الغزالي في "الإحياء": عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه: أنه كان يطوي ستة أيام، وعن عبد الله بن الزُّبير رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يطوي سبعة أيام، وعن الثوري، وابن أدهم: أنهما كانا يطويان ثلاثة أيام، وعن محمد بن عمر العوفي، وعبد الرحمن بن إبراهيم دُحَيْم، وإبراهيم التَّيمي، وحجَّاج بن قرافصة، وحفص العابد المصِّيصي، والمستلم بن سعيد، وزهير الباني، وسليمان الخَوَّاص، وسهل بن عبد الله، وإبراهيم بن أحمد الخواص: أن طَيَّهم وصل إلى ثلاثين يومًا (١).
وعن بعض هذه الطائفة: أنه وقف على راهب، فذاكره بحاله، وطمع في إسلامه، وترك ما هو عليه من الغرور، وكلمه في ذلك بكلام كثير إلى أن قال له الراهب: إن المسيح ﵇ كان يطوي أربعين، وإنه معجزة لا تكون إلا لنبي صادق، قال له الصوفي: فإن طويت خمسين يومًا تترك ما أنت عليه، وتدخل في دين الإسلام، وتعلم أنه حق، وأنك على باطل؟ قال: نعم، فقعد لا يبرح إلا حيث يراه، فطوى خمسين يوماً، فقال: أزيدك أيضاً؟ فطوى إلى تمام الستين، فعجب الراهب منه، وقال: ما كنت أظن أن أحداً يجاوز المسيح، وكان ذلك سبب إسلامه (٢).
وقال أبو عثمان المغربي رحمه الله تعالى: الرباني يأكل مرة في
стр. 457
أربعين يومًا، والصمداني في ثمانين يومًا (١).
ومن أعجب ما في هذا الباب ما روي عن سهل بن عبد الله: أنه اقتات بثلاثة دراهم في ثلاث سنوات (٢).
وعن الشيخ محي الدين بن العربي: أنه اقتات من أول المحرم إلى عيد الفطر بلوزة واحدة.
وذلك كله من باب خرق العادة، والالتحاق بالملائكة ﵈ في هذا الْخُلُقِ الشريف، وهو محمول على الاقتيات بالذكر.
وعن بعض العلماء العاملين أنه قال: إني لأقتات بوردي من الذكر كما أقتات بالطَّعام والشَّراب.
وقد قلت في المعنى: [من السريع]
ذِكْرُكَ لِيْ قُوْتٌ وَمَنْ لَمْ يَجِدْ ... قُوْتا فَقَدْ فاتَ بِهِ الْفَوْتُ
وَأَنْتَ لِيْ رُوْحٌ وَمَنْ يَنْفَصِلْ ... عَنْ رُوْحِهِ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ
وقال الشيخ العارف بالله شهاب الدين السُّهروردي في "عوارف المعارف": قيل لسهل بن عبد الله: هذا الذي يأكل في كل أربعين، وأكثر
стр. 458
مرةً (١)؛ أين يذهب لهب الجوع عنه؟ قال: يطفئه النور.
قال: وقد سألت بعض الصالحين عن ذلك، فذكر لي كلامًا بعبارة دلت على أنه يجد فرحاً بربه ينطفئ معه لهب الجوع.
قال: وهذا واقع في الخلق أن الشخص يطرقه فرح - وقد كان جائعاً - فيذهب عنه الجوع، وهكذا في طَرق الخوف يقع ذلك (٢). انتهى.
فإن قيل: قد صح عن النبي ﷺ أنه نهى عن الوصال في الصوم، فقيل له: إنك تواصل، فقال: "لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ؛ إِنَّ اللهَ يُطْعِمُنِيْ، وَيَسْقِيْنِي" (٣)، فهذا يخالفه ما تقدم؟
فالجواب: أن هذا النهي إنما هو في مقام الدَّعوة العامة، والتشريع لكافة الناس، ولئلا يتخذ الوِصال سنة جارية يتعاطاه القادر عليه والضعيف عنه، فيحتاج إلى التكلف، فأما من كان يقتات بالذكر بحيث يستغني عن الطَّعام والشَّراب فقد يقال في حقه بإباحة الوصال له خاصة (٤).
وعلى ذلك يخرج أحوال من أسلفنا ذكرهم من السَّلف رضوان الله عليهم أجمعين.
стр. 459
وقد حكى القاضي عِياض رحمه الله تعالى عن ابن وهب، وإسحاق ابن راهويه، وأحمد بن حنبل رحمهم الله تعالى: أنهم أجازوا الوصال (١).
وحكى ابن حزم أن ابن وَضَّاح من المالكية كان يواصل أربعة أيام (٢).
وأطلق أكثر الشافعية العبارة بكراهية الوصال، واختلفوا هل هي كراهة تنزيه، أو تحريم على وجهين؛ أصحهما الثاني (٣)، وهو ظاهر كلام الشَّافعيِّ رضي الله تعالى عنه؛ فإنه قال بعد أن ذكر حديث النهي عن الوصال: وفرق الله تعالى بين رسوله وبين خلقه في أمور أباحها له، وحظرها عليهم (٤).
وكذلك مذهب أبي حنيفة، ومالك ﵄ (٥).
