← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4166–4205 · переход к 4171.

стр. 4166

إِلَيْهِ: قَدْ أَرَى سُرُوْرَكَ بِبِناءِ بَيْتِي فاسْأَلْنِي أُعْطِكَ. قَالَ: أَسْألُكَ ثَلاثَ خِصالٍ: حُكْمًا يُصَادِفُ حُكْمَكَ، وَمُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي، وَمَنْ أتى هَذَا البَيْتَ لا يُرِيْدُ إلا الصَّلاةَ فِيْهِ خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ. قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا اثْنتَيْنِ فَقَدْ أُعْطِيَهُمَا، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" (١). وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه -واللفظ له- وابن خزيمة، وابن حبَّان في "صحيحيهما"، والحاكم وصححه -قال المنذري: ولا علة له، وحسَّنه بعض الحفاظ، وهو شاهد لحديث رافع ابن عمير المذكور آنفًا- عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، عن رسول الله ﷺ قال: "لَمَّا فَرَغَ سُلَيْمانُ بنُ دَاوُدَ ﵉ مِنْ بِناءِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سَألَ اللهَ ثَلاثًا: حُكْمًا يُصادِفُ حُكْمَهُ، وَمُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ، وَأَنَّه لا يَأتِيَ هَذا الْمَسْجِدَ أَحَدٌ لا يُرِيْدُ إِلَّا الصَّلاةَ فِيْهِ إِلَّا خَرَجَ مِنْ ذُنُوْبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، فقالَ رسولُ اللهِ ﷺ : أَمَّا اثْنتَيْنِ فَقَدْ أُعْطِيَهُما، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدْ أُعْطِيَ الثَّالِثَةَ" (٢). وقوله في حديث رافع: يا رب! أنت قلت: من ملك استأثر، هو مثل سائر، وهذا الحديث أصله. وفيه أنَّه من كلام الله تعالى الذي أنزله على داود ﵇.

стр. 4167

وفيه دليل على أن الاستئثار يظهر على الإنسان إذا مَلَكَ، لا يخلو منه إلا بالعصمة، قضاء قضاه الله تعالى؛ إذ معنى قوله: أنت قلت يا رب: من ملك استأثر: أنت قضيت، وحكمت، أو قلت فيما أوجبت إلي، ولذلك كان الإيثار من أعظم ما يثنى به على المتصف به كما قال تعالى في الأنصار: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩]. وليس فوق هذا ثناء في باب الجود؛ لأنَّ الإيثار في حالة الملك والقدرة ممدوح، فكيف في حال الحاجة والخصاصة؟ ومن ثمَّ قيل: لَيْسَ الْعَطاءُ مِنَ الْفُضُولِ سَماحَةً ... حَتَّى تَجُودَ وَما لَدَيْكَ قَلِيلُ ثمَّ الاستئثار إن كان بالمباح فلا عقوبة فيه، ومنه استئثار داود ﵇؛ فإن بناء بيته قبل بناء المسجد لم يكن محظورًا عليه، إذ أمره الله تعالى أن يبني له بيتًا، ولم يبين له أن لا يقدِّم عليه شيئًا، وإنما عوتب فيه لأنَّ مقام النبوة كان يقتضي المبادرة إلى بناء المسجد قبل كل شيء لا سيما وقد أمر به؛ كما فعل نبينا ﷺ لم يعرج على شيء حين نزل دار هجرته قبل بناء المسجد الشريف، وبهذا تظهر فضيلته ومزيته على داود ﵇. وأما إن كان مما يجب عليه بذله ولا يباح له حبسه ولا التصرف فيه لنفسه كالزكاة والنفقات الواجبة عليه، وما كان في يده على وجه الأمانة ليؤديه للغير، فهذا مذموم منه، ممنوع عنه.

стр. 4168

ومنه ما كانت تصنعه الأحبار والرهبان من جمع الزكاة ليقسموها، ثمَّ الاستئثار بها، وهذا ليس في طمع الطامعين أقبح منه. ومنه استئثار ملوك هذا الزمان، وأجناده، وأكابره، ووجوه أهله أنهم يأخذون أموال الناس وأموال الأوقاف فلا يردُّون ما يجب رده، ولا يصرفون ما يجب صرفه على مستحقيه، بل يتوسعون به، ويتبسطون فيه كما فعل الَّذين من قبلهم فذاقوا وبال أمرهم، فصدق الحديث: "لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ حَذْوَ النَّعْلِ النَّعْلَ" (١)؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. ١٦٠ - ومن أعمال بني إسرائيل: الحيلة في أكل ما حُرِّم عليهم . قال الله تعالى: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٣) وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ [الأعراف: ١٦٣ - ١٦٦]. والقرية المذكورة هي قرية على شاطئ البحر بين مصر والمدينة يقال لها: أيلة؛ كما أخرجه ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم

стр. 4169

عن ابن عباس، وعبد بن حميد عن سعيد بن جبير (١). وقال ابن شهاب: هي طبرية (٢). وابن زيد: هي قرية يقال لها: مقنا، بين مدين وعيوثا (٣). أخرجهما ابن أبي حاتم. وروى عبد الرَّزَّاق، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والحاكم بإسناد صحيح، وصححه البيهقي في "السنن" عن عكرمة قال: دخلت على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وهو يقرأ في المصحف قبل أن يذهب بصره، فقلت: ما يبكيك جعلني الله فداك؟ قال: هل تعرف أيلة؟ قلت: وما أيلة؟ قال: قرية بها ناس من اليهود، فحرم الله عليهم الحيتان يوم السبت. وفي رواية: ما يبكيك يا ابن عباس؟ فقال: هؤلاء الورقات؛ فإذا في سورة الأعراف؛ قال: تعرف أيلة؟ قلت: نعم.

