حمزة البغدادي، وغيرهم.
وحكاياتهم في ذلك مشهورة، ونقلت منها نبذة في "منبر التوحيد".
* تَنْبِيْهٌ:
لا تختص السياحة بالنصارى، بل كانت في بني إسرائيل قديماً.
روى ابن جرير عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كانت السياحة في بني إسرائيل (١).
وروى أبو نعيم عن وهب أيضاً قال: كان الرجل في بني إسرائيل إذا ساح أربعين سنة أرِي شيئاً - كأنه يريد علامة القبول - فساح رجل من ولد زنية أربعين سنة، فلم ير شيئاً، فقال: يا رب! إن أحسنت وأساء والدي (٢) فمَا ذنبي؟
قال: فرأى ما كان أُرِيَ غيره (٣).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عنه أيضاً قال: إن عابداً من بني إسرائيل تعبد وساح حتى كان مع الوحش، وحتى عفا شعره، وكان يغطي فرجه، فمات إنسان ليس له وارث غيره، فكرهوا أن يعرض المال حتى يعلموه، فجعلوا يقعدون له، فإذا نظر إليهم يفر منهم، فقال إنسان: تجعلون لي شيئاً آتيكم بخبره؟
стр. 4202
فجعلوا له شيئاً، فقعد له، فلما رآه استقبله، وألقى ثيابه، فلما نظر إليه وقف وغض بصره، فقال: ائذن لي أَدْنُ منك.
قال: ادنه.
قال: فلان مات وترك مالاً، ولم يترك وارثاً غيرك، فكرهوا أن يعرضوا لماله حتى يعلموك.
قال: كم له منذ مات؟
قال: كذا وكذا.
قال: فكم لي منذ فارقتكم؟
قال: كذا وكذا.
قال: فإني قد مت قبله بكذا وكذا، فولَّى عنه وتركه (١).
والحكايات عن بني إسرائيل في سياحاتهم وقعودهم في الصوامع كثيرة.
وأما السياحة التي أثنى الله بها على المؤمنين في سورة براءة، والمؤمنات في سورة التحريم؛ فهي الصيام، أو الهجرة، أو طلب العلم، أو هي الجهاد في حق الرجال.
روى الحاكم - وصححه - عن أبي هريرة، وابن مردويه عن ابن مسعود قالا رضي الله تعالى عنهما: سئل رسول الله ﷺ عن السائحين،
стр. 4203
فقال: "هُمُ الصَّائِمُونَ" (١).
وروى الطبراني بإسناد جيد، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: الصائمون هم السائحون (٢).
وروى عبد بن حميد، وابن المنذر عن عكرمة، وأبي مالك، وقتادة رحمهم الله تعالى في قوله تعالى: ﴿سَائِحَاتٍ﴾ [التحريم: ٥]، قالوا: صائمات (٣).
وروى ابن جرير عن عائشة ﵂: أنه كانت سياحة هذه الأمَّة الصيام (٤).
قال سفيان بن عيينة: إنما سمي الصائم السائح لأنه تارك للذات الدنيا كلها من المطعم والمشرب والمنكح، فهو تارك للدنيا بمنزلة السائح. أخرجه ابن جرير، وابن المنذر (٥).
وروى ابن أبي حاتم عن ابن زيد رحمه الله تعالى قال: السائحون المهاجرون (٦).
стр. 4204
وروى هو وأبو الشيخ عن عكرمة قال: هم الذين يسافرون لطلب الحديث والعلم (١).
وروى أبو داود، والطبراني، والحاكم، والبيهقي عن أبي أمامة ﵁: أن رجلًا قال: يا رسول الله! ائذن لي في السياحة.
فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ سِيَاحَةَ أُمَّتِي الْجِهَادُ فِي سَبِيْلِ اللهِ" (٢).
١٦٦ - ومن أعمال اليهود والنصارى: الخصاء، والاختصاء تقرباً .
وهو من جملة التَّبتل والرهبانية، وهو في هذه الشريعة حرام باتفاق العلماء، بل صرح والدي رحمه الله تعالى، وغيره بأنه من الكبائر.
روى الطبراني عن سعيد بن العاص رضي الله تعالى عنه: أن عثمان بن مظعون رحمه الله تعالى قال: يا رسول الله! ائذن لي في الاختصاء.
فقال رسول الله جه: "إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَنَا بِالرَّهْبانِيَّةِ الْحَنِيْفِيَّةَ السَّمْحَةَ، وَالتَّكْبِيْرَ عَلَى كُلِّ شَرَفٍ".
وروي الاختصاء أيضاً عن بعض عباد بني إسرائيل.
стр. 4205
* تَنْبِيْهٌ:
الخصاء في هذه الأمة للمماليك السود كثيراً، وللبيض قليلاً، وغيرهم هو مما وقع في هذه الأمة كما أخبر به ﷺ في عموم أخباره من أن أمته ستركب سنن من قبلهم من بني إسرائيل وغيرهم، ووقع الإخبار منه به على الخصوص فيما رواه ابن عدي في "كامله"، والدارقطني في "أفراده"، وابن عساكر في "تاريخه" عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "سَيَكُونُ قَوْمٌ يَنَالُهُمُ الْخِصَاءُ؛ فَاسْتَوْصُوا بِهِمْ خَيْرًا".
وإنما وصى بهم لضعفهم، وانقطاع شهوة النكاح عنهم، وانحباسهم عن قضائها مع عروضها لهم، أو لأنهم من مظنات الخير لأن أكثر ما يمنع الإنسان عن الخير اتباع هواه وشهوته، وقد سلب هؤلاء شطر الشهوة أو معظمها، ونقصت منهم دواعي الفتنة.
١٦٧ - ومن أخلاق أهل الكتاب: تزوج المرأة لجمالها أو مالها أثارة للمال والجمال على الدين .
وقد علمت ما في ذلك.
وفي الحديث: "تُنْكَحُ الْمَرْأة لأَرْبَع: لِمَالِهَا، وَلِحُسْنِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدِيْنِهَا؛ فَاظْفَرْ بِذاتِ الدِّيْنِ تَرِبَتْ يَدَاكَ". رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة، والدارمي عن جابر رضي الله تعالى عنه (١).