стр. 460
وقال الحافظ زين العراقي في "شرح الترمذي": وأصرح ما يستدل به على عدم تحريم الوصال: ما رواه أبو داود بإسناد صحيح، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: حدثني رجل من أصحاب النبي ﷺ أن رسول الله ﷺ نهى عن الحجامة، والمواصلة، ولم يحرمهما إبقاءً على أصحابه، فقيل له: يا رسول الله! إنك تواصل إلى السحر؟ فقال: "إِنِّي أُواصِلُ إِلَىْ السَّحَرِ وَرَبِّي يُطْعِمُنِيْ، وَيَسْقِيْنِيْ" (١)، انتهى (٢).
قلت: وهنا أصل أصيل، وهو أن إدخال الطعام والشراب في الجوف إنما هو في الأصل مباح، وإنما يندب تعاطيه، أو يلزم إذا احتاج إليه الإنسان من حيث إنه يتقوت به، ويتحفظ به على حياته، فإذا أخذ الإنسان منه حاجته وكفايته لم يحسن في حقه أن يتناول زيادة عنها، بل إذا شبع منه حرم الزيادة عليه حذراً من الهلاك الذي من حذره ألجئ إلى استعمال الطعام والشراب إذا احتاج إليه، فإذا كان في عباد الله من
стр. 461
رزقه الله تعالى حالة شريفة لحالة الشبع بحيث لا يحصل له معها وَهن في بدنه، ولا ضعف في قواه، ولا توقان إلى الطعام يشغله عن الذكر والطاعة، فظاهر هذا القياس أنه ما دام غنيًا عن الطعام والشراب، ففي هذه الحالة لا نكلفه تناول شيء من المطعومات ولا من المشروبات حتى يحتاج إليه، بل الدنيا - وإن كان الأصل في مطعوماتها ومشروياتها الإباحة - فإن اشتغال المقبل على الله تعالى بها اشتغال بما لا يعنيه، فمقتضى طريقه أن لا يتناول منها شيئا إلا أن يحتاج إليه، ويضطر إلى الأخذ منه، فمهما أغناه الله تعالى عنه فلا يتناوله أصلاً، فمن رزقه الله تعالى حالة تغنيه عن الطعام والشراب، وتدفع عنه المحذور المدفوع بهما كما يدفعانه، وزيادة ينبغي أن لا نكلفه بها، ولو واصل الصيامَ عُمُرَه.
ثم كان بعض الطاوين من أهل الله تعالى إذا طوى يتناول عند الغروب مفطراً ما - ولو قطرة ماء - عملاً بالسنة، وخروجاً من الخلاف.
وعلى ذلك: فينبغي أن يتناول عند السحر شيئًا ما بنية السحور عملاً بالنسبة أيضًا، واغتناما لصلاة الله وملائكته، كما في الحديث المتقدم "إِنَّ اللهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّوْنَ عَلَىْ الْمُتَسَحِّرِيْنَ" (١).
ولما وقف شيخنا الإمام أبو العباس أحمد ابن الشيخ الإمام أبي النَّدى يونس العيثاوىِ الشافعي - نفع الله به، وفسح فى مدته - على ما كتبته هنا استجاده، ثم قال: وفي تناوله لمفطر ما عند الغروب وعند
стр. 462
السحر مع العمل بالسنة فائدة أخرى، وهي أن عبادته تتعدد؟ فإنه يجدد لكل يوم نية، ويحصل على عبادة الصيام، وسنة الفطر، وسنة السحور (١).
* فَائِدَةٌ:
روى الحاكم في "المستدرك" عن عبد الله بن عمر ﵄: أنَّ النبي ﷺ قال: "طَعامُ الْمُؤْمِنِيْنَ فِيْ زَمَنِ الدَّجَّالِ طَعامُ الْمَلائِكَةِ: التَّسْبِيْحُ وَالتَّقْدِيْسُ، فَمَنْ كانَ يَوْمَئِذٍ مَنْطِقَهُ التَّسْبِيْحُ وَالتَّقْدِيْسُ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُ الْجُوْعَ" (٢).
وفي هذا الحديث دليل لما ذكرناه من أنَّ الله تعالى يهب حالة شريفة لبعض عباده تغنيه عن الطَّعام والشَّراب، وأن هذه الحالة تكون في فتنة الدَّجال لكافة المؤمنين، وإنما كانت حينئذٍ لعموم أهل الإيمان لأن من فتنة الدجال أن يمر على البلدة فيقول لأهلها: اعبدوني، واتبعوني، فإن اتبعوه أمر السَّماء فأمطرت، والأرض فأنبتت، فكانوا في أرغد عيش، وإلا أمر السماء أن لا تمطر، والأرض أن لا تنبت، فكانوا في أضيق عيش (٣)، فأخبر النبي ﷺ أنَّ هذه الفتنة لا تضر المؤمنين إذا انقطعوا
стр. 463
بالتسبيح، والتقديس؛ فإنهم يستغنون بذلك عما تمطره السماء، وتنبته الأرض.
وروى ابن ماجه في "سننه"، وابن خزيمة في "صحيحه"، والحاكم في "مستدركه"، وغيرهم عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : أنه قال: "يا أَيُّها النَّاسُ! إِنَّها لَمْ تَكُنْ فِتْنَةٌ عَلَىْ وَجْهِ الأَرْضِ مُنْذُ ذَرَأَ اللهُ ذُرِّيَّةَ آدَمَ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ".
