← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4236–4275 · переход к 4241.

стр. 4236

١٨٢ - ومن أفعال اليهود والنصارى: قيام بعضهم لبعض، وهو منهي عنه . نعم، رخَّص فيه النووي أن يفعل مع العلماء والأكابر (١)، وبحث بعض المتأخرين وجوبه في هذه الأزمنة خشية ما يترتب على تركه من الحقد والعداوة. والحاصل أنه مما اضطر العلماء للقول بإباحته واستحبابه، وهو من المحن التي دخلت على هذه الأمة؛ ولا حول ولا قوة إلا بالله (٢). وروى مسلم، وأبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال في حديث: "إِنْ كِدْتُمْ أَنْ تَفْعَلُوا فِعْلَ فَارِسَ وَالرُّوْمِ؛ يَقُومُوْنَ عَلَى مُلُوْكِهِمْ وَهُمْ قُعُوْد، فَلا تَفْعَلُوا" (٣). ١٨٣ - ومن أفعال أهل الكتاب: الكلام السوء الشامل للغيبة والنميمة ، وكلام ذي الوجهين، والشتم، والسب، وما يوهم ذلك وغيره، والكذب، والبهتان، والقذف، والخوض في الباطل، وغير ذلك. قال الله تعالى فيما أخذه من الميثاق علي بني إسرائيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣].

стр. 4237

ثم أخبر عنهم أنهم تولوا عن ذلك إلا قليلاً منهم. وقال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ﴾ [النساء: ٤٦] وذلك أن اليهود كانوا يقولون للنبي ﷺ إذا أمرهم بشيء: سمعنا جهراً، وعصينا سراً. وكانوا يقولون له: اسمع غير مسمع، وهو يحتمل وجهين: - أن يكون ذمًا، والمعنى: غير مسمع كلاماً ترضاه، أو: غير مجاب إلى ما تدعو إليه، أو: مدعواً عليك بلا سمعت. - أو يكون مدحاً؛ أي: غير مسمع ما تكره، أو ما يسوؤك. وكانوا يقولون له: راعنا، وهو يحتمل وجهين أيضًا: - الذم؛ فإن: راعنا كلمة كانوا يتسابون بها بالعبرانية، أو السريانية، أو المعنى: راعنا لا رعيت. - والمدح؛ أي: راعنا نكلمْك، ونسمعْ لكلامك. والحاصل أنهم كانوا يتكلمون بما يحتمل وجهين: - ينوون الشتيمة والإهانة والدعاء. - ويظهرون ما يحمل على التوقير والاحترام لو عوتبوا عليه. قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانْظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٤٦].

стр. 4238

وروى ابن المنذر عن السدي قال: كان رجلان من اليهود مالك بن الصيف، ورفاعة بن يزيد إذا لقيا النبي ﷺ قالا له وهما يكلمانه: راعنا بسمعك، واسمع غير مسمع، فظنَّ المسلمون أن هذا شيء كان أهل الكتاب يعظمون به أنبيائهم، فقالوا للنبي ﷺ ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤] (١). وروى أبو نعيم في "الدلائل" بسند ضعيف، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: راعنا بلغة اليهود: السب القبيح. فكان اليهود يقولون ذلك للنبي ﷺ سرًا كما سمعوا أصحابه يقولون: أعلنوا بها، وكانوا يقولون ذلك ويضحكون فيما بينهم، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ , فسمعها منهم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، فقال لليهود: يا أعداء الله! لأن سمعتها من رجل منكم لأضربن عنقه (٢). وروى عبد بن حميد، وابن جرير، وأبو نعيم عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾، قال: قولًا كانت اليهود تقوله استهزاءً، فكره اللهُ للمؤمنين أن يقولوا كقولهم (٣).

стр. 4239

* تنبِيْهٌ: اعتاد كثير من مغروري هذا العصر ممن ينسب إلى الذكاء، والفطنة والكياسة، وليس كذلك لأنه لو كان كيسا فطناً لتحرَّز عمَّا لا يرضي الله تعالى: أن يكلم بعضهم بعضا بالكلام المصحَّف، أو المحرَّف، وغيرهما مما يحتمل وجهين: المدح والذم، أو التوقير والتحقير، يستعملونه في مزاحهم المزاح عن الحق، ثم غلب عليهم حتى ربما تكلَّموا به في جِدِّهم، فإذا تكلم أحد منهم بشيء من ذلك تضاحكوا واستحسنوا ذلك، وسموه تنكيتاً، وإنما هو تنَكب عن الحق، وهو حرام لأنه استهزاء بمسلم، واتهام له، وربما اشتمل على كذب أو فحش، وقد علمت أنه من أفعال اليهود. وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد في "زوائد الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: مرَّ عيسى ﵇ والحواريون على جيفة كلب، فقال الحواريون: ما أَنتنَ ريح هذا! فقال عيسى: ما أشد بياضَ أسنانه! يعظهم وينهاهم عن الغيبة (١). وروى البخاري عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لمَّا سمع عبد الله ابن سلام ﵁ بقدوم رسول الله ﷺ فأتاه فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد إلى أبيه وإلى أمه؟

стр. 4240

قالَ: "أَخْبَرَنِي بِهِنَّ جِبْرِيْلُ ﵇ آنِفًا؛ أَمَّا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَخْرُجُ عَلَى النَّاسِ مِنَ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ. وَأمَّا أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَزِيَادَةُ كَبِدِ حُوْتٍ. وإذَا سَبقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ الْمَرْأةِ نزَع الوَلَدُ إلَى أَبِيْهِ، وَإِذَا سَبقَ مَاءُ الْمَرْأَةِ نزَعَتْ". قال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله. يا رسول الله! إن اليهود قوم بُهتٌ، وإنهم إن يعلموا بإسلامي قبل أن تسألهم بَهَتوني، فجاءت اليهود إليه: قال: أي رجل عبد الله بن سلام فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا. قال: أرأيتم إن أسلم؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك. فخرج عبد الله وهو يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله. قالوا: شرنا وابن شرنا، وانتقصوه. قال: هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله (١). وروى الإِمام أحمد في "الزهد" عن مالك بن دينار رحمه الله تعالى قال: مكتوب في الزبور: بطلت الأمانة والرجل مع صاحبه بشفتين

стр. 4241

مختلفتين، يهلك الله كل ذي شفتين مختلفتين (١). وذكر أبو الليث السمرقندي، وأبو حامد الغزالي عن كعب قال: أصاب بني إسرائيل قحط، فاستسقى موسى ﵇ مرَّات فما أجيب، فأوحى الله تعالى إليه: لا أستجيب لك ولمن معك وفيكم نمَّام، وقد أصرَّ على النميمة. فقال موسى ﵇: من هو يا رب حتى نخرجه من بيننا؟ فقال: يا موسى! أنهاكم عن النميمة وأكون نمَّاماً؟ فتابوا كلهم عن النميمة، فسقوا. وروى الأصبهاني في "الترغيب" عن عمرو بن ميمون رحمه الله تعالى قال: لمَّا تعجَّل موسى ﵇ إلى ربه رأى في ظل العرش رجلًا، فغبطه لمكانه، وقال: إنَّ هذا لكريم على ربه، فسأل ربه أن يخبره باسمه، فلم يخبره، وقال: أحدثك عن أمره بثلاث: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله، ولا يَعُقُّ والديه، ولا يمشي بالنميمة (٢). ١٨٤ - ومن أخلاق أهل الكتاب: سوء الظن بمن ظاهره الخير والصلاح . وعلى هذا، ونحوه يحمل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا

стр. 4242

كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]. روى ابن إسحاق، وابن جرير، والبيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن أبا رافع القرظي قال للنبي ﷺ حين اجتمعت عنده الأحبار من اليهود والنصارى من أهل نجران، ودعاهم إلى الإِسلام: أتريد يا محمَّد أن نعبدك كما تعبد النصارى عيسى؟ قال: "مَعَاذَ اللهِ أَنْ أَعْبُدَ غَيْرَ اللهِ، أَوْ آمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْره". فأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي﴾ [آل عمران: ٧٩] الآية (١). ١٨٥ - ومن أعمال اليهود: الفتنة، وإيقاع العداوة والبغضاء بين المتآلفين . روى ابن إسحاق، وأبو الشيخ عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى قال: مرَّ شاس بن قيس -وكان من اليهود- على نفر من الأوس والخزرج يتحدَّثون، فغاظه ما رأى من تآلفهم بعد العداوة، فأمر شابًا معه من اليهود أن يجلس بينهم، فيذكر يومَ بُعاث، وكان يومًا اقتتلت فيه الأوس والخزرج في الجاهلية، ففعل، فتنازعوا وتفاخروا حتى وثب رجلان أوس بن قيظي من الأوس، وحيَّان بن صخر (٢) من الخزرج،

стр. 4243

فتقاولا، وغضب الفريقان، وتواثبوا للقتال، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فجاء حتى وعظهم وأصلح بينهم، فسمعوا وأطاعوا، فأنزل الله تعالى في أوس وحيَّان، ومن كان معهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠٠، ١٠١] الآيات. وفي شاس بن قيس: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٩٩] الآية (١). وروى أبو نعيم عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما قال: إنه في الناموس الذي أنزل الله تعالى على موسى بن عمران ﵇: أن الله ﷺ يُبْغِض من خُلْقُه ثلاثة: الذي يفرق بين المتحابين، والذي يمشي بالنمائم، والذي يلتمس البريء ليعنته (٢). ١٨٦ - ومن أعمال اليهود والنصارى قبَّحهم الله تعالى: قتل النفس التي حرم الله تعالى بغير الحق . خصوصاً النفوس الزكيَّة، وقتل الإنسان لنفسه.

стр. 4244

وقد نصَّ القرآن العظيم على قتل اليهود الأنبياء ﵈ في مواضع، ولم يكن في الأمم أسفك لدماء الصالحين منهم، وكذلك وقع القتل من النصارى كثيرًا، وقد تقدمت قصة بَرْصيصا الراهب، وكان يعد من خيارهم، فما ظنك بشرارهم؟ بل ما خلت الأمم من القتل منذ قتل قابيل أخاه هابيل. وأمَّا قتل الإنسان لنفسه فروى البخاري، ومسلم واللفظ له، عن جندب رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ رَجُلاً كَانَ مِمَّنْ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِوَجْهِهِ قُرْحَةٌ، فَلَمَّا آذَتْهُ انتُزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانتِهِ فَنَكَأَ بِهَا، أَوْ نَخَسَهَا، فَلَمْ يَرْقَأْ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ، قَالَ رَبُّكُم: قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ". وفي لفظ: "إنَّهُ بَادَرَنِي عَبْدِي بِنَفْسِهِ، فَحَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ" (١). وذكر المفسرون، وغيرهم: أن النصارى كانوا على دين عيسى بعد ما رُفع سنين، فوقع بينهم وبين اليهود حرب، وكان في اليهود رجل شجاع يُقال له: بولس قتل جماعة من النصارى، ثم قال لليهود: إن كان الحق مع هؤلاء فقد هلكنا, ولكنِّي أحتال فأضلهم، فعرقب فرسه، وأظهر الندامة، ووضع على رأسه التراب، فقال له النصارى: من أنت؟ قال: بولس عدوكم، نوديت من السماء: ليس لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت، فأدخلوه الكنيسة، وكان لا يخرج منها ليلاً ولا نهاراً

стр. 4245

حتى تعلَّم الإنجيل، ثم خرج وقال: نوديت: إن الله قد قبل توبتك، فصدَّقوه وأحبوه. ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم نسطور، وعلَّمه أن عيسى وأمه والإله كانوا ثلاثة، ثم توجه إلى الروم واستخلف عليهم يعقوب، وعلمه الناسوت واللاهوت، وقال: لم يكن عيسى بإنس ولا بجسم، ثم دعا رجلًا آخر يقال له: مالكًا، فقال له: إن من لم يزل ولا يزال عيسى، فلما استمكن منهم دعا هؤلاء الثلاثة واحدًا واحداً، وقال لكل منهم: أنت خالصتي، وغداً أذبح نفسي لمرضاة عيسى، فدُمْ على ما أنت عليه، وادْعُ الناس إلى نحلتك، ثم ذبح نفسه، فدعا الناس كل واحد من هؤلاء إلى نحلته، فمن ثم انقسمت النصارى نسطورية، ويعقوبية، ومالكانية (١). ١٨٧ - ومن أخلاق اليهود: أن كل واحد منهم لم يخل بمسلم إلا حدَّثته نفسه بقتله . ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ [آل عمران: ٧٥]. وبلغني أن الروافض كذلك مع أهل السنة، بل روى اللالكائي ذلك عن الشعبي. قال الله تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ﴾ [المائدة: ٨٢].

стр. 4246

وروى الخطيب عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا خَلا يَهُودِيٌّ قَط بِمُسْلِمِ إلا حَدَّثَ نَفْسَهُ بِقَتْلِهِ" (١). ١٨٨ - ومنها: الظلم في القصاص، وفي الدية . روى ابن أبي شيبة، والمفسرون، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت قريظة والنضير، وكان النضير أشرف من بني قريظة، وكان إذا قتَلَ رجل من النضير رجلًا من قريظة أدَّى مئة وسق من تمر، وإذا قتل رجل من قريظة رجلًا من النضير قتل به، فلما بعث النبي ﷺ قتل رجل من النضير رجلًا من قريظة، فقالوا: ادفعوه لنا نقتلْه، فقالوا: بيننا وبينكم النبي ﷺ ، فأتوه فنزلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: ٤٢]، والقسط: النفس بالنفس، ثم نزلت: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠] (٢). وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن جرير، والطبراني عنه: أن الآيات من المائدة التي قال الله فيها: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ﴾ إلى قوله: ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾ [المائدة: ٤٢] إنما نزلت في الدِّيَة من

стр. 4247

بني النضير وقريظة، وذلك أنَّ قتلى النضير كان لهم شرف يؤدون الدِّية كاملة، وأنَّ بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدّية، فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فجعل الدية بينهم سواء (١). ١٨٩ - ومن أخلاق اليهود: أنهم لا يعفون عن القاتل على مال . لأن القصاص في دينهم محتَّم هو أو العفو مجَّانا إلا ما بدلوه. والنصارى أنهم لا يقتصون، ولا يمكِّنون أحداً من القصاص؛ لأنَّ العفو في دينهم واجب. روى البخاري، والنسائي عن ابن عباس قال: كان في إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدّية، فقال الله تعالى لهذه الأمة: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾. والعفو أن يقبل الدِّية في العمد. ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يتبع بالمعروف ويؤدى بالإحسان. ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ مما كتب على من كان من قبلكم. ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]؛ قيل: قبول الدية (٢).