стр. 4206
وأخرجه الإمام أحمد، وأبو يعلى، وابن حبان في "صحيحه"، والدارقطني، والحاكم وصححه، من حديث أبي سعيد رضي الله تعالى عنه، ولفظه: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى إِحْدَى ثَلاثِ خِصَالٍ: تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى مَالِهَا، وَتُنْكَحُ الْمَرْأة عَلَى جَمَالِهَا، وَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ عَلَى دِيْنِهَا وَخُلُقِهَا؛ فَخُذْ ذَاتَ الدِّيْنِ وَالْخُلُقِ تَرِبَتْ يَدَاكَ" (١)؛ أي: إن تركتها لغيرها، أو لا يريد الدعاء على عادة العرب في إطلاق ذلك، ونحوه على وجه التعجب.
وحذف الحسب في هذه الرواية لأن أكثر الناس لا يلتفتون إليه؛ إذ ليسوا كلهم ذوي أحساب، أو لأنهم يؤثرون المال والجمال عليه، أو لأنه أشار إليه بالخلق فإنه يتبع الحسب غالباً، وهو مرغوب فيه مع الدين، ولذلك جمع بينهما في الحديث.
وحكي أن نوح بن أبي مريم قاضي مروان أراد أن يزوج ابنه فاستشار جاراً له مجوسياً، فقال: سبحان الله! الناس يستفتونك وأنت تستفتيني؟
فقال: لا بد أن تشير علي.
فقال: إن رئيسنا كسرى كان يختار المال، ورئيس الروم قيصر كان يختار الجمال، ورئيس العرب كان يختار النسب، وإن نبيكم محمداً ﷺ كان يختار الدين؛ فانظر أنت لنفسك بمن تقتدي (٢).
стр. 4207
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن وهب بن منبه قال: كان لموسى ﵇ أخت يقال لها: مريم، فقالت له: يا موسى! إنك تزوجت إلى شعيب ﵇، وأنت يومئذ لا شيء لك، ثم أدركت ما أدركت، فتزوجْ في ملوك بني إسرائيل.
قال: ولِمَ أتزوج في ملوك بني إسرائيل؟ فو الله ما أحتاج إلى النساء منذ كلمت ربي .
قال: فاعْتَدَتْ عليه في الكلام، فدعا عليها، فَبَرِصَت.
قال ثم شق ذلك على موسى ﵇، قال: فدعا أخاه هارون ﵇، فقال: واصل يا هارون، فصاما ثلاثاً وواصلا، ولبسا المُسُوح، وافترشا الرماد، وجعلا يدعوان ربهما حتى كشف عنها ذلك البلاء الذي بها (١).
واعلم من آثر مال المرأة، أو جمالها، أو حسبها على الدين عومل فيها بعكس مراده، وضد مقصوده.
واشتهر على الألسنة: من تزوج امرأة لمالها أو جمالها حرمه الله مالها وجمالها.
وليس في الحديث بلفظه، لكن يؤيد معناه ما رواه أبو نعيم، وابن النجار عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ
стр. 4208
تَزَوَّجَ امْرَأة لِعِزِّها لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ ذُلاًّ، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ فَقْرًا، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لِحَسَبِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ دنَاءَةً، وَمَنْ تَزَوَّجَهَا لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إِلاَّ ليَغُضَّ بَصَرَهُ وَيُحْصِنَ فَرْجَهُ أَوْ يَصِلَ رَحِمَهُ بَارَكَ اللهُ لَهُ فِيْهَا، وَبَارَكَ لَهَا فِيْهِ".
ولفظ ابن النجار، وفيه زيادة: "كَانَ ذَلِكَ مِنَّة، وَبُورِكَ لَهُ فِيْهَا وَبُورِكَ لَهَا فِيْهِ" (١).
فإن قلت: فقد قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: ٣٢].
وروى ابن أبي شيبة، وأبو داود في "مراسيله" عن عروة مرسلاً، والبزار، وغيره عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "انْكَحُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنَّهُنَّ يَأتِيْنَكُمْ بِالْمَالِ".
وفي لفظ: "تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ يَأتِيْنَكُمْ بِالأَمْوَالِ" (٢).
стр. 4209
وفي لفظ أخرجه الخطيب، وغيره، وصححه الحاكم: "تَزَوَّجُوا النِّسَاءَ؛ فَإِنهنَّ يَأتِيْنَ بِالْمَالِ" (١).
قلت: إنهم كانوا يمتنعون عن التزوج مخافة العَيْلة والفقر، وكان الفقراء أشد امتناعاً منه مخافة الفاقة، فأمرهم الله تعالى بالنكاح وتزويج العبيد والإماء اتكالاً على الله تعالى، وأشار إليهم بأنه يغنيهم، ويضم رزق الأزواج إلى رزقهم، ألا ترى كيف قال: ﴿يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النور: ٣٢]؟
ولذلك قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه: أطيعوا الله فيما أمركم به من النكاح ينجزْ لكم ما وعدكم من الغنى؛ أي: من فضله، ثم تلا الآية. أخرجه ابن أبي حاتم (٢).
وقال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اطلبوا الفضل في الباءة، ثم تلا الآية.
وفي لفظ: ابتغوا الغنى في الباءة. أخرجه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة.
وفي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه مرفوعاً: التمسوا الرزق - أي: من الله تعالى - بالنكاح. أخرجه الديلمي.
стр. 4210
بل روى الإمام أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "ثَلاثَةٌ حَقٌّ عَلَى اللهِ عَوْنهمْ: النَّاكِحُ يُرِيْدُ العَفَافَ، وَالْمُكَاتَبُ يُرِيْدُ الأَدَاءَ, وَالغَازِي فِي سَبِيْلِ اللهِ" (١).
فانظر كيف شرط في النكاح إرادة العفاف، وهذا أوضح دليل على أن الناكح الموعود بالغنى والعون هو الصحيح النيَّة.
وأمَّا قوله ﷺ : "فَإِنَّهُنَّ يَأتِيْنَ بِالْمَالِ" فالمراد به أن تزوجهن يكون سبباً لزيادة الرزق من الله تعالى، وطريق الرزق في ظاهر العادة حصول المال، وكل مال يحصل فهو من فضل الله تعالى، وفضل الله تعالى ممنوع عن الذي ينكح المرأة لمالها، أو جمالها، أو غيرهما لفساد نيته بدليل قوله ﷺ : "مَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً لِمَالِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللهُ إِلاَّ فَقْرًا"؛ فافهم ذلك فإنه التحقيق في هذا المقام!
١٦٨ - ومن أخلاق أهل الكتاب: أنهم كانوا لا يتزوجون بالأَمَة، ولا بامرأة من غير دينهم .
وشرعنا جاء بإباحة الأَمَة لمن لم يجد طولَ حرة، وبالكتابية أيضاً بشرطه.