وفيه يقول: و"إِنَّ قَبْلَ خُرُوْجِ الدَّجَّالِ ثَلاثَ سَنَواتٍ شِدادٍ يُصِيْبُ النَّاسَ فِيْها جُوْعٌ شَدِيْدٌ؛ يَأْمُرُ اللهُ السَّماءَ السَّنَةَ الأُوْلَىْ أَنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِها، وَيَأْمُرُ الأَرْضَ، فَتَحْبِسُ ثُلُثَ نبَاتِها، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّماءَ فِيْ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، فتَحْبس ثُلُثَيْ مَطَرِها، وَيَأْمُرُ الأَرْضَ، فَتَحْبِسُ ثُلُثَيْ نبَاتِها، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّماءَ فِيْ السَّنَةِ الثَّالِثَةِ، فَتَحْبِسُ مَطَرَها كُلَّهُ، وَيَأْمُرُ الأَرْضَ، فَتَحْبِسُ نبَاتَها كُلَّهُ، فَلا تُنْبِتُ خَضْراءَ، فَلا تَبْقَىْ ذاتُ ظِلْفٍ إِلاَّ هَلَكَتْ إِلاَّ ما شاءَ اللهُ"، قالوا: فما يعيش الناس في ذلك الزمان؟ قال: "التَّهْلِيْلُ، وَالتَّكْبِيْرُ، وَالتَّحْمِيْدُ، وَيُجْرَىْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مَجْرَىْ الطَّعامِ" (١).
٦٤ - ومن أخلاق الملائكة ﵈ طلب ليلة القدر ، والتماسها، وشهودها، والدعاء فيها، والابتهال إلى الله تعالى فيها.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤)
стр. 464
سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥].
روى أبو الشيخ بن حبان في كتاب "الثواب"، والبيهقي، والأصبهاني في "الترغيب" عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: أنهَّ سمع رسول الل ﷺ يقول: "إِنَّ الْجَنَّةَ لتَتَنَجَّدُ، وَتتَزَيَّنُ مِنَ الْحَوْلِ إِلَىْ الْحَوْلِ لِدُخُوْلِ شَهْرِ رَمَضانَ" ... فذكر الحديث، وفيه: "إِذا كانَتْ لَيْلَةُ الْقَدْرِ يَأْمُرُ اللهُ جِبْرِيْلَ ﵇ فَيَهْبِطُ فِيْ كَبْكَبَةٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ وَمَعَهُمْ لِواءٌ أَخْضَرُ، فَيَرْكِزُوْنَ اللِّواءَ عَلَىْ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ، وَلَهُ مِئَةُ جَناحٍ؛ مِنْها جَناحانِ لا يَنْشُرُهُما إِلاَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، فَيَنْشُرُهُما فِيْ تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فَيُجاوِزُ الْمَشْرِقَ إِلَىْ الْمَغْرِبِ، فَيَحُثُّ جِبْرِيْلُ الْمَلائِكَةَ ﵈ فِيْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَيُسَلِّمُوْنَ عَلَىْ كُلِّ قائِمٍ، وَقاعِدٍ، وَمُصَلٍّ، وَذاكِرٍ، وُيصافِحُوْنَهُمْ، وَيُؤَمِّنُوْنَ عَلَىْ دُعائِهِمْ حَتَّىْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ، فَإِذا طَلَعَ الْفَجْرُ يُنادِيْ جِبْرِيْلُ ﵇ مَعاشِرَ الْمَلائِكَةِ: الرَّحِيْلَ الرَّحِيْلَ، فَيَقُوْلُوْنَ: يا جِبْرِيْلُ! فَما صَنعَ اللهُ فِيْ حَوائِجِ الْمُؤْمِنِيْنَ مِنْ أُمَّةِ أَحْمَد ﷺ ؟ فَيَقُوْلُ: نَظَرَ اللهُ إِلَيْهِمْ فِيْ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، فَعَفا عَنْهُمْ إِلاَّ أَرْبَعَةً"، قلنا: يا رسول الله! من هم؟ قال: "رَجُلٌ مُدْمِنُ خَمْرٍ، وَعَاقٌّ لِوالِدَيْهِ، وَقاطِعُ رَحِمٍ، وَمُشاحِنٌ"، الحديث (١).
стр. 465
وروى الإمام أحمد، والبزار، والطبراني بإسناد حسن صحيح، عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: "إِنَّها لَيْلَةُ سابِعَةٍ، أَوْ تاسِعَةٍ وَعِشْرِيْنَ، إِنَّ الْمَلائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِيْ الأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَا" (١).
* فَائِدَةٌ:
قال أبو عبد الرحمن السلمي في "حقائقه" عن بعضهم في قوله تعالى: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤].
قال: نزول الملائكة في تلك الليلة لاسترواح قلوب العارفين.
وقال في قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾.
نقلاً عن بعضهم أيضًا: بإذن الله تعالى للملائكة في زيارة عباده المؤمنين (٢).
فيستفاد من ذلك أن من أخلاق الملائكة - أيضًا - ترويح قلوب العارفين بالله تعالى؛ وذلك بالذِّكر والأنس.
وفي الحديث: "أَرِحْنا بِها يا بِلالُ" (٣)؛ أي: بالصَّلاة.
стр. 466
وروحها ذكر الله تعالى، والاقتراب منه؛ ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
وكذلك يستفاد منه أن من أخلاقهم زيارة المؤمنين، ولاسيما في الأوقات الفاضلة، والليالي المباركة، وهي من السنن المؤكدة.