стр. 4248

وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان علي بني إسرائيل القصاص ليس عليهم في دية نفس ولا جرح، وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] الآية. وخفف الله تعالى عن أمة محمد ﷺ فتقبل منهم الدِّية في النفس وفي الجراحة، وذلك قوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (١). وروى ابن جرير أيضًا عن قتادة رحمه الله تعالى قال: كان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو, ليس بينهما أرش، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو من دية، وجعل الله تعالى لهذه الأمة القتل والعفو والدية إن شاؤوا، أحلها لهم، ولم تكن لأمة قبلهم (٢). وكلام قتادة نص في أن العفو مجاناً كان في بني إسرائيل بخلاف العفو على الدية؛ فإنه لم يكن فيهم، وإن اقتصر كلام ابن عباس أن العفو لم يكن فيهم، وما اقتضاه كلام قتادة هو الظاهر؛ لأن العفو من صاحب الحق، والكرم لائق بكل ملة. وقال الله تعالى حكايته عن التوراة: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ [المائدة: ٤٥]؛ أي: من تصدق بالقصاص بأن عفا عنه مجانا بغير دية لأن الدية لم تكن فيهم، وما تصالحوا عليه من أخذ الأوساق التمر مخالف لنص كتابهم، وهو مما بدلوه.

стр. 4249

وروى مسلم، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "مَا نَقَصَتْ صَدَقَة مِنْ مَالٍ، وَمَا زَادَ اللهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلاَّ عِزًّا، وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ للهِ إِلاَّ رَفَعَهُ الله" (١). ١٩٠ - ومن أخلاق اليهود: السحر، وتعلمه، وتعليمه، والكهانة، وإتيان الكاهن، وتصديقه . ولعل ذلك كله في النصارى أيضًا. قال الله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] الآية. نزلت في اليهود، وقد تقدم في التشبه بالشيطان: أن السحر من أفعال سفهاء بني إسرائيل وسفلهم، وأنكرته صلحاؤهم وعلماؤهم، وقصة سحر اليهودي للنبي ﷺ معروفة، وهي في الصحيح (٢). * فائِدَةٌ: روى الدينوري عن كعب الحبر رحمه الله تعالى قال: لولا كلمات أقولهن إذا أصبحت وإذا أمسيت لجعلتني اليهود كلبا نبَّاحًا، أو حمارًا نهَّاقاً من سحرهم، فأدعو بهن فأسلم من سحرهم: أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، وأعوذ بوجه الله العظيم الجليل الذي لا يحقر جاره، الذي يمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه

стр. 4250

من شر السَّامة والهامة، ومن شر ما ذرأ في الأرض، ومن شر ما يخرج منها، ومن شر ما ينزل من السماء، وما يعرج فيها، ومن شر ما ذرأ وبرأ، ومن شر كل دابة هو آخذ بناصيتها؛ إن ربي على صراط مستقيم (١). ١٩١ - ومن أعمال اليهود والنصارى: الزنا، واللواط . وهما فيهما كثير. والأول أكثر في الأولين. والثاني أكثر في الآخرين. وقد تقدم في الحديث أن سبب زنا بني إسرائيل عدم تنظيف رجالهم واستنانهم. روى ابن جرير عن السدي رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧] قال: هم اليهود والنصارى (٢). وروى ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ﴾ قال: الزنا (٣). وروينا عن مجاهد رحمه الله تعالى ﴿أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ قال:

стр. 4251

يريدون أن تكونوا مثلهم تزنون كما يزنون (١). وروى عبد الله ابن الإِمام أحمد عن سالم بن أبي الجعد رحمه الله تعالى: أن عمر رضي الله تعالى عنه استعمل النعمان بن مُقرِّن على كسكر، فكتب إليه النعمان ﵁: يا أمير المؤمنين! اعزلني عن كسكر، وابعثني في بعض جيوش المسلمين؛ فإنما مثل كسكر كمثل مومسة بني إسرائيل: تعطر وتزين في اليوم مرتين. قال: وكان عمر إذا ذُكِرَ النعمان بعد موته يقول: يا لهف نفسي على النعمان! (٢) ومعنى قوله: مرتين: مرة بعد مرة؛ يريد التكرار لا التثنية كما في قوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك: ٤]. وروى والده في "الزهد" عن ابن أبي الهذيل رحمه الله تعالى قال: أُتيَ عيسى ﵇ برجل قد زنا، فأمرهم برجمه، وقال لهم: لا يرجمه رجل عمل عمله، فألقوا الحجارة من أيديهم إلا يحيى بن زكريا (٣). وروى ابن أبي شيبة عن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: لا يكون في بني إسرائيل شيء إلا كان فيكم مثله.

стр. 4252

فقال رجل: يكون فينا مثل قوم لوط؟ قال: نعم، وما ترى بلغ ذلك لا أمَّ لك (١). وفي كتاب "ذم الهوى" لابن الجوزي: أن عيسى ﵇ مرَّ برجل ونار تأكله، فبينما عيسى ينظر إلى ذلك إذا استحالت النار غلاماً، والرجل ناراً، فجعلت النار تأكل الغلام، فسأل الله تعالى أن يطلعه على أمرهما، فعاد الغلام نارًا والنار رجلًا، فسأله عيسى ﵇، فأنطقه الله تعالى، فقال: يا روح الله! هذا الغلام كنت أهواه، وكنت أفعل به كذا، فمات ومت، فتارة يصير ناراً فيحرقني، وتارة أصير ناراً فأحرقه، وهذا عذابنا. ولعل الغلام كان قد بلغ وكان يطيعه. وقال بعض العلماء: ثلاثة اعتادوا كل ثلاثة فغلب على طباعهم ثلاثة: عرب البادية اعتادوا أكل لحوم الإبل فغلب عليهم الحقد، والترك اعتادوا أكل لحوم الخيل فغلب عليهم قسوة القلب، والنصارى اعتادوا أكل لحوم الخنازير فغلبت عليهم الأُبْنَة. وقد سبق أن الخنزير من البهائم التي تعمل عمل قوم لوط. ١٩٢ - ومن أعمال اليهود والنصارى: الوقوع على المحارم، والتجاهر بالزنا والفواحش . روى ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حيان رحمه الله تعالى في قوله