стр. 4211
روى ابن أبي شيبة عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: إنَّ ممَّا وسع الله على هذه الأمة نكاح الأَمَة والنصرانية (١).
وروى الطبراني - ورجاله ثقات - عن ابن عباس ﵄ قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، فحجز الناس عنهن حتى نزلت بعدها: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، فنكح الناس من نساء أهل الكتاب (٢).
وإنما أباح الله تعالى الكتابيات للمسلمين لأن النكاح نوع من الرق والامتهان، ولذلك لم يجز للمسلمة أن ينكحها مشرك.
١٦٩ - ومنها: إبداء المرأة زينتها لغير محارمها من الرجال، وعدم الاحتجاب .
ومن ثم أكثر الزنا في بني إسرائيل.
ولم يكن الحجاب في صدر الإسلام واجباً، ثم نزلت آية الحجاب، واستقر الأمر على ذلك، ولم يشرع من أحكام النساء الخاصة بهن شيء أفضل ولا أجمل من الاحتجاب لما في ذلك من حسم مادة النظر واللمس وغيرهما، وخير شيء للمرأة أن لا ترى رجلاً ولا يراها رجل كما قالت فاطمة ﵂، وحمدها عليه والدها سيد المرسلين
стр. 4212
كما تقدم في الحديث ﷺ .
* تَنْبِيْهٌ:
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن علي بن طلحة رحمه الله تعالى قال: بينما عيسى ﵇ مع أصحابه مرت امرأة فنظر إليها بعضهم، فقال له بعض أصحابه: زنيت.
فقال له عيسى ﵇: أرأيت لو كنت صائماً فمررت بشواء فشممته، أكنت تفطر؟
قال: لا (١).
وقد وردت شريعتنا بخلاف ذلك.
روى مسلم، وأبو داود، والنسائي عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيْبُهُ مِنَ الزِّنَا مُدْرِكٌ ذَلِكَ لا مَحَالَةَ: العَيْنَانِ زِنَاهُمَا النَّظَرُ، وَالأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الاسْتِمَاعُ، وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الكَلامُ، وَالْيَدُ زِنَاهَا البَطْشُ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا، وَالقَلْبُ يَهْوَى وَيتَمَنَّى، وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ الفَرْجُ أَوْ يُكَذِّبُهُ" (٢).
وفي رواية: "وَالفَمُ يَزْنِي وَزِنَاهُ القُبَلُ" (٣).
стр. 4213
* تَنْبِيْهٌ ثانٍ:
لم يؤمر أهل الكتاب بأن تحتجب نساؤهم زيادةً في البلاء، لا إباحة للنظر؛ فإن النظر العمد كان محرماً عليهم، وواقعة عيسى ﵇ المتقدمة لعلها محمولة على نظر الفجأة، وهي لا تدخل تحت التكليف.
روى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: انتهت بنو إسرائيل إلى موسى ﵇ فقالوا: إن التوراة تكثر علينا، فائتنا بجماع من الأمر فيه تخفيف.
قال: فأوحى الله تعالى إليه: ما سألك قومك؟
قال: يا رب! أنت أعلم بما سألوني.
قال: إنما بعثتك لتبلغني عنهم وتبلغهم عني.
قال: فإنهم سألوني جماعاً من الأمر فيه تخفيف، ويزعمون أن التوراة تكثر عليهم.
فقال الله : قل لهم: لا تظالموا في المواريث، ولا تدخلن عينا عبد بيتاً حتى يستأذن، وليتوضأ من الطعام كما يتوضأ للصلاة.
فاستخفوها يسيراً، ثم لم يقوموا بها.
قال الحسن: فقال رسول ﷺ عند ذلك: "تَقَبَّلُوا لِي بِسِتٍّ أَتَقَبَّلْ لَكُمْ بِالْجَنَّةِ: مَنْ حَدَّثَ فَلا يَكْذِبْ، وَمَنْ وَعَدَ فَلا يُخْلِفْ، وَمَنِ اؤْتُمِنَ فَلا يَخُنْ، احْفَظُوا أَيْدِيَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَفُرُوْجَكُمْ" (١).
стр. 4214
والحديث المرفوع منه مرسل، لكن رواه ابن أبي شيبة، والحاكم وصححه، والبيهقي موصولاً عن أنس ﵁ (١).
١٧٠ - ومن أعمال بني إسرائيل: التظالم في المواريث .
كما دل عليه حديث الحسن هذا، وهو شامل لظلم بعض الوارثين لبعضٍ في ميراثه، ولظلم القضاة، واتباعهم للورثة في مواريثهم طالبين أن يقسموا بينهم وليس الأمر كذلك، ولكن يريدون ظلمهم وأخذ بعض الميراث منهم، وإن أمكنهم أخذه كله فعلوا، حتى كأن لهم فيه نصيباً مفروضاً، بل لم يزل كل قاض فعل ذلك عن حضرة الله تعالى مرفوضاً.
ولقد أحسن الحافظ جمال الدين السيوطي رحمه الله تعالى في قوله مقتبساً: [من الخفيف]
قَدْ بُلِينا فِي عَصْرِنا بِقُضاةٍ ... يَظْلِمُونَ الأَنامَ ظُلْماً عَمَّا
يَأْكُلُونَ التُّراثَ أَكْلاً لَمَّا ... ويُحِبُّوْنَ الْمالَ حُبًّا جَمَّا
ومن أقبح ما يقع منهم أنهم يتعرضون للوارثين البالغين الحاضرين من غير أن يكون فيهم يتيم ولا غائب؛ فإن كان فيهم يتيم أو غائب فما
стр. 4215
أشد القاضي وأتباعه على البالغين الحاضرين في حجة اليتامى والغائبين!
ومنهم من يتجاوز فيكلف الوارث محصول القسمة أكثر من متحصل الميراث خصوصاً إذا كانوا ضعفاء، بل قد يكلفونه المحصول وليس للمورث عقار ولا منقول، وربما ختموا على الميراث وكلفوهم الاستدانة لمؤنة التجهيز، ولما يأخذونه منهم باسم الخدم، وأجرة القدم، ثم يماكسونهم ليقطعوا لهم كمية، ويجتهدون أن يكون أضعاف ما يزعمونه لهم بالقوانين السلطانية، ولا يفكون الختوم عنهم حتى يستوفوا المحصول منهم، ثم يكلفهم الرسول الفاك لهم الختم أجرة قدمه بالعنف حتى يثنى على من يستوفي ذلك منهم باللطف؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٧].