* نَنْبِيْةٌ:
التشبه بالملائكة في شهود ليلة القدر، وإحيائها، والاحتفال بها خاص بهذه الأمة؛ لأنَّ هذه الليلة خاصة بهم.
قال النووي في "شرح المهذب": ليلة القدر مختصة بهذه الأمة لم تكن لمن قبلنا (١).
قال مالك ﵁ في "الموطأ": بلغني أنَّ رسول الله ﷺ أُرِيَ أعمارَ النَّاس قبله، وما شاء الله من ذلك، فكأنه تقاصر أعمار أمته أن لا يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله: ﴿خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ٣] (٢). وروى الدَّيلمي عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ وَهَبَ لأُمَّتِيْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَلَمْ يُعْطِها مَنْ كانَ قَبْلَهُمْ" (٣).
* فَائِدَةٌ جَلِيْلَةٌ:
روى أبو نعيم عن عمران بن خالد الخزاعي قال: كنت عند عطاء
стр. 467
جالسًا، فجاء رجل فقال: يا أبا محمد! إن طاوسًا يزعم أن من صلى العشاء، ئم صلى بعدها ركعتين يقرأ فيها في الأولى: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١ - ٢]، وفي الثانية " ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١] , كتب له مثل وقوف ليلة القدر، فقال عطاء: صدق طاوس، ما تركتها (١).
٦٥ - ومن أخلاق الملائكة ﵈ أيضاً -: السرور بفطر هذه الأمة من رمضان ، وحضور صلاة العيد معهم، والاستبشار باستيفاء أجورهم.
ذكر ابن عبَّاس في حديثه المتقدم آنفاً عن النبي ﷺ قال: "فَإِذا كانَتْ لَيْلَةُ الْفِطْرِ سُمِّيَتْ تِلْكَ اللَّيْلَةُ لَيْلَةَ الْجَائِزَةِ، فَإِذا كانَتْ غَداةُ الْفِطْرِ بَعَثَ الله الْمَلائِكَةَ فِيْ كُلِّ بِلادٍ، فَيَهْبِطُوْنَ إِلَىْ الأَرْضِ، فَيَقُوْمُوْنَ عَلَىْ أَفْواهِ السِّكَكِ، فَيُنادُوْنَ بِصَوْتٍ يُسْمَعُ مِنْ خَلْقِ اللهِ إِلاَّ الْجِنَّ وَالإِنْسَ، فَيَقُوْلُوْنَ: يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ! اخْرُجُوْا إِلَىْ رَبٍّ كَرِيْمٍ، يُعْطِيْ الْجَزِيْلَ، وَيَعْفُوْ عَنِ الْعَظِيْمِ، فَإِذا بَرَزُوْا إِلَىْ مُصَلاَّهُمْ، يَقُوْلُ الله لِلْمَلائِكَةِ: ما جَزاءُ الأَجِيْرِ إِذا عَمِلَ عَمَلَهُ؟ قالَ: فَتَقُوْلُ الْمَلائِكَةُ: إِلَهَنا، وَسَيِّدَنا! جَزاؤُهُ أَنْ تُوفِّيَهُ أَجْرَهُ، قالَ: فَيَقُوْلُ: إِنِّيْ أُشْهِدُكُمْ يا مَلائِكَتِيْ أَنِّيْ قَدْ جَعَلْتُ ثَوابَهُمْ مِنْ صِيامِهِمْ شَهْرَ رَمَضانَ، وَقِيامِهِمْ رِضائِيْ، وَمَغْفِرَتيْ، وَيقُوْلُ: يا عِبادِيْ! سَلُوْنِيْ فَوَعِزتَّيْ، وَجَلالِيْ لا تَسْأَلُوْنِيْ الْيَوْمَ شَيْئًا فِيْ جَمْعِكُمْ لآخِرَتكُمْ إِلاَّ أَعْطَيْتُكُمْ، وَلا لِدُنْياكُمْ إِلاَّ نَظَرْتُ لَكُمْ، فَوِعِزَّتِيْ لأَسْتُرَنَّ عَلَيْكُمْ
стр. 468
عَثَراتِكُمْ ما رَاقَبْتُمُوْنِيْ، وَعِزَّتِيْ لا أُخْزِيْكُمْ، وَلا أَفْضَحُكُمْ بَيْنَ أَصْحابِ الْحُدُوْدِ، انْصَرِفُوْا مَغْفُوْراً لَكُمْ، قَدْ أَرْضَيْتُمُوْنِيْ، وَرَضِيْتُ عَنْكُمْ" (١).
فتعرج الملائكة، وتستبشر بما يعطي الله الأمة إذا أفطروا من شهر رمضان.
٦٦ - ومنها: اختيار صحبة الصَّالحين في السفر، والتنزه عن المسافرة مع أهل المعاصي ، وفي الرَّكْب الذي فيه كلب، أو جرس، أو نمر.
وروى الطبراني بإسناد حسن، عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ : "ما مِنْ راكِبٍ يَخْلُوْ فِيْ مَسِيْرِهِ بِاللهِ وَذِكْرِهِ إِلاَّ رَدِفَهُ مَلَكٌ، وَلا يَخْلُوْ بِشِعْرٍ وَغَيْرِهِ إِلاَّ رَدِفَهُ شَيْطانٌ" (٢).
وروى أبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي ﷺ : "لا تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رِفْقَةً فِيْها جُلْجُلٌ وَلا نَمِرٌ" (٣).
