم، وكثر فافترقوا ثلاثًا: فرقة أكلت، وفرقة نهت، وفرقة قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤].
فقالت الفرقة التي نهت: إنا نحذركم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف، أو قذف، أو ببعض ما عنده من العذاب.
والله لا نبايتكم في مكان وأنتم فيه، فخرجوا من السور، فغدو عليه من الغد، فضربوا باب السور فلم يجبهم أحد، فأتوا سببًا فأسندوه إلى السور، ثمَّ رقى راق منهم إلى السور، فقال: يا عباد الله! قردة والله لها أذناب تعاوى -ثلاث مرات-.
ثمَّ نزل من السور، ففتح السور، فدخل الناس عليهم، فعرف القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابها من القردة، فأتى القرد إلى