стр. 4170

قال: فإنَّه كان بها حي من اليهود سيقت إليهم الحيتان يوم السبت، ثمَّ غاصت حتى يغوصوا بعد كد ومؤنة شديدة، كانت تأتيهم يوم السبت شُرَّعًا بيضًا سِمَانًا كأنها الماخض. وفي رواية الحاكم: وكانت حيتانهم تأتيهم يوم سبتهم شرَّعًا بيضًا سمانًا كأمثال المخاض، فإذا كان في غير يوم السبت لم يجدوها، ولم يدركوها إلا في مشقة ومؤنة شديدة، فقال بعضهم لبعض، أو من قال ذلك منهم: لعلها لو أخذناها يوم السبت وأكلناها في غير يوم السبت. ففعل ذلك أهل بيت منهم، فأخذوا وشووا، فوجد جيرانهم ريح الشواء، فقالوا: ما نرى أصحاب بني فلان ليصيبوا بشيء. فأخذها آخرون حتى فشى ذلك فيهم، وكثر فافترقوا ثلاثًا: فرقة أكلت، وفرقة نهت، وفرقة قالت: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤]. فقالت الفرقة التي نهت: إنا نحذركم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف، أو قذف، أو ببعض ما عنده من العذاب. والله لا نبايتكم في مكان وأنتم فيه، فخرجوا من السور، فغدو عليه من الغد، فضربوا باب السور فلم يجبهم أحد، فأتوا سببًا فأسندوه إلى السور، ثمَّ رقى راق منهم إلى السور، فقال: يا عباد الله! قردة والله لها أذناب تعاوى -ثلاث مرات-. ثمَّ نزل من السور، ففتح السور، فدخل الناس عليهم، فعرف القردة أنسابها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابها من القردة، فأتى القرد إلى

стр. 4171

نسيبه وقريبه من الإنس، فيحك به ويلصق به، ويقول الإنسان: أنت فلان؟ فيشير برأسه - أي: نعم - ويبكي. فيقول لهم الإنس: أما إنا حذرناكم غضب الله وعقابه أن يصيبكم بخسف، أو مسخ، أو ببعض ما عنده من العذاب. قال ابن عباس: فاسمع الله تعالى يقول: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ [الأعراف: ١٦٥]، فلا أدري ما فعلت الفرقة الثانية. قال ابن عباس: وكم رأينا من منكر فلم ننه عنه. قال عكرمة: ما ترى جعلني الله فداك إذ كرهوا حين قالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ [الأعراف: ١٦٤]؟ فأعجبه قولي ذلك، وأمر لي ببردين غليظين فكسانيهما (١). وروى عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر عن عكرمة قال: قال ابن عباس: ما أدري أنجا الذين قالوا: لم تعظون قوماً أم لا. قال: فما زلت أبصره حتى عرف أنهم نجوا، فكساني حلة (٢). قلت: وفيه ينبغي لمن ظهرت منه فائدة في العلم وحذاقة في الفهم من الطلبة ونحوهم أن يرغبوا بجائزة من خلعة ونحوها، وقد نقل ذلك كثير من العلماء.

стр. 4172

وممن كان يرغب الطلبة بالجوائز والهبات والدي رحمه الله تعالى. وقد روى ابن بطة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَرْتَكِبُوْا مَا ارْتَكَبَتِ اليَهُوْدُ فَتَسْتَحِلُّوْا مَحَارِمَ اللهِ بِأَدْنىَ الْحِيَلِ" (١). وأشار إلى تحيلهم في صيد الأسماك بإمساكها يوم السبت وأكلها في غير يوم السبت، وكان طريقتهم في إمساكها أنهم كانوا يحفرون حفائر في جانب البحر، ويخرقون بينها وبين الماء، فتقع الأسماك يوم السبت في الحفائر، فيسدون الخروق بعد أن تقع في الحفائر، فتبقى فيها إلى الأحد، فيأخذونها. وقيل في الحيلة غير ذلك. وكان أول ذلك ما رواه ابن جرير، وابن المنذر، وابن عباس في رواية أخرى: أن رجلاً منهم أخذ حوتاً فخزمه بخيط، ثم ضرب له وتداً في الساحل، وربطه وتركه في الماء، فلما كان الغد جاء فأخذه، فأكله سراً، ففعلوا ذلك وهم ينظرون لا يتناهون إلا بقية منهم، فنهوهم حتى إذا ظهر ذلك في الأسواق علانية قالت طائفة منهم للذين ينهونهم: لم تعظون قوماً، الحديث. وقال فيه: إن الله تعالى إنما فرض على بني إسرائيل اليوم الذي افترض عليكم يوم الجمعة، فخالفوا إلى يوم السبت، فعظموه وتركوا

стр. 4173

ما أُمروا به، فلما ابتدعوا السبت ابتلوا به، فحرمت عليهم الحيتان (١). وفيه إشارة إلى أن البدعة والعناد بمخالفة الأمر توجب العقوبة والابتلاء، وإنما النجاة والراحة والمثوبة في الاتباع والعمل بالسنة، ولذلك بورك لهذه الأمة في يوم الجمعة، فما منهم إلا من يرتاح له، ويأنس به، وتعود بركته عليهم من الأسبوع إلى الأسبوع، واليهود تركوه واختاروا السبت، فابتلوا وشق عليهم أجره حتى قال ابن عباس: أخذ موسى ﵇ رجلاً يحمل حطباً يوم السبت، وكان موسى يسبت، فصلبه. رواه ابن أبي شيبة. وقال أيضاً: احتطب رجل في السبت، وكان داود ﵇ يسبت، فصلبه. رواه أبو الشيخ (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٥ - ٦٦]. قال ابن عباس: وهذا تحذير لهم من المعصية؛ يقول: احذروا أن يصيبكم ما أصاب أصحاب السبت إذ عصوني. قال: مسخهم الله قردة بمعصيتهم، ولم يَعِشْ مسخٌ قطُّ ثلاثةَ أيام، ولم يأكل ولم يشرب، ولم ينسل. رواه ابن جرير (٣).

стр. 4174

ونص ابن عباس أنهم مسخوا حقيقة. وروى ابن أبي حاتم عنه قال: صار شباب القوم قردة، والمشيخة صاروا خنازير (١). وكذلك قال قتادة، وغيره (٢). وقيل: المسخ معنوي، وهو خلاف ظاهر نص القرآن. وروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد قال: مسخت قلوبهم، ولم يمسخوا قردة حقيقة، وإنما هو مثل ضربه الله تعالى لهم كقوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ [الجمعة: ٥] (٣). والصحيح المشهور الأول، وهو أبلغ في الموعظة. وقد قال الله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا﴾ [البقرة: ٦٦]؛ أي: من القرى، أو من ذنوبهم التي عملوها قبل وبعد. وكلاهما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس (٤). قال: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٦٦]، الذين من بعدهم إلى يوم القيامة (٥).