ولقد روى الثعلبي في تفسيره هذه الآية عن إبراهيم قال: كان شريح رحمه الله تعالى يقول: سيعلم الظالمون حظ من نقصوا أن الظالم ينتظر العقاب، وأن المظلوم ينتظر النصر (١).
وقلت عاقداً لصدر كلامه: [من البسيط]
يا رَبِّ قَوْمٌ عَلى دُنْياهُمُ حَرَصُوا ... تَوَسَّطُوا لُجَّةً مِنْها فَما خَلَصُوا
стр. 4216
عَدَوْا عَلى النَّاسِ ظُلْماً فِي تَجَبُّرِهِمْ ... سَيَعْلَمُ الظَّالِمُوْنَ حَظَّ مَنْ نَقَصُوا
١٧١ - ومن أعمال أهل الكتاب اجتماع الرجال والنساء من غير محرم ولا ضرورة .
روى الإمام أحمد عن مالك بن دينار قال: كان حبر من أحبار بني إسرائيل يغشى منزله الرجال والنساء، يعظهم فيذكرهم بأيام الله تعالى، قال: فرأى بعض بنيه يوماً غمز النساء، فقال: مهلاً يا بني مهلاً.
قال: فسقط من سريره، وانقطع نخاعه، وأسقطت امرأته، وقتل بنوه في الجيش، فأوحى الله إلى نبيهم: أن أخبر فلاناً أني لا أخرج من صلبك صديقاً أبداً، أما كان غضبك لي إلا أن قلت: مهلاً يابني مهلاً (١).
وقد تقدم عن الحسن رحمه الله تعالى: أن اجتماع الرجال والنساء للدعاء، بدعة من أعمال بني إسرائيل.
١٧٢ - ومن أخلاق اليهود: التحرز عن إتيان الزوجة إلا على حرف .
روى الشيخان، وأبو داود، والترمذي عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: كانت اليهود تقول: من أتى امرأته من دبرها في قبلها - وفي
стр. 4217
رواية: من ورائها - جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] (١).
وروى أبو داود، والحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنما كان هذا الحي من الأنصار - وهم أهل دين - مع هذا الحي من يهود - وهم أهل كتاب - كانوا يرون لهم فضلاً عليهم في العلم، وكانوا يقتدون بكثير من فعلهم، وكان من أمر أهل الكتاب أنهم لا يأتون النساء إلا على حرف، وذلك أستر ما يكون للمرأة، وكان هذا الحي من قريش يشرحون النساء شرحاً، ويتلذذون بهن مدبرات، ومقبلات، ومستقبلات، فلما قدم المهاجرون المدينة تزوج رجل منهم امرأة من الأنصار، فذهب يصنع بها ذلك، فأنكرت عليه، وقالت: إنما كنا نؤتى على حرف، فَسَرَى أمرُها، فبلغ ذلك رسولَ الله ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣]؛ أي: مقبلات، ومدبرات، ومستقبلات؛ يعني بذلك: موضع الولد (٢).
١٧٣ - ومنها: ترك العقيقة عن الجارية .
روى البيهقي في "السنن" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه قال: "إِنَّ اليَهُودَ تَعُقُّ عَنِ الغُلامِ وَلا تَعُقُّ عَنِ الْجَارِيَةِ؛
стр. 4218
فَعُقُّوا عَنِ الغُلامِ بِشَاتَيْنِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ بِشَاةٍ" (١).
ولا شك أن عدم الاهتمام في ذلك بالجارية مع الاهتمام بالغلام خلق جاهلي تابع للسرور بالغلام والاكتئاب للجارية، وهو خلق مكروه.
وليس منه تضعيف عقيقة الغلام، بل هذا تابع لما ميَّزه الله تعالى به لمعنى الذكورة كما أضعف نصيبَه في الميراث، وتكميل العقل من حيث إن شهادته بشهادة امرأتين.
١٧٤ - ومنها: عدم اعتبار الطلاق الثلاث شيئاً .
فإنَّ اليهود كما تقدَّم عن الشعبي: لا يرون الطلاق الثلاث شيئاً؛ قال: وكذلك الرافضة.
وقال ابن تيمية: إذا لم يتلفَّظ بالطلاق ثلاث مرات لم تقع الثلاث، وإذا قال: هي طالق ثلاثاً لم تطلق إلا واحدة (٢).
وهذا القول خلاف ما أجمع عليه العلماء من المذاهب الأربعة.
وقد رده عليه الشيخ تقي الدين السبكي، والشيخ كمال الدين الزملكاني في مؤلفين وقفت عليهما، وغيرهما.
وهي إحدى المسائل التي خالف ابن تيمية فيها الناس، وانفرد
стр. 4219
بها (١)، وامتحن من أجلها، وحُبس مرات بالإسكندرية ودمشق، ومات
стр. 4220
في حبس قلعتها، واختلف الناس في أمره، وأقربهم إلى الإنصاف من قال: هو من مشاهير العلماء، ولكن كان علمه أوسع من عقله.
والحاصل أن تقليده في هذه المسألة وسائر المسائل التي انفرد بها غير جائز، وأضرُّ مسائلِه على الناس هذه المسألة؛ لأنه أدخل بها الزِّنا الصرف على خلائق كثيرة منذ زمانه إلى الآن (١).
стр. 4221
وفي كل زمان يقيض الله للناس شيطاناً في صورة عالم يفتيهم بمذهب ابن تيمية في الطلاق منذ زمان إلى الآن، لكن مستخفياً لا يستطيع التجاهر به (١).
نعم، يفشو حديثه في مجالس العلماء ولا ينكرونه إلا قليلاً.
وقد كان في هذا العصر واحد منهم كان يفتي العوام الغوغاء بذلك يأخذ في مقابلة ذلك أموالاً كثيرة، ومن لم يدفع إليه مالًا قال له: لا تعود إليك، فإن دفعه إليه أفتاه برد زوجته.
وبلغني أن بعض الغوغاء جاء إليه في ذلك فقال له: إنه طلق زوجته ثلاثًا، فقال: هات ثلاث قروش وأردها إليك.
قال: لا إلا قرشًا واحدًا.
قال: اذهب عنا، فما بقي ردها إليك جائزًا.
فقال له العامي: قد استخرت الله في ترك مراجعتها، وأوفر علي
стр. 4222
مالي وديني، فلو كان ردها إليَّ جائزاً لم ينحصر هذا الحكم فيك حتى تطلب عليه المال.