стр. 469
وروى هو، والإمام أحمد، ومسلم، والترمذي عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رِفْقَةً فِيْها كَلْبٌ، وَلا جَرَسٌ" (١). وروى النَّسائي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "لا تَصْحَبُ الْمَلائِكَةُ رِفْقَةً فِيْها جُلْجُلٌ" (٢).
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود نحوه من حديث أم حبيبة رضي الله تعالى عنها (٣).
٦٧ - ومنها: قصد البيت الحرام بالحج، والعمرة، والزيارة ، والطواف، والاعتكاف، وفعل ذلك.
تقدم قول الملائكة لآدم ﵈: بِرَّ حجك يا آدم، لقد حججنا هذا البيت قبلك بألفي عام (٤).
وروى الأزرقي عن وهب بن مُنبِّه رحمه الله تعالى: أنه قرأ في بعض الكتب الأولى أن ليس من ملك بعثه الله تعالى إلى الأرض إلا أمره بزيارة البيت، فينقض من تحت العرش محرمًا ملبيًا حتى يستلم الحجر، ثم يطوف بالبيت سبعًا، ويركع في جوفه ركعتين، ثم يصعد (٥).
стр. 470
وروى الأزرقي - أيضًا - عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما: أن جبريل ﵇ وقف على رسول الله ﷺ وعليه عصابة حمراء قد علاها الغبار، فقال له رسول الله ﷺ : "ما هَذا الْغُبارُ الَّذِيْ أَرَىْ عَلَىْ عِصابَتِكَ أَيُّها الرُّوْحُ الأَمِيْنُ؟ " قال: "إني زرت البيت، فازدحمت الملائكة على الركن، فهذا الغبار الذي ترى مما تثيره بأجنحتها" (١).
وروى - أيضًا - عن عثمان بن يسار قال: بلغني - والله أعلم - أن الله تعالى إذا أراد أن يبعث ملكًا من الملائكة لبعض أمور في الأرض استأذنه ذلك الملك في الطواف ببيته، فيهبط الملك مهلاً (٢).
وروى - أيضًا - عن مقاتل، عن النبي ﷺ أنه يصلي في البيت المعمور كل يوم سبعون ألف ملك، ثم يقومون إذا أمسوا فيطوفون بالكعبة، ثم يسلمون على النبي ﷺ ، ثم ينصرفون، ولا تنالهم النوبة حتى يوم القيامة (٣).
ونقل القرطبي في "تفسيره" عن الحسن: أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (٤)﴾ [الطور: ٤]: هو الكعبة البيت الحرام الذي هو معمور من الناس، فيعمره الله تعالى في كل سنة بست مئة ألف، فإن عجز الناس عن ذلك أتمه الله تعالى بالملائكة، وهو أول بيت وضع للعبادة في الأرض (٤).
стр. 471
وذكره أبو طالب المكي، وأبو حامد الغزالي، وغيرهما حديثاً مرفوعًا إلى النبي ﷺ ، ولفظه: "إِنَّ اللهَ وَعَدَ هَذا الْبَيْتَ أَنْ يَحُجَّهُ فِيْ كُلِّ سَنَةٍ سِتُّ مِئَةِ أَلْفِ إِنْسانٍ، فَإِنْ نَقَصُوْا أَكْمَلَهُمُ اللهُ تَعَالَىْ بِالْمَلائِكَةِ" (١).
وروى أبو بكر بن أبي شيبة، عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: أول من طاف بالبيت الملائكة (٢).
ورواه الطبراني في "الكبير" في أثناء حديث طويل من كلام ابن عبَّاس، ورجال إسناده ثقات (٣).
وذكر الشيخ جمال الدين أبو اليمن ابن الإمام محب الدين أبي جعفر الطبري رحمها الله تعالى في كتاب "التشويق إلى البيت العتيق" عن جعفر بن محمد، عن أبيه محمد بن علىِّ رضي الله تعالى عنهم: أن الله تعالى لما قال للملائكة: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]؛ ظنوا أن الله غضب عليهم، فعاذوا بالعرش، فطافوا حوله سبعة
стр. 472
أطواف يسترضون ربهم، فرضي عنهم، وقال لهم: ابنوا لي في الأرض بيتاً يعوذ به كلُّ من سخطتُ عليه من خلقي، ويطوف حوله كما فعلتم بعرشي، فأغفر له كما غفرت لكم، فبنوا هذا البيت (١).
وروى الأزرقي عن القاسم بن عبد الرحمن الأنصاري، عن محمد ابن علي، عن أبيه علي بن الحسين رضي الله تعالى عنهم: أنه سئل عن بدء الطواف: لم كان؟ وأنَّى كان؟ وحيث كان؟ وكيف كان؟ فقال رضي الله تعالى عنه: أما بدء هذا الطواف بهذا البيت فإن الله تعالى قال للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠]، قالت الملائكة: أي ربِّ! خليفةً من غيرنا؟ ممن يفسد فيها، ويسفك الدِّماء، ويتحاسدون، ويتباغضون؟ ويتباغون؟ أي ربِّ! اجعل ذلك الخليفة منا؛ فنحن لا نفسد فيها، ولا نسفك الدماء، ولا نتباغض، ولا نتحاسد، ولا نتباغى، ونحن نسبح بحمدك، ونقدس لك، ونطيعك، ولا نعصيك، قال الله تعالى: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠].