стр. 4175

وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾: أمة محمد ﷺ . رواه عبد بن حميد (١). وبهذا يتضح لك وجه ما ذكرناه من ذلك، بل وسائر ما ذكرناه من أعمالهم التي عوقبوا عليها من التحذير من التشبه بهم في ذلك جعله الله تعالى خالصاً لوجهه الكريم، نافعاً لأهل التوفيق من المسلمين. ١٦١ - ومن أخلاق أهل الكتاب: الخيانة . ١٦٢ - ومنها: جحد حقوق الناس وودائعهم، والحلف عليها الأيمان الفاجرة، وترك وفاء الديون . قال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. قال المفسرون: كعبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنه؛ استودعه قرشي ألفاً ومئتي أوقية ذهباً، فأداه إليه. قال : ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا﴾. قالوا: كفنحاص بن عازوراء، وكان من أحبار يهود المدينة؛ استودعه قرشي آخر ديناراً فجحده. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦) إِنَّ الَّذِينَ

стр. 4176

يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٧٥ - ٧٧]. قالوا: نزلت في أحبار حرفوا التوراة، وحكم الأمانات وغيرها، وأخذوا على ذلك رشوة (١). وروى الإمام أحمد، والأئمة الستة، والمفسرون عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِيْنٍ هُوَ فِيْهَا فَاجِرٌ لِيَقْطَعَ بِهَا مَالَ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَقِيَ اللهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ". فقال الأشعث بن قيس رضي الله تعالى عنه: فِيَّ والله كان ذلك؛ كان بيني وبين رجل يهودي أرض فجحدني، فقدمته إلى النبي ﷺ ، فقال لي رسول الله ﷺ : "أَلَكَ بَيِّنَةٌ؟ ". قلت: لا. فقال لليهودي: "احْلِفْ". فقلت: يا رسول الله! إذاً يحلف فيذهب بمالي. فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ٧٧] إلى آخر الآية (٢). وقال ابن جريج: بايع اليهود رجال من المسلمين في الجاهلية،

стр. 4177

فلما أسلموا تقاضوهم ثمن بيوعهم، فقالوا: ليس علينا أمانة ولا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه، وادعوا أنهم وجدوا ذلك في كتابهم، فقال الله تعالى - يعني: رداً عليهم وتكذيباً لهم -: ﴿وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٧٥] (١). وقال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لما نزلت: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]، قال النبي ﷺ : "كَذَبَ أَعْدَاءُ اللهِ، مَا مِنْ شَيْءٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلاَّ وُهُوَ تَحْتَ قَدَمَيَّ هَاتَيْنِ إِلاَّ الأَمَانَةَ؛ فَإِنَّهَا مُؤَدَّاةٌ لِلْبَرِّ وَالفَاجِرِ" (٢). وسأل صعصعة ابنَ عباس فقال: إنَّا نصيب في الغزو من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة؟ قال ابن عباس: فتقولون ماذا؟ قال: نقول: ليس علينا في ذلك من بأس. قال: هذا كما قال أهل الكتاب: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾؛ إنهم إذا أدوا الجزية لم تحل لكم أموالهم إلا بطيب أنفسهم (٣).

стр. 4178

روى هذه الآثار المفسرون الثلاثة ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم. وهم الذين أريدهم بقولي في هذا الكتاب: روى المفسرون، وكانوا متعاصرين رحمهم الله تعالى. وفي كلام ابن عباس تقبيح التشبه باهل الكتاب في أمورهم. وقد سبق عن الشعبي: أن الروافض يتشبهون بهم في قولهم: ليس علينا في أموال من يفضل الشيخين رضي الله تعالى عنهما سبيل، فيستحلون أموال أهل السنة، ولا يرون أن الزكاة تسقط عنهم إذا أعطوها أهل السنة. ١٦٣ - ومن أخلاقهم: استحلال أموال المسلمين بضرب من التأويل . كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران: ٧٥]. وقد سبق أنهم استحلوا أموال المسلمين بسبب دخولهم في دين الإسلام إذ قالوا لهم: لا قضاء لكم عندنا لأنكم تركتم دينكم الذي كنتم عليه. وقد وقع نظير ذلك من الخوارج والروافض؛ استحلوا أموال من يخالف اعتقادهم. وكذلك يستحل الدروز والتيامنة أموال أهل الشرع، وهم يؤدون الأمانة بعضهم إلى بعض، حتى إن الشجرة لتمتد من ملك أحدهم إلى

стр. 4179

ملك جاره فلا يتناول منها ثمرة، ويمرون بعضهم بحدائق البعض فلا يتناول منه شيئاً، وربما يمدحهم جهلة من يمر ببلادهم بذلك، وهم إذا مروا بشجر الشرعِي أو زرعِه، أو ظَفِروا بماله استحلوه، وأخذوه. ١٦٤ - ومنها: الانهماك في حب الدنيا، وتعيير الصالحين بالفقر والقلة . حكى الماوردي في كتاب "أدب الدين والدنيا" أن اليهود عيَّرت عيسى بن مريم بالفقر، فقال: مِنَ الغِنى أُتِيتم (١). ولقد يبلغ من جهل الجاهلين والجاهلات من هذه الأمة أن يعيروا العلماء والصالحين بالفقر وقلة ذات اليد، ويقولون لهم: لسنا كأمثالكم نأكل صدقات الناس، وربما عيَّروهم بخشونة العيش، وعدم القدرة على فاخر الثياب والزي، وكل ذلك أخلاق جاهلية ناشئة عن طباع ردية. وما أحسن ما أنشده أبو طالب المكي، وغيره؛ وأحسبه لمحمود الوراق رحمه الله تعالى: [من السريع] يا عائبَ الْفَقْرِ تُرِيْدُ الْغِنَى ... عَيْبُ الْغِنَى أَعْظَمُ لَوْ تَعْتَبِرْ