стр. 4253

تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٢٧]: إن اليهود يزعمون أن نكاح الأخت من الأب حلال (١). وروى البزار، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، ذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، بَاعاً بِبَاعٍ، حَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ دَخَلَ جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمْ، وَحَتَّى لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ جَامَعَ أُمَّهُ لَفَعَلْتُمْ" (٢). وروى الطبراني عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "أَنتمْ أَشْبَهُ الأُمَمِ بِبَنِي إِسْرَائِيْلَ، لتَرْكَبُنَّ طَرِيْقَهُمْ حَذْوَ القُذَّةِ بِالقُذَّةِ، حَتَّى لا يَكُونَ فِيْهِمْ شَيْءٌ إِلاَّ كَانَ فِيْكُمْ مِثْلُهُ، حَتَّى إِنَّ القَوْمَ لتَمُرُّ عَلَيْهِمُ الْمَرأةُ فَيَقُوْمُ إِلَيْهَا بَعْضُهُمْ فَيُجَامِعُهَا، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى أَصْحَابِهِ يَضْحَكُ إِلَيْهِمْ وَيَضْحَكُونَ إِلَيْهِ" (٣). قلت: لا يخفى أنَّ هذا واقع في هذه الأعْصار في كثير من فُسَّاق هذه الأمة، ولا حول ولا قوة إلا بالله. * فائِدَةٌ: روى الشيخان، وغيرهما عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ

стр. 4254

يقول: "انْطَلَقَ ثَلاثَةُ نفُرٍ مِمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حَتَّى أَوَاهُمُ الْمَبِيْتُ إلَى غَارٍ فَدَخَلُوهُ، فَانْحَدَرَتْ صَخْرَةٌ مِنَ الْجَبَلِ فَسَدَّتْ عَلَيْهِمُ الغَارَ، فَقَالُوا: إِنَّهُ لَنْ يُنْجِيْكُمْ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ إِلاَّ أَنْ تَدْعُوا اللهَ بِصالحِ أَعْمَالِكُمْ. قَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: اللَّهُمَّ كَانَ لِي أَبَوَانِ شَيْخَانِ كَبِيْرَانِ، وَكُنْتُ لا أَغْبِقُ قَبْلَهُمَا أَهْلًا وَلا مَالًا، فَنأَى بِي طَلَبُ شَجَرٍ يَوْما، فَلَمْ أَرُحْ عَلَيْهِمْ حَتَّى نَامَا، فَحَلَبْتُ لَهُمَا غَبُوْقَهُمَا، فَوَجَدْتُهُمَا ناَئِمَيْنِ، فَكَرِهْتُ أَنْ أَغْبِقَ قَبْلَهُمَا أَهْلًا أَوْ مَالًا، فَلَبِثْتُ وَالقَدَحُ عَلَى يَدَيَّ أَنتُظِرُ اسْتِيقَاظَهُمَا حَتَّى بَرَقَ الفَجْرُ، فَاسْتَيْقَظَا فَشَرِبَا غَبُوْقَهُمَا، اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَفَرِّجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيْهِ مِنْ هَذِهِ الصَّخْرَةِ. فَانْفَرَجَت شَيْئاً لا يَسْتَطِيْعُونَ الخروجَ مِنْهَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : قَالَ الآخَرُ: اللهُمَّ كَانَتْ لِيَ ابْنَةُ عَم كَانَتْ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، فَرَاوَدْتُهَا عَنْ نَفْسِهَا فَامْتَنَعَتْ، حَتَّى ألمَّتْ بهَا سَنةٌ مِنَ السّنِيْن، فَجَاءَتْنِي فَأَعْطَيْتُهَا عِشْرِيْنَ وَمِئَةَ دِيْنَارٍ عَلَى أَنْ تُخَلِّيَ بَيْني وَبَيْنَ نَفْسِهَا، فَفَعَلَتْ حَتَّى إِذَا قَدِرْتُ عَلَيْهَا قَالَتْ: لا أُحِلُّ لَكَ أَنْ تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلاَّ بِحَقِّهِ، فَتَحَرَّجْتُ عَنِ الوُقُوعِ عَلَيْهَا، فَانْصَرَفْتُ عَنْهَا وَهِيَ أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَتَرَكْتُ الذَّهَبَ الّذِي أَعْطَيْتُهَا؛ اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَا مَا نَحْنُ فِيْهِ. فَانْفَرَجَتِ الصَّخْرَةُ غَيْرَ أَنهمْ لا يَسْتَطِيْعُونَ الْخُرُوْجَ مِنْهَا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : وَقَالَ الثالِثُ: اللهُمَّ اسْتَأْجَرْتُ أُجَرَاءَ وَأَعْطَيْتُهُمْ

стр. 4255

أَجْرَهُمْ غَيْرَ رَجُلٍ وَاحِدٍ تَرَكَ الَّذِي لَهُ وَذَهَبَ، فَثَمَّرْتُ أَجْرَهُ حَتَّى كَثُرَتْ مِنْهُ الأَمْوَالُ، فَجَاءنِي بَعْدَ حِيْنٍ فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ! أَدِّ إلَيَّ أَجْرِي، فَقُلْتُ: كُلُّ مَا تَرَى مِنْ أَجْرِكَ مِنَ الإِبِلِ وَالبَقَرِ وَالغَنَمِ وَالرَّقِيْقِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللهِ! لا تَسْتَهْزِئْ بِي، فَقُلْتُ: لا أَسْتَهْزِئُ بِكَ، فَأَخَذَهُ كُلَّهُ، فَاسْتَاقَهُ فَلَمْ يَتْرُكْ مِنْهُ شَيْئاً، اللهُمَّ إِنْ كُنْتُ فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ عَنَّا مَا نَحْنُ فِيْهِ. فَانَفَرَجَتْ، فَخَرَجَوا يَمْشُوْنَ" (١). وروى الإِمام أحمد، والترمذي وحسنَّه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن ابن عمر أيضًا قال: سمعت رسول الله يحدث حديثاً لم أسمعه إلا مرة أو مرتين حتى عدَّ سبع مرات، ولكن سمعته أكثر من ذلك، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "كَانَ الكِفْلُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ، وَكَانَ لا يَتَوَرَّعُ مِنْ ذَنْبٍ عَمِلَهُ، فَأَتتهُ امْرَأةٌ فَأَعْطَاهَا سِتِّيْنَ دِيْنَاراً عَلَى أَنْ يَطَأَهَا، فَلَمَّا أَرَادَهَا عَلَى نَفْسِهَا ارْتَعَدَتْ وَبَكَتْ، فقالَ: وَمَا يُبْكِيْكِ؟ قَالَتْ: لأَنَّ هَذَا عَمَلٌ مَا عَمِلْتُهُ قَطُّ، وَمَا حَمَلَنِي عَلَيْهِ إِلاَّ الْحَاجَةُ. فَقَالَ: تَفْعَلِيْنِ هَذَا أَنْتِ مِنْ مَخَافِة اللهِ تَعَالَى، فَأَنَا أَحْرَى، اذْهَبِي فَلَكِ مَا أَعْطَيْتُكِ، وَاللهِ لا أَعْصِيْهِ بَعْدَهَا أَبَدًا. فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَأَصْبَحَ مَكْتُوباً عَلَى بَابِه: إِنَّ الله قَدْ غَفَرَ لِلْكِفْلِ،