قال: فظنَّتِ الملائكة أن ما قالوه رد على ربهم , وأنه قد غضب من قولهم، فلاذوا بالعرش، ورفعوا رؤوسهم، وأشاروا بالأصابع يتضرعون، ويبكون إشفاقاً لغضبه، وطافوا بالعرش ثلاث ساعات، فنظر الله تعالى إليهم، فنزلت الرحمة عليهم، فوضع الله سبحانه تحت
стр. 473
العرش بيتا على أربع أساطين من زبر جد، وغشاه ياقوتة حمراء، وشممى: البيت الضُّراح، ثم قال الله للملائكة: طوفوا بهذا البيت، ودَعُوا العرش.
قال: فطافت الملائكة بالبيت، وتركوا العرش، وصار أهون عليهم، وهو البيت المعمور الذي ذكره الله يدخله كل يوم وليلة سبعون ألف ملك لا يعودون فيه أبداً.
ثم إنَّ الله بعث ملائكة فقال: ابنوا لي بيتًا في الأرض بمثاله وقدره، فأمر الله تعالى من في الأرض من خلقه أن يطوفوا بهذا البيت كما تطوف أهل السماء بالبيت المعمور.
فقال السائل لعلي بن الحسين رضي الله تعالى عنهما: صدقت يا ابن بنت رسول الله ﷺ (١).
هكذا كان الضُّرَاح - بضم الضاد المعجمة، وبالراء، والحاء المهملة -.
قلت: وهذا الأثر صريح في أن الله تعالى أراد من أهل الأرض أن يتشبهوا بأهل السماء في الطواف بالبيت وأمرهم بذلك.
وكذلك ما رواه الأزرقي - أيضًا - عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما أهبط الله تعالى آدم إلى الأرض من الجنة كان رأسه في السماء، ورجلاه في الأرض، وهو مثل الفلك في رعدته، قال: فطاطأ الله
стр. 474
منه إلى ستين ذراعًا، فقال: يا ربِّ! ما لي لا أسمع أصوات الملائكة، ولا حسهم؟ قال: خطيئتك يا آدم، ولكن اذهب فابنِ لي بيتًا، فطف به، واذكرني حوله كنحو ما رأيت الملائكة تصنع حول عرشي، قال: فأقبل آدم يتخطى، فطويت له الأرض، وقبضت له المفاوز، فصار كل مفازة يمر بها خطوة ... ، فذكر الحديث في بناء آدم البيت (١).
والبيت الحرام بنته الملائكة أولاً، ثم عفا، ثم أمر آدم ببنائه ثانيةً، كما في الأثر.
وبذلك يجمع بين ما ذكرناه آنفًا عن ابن عباس، وما ذكرناه قبله عن علي بن الحسين ﵃.
* فَائِدَةٌ لَطِيْفَةٌ:
ذكر الإمام أبو سعيد الخركوشي رحمه الله تعالى في كتاب "شرف المصطفى ﷺ ": أنه ﷺ قال: "الْكَعْبَةُ مَحْفُوْفَةٌ بِسَبْعِيْنَ أَلفاً مِنَ الْمَلائِكَةِ يَسْتَغْفِرُوْنَ لِمَنْ طافَ بِها، وَيُصَلُّوْنَ عَلَيْهِ" (٢).
ففي هذا الحديث أن من أعمال الملائكة الدعاء لعامة الطائفين، والصلاة عليهم.
وقد تقدم لذلك نظائر، فينبغي الاقتداء بالملائكة في ذلك بتعميم الدعاء عند الكعبة، وغيرها من الأماكن الشريفة.
стр. 475
وقد تلبس الإمام عمر بن عبد العزيز بهذه الخصلة الشريفة - فيما ذكره أبو سعيد - أيضًا - عن سفيان بن عيينة، عن ابن عبد الملك، قال: حجَّ عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه بالناس، فلما نظر إلى مجتَمَع الناس بعرفةَ قال: اللهم زد في إحسان محسنهم، وتجاوز عن مسيئهم، وراجع بمسيئهم إلى التوبة، وحُطَّ من أوزارهم بالرَّحمة (١).
قال ابن عيينة: هكذا يكون الراعي يدعو لأهل رعيته.
قلت: وإذا كان الراعي داعيًا لأهل رعيته كان دعاؤه دليل الشفقة والرحمة، وبذلك يكون خيار الرعاة.
وفي "صحيح مسلم" عن عوف بن مالك ﵁: أنَّ النبي ﷺ قال: "خِيارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِيْنَ تُحِبُّوْنَهُمْ، وَيُحِبُّوْنَكُمْ، وَتُصَلُّوْنَ عَلَيْهِمْ، وَيُصَلُّوْنَ عَلَيْكُمْ، وَشِرارُ أَئِمَّتِكُمُ الَّذِيْنَ تُبْغِضُوْنَهُمْ، وُيبْغِضُوْنَكُمْ، وَتَلْعَنُوْنَهُمْ، وَيَلْعَنُوْنَكُمْ" (٢).
* لَطِيْفَةٌ أُخْرَىْ:
ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزيِّ رحمه الله تعالى في كتاب "مثير الغرام الساكن إلى أشرف الأماكن" عن وهيب بن الورد رحمه الله تعالى قال: كنت أطوف أنا وسفيان الثوري رضي الله تعالى عنه ليلاً، فانقلب سفيان، وبقيت في الطَّواف، فدخلت الْحِجْرَ، فصليت تحت الميزاب،
стр. 476
فبينا أنا ساجد إذ سمعت كلامًا بين أستار البيت والحجارة، وهو يقول: يا جبريل! أشكو إلى الله ثم إليك هؤلاء الطائفين حولي من تفكههم في الحديث، ولغطهم وسهوهم.