ثم إن الله تعالى أهلكه قريبًا في أواخر سنة سبع وألف، وأراح الله منه العباد والبلاد، وبعد أن نكب في دينه، وفي ماله، وفي عرضه وجاهه، وفي بدنه؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله.
وقد روى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ أنه ذكر في حديث طويل: "مِنْ عَلامَاتِ السَّاعَةِ أَنْ تَكْثُرَ أَوْلادُ الزنَا".
فقيل لابن مسعود: وهم مسلمون؟
قال: نعم، يأتي على الناس زمان يطلق الرجل امرأته طلاقها، فيقيم على فراشها، فهما زانيان ما أقاما (١).
واعلم أن عامة الناس الآن في الطلاق على أقسام:
فمنهم: من يكثر الحلف بالطلاق، ثم لا يبالي حلف صادقاً أو كاذبًا، ولا يهتم بالوقوع وعدمه، ولا يسأل عن ذلك العلماء.
وقد لطف بعض المجان إذ تعجب متعجب بحضوره من كثرة ما يحلف رجل بالطلاق ولا يبالي، بل لا يكاد يتكلم في أمر بشيء إلا أكد كلامه بالطلاق، وهو غير مهتم بذلك، ولا وجل من
стр. 4223
معاشرة الزوجة، فقال له الماجن: إنما قال الله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وهذا يحلف في اليوم سبعين مرة، فهو قد جاوز القنطرة من سنين.
ومنهم: من إذا وقع عليه الطلاق ثلاثًا في ملأ من الناس يذهب يسأل العلماء حتى ينتهي إلى فاسق يفتيه بمذهب ابن تيمية، ثم يقول للناس: راجعها لي فلان، ولم يكن ذلك منه حرصاً على دينه، ولكن خشية أن يستعدي عليه عدو له عند الحكام فيغرَّم، ولو كان له مُسكة من دينه لعمل بما يفتيه به سائر علماء البلدة.
ومنهم: من يحلف بالطلاق، أو يعلقه على شيء، أو على أشياء، فيخلع زوجته على عوض عند الحنبلي لأنه لا يعد الخلع طلاقاً، ثم يراجعها عند الشافعي لئلا تعود الصفة المحلوف عليها، فربما خلع زوجته ألفًا، ثم يعود إليها.
ومسألته هذه مركبة من مذهبين لا خلاص له في كل منهما؛ فإن الشافعي يقول بعدم عود الصفة المحلوف عليها بسبب الخلع، لكنه يعد الخلع بطلقة، فإذا خلعها ثلاث مرات لم تعد إليه إلا بعد زوج آخر، والحنبلي يقول بعود الصفة، ولا يمنعه الخلع.
ثم إن تقليده في الخلع حيلة لئلا يحسب عليه بطلقة، والحيلة عنده باطلة، بل متى خلع حيلة وقع عليه الخلع طلاقاً كما أفادنا ذلك غير واحد من ثقات علماء الحنابلة، وعادت الصفة، فيلزم أن يعود
стр. 4224
أمره إذا راجع إلى الزنا بمجرد فعل المحلوف عليه عند الحنبلي، وبتمام عدة الإخلاع ثلاثًا عند الشافعي، وهذه البلية يقع فيها كثير من الناس.
ومنهم: من يقول: طلقت زوجتي في حال الغضب الشديد، فيرتب له بعض الفسقة سؤالًا أنه وصل من شدة غضبه إلى حد الغيبة والجنون، فيفتي بأن الطلاق لا يقع، والحالل طلاق الغضبان واقع، وإنك لو سألته عن مجلس غضبه لقصه لك مرتبا مفصلاً مستحضرًا لما وقع فيه من قال وقيل، فكيف يلحق من هذا حاله بمن زال عقله بالكلية.
ويتعين على من أقامه الله تعالى في منصب الإفتاء أن يتحرى في مسائل الطلاق والفروج لشدة خطرها، فقد كان ابن سيرين رحمه الله تعالى لا يفتي في الفرج بشيء فيه اختلاف (١).
وقال جعفر بن إياس: قلت لسعيد بن جبير: ما لك لا تقول في الطلاق شيئًا؟
قال: ما من شيء إلا قد سئلت عنه، ولكني أكره أن أحل حرامًا أو أحرم حلالًا (٢). رواهما الدارمي.
стр. 4225
١٧٥ - ومن أخلاق أهل الكتاب: عقوق الوالدين، وقطع الأرحام، وإهانة اليتامى، وأكل أموالهم، وانتهار المسكين .
قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾ [البقرة: ٨٣].
أي: عن ذلك كله؛ أي: تركتم ذلك كله. كما رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس (١).
وخالفتم ما أُمِرتم به، خاطبهم بعد الإخبار عنهم على وجه الالتفات ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ [البقرة: ٨٣] عن الاهتمام بأمرنا، والوفاء بميثاقنا، وعن التوبة والرجوع إلينا.
وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن وهب بن منبه قال: إن في الألول التي كتب الله لموسى ﵇: يا موسى! وقِّر والديك؛ فإنه من وقر والديه مددت له في عمره، ووهبت له ولدًا يبرُّه، ومن عق والديه [قصرت له من عمره و] وهبت له ولدًا يعقه (٢).
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن عكرمة رحمه الله تعالى قال: إن الله قال: يا سماء أنصتي، ويا أرض استمعي؛ فإن الله يريد أن يذكر
стр. 4226
شأن ناس من بني إسرائيل، إني عهدت إلى عباد من عبادي ربيتهم في نعمتي، واصطفيتهم لنفسي، ردوا عليَّ كرامتي، ورغبوا عن طاعتي، وأخلفوا وعدي، تعرف البقر أوطانها، والحمر أرويتها فتفزع، فويل لهؤلاء القوم الذين عظُمت خطاياهم، وقست قلوبهم، فتركوا الأمر الذي لو كانوا عليه، نالوا كرامتي، وسُمُّوا أحبائي، فتركوا قولي، ونبذوا أحكامي، وعملوا بمعصيتي وهم يتلون كتابي، ويتفقهون في ديني لغير مرضاتي، فيقربون لي القربان، وقد أبعدتهم من نفسي، ويذبحون لي الذبائح التي قد غصبوا عليها خلقي، يُصَلُّون فلا تصعد إليَّ صلاتهم، ويدعوني فلا يعرُج إليَّ دعاؤهم، يخرجون إلى المساجد وفي ثيابهم الغلول، ويسألوني رحمتي وهم يقتلون من سأل بي، فلو أنهم أنصفوا المظلوم، وعدَّلوا الأيام، ورحموا الأيتام، وتطهروا من الخطايا، وتركوا المعاصي، ثم سألوني لأعطيتهم ما سألوا، وجعلت جنتي لهم منزلاً، وما كان بيني وبينهم رسول، ولكن اجترؤوا عليَّ، وظلموا عبادي، فأكلَ وليُّ اليتيمِ مالَه، وأكل ولي الأمانة أمانته، وجحدوا الحق، ليشترك الأمير ومن تحته، ويرشي الرسول، ويشرك من أرسله، ويرشي الأمير، فيقتدي به من تحته، ويل لهؤلاء القوم، لو قد جاء وعدي، ثم كانوا في الحجارة، لشققت عنهم بكلمتي، ولو قبروا في التراب، لنفضت عنهم بطاعتي، ويل للمدن وعمرانها, لأسلطن عليهم السباع، أعيد فيها بعد تحية الأعراس صراخ الهام، وبعد صهيل الخيل عواء الذئاب، وبعد شرف القصور وغول السباع، وبعد ضوء السراج وهج العجاج،
стр. 4227
ولأبدلن رجالهم بتلاوة القرآن انتهار الأرانب، وبعمارة المساجد كناسة المرابط، وبتاج الملك خفاق الطير، وبالعز الذل، وبالنعمة الجوع، وبالملك العبودية.