стр. 4256

فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ ذَلِكَ" (١). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ : "بَيْنَمَا كلْبٌ يُطِيْفُ بِرَكِيَّةٍ كَادَ يَقْتُلُهُ العَطَشُ إِذْ رَأتهُ بَغِيَّةٌ مِنْ بَغَايَا بَنِي إِسْرَائِيْلَ، فَنَزَعَتْ مُوْقَهَا فَسَقَتْهُ، فَغُفِرَ لَهَا" (٢). وروى ابن حبان في "صحيحه" عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَعَبَّدَ عَابِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيْلَ في صَوْمَعَتِهِ سِتيْنَ عَامًا، فَأَمْطَرَتِ الأَرْضُ فَاخْضَرَّتْ، فَأَشْرَفَ الرَّاهِبُ مِنْ صَوْمَعَتِهِ، فَقَالَ: لَوْ نزَلْتُ فَذَكَرْتُ الله، فَازْدَدْتُ خَيْرًا، فَنَزَلَ وَمَعَهَ رَغِيْفٌ أَوْ رَغِيْفَانِ، فَبَيْنَمَا هُوَ في الأَرْضِ لَقِيتهُ امْرَأة فَلَمْ يَزَلْ يُكَلِّمُهَا وَتُكَلِّمُهُ حَتَّى غَشِيَهَا، ثُمَّ أُغْمِي عَلَيْهِ، فَنَزَلَ الغَدِيْرَ يَسْتَحِمُّ بِمَاءِ، فَجَاءَ سَائِلٌ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ الرَّغِيْفَيْنِ، ثُمَّ مَاتَ، فَوُزِنَتْ عِبَادَةُ سِتِّيْنَ سَنَة بِتِلْكَ الزَّنْيَةِ، فَرَجَحَتِ الزَّنْيَةُ بحَسَنَاتِهِ، ثُمَّ وُضعَ الرَّغِيْفُ أَوِ الرَّغِيْفَانِ مَعَ حَسَنَاتِهِ فَرَجَحَتْ حَسَنَاتُهُ، فَغُفِرَ لَه" (٣). وروى أبو نعيم عن بكر بن عبد الله المزني رحمه الله تعالى: أنَّ قصابًا أُولع بجارية لبعض جيرانه، فأرسلها أهلها إلى حاجة لهم في قرية، فتبعها فراودها عن نفسها، فقالت: لا تفعل؛ لأنا أشد حباً لك

стр. 4257

منِّي، ولكني أخاف الله . قال: فأنت تخافينه، وأنا لا أخاف؟ فرجع تائبًا، فأصابه العطش حتى كاد ينقطع عنقه، فإذا هو برسول لبعض أنبياء بني إسرائيل فسأله فقال: ما لك؟ قال: العطش. قال: تعال ندعو حتى تظلنا سحابة حتى ندخل القرية. قال: ما لي من عمل فأدعو. قال: فأنا أدعو وأمِّن أنت. قال: فدعا الرسول، وأمَّن هو، فأظلتهم سحابة حتى إذا انتهيا إلى القرية، فأخذ القصاب إلى مكانه، ومالت السحابة، فمالت معه، فقال له: زعمت أن ليس لك عمل وأنا الذي دعوت وأنت الذي أمَّنت، فأظلتنا سحابة، ثم تبعتك؟ لتخبرني بأمرك، فأخبره. فقال: إنَّ التائب من الله بمكان ليس أحد من الناس مكانه (١). قلت: هذه الحكاية يحتاج التأمين فيها إلى التأويل إن أمكن، وإلا يعارضه مع الحديث الذي ذكرناه سابقاً أن التأمين خاص بهذه الأمة إلا ما كان من تأمين هارون على دعاء موسى ﵉. وقد يقال: إن ذلك -وإن لم يكن مشروعاً فيهم- فقد ألهمه

стр. 4258

هذان إلهامًا، وهو خير لا منع منه. وروى ابن الجوزي في "ذم الهوى" عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: كان في بني إسرائيل رجل من العُبَّاد شديد الاجتهاد، فرأى يوما امرأة، فوقعت في نفسه بأول نظرة، فقام مسرعاً حتى لحقها، فقال: روديك يا هذه، فوقفت وعرفته، فقالت: ما حاجتك؟ قال: أذات زوج أنت؟ قالت: نعم، فما تريد؟ قال: لو كان غير هذا كان لنا نظر في ذلك. قالت: وما نظرك؟ قال: عرض بقلبي من أمرك عارض. قالت: وما يمنعك من إنفاذه؟ قال: وتتابعيني على ذلك؟ قالت: نعم. فَخَلَت به في موضع، فلما رأته مُجداً في الذي مالَ إليه قالت: رويدك يا مسكين؛ لا يسقط جاهك عنده؟ قال: فانتبه لها، وسكن عن قلبه ما كان يجد من فتنتها، فقال: لا حرمك الله ثواب فعلك. ثم تنحى ناحية فقال لنفسه: اختاري إما عمى العين، أو قطع الإحليل والقدم، وإما السياحة في مآكل الوحوش والسباع.

стр. 4259

فاختار السياحة، فلبس السياحة وخرج سائحاً في البراري والقفار حتى مات وهو يبكي على تلك النظرة (١). ١٩٣ - ومن أعمال بني إسرائيل: القذف . وقد ذكرنا من أفعال قارون قذف موسى ﵇، وإنما أعدناه هنا لزيادة الفائدة. وقد قذف اليهود مريم ﵍، وأشبههم المنافقون والروافض في قذف عائشة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها. وبرَّأَ الله تعالى مريم ﵍ على لسان ابنها عيسى ﵇، وبرَّأ عائشة رضي الله تعالى عنها على لسان محمَّد ﷺ . وكان كل من البراءتين أمراً خارقاً؛ فإن عيسى ﵇ تكلم في المهد ببراءة أمه، وهذا أمر خارق. وأنزل الله تعالى براءة عائشة رضي الله تعالى عنها في ثماني عشرة آية من سورة النور، والقرآن كله أمر خارق للعادة، معجز للفصحاء، وهو أعظم معجزة في الوجود. ثم إن الرافضي متى قذف المُبَرَّأة البتول الصديقة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما، أو أنكر صحبة أبيها، كان كافرًا باجماع المسلمين. وإنما الخلاف في إكْفَاره فيما لو اقتصر على التقديم والتأخير والسب.