стр. 4180

إِنَّكَ تَعْصِي لِتَنالَ الْغِنَى ... وَلَيْسَ تَعْصِي اللهَ كَيْ تَفْتَقِر وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن ابن شوذب رحمه الله تعالى قال: قال عيسى بن مريم ﵉: جودة الثياب خيلاء القلب (١). ومن أول ما نطق به لقمان من الحكمة أنه قال: إنَّ من يكون في الدنيا ذليلاً خير من أن يكون شريفاً ضائعاً؛ أي: شريفاً في الدنيا ضائعاً في الآخرة. قال: ومن اختار الدنيا على الآخرة فاتته الدنيا، ولا يصير إلى ملك الآخرة (٢). روى الحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن أبي مسلم الخولاني رحمه الله تعالى - مرسلاً -، عن النبي ﷺ : أن لقمان لمَّا تكلَّم بهذه الحكمة عجبت الملائكة من حسن منطقه؛ قام نومة فغطَّ بالحكمة غطًّا، فانتبه فتكلم بها (٣). ويلائم هذا حديث أبي خلاَّد رضي الله تعالى عنه وهو في "سنن ابن ماجه"، وأخرجه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "الشعب"

стр. 4181

من حديثه، ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالا: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا رَأَيْتُمُ الرَّجُل قد أُعْطِيَ زُهْدًا فِي الدُّنْيَا، وَقِلَّةَ مَنْطِقٍ فَاقْتَرِبُوا مِنْهُ؛ فَإِنَّهُ يُلْقِي الْحِكْمَةَ" (١). وحقيقة الحكمة فهم آيات الله تعالى وتدبرها، ومشاهدة مظاهر أسمائه. وكما تلقَّنها الزاهد في الدنيا يصرف عنها الرَّاغب فيها، المختال بها، المتكبر بما خوِّل منها، كما قال الله تعالى مخاطباً لموسى ﵇: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (١٤٥) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: ١٤٥ - ١٤٦]. وكل من تكبر بشيء من الدنيا فقد تكبر بغير الحق، وافتخر بما لا فخر فيه. ولقد أحسن أبو العتاهية في قوله: [من السريع] ما بالُ مَنْ أَوَّلُهُ نُطْفَة ... وَجِيْفَة آخِرُهُ يَفْخَرُ

стр. 4182

عَجِبْتُ لِلإِنْسانِ فِيْ فَخْرِهِ ... وَهْوَ غَداً فِي حُفْرَةٍ يُقْبَرُ لا فَخْرَ إِلاَّ فَخْرُ أَهْلِ التُّقَى ... غَداً إِذا ضَمَّهُمُ الْمَحْشَرُ وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه قال: وجدت فيما أنزل الله على نبيه وعبده موسى ﵇: إنَّ من أحبَّ الدنيا أبغضه الله، ومن أبغض الدنيا أحبَّه الله، ومن أكرم الدنيا أهانه الله، ومن أهان الدنيا أكرمه الله (١). وروى أبو الحسن بن جهضم في "مناقب الأبرار" عن ابن عطاء قال: مكتوب في التوراة: يا ابن آدم! إن أعطيتك الدنيا اشتغلت بحفظها، وإن منعتك اشتغلت بطلبها، فمتى تتفرغ لي؟ وبهذا مع ما سبق يتضح لك شؤم الدنيا على أهليها أعاذنا الله تعالى من شؤمها، وحفظنا من مذمومها (٢).

стр. 4183

١٦٥ - ومن أعمال اليهود والنصارى: التَّبتل والترهيب . فالأول لليهود: كانوا يحررون أولادهم للمساجد والكنائس، فلا يتزوجون. والثاني للنصارى: كانوا يمتنعون عن النكاح وغيره من المشتهيات والمستلذات. وهذا الآن منسوخ بشريعة محمد ﷺ ، والنكاح سنة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. وقد روى الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ نهى عن التَّبتل (١)؛ وهو الانقطاع عن النكاح. وروى الإمام أحمد، والطبراني، وأبو نعيم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النبي ﷺ يكره التَّبتل، وينهى عنه نهياً شديداً، ويقول: "تَزَوَّجُوا الوَدُوْدَ الوَلُوْدَ؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ النَّبِيِّيْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ" (٢). وروى البيهقي في "سننه" عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ أنه

стр. 4184

قال: "تَزَوَّجُوا؛ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمُ الأُمَمَ، وَلا تَكُوْنوُا كَرُهْبَانِ النَّصَارَى" (١). وروى ابن أبي شيبة عن أبي عبد الرحمن السلمي التابعي الجليل - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "لا آمُرُكُمْ أَنْ تَكُوْنُوا قِسِّيْسِيْنَ وَرُهْبَاناً" (٢). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا صَرُوْرَةَ فِي الإِسْلامِ" (٣). قال الخطابي رحمه الله تعالى: هذا الحديث يفسر تفسيرين: أحدهما: أن الصرورة: الذي انقطع عن النكاح، وتبتل على طريق النصارى. والثاني: أنَّ الصرورة: من لم يحج (٤). وقال الأزهري: الصرورة الذي لم يحج.

стр. 4185

قال: ويقال أيضاً للرجل الذي لم يتزوج، ولم يأت النساء: صرورة لصره على ماء ظهره (١). وقد تقدم في التشبه بالشيطان حديث عكاف، وقول النبي ﷺ له: "ألكَ زَوْجَةٌ؟ ". قال: لا. قال: "وَلا جَارِيَةٌ؟ ". قال: لا. قال: "وَأَنْتَ صَحِيْحٌ مُوْسِرٌ؟ ". قال: نعم، والحمد لله. قال: "فَإِنَّكَ مِنْ إِخْوَانِ الشَّيَاطِيْن، إِنْ كُنْتَ مِنْ رُهْبَانِ النَّصَارَى فَالْحَقْ بِهِمْ، وَإِنْ كُنْتَ مِنَّا فَاصْنَعْ كَمَا نَصْنعُ؛ فَإِنَّ مِنْ سُنَّتِنَا النِّكَاحَ" (٢). واعلم أنَّ النكاح مستحب على الجملة باتفاق. وقال داود بوجوبه على الرجل والمرأة مرةً. وقال أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه باستحبابه على كل حال. وقال مالك والشافعي: هو مستحب لمحتاج إليه يجد أُهبته. وقال أحمد: متى تاقت نفسه إليه، وخشي العَنَت وجب هو أو