فقال نبي من أنبيائه الله أعلم من هو: يا رب! من رحمتك أتكلم بين يديك، وهل ينفعني ذلك شيئًا، وأنا أذل من التراب؟ إنك لمخرب هذه القلوب، ومهلك هذه الأمة، وهم ولد خليلك إبراهيم، وأمة صفيك موسى، وقوم نبيك داود، فأي الأمة تجترأ عليك بعد هذه الأمة، وأي قرية تعصيك بعد هذه القرية؟
قال الله : إني لم أستكثرهم، ولم أستوحش بهلاكهم، وإنما أكرمت إبراهيم، وموسى، وداود بطاعتي، ولو عصوني لأنزلتهم منزلة العاصين (١).
* فائِدَة جَلِيْلَةٌ:
روى الحاكم في "المستدرك"، والبيهقي، والأصبهاني عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ في حديث طويل: "إِنَّ الله تَعالَى أَوْحَى إلَى يَعْقُوبَ ﵇: يَا يَعْقُوبُ! ألمْ تَدْرِ لِمَ أَذْهَبْتُ بَصَرَكَ، وَحَنَيْتُ ظَهْرَكَ، وَلِمَ فَعَلَ إِخْوَةُ يُوْسُفَ بِيُوسُفَ مَا فَعَلُوا؟
قالَ: لا.
قالَ: إِنَّهُ أَتَاكَ يتيْمٌ مِسْكِيْنٌ وَهُوَ صَاِئمٌ جَائِعٌ، وَذَبَحْتَ أَنْتَ وَأَهْلُكَ
стр. 4228
شَاةً فَأكلْتُمُوهَا، وَلَمْ تُطْعِمُوهُ، إِنِّي لَمْ أُحِبَّ مِنْ خَلْقِي شَيْئاً حُبِّي اليَتَامَى وَالْمَسَاكِيْنَ، فَاصْنَعْ طَعَامًا وَادْعُ الْمَسَاكِيْنَ".
قال أنس: قال رسول الله ﷺ : "وَكَانَ يَعْقُوبُ ﵇ كُلَّمَا أَمْسَى نَادَ مُنَادِيْهِ: مَنْ كَانَ صَائِمًا فَلْيَحْضُرْ طَعَامَ يَعْقُوبَ" (١).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن عبد الرحمن بن أبزى قال: قال داود لسليمان ﵉: كن لليتيم كالأب الرحيم، واعلم أنك كما تزرع كذلك تحصد (٢).
قلت: هذا معناه في كتاب الله تعالى حيث يقول: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ [النساء: ٩].
قال بعض العلماء: هذا الخطاب لولاة اليتامى يقول: من كان في حجره يتيم فليحسن إليه، وليأت بما يحب أن يفعل بذريته من بعده.
وروى الطبراني في "الأوسط"، والأصبهاني -وحسنه بعض مشايخه- عن أبي موسى رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : "مَا قَعَدَ
стр. 4229
يَتِيْم مَعَ قَوْمٍ عَلَى قَصْعَتِهِمْ فَيَقْرُبَ قَصْعَتَهُمْ شَيْطَانٌ" (١).
وروى الإِمام أحمد بإسناد صحيح، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رجلًا شكى إلى النبي ﷺ قسوة قلبه، فقال: "امْسَحْ عَلَى رَأْسِ اليتيْمِ، وَأَطْعِمِ الْمِسْكِيْنَ" (٢).
١٧٦ - ومن أعمال اليهود والنصارى، وأخلاقهم: عداوة أولياء الله تعالى، وإيذاؤهم، والتقصير في حقوقهم .
وهذا مما لم ينكر، بل هم يفعلون ذلك مع الأنبياء ﵈، فما ظنك به مع الأولياء؟
روى الإِمام أحمد عن وهب بن منبه قال: وجدت في كتاب داود ﵇: أن الله تعالى يقول: بعزتي وبجلالي إنه من أهان لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة، وما ترددت في شيء أريده ترددي عن موت المؤمن؛ قد علمت أنه يكره الموت ولا بد له منه، وأنا كره أن أسوءه (٣).
١٧٧ - ومنها: التعيير بالفقر، والبلاء خصوصاً لأهل الدين .
وهو من أبلغ الأذى المحرم.
نعم، يجوز التعيير بالمعصية التي لم يتب منه على وجه الزجر
стр. 4230
والإنكار ليرجع عنها دون ما تاب منه؛ لقوله ﷺ : "مَنْ عَيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَعْمَلَه" كما أخرجه الترمذي، وابن أبي الدنيا في "ذم الغيبة" عن معاذ.
وكان بعضهم يرويه: "بِذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ" (١).
وروى الدينوري عن الحسن رحمه الله تعالى قال: عيَّرت اليهود عيسى بن مريم ﵉ بالفقر، فقال: مِنَ الغِنى أتيتم (٢).
وروى الإِمام أحمد، والطبراني -بإسناد جيد- عن أبي جري الهجيمي -واسمه جابر بن سليم، [وقيل: سليم] بن جابر- أنه قال للنبي ﷺ : أوصني.
فقال: "عَلَيْكَ بِتَقْوَى اللهِ، وإنْ امْرُؤٌ عَيَّرَكَ بِشَيْءٍ يَعْلَمُهُ فِيْكَ فَلا تُعَيِّرْهُ بِشَيْءٍ تَعْلَمُهُ فِيْهِ؛ يَكُنْ وَبَالُهُ عَلَيْهِ وَأَجْرُهُ لَكَ" (٣).