قال وهيب: فأولت أن البيت شكى إلى جبريل ﵇ (١).
٦٨ - ومن خصال الملائكة ﵈: التلبية في النُّسُكِ وغيره:
روى ابن أبي الدُّنيا في كتاب "التوبة" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ أَوَّلَ مَنْ لَبَّىْ الْمَلائِكَةُ ﵈، قال اللهُ تَعَالَىْ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]، فَرَادُّوْهُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُمْ، فَطافُوْا بِالْعَرْشِ سِتَّ سِنِيْنَ يَقُوْلُوْنَ: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، اعْتِذاراً إِلَيْكَ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ نَسْتَغْفِرُكَ، وَنتُوْبُ إِلَيْك" (٢).
٦٩ - ومنها: لقاء الحجاج، ومصافحتهم، ومعانقتهم:
قال أبو الليث السَّمرقنديُّ: روي في الخبر: أنَّ الملائكة يتلقون الحاج، فيسلمون على أصحاب الجِمال، ويصافحون أصحاب البغال والحمير، ويعانقون الرَّجَّالة (٣).
стр. 477
وروى البيهقي "الشعب" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتُصافِحُ رُكَّابَ الْحَجِّ، وَتَعْتَنِقُ الْمُشاةَ (١).
٧٠ - ومنها: زيارة قبر النبي ﷺ -:
تقدم حديث مقاتل أن الملائكة الذين ينزلون من البيت المعمور كل يوم لزيارة البيت يزورون البيت، ثم يسلمون على النبي ﷺ .
وروى الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه"،
والحاكم وصححه، والبيهقي عن ابن مسعود ﵁، وابن عدي في "الكامل" عن ابن عباس ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ "إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً سَيَّاحِيْنَ فِيْ الأَرْضِ يُبَلِّغُوْنِيْ عَنْ أُمَّتِيْ السَّلامَ" (٢).
ولا يخفى أن مِنْ لازِمِ ذَلِكَ زيارتُهُ.
وذكر أبو سعيد في "شرف المصطفى"، وابن الجوزي في "مثير الغرام الساكن" عن كعب الأحبار رضي الله تعالى عنه قال: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألفًا من الملائكة حتى يحفوا بالقبر يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ﷺ ، حتى إذا أمسوا عَرَجوا، وهبط مثلهم، فصنعوا مثل ذلك، حتى إذا انشقت الأرض خرج في سبعين ألفاً
стр. 478
من الملائكة يوقرونه ﷺ (١).
ورواه أبو نعيم في "الحلية"، والبيهقي في "شعب الإيمان" عن وهب بن منبه، عن كعب (٢).
* لَطِيْفَةٌ:
لعل من منع زيارة قبر النبي ﷺ (٣) والتوسل به، ولم يزره أشبه الناس بالشياطين (٤)، كما أن من سن زيارة قبره ﷺ والتوسل به، وزاره، وتوسل به أشبه الناس بالملائكة الحافين بقبره الشريف، المتقربين به إلى الله تعالى.
стр. 479
وأكثر هذا الفريق يعتقدون أنَّه ﷺ حي في قبره، وأن زيارته في قبره كزيارته قبل موته، وهذه مسالة لا يشك فيها أحد من أهل البصائر.
وقد روى الطبراني، والبزار، وابن عدي، وابن خزيمة، والدارقطني عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ زارَنِيْ بَعْدَ وَفاتِيْ فَكَأَنَّما زارَنِيْ فِيْ حَياتِيْ" (١).
وروى أبو نعيم، والبيهقي عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "الأَنْبِيَاءُ أَحْياءٌ فِيْ قُبُوْرِهِمْ" (٢).
وروى البيهقي، والأصبهاني في "الترغيب" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " وَالَّذِيْ نَفْسِي بِيَدِه، لَيَنْزِلَنَّ عِيْسَىْ بْنُ مَرْيَمَ ﵉ ثُمَّ لَئِنْ قامَ عَلَىْ قَبْرِيَ لأُجِيْبَنَّهُ" (٣).
стр. 480
وروى الخطيب في "رواة مالك" - وقال: حديث غريب جداً - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما مرض أبي أوصاني أن يؤتى به قبر ﷺ ، ويقال: هذا أبو بكر يدفن عندك يا رسول الله، فإن أذن لكم فادفنوني، وإن لم يؤذن لكم فاذهبوا بي إلى البقيع، فأتي به إلى الباب، فقيل: هذا أبو بكر، وقد اشتهى أن يدفن عندك يا رسول الله، وقد أوصانا: إن أُذِنَ لنا دخلنا، وإن لم يؤذن لنا انصرفنا، فنودينا؛ أي: ادخلوا وكرامة.
وروى أبو نعيم في "دلائل النبوة" عن سعيد بن المسيب قال: لقد رأيتني ليالي الحَرَّة وما في مسجد رسول الله ﷺ غيري، وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من القبر (١).
وروى الأصهباني عن إبراهيم بن شيبان قال: حججت في بعض السنين فجئت المدينة، فتقدمت إلى قبر رسول الله ﷺ ، فسلمت عليه، فسمعت من داخل الحجرة: وَعَلَيْكَ السَّلامُ.