стр. 4186

التسري، وبه قال آخرون (١). قال شيخ الإسلام الوالد: وهذا غير بعيد. وأما قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]، فلا يراد به ترك النكاح بإجماع المفسرين، بل قيل: هو الانقطاع إلى الله، وهو موافق لأصل معنى التبتل في اللغة (٢). يقال: بَتَلْتُهُ؛ أي: قطعته، فتبتل، وانبتل، ومنه سميت فاطمة رضي الله تعالى عنها: البتول لانقطاعها عن نساء زمانها، ونساء الأمة فضلاً وديناً وحسباً. وقيل للمنقطعة إلى الله تعالى: بتول، كما يقال للفسيلة المنقطعة عن أمها من النخل: بتول، وبتيل، وبتيلة، ويقال: بتول للمنقطعة عن الأزواج، ومنه سميت مريم بتولاً. فالمعنيان مشهوران في لغة العرب. فالتبتل بمعنى الانقطاع عن النكاح هو المنهي عنه، وبمعنى الانقطاع إلى الله تعالى هو المأمور به في قوله: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾ [المزمل: ٨]. أقيم التفعيل بمقام التفعل لرعاية الفاصلة، أو إشارة إلى تقصد

стр. 4187

الانقطاع إلى الله تعالى، كأن المتبتل قطع نفسه عما سوى الله تعالى، أو قطع إرادته وقصده عما سواه. والانقطاع إلى الله تعالى لا يناقض النكاح لأنه بالنية من جملة الطاعات، ومن أطاع الله تعالى فقد انقطع إليه. وقال ابن عباس ﵄ -كما في رواية ابن جرير- والأكثرون في قوله تعالى ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا﴾: أخلص إليه إخلاصاً (١). وقال قتادة رحمه الله تعالى: أخلص له الدعوة والعبادة. أخرجه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير (٢). وقال مجاهد رحمه الله تعالى: أخلص له المسألة والدعاء. أخرجه المفسرون، ومحمد بن نصر في "الصلاة"، والبيهقي في "الشعب" (٣). وقال الحسن: اجتهد. وابن زيد: تفرغ للعبادة. وزيد بن أسلم: اترك الدنيا والتمس ما عند الله. وشقيق البلخي: توكل. نقلها الثعلبي، وغيره (٤).

стр. 4188

ثم اعلم أن الرهبانية التي ابتدعها النصارى لا تختص بترك النكاح، بل هي ترك الشهوات المباحة كلها، والتقليل من المآكل والمشارب وكل شيء، والتشدد في الدين كملازمة الصيام، والقيام فوق الطاقة، ولباس السواد، وإيثار الشعوثة والغبورة، وملازمة الغيران والكهوف. قال الله تعالى: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ٢٧]. روى النسائي، والحكيم الترمذي في "نوادره"، والمفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت ملوك بعد عيسى ﵇ بدلت التوراة والإنجيل، فكان من بني إسرائيل مؤمنون يقرؤون التوراة والإنجيل غير مبدلين، فقيل لبعض ملوكهم: ما نجد شيئاً أشد من شتم يشتمنا هؤلاء إنهم يقرؤون: ﴿لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ [المائدة: ٤٧] مع ما يعيبوننا به من أعمالنا في قراءتهم، فادعوهم فليقرؤوا كما نقرأ، وليؤمِّنوا كما آمَّنَّا. فدعاهم فجمعهم، وعرض عليهم القتل، أو يتركوا قراءة التوراة والإنجيل إلا ما بدلوا منها، فقالوا: ما تريدون ذلك دعونا.

стр. 4189

فقالت طائفة منهم: ابنوا لنا أسطوانة، ثم ارفعونا إليها، ثم أعطونا شيئاً نرفع به طعامنا وشرابنا، ولا نرد عليكم. وقالت طائفة: دعونا نسيح في الأرض، ونَهيم ونأكل ما تأكل منه الوحوش؛ فإن قدرتم علينا في أرضكم فاقتلونا. وقالت طائفة: ابنوا لنا دوراً في الفيافي، ونحتفر الآبار، ونحرث البقول، ولا نرد عليكم، ولا نمر بكم، وليس أحد من القبائل إلا له حميم. ففعلوا ذلك. قال: فأنزل الله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ﴾ [الحديد: ٢٧]. قال: فمضى أولئك على مناهج عيسى. قال: وقال آخرون: ممن تعبد من أهل الشرك وقد فني من فني منهم؟ نتعبد كما تَعَبَّدَ فلان، ونسيح كما ساح فلان، ونتخذ دوراً كما اتخذ فلان، وهم على شركهم لا علم لهم بإيمان الذين اقتدوا بهم. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ الآية. مقولة ابتدعها هؤلاء الصالحون، فما رعاها المتأخرون. ﴿فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾؛ يعني: الذين ابتدعوها أولاً ورعوها. ﴿وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾؛ يعني: المتأخرين. ولما بعث النبي ﷺ ولم يبق منهم إلا القليل انحط صاحب

стр. 4190

الصومعة من صومعته، وجاء السائح من سياحته، وصاحب الدير من ديره، فآمنوا به وصدقوه، فقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ بإيمانهم بعيسى، ونصب أنفسهم، وبالتوراة والإنجيل، وبايمانهم بمحمد ﷺ ، وتصديقهم. ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ [الحديد: ٢٨]: في الناس: القرآن، واتباعهم النبي ﷺ (١). قال القرطبي: وفي الآية دليل على العزلة عن الناس في الصوامع والبيوت. قال: وذلك مندوب إليه عند فساد الزمان، وتغير الأحوال والأصدقاء (٢). قلت قديماً وحديثاً: أكثر الناس من التكلم في العزلة والخلطة، ومنهم من فضل، ومنهم من فصل، والحق أن تفضيل أحدهما على الآخر مطلقاً لا يليق. والصواب أن لكل واحد منهما فوائد وآفات ذكرت تفاصيلها في "منبر التوحيد"، فأي حالة ظهرت فائدتها وأمنت آفتها فعلى السالك الأخذ بها.