стр. 4260

وقد سمَّى الله تعالى كلًّا من قول اليهود في مريم، وقول الروافض في عائشة بهتانا عظيما، فقال تعالى في الإفك: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦]. وقال تعالى في اليهود: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ١٥٥، ١٥٦]. وفي "الصحيحين"، وغيرهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "لَمْ يَتَكَلَّمْ في الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلاثة: عِيْسَى ﵇، وَكَانَ في بَنِي إِسْرَائِيْلَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ كَانَ يُصَلي فَجَاءَتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبهَا أَوْ أُصَلي، فَقَالَتْ: اللهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوْهَ الْمُومِسَاتِ -وفي رواية-: فَكَانَ يَوْمًا يُصَلي إِذِ اشْتَاقَتْ إِلَيْهِ أُمُّهُ، فَقَالَتْ: يَا جُرَيْجُ! فَقَالَ: يَا رَبِّ! الصلاةُ خَيْرٌ أَمْ آتِهَا، ثُمَّ صَلَّى وَدَعَتْهُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ صَلَّى وَدَعَتْهُ، فَقَالَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَاشْتَدَّ عَلَى أُمِّهِ فَقَالَتْ: اللهُمَّ لا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ الْمُوْمِسَاتِ -أي: الزانيات- وَكَانَ جُرَيْجٌ في صَوْمَعَتِهِ فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأة وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأَتَتْ رَاعِيًا فَأَمْكَنتهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلاما، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْج، فَأَتَوْهُ فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوْهُ وَسَبّوْهُ، فتوَضْأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أتَى الغُلامَ فَقَالَ: مَنْ أبَوَك يَا غُلامُ؟ فَقَالَ: الرَّاعِي، فَقَالُوا: نبني صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذهب، فَقَالَ: لا إِلاَّ مِنْ طِيْنٍ. قَالَ: وَكَانَتِ امْرَأةٌ تُرْضعُ ابْنًا لَهَا في بني إِسْرَائِيْلَ، فَمَرَّ بِهَا رَجُلٌ

стр. 4261

رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتِ: اللهُمَّ اجْعَلْ ابْنِي مِثْلَهُ، فتَرَكَ ثَدْيَهَا وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ، وَقَالَ: اللهُمَّ لا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا فَمَصهُ". قال أبو هريرة: كأني انظر إلى النبي ﷺ يمص أصبعه. "ثُمَّ مَرَّتْ بِهَا أَمَةٌ فَقَالَتْ: اللهُمَّ لا تَجْعَل ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ: اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ: لِمَ ذَلِكْ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّار مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُوْلُوْنَ: سَرَقْتِ وَزَنَيْتِ، وَلَمْ تَفْعَلْ". وفي رواية: "ثمَّ مَرَّتْ بِهَا أَمَةٌ ذَكَرُوا أَنَّهَا سَرَقَتْ وَزَنَتْ وَعُوْقِبَتْ، فَقَالَتْ: اللهُمَّ لا تَجْعَلْ ابْنِي مِثْلَ هَذِهِ، فَقَالَ: اللهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ في ذَلِكَ، فَقَالَ: أَمَّا الرَّاكِبُ فَجَبَّار مِنَ الْجَبَابِرَةِ، وإنَّ هَذِهِ قِيْلَ لَهَا: زَنيتِ، وَلَمْ تَزْنِ، وَقِيْلَ لَهَا: سَرَقْتِ، وَلَمْ تَسْرِقْ، وَهِيَ تَقُوْلُ: حَسْبِيَ الله". وفي رواية: "أَمَّا الرَّاكِبُ فَإِنه كَافِر، وَأَمَّا الْمَرْأة فَإِنهمْ يَقُوْلُوْنَ لَهَا: تَزْني، وَتَقُوْلُ: حَسْبِيَ اللهُ، وَيقُوْلُوْنَ: سَرَقْتِ، وَتَقُوْلُ: حَسْبِيَ الله" (١). ١٩٤ - ودل هذا الحديث على أن من أخلاق بني إسرائيل: العجلة، والضجر، والمبادرة بالدعاء على الولد وغيره من المحبوبات، والاتهام، والخوض في الباطل، والوقوع في عرض من لم يثبت عنه

стр. 4262

ما يشين عرضه، والإصغاء إلى القال والقيل، والخوض فيما لا يعلمه، وما لا يعنيه. وقد ذم الله تعالى العجلة، وما معها في قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: ١١]. قال ابن عباس: ضجرًا لا صبر له على سراء ولا ضراء (١). قال مجاهد في قوله: ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾. ذلك دعاء الإنسان بالشر على ولده، وعلى امرأته لا يعجل فيه، ويدعو، ولا يحب أن يصيبه (٢). رواهما ابن جرير. وروى أبو داود، وغيره عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، لا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، لا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ؛ لا تُوَافِقُوا مِنَ اللهِ تَعَالَى سَاعَة فِيْهَا إِجَابَة فَيَسْتَجِيْبَ لَكُمْ" (٣). وروى الترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إِسْلامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لا يَعْنِيْهِ" (٤). وروى الطبراني بإسناد صحيح، عن ابن مسعود رضي الله تعالى

стр. 4263

عنه قال: أعظم الناس خطايا يوم القيامة أكثرهم خوضًا في الباطل (١). ورواه ابن أبي الدنيا في "الصمت" بإسناد رجاله ثقات، عن قتادة، عن النبي ﷺ مرسلاً (٢). قال حجة الإِسلام في "الإحياء": وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (٣). وحقيقة الخوض في الباطل الكلام في المعاصي كحكاية أحوال النساء، ومجالس الخمر، ومقامات الفساق، وتنعم الأغنياء، وتجبر الملوك، ومواسمهم المذمومة، وأحوالهم الكريمة، وذكر محظورات سبق وجودها، وتدبر في التوصل إليها من غير حاجة دينية إلى ذكرها، وذكر ما يتحدث الناس فيه من الوقائع والحوادث المشتملة على ذكر مسلم بسوء كما ذكر مما كان يقال في حق الأمَة المذكورة في الحديث: سرقت، زنت (٤). وروى الترمذي -وقال: حسن صحيح- وابن ماجه عن بلال بن الحارث رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ الرَّجُلَ لَيتكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ بِهِ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا

стр. 4264

رِضْوَانَهُ إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيتكلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللهِ مَا يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ بِهِ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إلَى يَوْمِ القِيَامَةِ". قال: وكان علقمة يقول: كم من كلام منعنيه حديث عبد الله بن بلال بن الحارث (١). وروى ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "إِنَّ أكثَرَ خَطَايَا ابْنِ آدَمَ في لِسَانِهِ" (٢). وروى البيهقي في "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا يَزَالُ الْمَسْرُوْقُ في تُهْمَةٍ حَتَّى يَكُوْنَ أَعْظَمَ جُرْمًا مِنَ السَّارِقِ" (٣). وروى الإِمام أحمد، والشيخان، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "رَأَى عِيْسَى بنُ مَرْيَمَ ﵉ رَجُلاً يَسْرِقُ فَقالَ لَهُ: أَسَرَقْتَ؟