١٧٨ - ومنها: العداوة والبغضاء لغير مرضاة الله تعالى .
قال الله تعالى بعد أن ذكر اليهود، ولعنهم بسبب نقض الميثاق: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا
стр. 4231
ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة: ١٤].
وفي مرجع الضمير في قوله: "بينهم" وجهان:
الأول: أنه يعود على النصارى فقط.
والثاني: أنه يعود إليهم وإلى اليهود.
وعليه: فله معنيان:
الأول: أن العداوة والبغضاء بين الطائفتين.
والثاني: أنه في كل من الطائفتين بين بعض منهم وبعض.
وروى الإِمام أحمد، والترمذي وصححه، عن الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "دَبَّ إِلَيْكُمْ دَاءُ الأُمَمِ قَبْلَكُمُ: الْحَسَدُ وَالبَغْضَاءُ، هِيَ الْحَالِقَةُ، حَالِقَةُ الدِّينِ لا حالِقَةُ الشَّعْرِ، وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدهِ لا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حتَّى تُؤْمِنُوا، وَلا تُؤْمِنُوا حتَّى تَحَابُّوا، أَفَلا أُنبَّئُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلامَ بَيْنَكُمْ" (١).
فأما العداوة والبغضاء لأهل المعاصي طلباً لمرضاة الله تعالى فإنها من سيما الصالحين والأولياء كما تقدم، لحديث معاذ بن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: "مَنْ أَحَبَّ للهِ وَأبْغَضَ للهِ، وَأَعْطَى للهِ وَمَنَعَ للهِ، وَأَنْكَحَ للهِ فَقَدِ اسْتَكْمَلَ إِيْمَانه". أخرجه الإِمام أحمد (٢).
стр. 4232
وروى الخطيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَعْرَضَ عَنْ صَاحِبِ بِدْعَه بُغْضًا لَهُ مَلأَ اللهُ قَلْبَهُ إِيْمَاناً، وَمَنِ انتهَرَ صَاحِبَ بِدْعَةٍ آمَنَهُ اللهُ يَوْمَ الفَزَعِ الأكبَرِ، وَمَنْ أَهَانَ صَاحِبَ بِدْعَه رَفَعَهُ اللهُ في الْجَنَّةِ مِئَةَ درَجَةٍ، وَمَنْ سَلَّمَ عَلَى صَاحِبِ بِدْعَةٍ أَوْ لَقِيَهُ بِالْبِشْرِ وَاسْتَقْبَلَهُ بِمَا يَسُرُّهُ فَقَدِ اسْتَخَفَّ بِمَا أَنْزَلَ اللهُ عَلَى مُحَمَّد ﷺ " (١).
نعم، لو سلم عليه وكرمه اتقاءً لشره فلا بأس دفعا للشر، لا تربية للمحبة التي لأجلها شرع السلام في هذه الأمة.
ولقد وقعت الإشارة في حديث الزبير المتقدم إلى أن الأمم الماضية إنما وقعت العداوة والبغضاء بينهم بسبب أنهم كانوا لا يُسَلِّم بعضهم على بعض؛ فإن السلام لم يكن من سننهم، وإنما هو مخصوص بهذه الأمة شرع فيهم لتربية المودة والمحبة.
١٧٩ - فمن أخلاق اليهود والنصارى: ترك السلام
لما علمت أن السلام من خصوصيات هذه الأمة.
روى الإِمام أحمد، وابن ماجه عن عائشة ﵂، عن النبي ﷺ قال: "مَا حَسَدَتْكُمُ اليَهُودُ عَلَى شَيْءٍ مَا حَسَدَتْكُمْ عَلَى السَّلامِ وَالتَّأمِيْنِ" (٢).
стр. 4233
وروى الحكيم الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الله تَعَالَى أَعْطَى أُمَّتِي ثَلاثَ خِصَالٍ لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ قَبْلَهُمْ: صَلاةَ الصُّفُوفِ، وَالتَّحِيَّةَ تَحِيَّةَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَآمِيْنَ، إِلاَّ أَنَّهُ أَعْطَى مُوْسَى أَنْ يَدْعُوَ وُيؤَمِّنَ هَارُوْنَ".
ورواه الحارث بن أبي أسامة في "مسنده"، وابن عدي، والبيهقي في "الشعب" نحوه (١).
١٨٠ - ومنها: الإشارة عوضًا عن السلام .
روى أبو يعلى -ورواته رواة الصحيح- والطبراني -واللفظ له- عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَسْلِيْمُ الرَّجُلِ بِأصْبَعٍ وَاحِدَةٍ يُشِيْرُ بِهَا فِعْلُ اليَهُود" (٢).
وروى الترمذي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بِغَيْرِنَا، لا تَشَبَّهُوْا
стр. 4234
بِاليَهُوْدِ وَلا بِالنَّصَارَى؛ فَإِنَّ تَسْلِيْمَ اليَهُودِ الإِشَارَةُ بِالأَصَابعِ، وَتَسْلِيْمَ النَّصَارَى الإِشَارَةُ بِالأكُفِّ" (١).
وروى البيهقي في "السنن" عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تُسَلمُوْا تَسْلِيْمَ اليَهُوْدِ وَالنَّصَارَى؛ فَإِنَّ تِسْلِيْمَهُمْ إِشَارَة بِالكُفُوْفِ وَالْحَوَاجِبِ" (٢).
قال النووي رحمه الله تعالى: وأما الحديث الذي رويناه في "كتاب الترمذي، عن أسماء بنت يزيد ﵁: أن رسول الله ﷺ مرَّ في المسجد يومًا وعصبة من النساء قعود، فأوما بيده بالتسليم، قال الترمذي: الحديث حسن؛ فإنه محمول على أنه ﷺ جمع بين اللفظ والإشارة.
يدل على ذلك أن أبا داود روى هذا الحديث، وقال في رواية: "فَسَلَّمَ عَلَيْنَا" (٣)، انتهى (٤).
قلت: ولعلَّ إشارته ﷺ بيده أيضًا كانت مخالفة لإشارة اليهود والنصارى، فهم يشيرون بالأكف والأصابع، وهو لم يشر كإشارتهم.
стр. 4235
١٨١ - ومنها: تحريف السلام .