стр. 4191

والذي يقع في تحريره هنا: أن الإنسان يخالط أهل العلم ليتعلم منهم أمور دينه التي يحتاج إلى الأخذ بها في عباداته، ثم يعتزل الناس كما قال إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى: تفقه ثم اعتزل (١)، ثم إذا عرض له مسألة لا علم عنده فيها خالط من يسأله عنها، وإذا عرض له طلب المعاش بكسب أو احتراف خالط بقدر ما تحصل له الكفاية مع الإغضاء عن الناس وما هم عليه، إلا أن يفاجأه منكر فيغيره باليد إن استطاع، وإلا فباللسان، وإلا فبالقلب. هذا إذا لم يجعله الله داعياً إليه، فإن أنعم الله عليه بعلم زائد عنه أو بحال زائد عنه فعليه أن يخالط من يقصده للعلم، أو للتربية والنصيحة؛ فإنه مسؤول عن فضل علمه ومعرفته. ومهما لم يكن في تلك الناحية من يقوم عنه بهذا المنصب، وكان في الناس بقية يرجعون إلى الدين ولو في بعض المسائل، فليس له أن يسكن غاراً بعيداً عنهم، ولا يَسُوح في البلاد ويتركهم. نعم، له أن يلزم البيت ويكون حِلْساً من أحلاس بيته إذا كان بيته معروفاً؛ لأن المحتاج إليه يهتدي به بقصده حينئذ، وله الاحتجاب عن من يسأله لا لطلب الدين، بل ليتعلم منه الجدال والخصومات في غير حق، أو يستعين بعلمه على حيلة، أو رخصة، أو نحو ذلك. وكذلك له أن يمتنع من تعليم من هذا حاله أو يعلم منه أنه يريد تولية القضاء.

стр. 4192

نعم، إن قصده قاضٍ يريد أن يرجع إلى قوله في الحق ويعمل به أفاده، فإن أراد أن يتعلم منه ما يتوصل به إلى منع حق وتوصل إلى رشوة لم يقبل عليه، ولم يفتح له باب الرخصة؛ فإنَّ أكثر القضاة في هذه الأزمنة جهال، وتعليم الجاهل صدقة، إلا أن يترتب على تعليمه جهل آخر أو معصية. ومهما سمع بمنكر في ناحية وعلم أنه يُزَالُ بخروجه إلى إنكاره، ولا يحصل له بسبب ذلك ضرر، تعين عليه. ولا تصلح سكنى الغيران والكهوف إلا لمن ليس له فضل علم يحتاج إليه غيره، أو كان ولكن ثَمَّ من يسد، وسدَّهُ فيه، ولا يرجو بمخالطته للناس زيادة علم إلى علمه، وخير إلى خيره، ولم يأمن على نفسه من فتنة في دينه لو خالط الناس، مع الأمن على نفسه في سكنى الكهوف من عدو، أو سَبُع، أو شيطان لتحصُّنٍ، أو حالٍ بالغٍ في التوكل والأُنس بالله تعالى. فإن أمِنَ على نفسه من الفتنة بالمخالطة، وتوقع خيراً زائداً على ما عنده - وهو في هذا الزمان عزيز جداً، بعيد وجوداً - كانت الخلطة في حقه أفضل، وعليه يحمل ما رواه الإمام أحمد عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ في سرية من سراياه قال: فمرَّ رجل بغار فيه شيء من ماء، فحدَّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار، فيقوته ما كان فيه من ماء، ويصيب مما حوله من البقل، ويتخلي من الدنيا.

стр. 4193

قال: لو أتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فإن أذنَ لي فعلت، وإلا لم أفعل، فأتاه فقال: يا نبي الله! إني مررت بغار فيه ماء يقوتني من الماء والبقل، فحدثتني نفسي أن أقيم فيه وأتخلَّى من الدنيا، قال: فقال النبي ﷺ : "إِنِّي لَمْ أُبْعَثْ بِالْيَهُودِيَّةِ وَلا بِالنَّصْرَانِيَّةِ، وَلَكِنْ بُعِثْتُ بِالْحَنِيْفِيَّةِ السَّمْحَةِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَغَدْوَةٌ أَوْ رَوْحَةٌ فِي سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا، وَلَمُقَامُ أَحَدِكُمْ بِالصَّفِ الأَوَّلِ خَيْرٌ مِنْ صَلاةِ سِتِّيْنَ سَنَةٍ" (١). وقال في "منهاج العابدين": حكي أن الأستاذ أبا بكر بن فُورك قصد أن ينفرد لعبادة الله تعالى عن الخلق، فبينا هو في بعض الجبال إذ سمع صوتاً ينادي: يا أبا بكر! إذ صرت من حجج الله على خلقه تركت عباد الله. فرجع، وكان هذا سبب صحبته للخلق. قال: وذكر لي مأمون بن أحمد: أن الأستاذ أبا إسحاق قال لعُبَّاد جبل لبنان: يا أكلة الحشيش! تركتم أمة محمد ﷺ في أيدي المبتدعة واشتغلتم هاهنا بأكل الحشيش؟ قالوا له: إنا لا نقوى على صحبة الناس، وإنما أعطاك الله قوة فيلزمك ذلك.

стр. 4194

ومن أدلة العزلة في محلها: حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه أنه قيل للنبي ﷺ : أي الناس أفضل؟ فقال: "مُؤْمِنٌ مُجَاهِدٌ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيْلِ اللهِ". قيل: ثم من؟ قال: "رَجُلٌ مُعْتَزِلٌ فِي شِعْبٍ مِنَ الشِّعَابِ يَعْبُدُ رَبَّهُ، وَيَدَعُ النَّاسَ مِنْ شَرِّهِ". متفق عليه (١). وهو موافق لحديث أبي أمامة الناطق بتفضيل المخالطة للجهاد، وحضور الجماعات على العزلة. ونحوه حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: غزونا على عهد رسول الله ﷺ ، فمررنا بشعب فيه عيينة طيِّبة الماء غزيرة، فقال واحد من القوم: لو اعتزلت الناس في هذا الشعب، ولن أفعل ذلك حتى أذكره لرسول الله ﷺ ، فقال ﷺ : "لا تَفْعَلْ؛ فَاِنَّ مُقَامَ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيْلِ اللهِ خَيْرٌ مِنْ صَلاتِهِ فِي أهْلِه سَبْعِيْنَ عَاماً، أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَيُدْخِلَكُمُ الْجَنَّةَ، اغْزُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ؛ فَإِنَّ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيْلِ اللهِ فَوَاقَ نَاقَةٍ أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ". أخرجه الترمذي - وقال: حسن صحيح - والحاكم - وقال: على شرط مسلم - إلا أنَّ لفظه: سِتِّين عاماً، ويحتمل أن يكون هذا في زمانه ﷺ (٢).