стр. 4265

قالَ: كَلاَّ وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. فَقَالَ عِيْسَى: آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَبَتْ عَيْني" (١). وهذا الخلق عزيز جداً، وضده -وهو الوقوع في الناس بالتهمة وسوء الظن- قلَّ من يسلم منه الآن إلا أفراد في العالَم، بل ربما سرق لأحدهم شيء فَتحرجَ عن الاتهام، فبادر كثير من الناس إلى إيقاعه في التهمة لجاره، أو خادمه ونحوهما، وهذا ليس من الديانة في شيء. وبعضهم يقول لمن يشكو إليه من بلاءً أو محنة بظالم أو حاكم، فيقول له: لعل فلانًا وشى بك ونمَّ عليك، فينبهه لتهمة الناس والغضب منهم، فيوقعه فوق بلائه في بلاءً آخر، وغم زائد على ما عنده، وربما كان بعضهم واقعًا في مثل ما اتهم به أخاه المسلم، وهو أعظم جرمًا وأكبر إثماً. قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٢]. ١٩٥ - ومن أخلاق بني إسرائيل: المحاباة في الحدود . روى النسائي -وأصله متفق عليه- عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنَّ امرأة سرقت فأُتيَ بها النبي ﷺ ، فقالوا: من يجترئ على

стр. 4266

رسول الله ﷺ إلا أن يكون أسامة؟ فكلموا أسامة رضي الله تعالى عنه، فكلمه، فقال النبي ﷺ : "يَا أُسَامَةُ! إِنَّمَا هَلَكَتْ بَنُو إِسْرائِيْلَ حِيْنَ كَانَ إِذَا أَصَابَ الشَّرِيْفُ فِيْهِمُ الْحَدَّ تَرَكُوْهُ وَلَمْ يُقِيْمُوْا عَلَيْهِ، وإذَا أَصَابَ الوَضِيع أقامُوا عَلَيْهِ، لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْتُهَا" (١). وروى مسلم عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما قال: مرَّ النبي ﷺ بيهودي محممًا مجلودًا، فدعاهم فقال: "هَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي في كِتَابِكُمْ؟ " قالوا: نعم. فدعا رجلًا من علمائهم، فقال: "أَنْشُدُكَ بِالَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوْسَى! أَهَكَذَا تَجِدُونَ حَدَّ الزَّانِي؟ " قال: لا, ولولا أنك ناشدتني بهذا لم أخبرك بحد الرجم، ولكنه كثر في أشرافنا، فكنا إذا أخذنا الشريف تركناه، وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد؛ قلنا: تعالوا نجتمع على شيء نقيمه على الشريف والوضيع، فجعلنا الجلد والتحميم مكان الرجم. فقال رسول الله ﷺ : "اللهُمَّ إِنِّي أَوَّلُ مَنْ أَحْيَا أَمرَكَ إِذْ أَمَاتُوهُ". فأمر به فرجم، فأنزل الله تعالى: ﴿لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ﴾ [المائدة: ٤١]. يقول: ائتوا محمدًا؛ فإن أمركم بالتحميم والجلد فخذوه، وإن

стр. 4267

أفتاكم بالرجم فاحذروا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]. ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] (١). وروى البزار - وأصله عند أبي داود - عن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاءت اليهود برجل وامرأة زنيا، فقال رسول الله ﷺ : "ائتوْني بِأَعْلَمِ رَجُلَيْنِ مِنْكُمْ". فأتوه بابني صُوريا، فقال: "أَنتمَا أُعْلَمُ مَنْ وَرَاءكمَا؟ ". فقالا: كذلك يزعمون. فناشدهما بالله الذي أنزل التوراة على موسى ﵇: "كَيْفَ تَجِدُوْنَ أَمْرَ هَذَيْنِ في تَوْرَاةِ اللهِ تَعَالَى؟ ". قالا: نجد في التوراة: إذا وجد الرجل مع المرأة في بيت فهي ريبة فيها عقوبة، أو على بطنها فهي ريبة فيها عقوبة، فإذا شهد أربعة أنهم نظروا إليه مثل الميل في المكحلة فارجموه. قال: "مَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجُمُوْهُمَا؟ ". فقالا: ذهب سلطاننا، فكرهنا القتل. فدعا رسول الله ﷺ بالشهود فشهدوا،

стр. 4268

فأمر برجمهما (١). وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتي النبي ﷺ بيهودي ويهودية قد زنيا جميعًا، فقال لهم: "مَا تَجِدُونَ في كِتَابِكُمْ؟ " قالوا: إن أحبارنا أحدثوا تحميم الوجه والتجبيه. فقال عبد الله بن سلام: ادعهم يا رسول الله بالتوراة، فأتي بها فوضع أحدهم يده على آية الرجم، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها. فقال له ابن سلام: ارفع يدك؛ فإن آية الرجم تحت يدك. فأمر بهما رسول الله ﷺ فرجما. قال ابن عمر: فرأيت اليهودي أَحْنى عليها. وفي رواية: فرأيت اليهودي يَحْني على المرأة يقيها الحجارة. وتحميم الوجه: تسويده (٢). والتجبيه: أن يحمل الزانيان على حمار وتقابل أقفيتهما؛ كما رواه أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (٣). وقيل: على حمارين وتحول وجوههما من قبل دبر الحمار، ويطاف بهما؛ كما ذكره الثعلبي عن المفسرين (٤).

стр. 4269

وكانوا يجلدون الزاني أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار، ثم تسود وجوههما، ثم يحملان على حمارين وجوههما من قبل دبرهما. ١٩٦ - ومن أعمال اليهود والنصارى: الكذب، والأيمان الفاجرة . كما اتفق في حديث عيسى ﵇ مع الذي رآه يسرق، ثم حلف أنه لم يسرق. والاستماع إلى الكذب كما قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ [المائدة: ٤٢]. وروى ابن أبي شيبة عن سليمان بن يسار رحمه الله تعالى قال: القسامة حق قضى بها النبي ﷺ ، بينما الأنصار عند رسول الله ﷺ إذ خرج رجل منهم، ثم خرجوا من عند رسول الله ﷺ فإذا هم بصاحبهم يتشحَّط في دمه، فرجعوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: قتله يهود، وسموا رجلًا منهم ولم يكن لهم بينة. فقال رسول الله ﷺ لهم: "شَاهِدَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ حَتَّى أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمْ بِرُمَتِهِ". فلم تكن لهم بينة، فقال: "اسْتَحِقُّوا بِخَمْسِيْنَ قسَامَةٍ حَتَّى أَدْفَعَهُ إِلَيْكُمْ بِرُمَّتِهِ". فقالوا: إنَّا نكره أن نحلف على غيب. فأراد النبي ﷺ أن يأخذ قسامة اليهود بخمسين منهم، فقالت الأنصار: يا رسول الله! إنَّ اليهود لا يبالون الحلف؛ متى تقبل هذا منهم يأتوا على آخرنا.