وروى البخاري عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمُ اليَهُودُ فَإِنَّمَا يَقُوْلُوْنَ: السَّامُّ عَلَيْكُمْ، فَقُوْلُوْا: وَعَلَيْكُمْ" (١).
والسَّامُّ هُوَ الْمَوْتُ.
وهذا يتفق لكثير ممن لا يعتني بالسلام ابتداءً ورداً، فيختصر السلام للعجلة، فيلفظ بمثل ما تلفظ به اليهود.
واعلم أنه متى سلَّم اليهودي أو النصراني عليك فليس لك أن تزيد في الرد على: وعليك، أو: وعليكم؛ للأحاديث الواردة في ذلك.
ولا يجوز ابتدائهم بالسلام لحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تَبْدَؤُوا اليَهُودَ وَالنَّصَارَى بِالسَّلامِ، فَإِذَا لَقِيْتُمْ أَحَدهمْ في طَرِيْقٍ فَاضْطَرُّوْهُ إِلَى أَضْيقِهِ". رواه مسلم، وأبو داود، والترمذي (٢).
فإن احتيج إلى تحية أحد منهم تفاكها بغير السلام كقولك: هداك الله، وكيف حالك، فإن لم يحتج إلى ذلك فلا يقل شيئًا؛ فإن ذلك تبسط له وإيناس، وإظهار صورة ود، ونحن مأمورون بالإغلاظ عليهم، ومنهيون عن ودهم.
стр. 4236
١٨٢ - ومن أفعال اليهود والنصارى: قيام بعضهم لبعض، وهو منهي عنه .
نعم، رخَّص فيه النووي أن يفعل مع العلماء والأكابر (١)، وبحث بعض المتأخرين وجوبه في هذه الأزمنة خشية ما يترتب على تركه من الحقد والعداوة.
والحاصل أنه مما اضطر العلماء للقول بإباحته واستحبابه، وهو من المحن التي دخلت على هذه الأمة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢).
وروى مسلم، وأبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال في حديث: "إِنْ كِدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّوْمِ؛ يَقُومُوْنَ عَلَى مُلُوْكِهِمْ وَهُمْ قُعُوْد، فَلا تَفْعَلُوا" (٣).
١٨٣ - ومن أفعال أهل الكتاب: الكلام السوء الشامل للغيبة والنميمة ، وكلام ذي الوجهين، والشتم، والسب، وما يوهم ذلك وغيره، والكذب، والبهتان، والقذف، والخوض في الباطل، وغير ذلك.
قال الله تعالى فيما أخذه من الميثاق علي بني إسرائيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].
стр. 4237
ثم أخبر عنهم أنهم تولوا عن ذلك إلا قليلاً منهم.
وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦]
وذلك أن اليهود كانوا يقولون للنبي ﷺ إذا أمرهم بشيء: سمعنا جهراً، وعصينا سراً.
وكانوا يقولون له: اسمع غير مسمع، وهو يحتمل وجهين:
- أن يكون ذمًا، والمعنى: غير مسمع كلاماً ترضاه، أو: غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو: مدعواً عليك بلا سمعت.
- أو يكون مدحاً؛ أي: غير مسمع ما تكره، أو ما يسوؤك.
وكانوا يقولون له: راعنا، وهو يحتمل وجهين أيضًا:
- الذم؛ فإن: راعنا كلمة كانوا يتسابون بها بالعبرانية، أو السريانية، أو المعنى: راعنا لا رعيت.
- والمدح؛ أي: راعنا نكلمْك، ونسمعْ لكلامك.
والحاصل أنهم كانوا يتكلمون بما يحتمل وجهين:
- ينوون الشتيمة والإهانة والدعاء.
- ويظهرون ما يحمل على التوقير والاحترام لو عوتبوا عليه.
قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦].
стр. 4238
وروى ابن المنذر عن السدي قال: كان رجلان من اليهود مالك بن الصيف، ورفاعة بن يزيد إذا لقيا النبي ﷺ قالا له وهما يكلمانه: راعنا بسمعك، واسمع غير مسمع، فظنَّ المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبيائهم، فقالوا للنبي ﷺ ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] (١).
وروى أبو نعيم في "الدلائل" بسند ضعيف، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: راعنا بلغة اليهود: السب القبيح.
فكان اليهود يقولون ذلك للنبي ﷺ سرًا كما سمعوا أصحابه يقولون: أعلنوا بها، وكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ , فسمعها منهم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، فقال لليهود: يا أعداء الله! لأن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه (٢).
وروى عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، قال: قولًا كانت اليهود تقوله استهزاءً، فكره اللهُ للمؤمنين أن يقولوا كقولهم (٣).
стр. 4239
* تنبِيْهٌ:
اعتاد كثير من مغروري هذا العصر ممن ينسب إلى الذكاء، والفطنة والكياسة، وليس كذلك لأنه لو كان كيسا فطناً لتحرَّز عمَّا لا يرضي الله تعالى: أن يكلم بعضهم بعضا بالكلام المصحَّف، أو المحرَّف، وغيرهما مما يحتمل وجهين: المدح والذم، أو التوقير والتحقير، يستعملونه في مزاحهم المزاح عن الحق، ثم غلب عليهم حتى ربما تكلَّموا به في جِدِّهم، فإذا تكلم أحد منهم بشيء من ذلك تضاحكوا واستحسنوا ذلك، وسموه تنكيتاً، وإنما هو تنَكب عن الحق، وهو حرام لأنه استهزاء بمسلم، واتهام له، وربما اشتمل على كذب أو فحش، وقد علمت أنه من أفعال اليهود.
وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: مرَّ عيسى ﵇ والحواريون على جيفة كلب، فقال الحواريون: ما أَنتنَ ريح هذا!
فقال عيسى: ما أشد بياضَ أسنانه! يعظهم وينهاهم عن الغيبة (١).
وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لمَّا سمع عبد الله ابن سلام ﵁ بقدوم رسول الله ﷺ فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟
стр. 4240
قالَ: "أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيْلُ ﵇ آنِفًا؛ أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ.
وَأمَّا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوْتٍ.
وإذَا سَبقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأةِ نزَع الوَلَدُ إلَى أَبِيْهِ، وَإِذَا سَبقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نزَعَتْ".
قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
يا رسول الله! إن اليهود قوم بُهتٌ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتوني، فجاءت اليهود إليه: قال: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟
قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا.
قال: أرأيتم إن أسلم؟
قالوا: أعاذه الله من ذلك.
فخرج عبد الله وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله.
قالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه.
قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله (١).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: مكتوب في الزبور: بطلت الأمانة والرجل مع صاحبه بشفتين