стр. 4195

والجهاد واجب على كل أحد، وهو محمول على حال يتيسر فيها الجهاد من غير مقارنته لظلم ولا نية فاسدة، فإن لم يتيسر وخيفت الفتنة كما في هذه الأزمنة فالاعتزال أفضل. ويدل عليه حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه الآخر قال: قال رسول الله ﷺ : "يُوْشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ القَطْرِ؛ يَفِرُّ بِدِيْنِهِ مِنَ الفِتَنِ". رواه الإمام مالك، والبخاري، وأبو داود، وغيرهم (١). والأحاديث والآثار في الباب كثيرة. واعلم أن الرهبانية ليست هي العزلة المجردة، بل هي إيثار الأمور التي بيناها آنفاً على سبيل التشدد في الدين والتحرج، فهو الذي ينصرف إليه النهي الوارد، كما في حديث رواه عبد بن حميد: "لا رَهْبَانِيَّةَ فِي الإِسْلامِ" (٢). وروى الطبراني في "الأوسط" عن أبي كريمة قال: سمعت علي ابن أبي طالب ﵁ يقول: إياكم ولباس الرهبان؛ فإن من ترهب أو تشبه فليس مني (٣).

стр. 4196

وفي حديث ذكره القرطبي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "أَتَدْرِي مَا رَهْبَانِيَّةُ أُمَّتِي؟ الْهِجْرَةُ، وَالْجِهَادُ، وَالصَّوْمُ، وَالْحَجُّ، وَالعُمْرَةُ، وَالتَّكْبِيْرُ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ" (١). والمعنى في ذلك: أن في هذه العبادات المشروعة لمن حافظ عليها وعلى أدائها على أكمل هيئاتها وخرج من حقوقها غُنية عن الرهبانية الذي ابتدعتها النصارى من ترك عامة الشهوات المباحة. ومن أراد مخالفة الرهبان في ذلك فسبيله الاقتصاد في كل ما ذكر، كما يدل عليه حديث "الصحيحين" - واللفظ للبخاري - عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبي ﷺ ، فلما أخبروا كأنهم تقالُّوها، وقالوا: أين نحن من النبي ﷺ ؛ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبداً. وقال الآخر: أنا أصوم الدهر أبداً. وقال الآخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبداً. فجاء رسول الله ﷺ إليهم فقال: "أَنْتُمُ الَّذِيْنَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللهِ إِنِّي لأَخْشَاكُمْ للهِ، وَأتقَاكُمْ لَهُ، وَلَكِنِّي أَصُوْمُ وَأفطِرُ، وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ،

стр. 4197

وَأتزَوَّجُ النِّسَاءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّيْ" (١). وروى أبو داود عن أنس أيضاً رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَيُشَدَّدَ عَلَيْكُمْ، فَإِنَّ قَوْماً شَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَشَدَّدَ اللهُ عَلَيْهِمْ، فَتِلْكَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامِعِ وَالدِّيَارَاتِ ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ [الحديد: ٢٧] (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن سهل بن أبي أمامة بن حنيف، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ قَبْلَكُمْ بِتَشَدُّدِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ، وَسَتَجِدُوْنَ بَقَايَاهُمْ فِي الصَّوَامعِ وَالدِّيَارَاتِ" (٣)، يعني: الرهبان. فالتشدد في الدين مكروه لأنه من أعمال الرهبان، بخلاف المجاهدة في العبادة لأنها مطلوبة، وهي حمل النفس على العمل بما جاء به الشرع من أمر أو نهي، وإن كان مشقاً على النفوس غيرِ المُطمئنَّة. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩]. وفي الحديث: "الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ" (٤). والشرع إنما جاء بتكليف العبد بما يطيقه مع المداومة عليه، كما

стр. 4198

في الحديث: "اكْلَفُوا مِنَ العَمَلِ مَا تُطِيْقُونَهُ" (١). وفي كتاب الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. فأما الخروج إلى حمل النفس على ما لا تطيقه أو ما لا تستقيم عليه فإنه منهي عنه كما تقدم في الحديث: "لا تُشَدِّدُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ". وفي الحديث الآخر: "لَنْ يُشَادَّ هَذَا الدِّيْنَ أَحَدٌ إِلاَّ غَلَبَهُ" (٢). وقال أبو الدرداء ﵁: لا تجعلوا عبادة الله بلاء عليكم (٣). قال أبو ذر ﵁: إن نفسي مطيتي؛ إن لم أرفق بها لم تبلِّغني (٤). وقال الحسن رحمه الله تعالى: إن هذا الدين دين واصب، وإنه من لا يصبر عليه يدعه، وإن الحق ثقيل، وإن الإنسان ضعيف. قال: وكان يقال: ليأخذ أحدكم من العمل ما يطيق؛ فإنه لا يدري ما قدر أجله، وإن العامل إذا ركب بنفسه العنف وكلف نفسه ما لا تطيق أوشك أن يسيِّب ذلك كله حتى لعله لا يقيم الفريضة، وإذا ركب بنفسه التيسير والتخفيف، وكلف نفسه ما تطيق كان أكيسَ العاملين، وأمنعَهم من هذا العدو.

стр. 4199

قال: وكان يقال: شر السير الحقحقة (١). روى هذه الآثار ابن المبارك في "الزهد". والحقحقة: أرفع السير، وأتعبه للظهر، أو اللجاج في السير؛ قاله في "القاموس" (٢). ودل على ما ذكره الحسن من أن المتعنت المفرط قد يرجع أمره إلى التفريط، وقوله تعالى: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧]. * فائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ: ذكر أبو طالب المكي في "قوت القلوب" عن بعض العلماء أنه قال: وضوء المؤمن في الشتاء بالماء البارد يعدل عبادة الرهبان كلها (٣)؛ يعني: حين كانت عبادتهم معتداً بها. * فائِدَةٌ أُخْرى: روى ابن أبي شيبة، والحارث بن أبي أسامة، ومن طريقه الدينوري في "المجالسة" عن حسان بن عطية قال: لا بأس أن يُؤمِّن المسلم على دعاء الراهب. وقال: إنه يستجاب لهم فينا، ولا يستجاب لهم في أنفسهم (٤).