стр. 4270

فَوَداه رسول الله ﷺ من عنده (١). وحديث القسامة في "الصحيح" (٢). ١٩٧ - ومن أعمال بني إسرائيل: القتال على الملك، والقتال على التأويل، وهو دون الأول لتمحض الأول للدنيا والثاني كالمقدمة له . ومن ثم اعتزل جماعة من الصحابة الجَمَل بصفِّين. على أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا أنفذ بصائر، وأقرب إلى الحق في تأويلاتهم، ولذلك نسكُتُ عما شجر بينهم. وانظر ما قصَّهُ الله تعالى عن الملأ من بني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٤٦]. ثم لمَّا بعث الله لهم طالوت ملكا قالوا: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ [البقرة: ٢٤٧]. وروى نعيم بن حماد في "الفتن" عن كعب ﵀: أنه أتى صفين، فلما رأى الحجارة التي على ظهر الطريق وقف ينظر إليها، فقال له صاحب له: ما تنظر يا أبا إسحاق؟ قال رحمه الله تعالى: وجدت نعتها في الكتب: أن بني إسرائيل

стр. 4271

اقتتلوا بها تسع مرات حتى تفانوا، وأن العرب سيقتتلون بها العاشرة حتى يتفانوا، ويتقاذفون بالحجارة التي تقاذفت بها بنو إسرائيل (١). وروى ابن أبي الدنيا، ومن طريقه البيهقي في "الشعب" عن الحسن رحمه الله تعالى -مرسلًا- قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقال: "هَلْ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيْدُ أَنْ يُذْهبَ اللهُ عَنْهُ العَمَى وَيجْعَلَهُ بَصِيْراً؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "أَلا إِنَّهُ مَنْ رَغِبَ في الدُّنْيا وَأَطالَ أَمَلَهُ فِيْها أَعْمَى اللهُ قَلْبَهُ عَلَى قَدْرِ ذَلِكَ، وَمَنْ زَهِدَ في الدُّنْيا وَقَصُرَ أَمَلُهُ أَعْطاهُ اللهُ تَعالَى عِلْمًا بِغَيْرِ تَعَلُّمٍ، وَهُدًى بِغَيْرِ هِدايَةٍ، أَلا إنَّهُ سَيَكُونُ قَوْمٌ لا يَسْتَقِيْمُ لَهُمُ الْمُلْكُ إِلَّا بِالقَتْلِ والتَجَبُّرِ، وَلا الغِنَى إِلَّا بِالفَخْرِ والبُخْلِ، وَلا الْمَحَبَّةِ إِلَّا بِاتّباعِ الْهَوَى، أَلا فَمَنْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الزَّمانَ مِنْكُمْ فَصَبَرَ عَلَى الفَقْرِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الغِنَى، وَصَبَرَ لِلْبَغْضاءِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى الْمَحَبَّةِ، وَصَبَرَ عَلَى الذُّلِ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى العِزِّ -لا يُرِيْدُ بِذَلِكَ إِلَّا وَجْهَ اللهِ- أَعْطاهُ اللهُ ثَوابَ خَمْسِيْنَ صِدّيْقاً" (٢). ١٩٨ - ومنها: الولاية، والقضاء لأجل الدنيا لا لوجه الله تعالى، والتقرب إليه بالفصل بين الحق والباطل، وإيصال الحق إلى أهله ،

стр. 4272

والأخذ على يد الظالم، والحكم بالباطل، وترك القاضي الحكم بالحق إذا سئل عنه، واتباع الهوى في الحكم، والمداهنة فيه، وهذه صفات قضاة السوء. قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]. روي عن الشعبي، واختاره النحاس: أنَّ الآيات الثلاث في اليهود (١). وقال البراء بن عازب رضي الله تعالى عنهما: في الكفار؛ كما رواه عنه مسلم (٢). وعن ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي زاهدة، وابن شبرمة: أنَّ الآية الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى (٣). وهذا اختاره القاضي أبو بكر بن العربي؛ لأنه ظاهر الآيات (٤).

стр. 4273

وعن ابن مسعود ﵁، والحسن، وغيرهما أنهن عامات في كل من لم يحكم بما أنزل الله (١). وتأولوا قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ على اعتقاد الحل، أو على التغليظ كما قيل في إطلاق الكفر على ترك الصلاة. وروى الحاكم وصححه، عن ابن عباس في الآية: أنه ليس كفرًا ينتقل عن الملة، ولكن كفر دون كفر (٢). وصحح الحاكم أيضاً عن همام قال: كنا عند حذيفة ﵁ فذكروا: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، فقال رجل من القوم: إن هذا في بني إسرائيل، فقال حذيفة: نعم الأخوة بنو إسرائيل، إن كان لهم المر ولكم الحلو، كلا والذي نفسي بيده حتى تحذوا السنة بالسنة والقذة بالقذة (٣). وروى نحوه ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٤). وروى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير عن إبراهيم النخعي رحمه الله تعالى قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي لهذه الأمة بها (٥).

стр. 4274

وعن الحسن نحوه (١). وروى سعيد بن منصور عن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه أنَّه قال: ما رأيت مثل من قضى بين اثنين بعد هذه الآيات الثلاث (٢). وروى الثعلبي، وغيره عن الحسن رحمه الله تعالى قال: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: أن لا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس ويخشوه، وأن لا يشتروا بآياته ثمنا قليلًا؛ يعني: الرشوة، وبيع الحكم (٣). وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه عن بريدة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "القُضاةُ ثَلاثةٌ: واحِدٌ في الْجَنَّةِ، واثْنانِ في النَّارِ؛ فَأمَّا الّذِي في الْجَنّةِ فَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، وَرَجُلٌ عَرَفَ الْحَقَّ فَجارَ في الْحُكْمِ فَهُوَ في النَّارِ، وَرَجُل قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْلِ فَهُوَ في النَّارِ" (٤). وروى البزار، والطبراني في "الكبير" -ورجاله رجال الصحيح- عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنْ شِئتمْ أَنْبَأتُكُمْ عَنِ الإِمارَةِ وَما هِيَ".

стр. 4275

فناديت بأعلى صوتي: وما هي يا رسول الله؟ قال: "أَوَّلُها مَلامَةٌ، وَثانِيْها نَدامَةٌ، وَثالِثُها عَذابٌ يَوْمَ القِيامَةِ إِلَّا مَنْ عَدَلَ؛ وَكَيْفَ يَعْدِلُ مَعَ أَقْرَبِيْهِ؟ " (١). وروى أبو يعلى، وابن حبَّان في "صحيحه" -وأصله عند الترمذي- عن عبد الله بن موهب: أنَّ عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: اذهب فكن قاضياً. قال: أو تعفيني يا أمير المؤمنين؟ قال: اذهب فاقض بين الناس. قلت: أو تعفيني يا أمير المؤمنين. قال: عزمت عليك إلا ذهبت وقضيت. قال: لا تعجل؛ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ عاذَ بِاللهِ فَقَدْ عاذَ بِمَعاذٍ". قال: نعم، قال: فإني أعوذ بالله أن أكون قاضيًا. قال: وما يمنعك وقد كان أبوك يقضي؟ قال: لأني سمعت رسول الله ﷺ يقولُ: "مَنْ كانَ قاضِياً فَقَضَى بِالْجَهْلِ فَهُوَ في النَّارِ، وَمَنْ كانَ قاضِياً فَقَضَى بِالْجَوْرِ كانَ في النَّارِ،
следующие страницы →