стр. 4200

قلت: محله فيما لو دعا الراهب جهراً، أولم يشتمل دعاؤه على كلمة كفر ونحوها، أو على طلب شيء يخالف الإسلام أو السنة. وأمَّا السياحة: وهي الخروج في الفلاة لغير مقصد معين كما فعله إحدى الطوائف الثلاث من قوم عيسى ﵇، فهي منسوخة في شريعتنا. وروى الإمام أحمد - بإسناد جيد - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ لعن راكب الفلاة وحده (١). وقال الإمام أحمد: ليست السياحة من الإسلام في شيء، ولا من فعل النبيين ولا الصالحين، مع أن جماعة من إخواننا قد ساحوا السياحة المنهي عنها متأولين في ذلك، أو غير عالمين بالنهي عنه. نقله ابن تيمية (٢). وتأول حجة الإسلام، وغيره خروج كثير من صالحي هذه الأمة على التوكل والثقة بالله تعالى، والأنس به، مع أن من فعل ذلك منهم لم يضيع في سياحته حقاً من حقوق الله تعالى، ولا من حقوق عباده (٣). وممن عرف بذلك أبو تراب النخشبي، وإبراهيم الخواص، وأبو

стр. 4201

حمزة البغدادي، وغيرهم. وحكاياتهم في ذلك مشهورة، ونقلت منها نبذة في "منبر التوحيد". * تَنْبِيْهٌ: لا تختص السياحة بالنصارى، بل كانت في بني إسرائيل قديماً. روى ابن جرير عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كانت السياحة في بني إسرائيل (١). وروى أبو نعيم عن وهب أيضاً قال: كان الرجل في بني إسرائيل إذا ساح أربعين سنة أرِي شيئاً - كأنه يريد علامة القبول - فساح رجل من ولد زنية أربعين سنة، فلم ير شيئاً، فقال: يا رب! إن أحسنت وأساء والدي (٢) فمَا ذنبي؟ قال: فرأى ما كان أُرِيَ غيره (٣). وروى الإمام أحمد في "الزهد" عنه أيضاً قال: إن عابداً من بني إسرائيل تعبد وساح حتى كان مع الوحش، وحتى عفا شعره، وكان يغطي فرجه، فمات إنسان ليس له وارث غيره، فكرهوا أن يعرض المال حتى يعلموه، فجعلوا يقعدون له، فإذا نظر إليهم يفر منهم، فقال إنسان: تجعلون لي شيئاً آتيكم بخبره؟

стр. 4202

فجعلوا له شيئاً، فقعد له، فلما رآه استقبله، وألقى ثيابه، فلما نظر إليه وقف وغض بصره، فقال: ائذن لي أَدْنُ منك. قال: ادنه. قال: فلان مات وترك مالاً، ولم يترك وارثاً غيرك، فكرهوا أن يعرضوا لماله حتى يعلموك. قال: كم له منذ مات؟ قال: كذا وكذا. قال: فكم لي منذ فارقتكم؟ قال: كذا وكذا. قال: فإني قد مت قبله بكذا وكذا، فولَّى عنه وتركه (١). والحكايات عن بني إسرائيل في سياحاتهم وقعودهم في الصوامع كثيرة. وأما السياحة التي أثنى الله بها على المؤمنين في سورة براءة، والمؤمنات في سورة التحريم؛ فهي الصيام، أو الهجرة، أو طلب العلم، أو هي الجهاد في حق الرجال. روى الحاكم - وصححه - عن أبي هريرة، وابن مردويه عن ابن مسعود قالا رضي الله تعالى عنهما: سئل رسول الله ﷺ عن السائحين،

стр. 4203

فقال: "هُمُ الصَّائِمُونَ" (١). وروى الطبراني بإسناد جيد، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: الصائمون هم السائحون (٢). وروى عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة، وأبي مالك، وقتادة رحمهم الله تعالى في قوله تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]، قالوا: صائمات (٣). وروى ابن جرير عن عائشة ﵂: أنه كانت سياحة هذه الأمَّة الصيام (٤). قال سفيان بن عيينة: إنما سمي الصائم السائح لأنه تارك للذات الدنيا كلها من المطعم والمشرب والمنكح، فهو تارك للدنيا بمنزلة السائح. أخرجه ابن جرير، وابن المنذر (٥). وروى ابن أبي حاتم عن ابن زيد رحمه الله تعالى قال: السائحون المهاجرون (٦).

стр. 4204

وروى هو وأبو الشيخ عن عكرمة قال: هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم (١). وروى أبو داود، والطبراني، والحاكم، والبيهقي عن أبي أمامة ﵁: أن رجلًا قال: يا رسول الله! ائذن لي في السياحة. فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ" (٢). ١٦٦ - ومن أعمال اليهود والنصارى: الخصاء، والاختصاء تقرباً . وهو من جملة التَّبتل والرهبانية، وهو في هذه الشريعة حرام باتفاق العلماء، بل صرح والدي رحمه الله تعالى، وغيره بأنه من الكبائر. روى الطبراني عن سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه: أن عثمان بن مظعون رحمه الله تعالى قال: يا رسول الله! ائذن لي في الاختصاء. فقال رسول الله جه: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبانِيَّةِ الْحَنِيْفِيَّةَ السَّمْحَةَ، وَالتَّكْبِيْرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ". وروي الاختصاء أيضاً عن بعض عباد بني إسرائيل.

стр. 4205

* تَنْبِيْهٌ: الخصاء في هذه الأمة للمماليك السود كثيراً، وللبيض قليلاً، وغيرهم هو مما وقع في هذه الأمة كما أخبر به ﷺ في عموم أخباره من أن أمته ستركب سنن من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم، ووقع الإخبار منه به على الخصوص فيما رواه ابن عدي في "كامله"، والدارقطني في "أفراده"، وابن عساكر في "تاريخه" عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "سَيَكُونُ قَوْمٌ يَنَالُهُمُ الْخِصَاءُ؛ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا". وإنما وصى بهم لضعفهم، وانقطاع شهوة النكاح عنهم، وانحباسهم عن قضائها مع عروضها لهم، أو لأنهم من مظنات الخير لأن أكثر ما يمنع الإنسان عن الخير اتباع هواه وشهوته، وقد سلب هؤلاء شطر الشهوة أو معظمها، ونقصت منهم دواعي الفتنة. ١٦٧ - ومن أخلاق أهل الكتاب: تزوج المرأة لجمالها أو مالها أثارة للمال والجمال على الدين . وقد علمت ما في ذلك. وفي الحديث: "تُنْكَحُ الْمَرْأة لأَرْبَع: لِمَالِهَا، وَلِحُسْنِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِيْنِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَدَاكَ". رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة، والدارمي عن جابر رضي الله تعالى عنه (١).
следующие страницы →