وقد قلت في المعنى: [من الخفيف]
إِنَّما قامَتِ الأَدِلَّةُ بِالنَّصِّ ... عَلَىْ وِفْقِ ما أَفادَ الشُّهُوْدُ
رَدَّ مِنْ قَبْرِهِ السَّلامَ وَلَكِنْ ... لَيْسَ يُصْغِيْ إِلَىْ الْكلامِ بَلِيْدُ
وَإِذا فُهْتَ بِالسَّلامِ عَلَيْهِ ... نائِيَ الدَّارِ وَالْمَزارُ بَعِيْدُ
بَلَّغَتْهُ الْمَلائِكُ الْغُرُّ حَقًّا ... عَنْكَ ما كُنْتَ بِالسَّلامِ تَجُوْدُ
عَجَباً مِنْكَ فِيْ الصَّلاةِ تُنادِيْ ... ذَاتَهُ أَيُّها النَّبِيُّ الْمَجِيْدُ
وَتُحَييْهِ بِالْخِطابِ كِفاحاً ... ثُمَّ تَنْفِيْ حَياتَهُ وَتَمِيْدُ
فَعَلَيْهِ الصَّلاةُ ما افْتَرَّ رَوْضٌ ... وَعَلَيْهِ السَّلامُ ما اخْضَرَّ عُوْدُ
٧١ - ومن أعمال الملائكة ﵈: إبلاغ النبي ﷺ من سلم عليه وصلاته، كما تقدم في حديث ابن مسعود، وابن عباس رضي الله تعالى عنهم.
وروى البخاري في "تاريخه" عن عمار بن ياسر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِنَّ لِلَّهِ مَلَكاً أَعْطاهُ اللهُ أَسْماعَ الْخَلائِقِ، قائِمٌ عَلَىْ
стр. 483
قَبْرِيَ، فَما مِنْ أَحَدٍ يُصَلِّيْ عَلَيَّ صَلاةً إِلاَّ بُلِّغْتُها" (١).
ورواه البزار، وغيره، ولفظه: "إِنَّ اللهَ تَعالَىْ وَكَّلَ بِقَبْرِيَ مَلَكاً أَعْطاهُ اللهُ أَسْماعَ الْخَلائِقِ، فَلا يُصَلِّ عَلَيَّ أَحَدٌ إِلَىْ يَوْمِ الْقِيامَةِ إِلاَّ أَبْلَغَنِيْ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيْهِ؛ هَذا فُلانٌ ابْن فُلانٍ صَلَّىْ عَلَيْكَ" (٢).
ويحصل على التشبه بالملائكة ﵈ في هذه الخصلة من يحمل إلى النبي ﷺ من الزوار سلام من لم يستطع البلوغ إليه ﷺ ، وحمل الإنسان السلام عليه أمانة يتعيَّن على حاملها تأديتُها، وتحمُّلُ الزوارِ السَّلامَ إليه ﷺ محبوب مقبول فعله العلماء والصالحون.
وقد صح، واشتهر أن عمر بن عبد العزيز ﵁ كان يبرد البريد من الشام إلى المدينة للسلام على النبي ﷺ (٣).
٧٢ - ومنها: الصلاة، والسلام على النبي ﷺ -: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
стр. 484
آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] أي: اقتدوا بالله، وملائكته في ذلك.
وقد تقدم ما نقلناه عن كعب الأحبار في زيارة الملائكة لقبره الشريف.
وروى ابن عساكر عن عبد الرَّحمن بن غُنْم رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "سَلَّمَ عَلَيَّ مَلَكٌ، ثُمَّ قالَ لِي: لَمْ أَزَلْ أَسْتَأْذِنُ رَبِّي فِيْ لِقائِكِ حَتَّىْ كانَ هَذا أَوانَ أَذِنَ لِيْ أَنِّي أُبَشِّرُكَ: لَيْسَ أَحَدٌ أَكْرَمَ عَلَىْ اللهِ مِنْكَ" (١).
وروى الديلمي عن أنس ﵁: أن النبي ﷺ قال: "يا أَيُّهَا النَّاسُ! إِنَّ أَنْجاكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مِنْ أَهْوالِها وَمَواطِنِها أَكْثَرُكُمْ عَلَيَّ صَلاةً فِيْ دارِ الدُّنْيا، إِنَّهُ قَدْ كانَ فِيْ اللهِ وَمَلائِكَتِهِ كِفايَةٌ إِذْ يَقُوْلُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦]، فَأَمَرَ بِذَلِكَ الْمُؤْمِنِيْنَ لِيُثيْبَهُمْ" (٢).
٧٣ - ومنها: الإكثار من ذكره ﷺ المبنيُّ على محبته المستتبعة للإكثار من الصَّلاة والسَّلام عليه .
فقد قالت عائشة ﵂: من أحب شيئاً أكثر من ذكره.
стр. 485
ورواه الديلمي في "مسند الفردوس" مرفوعاً إلى النبي ﷺ من حديثها.
وروى أبو القاسم الخَتلي في "دِيباجه"، وابن عساكر في "تاريخه" عن كعب الأحبار رحمه الله تعالى: أن الله أنزل على آدم ﵇ عصيًا بعدد الأنبياء المرسلين، ثم أقبل على ابنه شيث ﵇ فقال: أي بُنَيَّ! أنت خليفتي من بعدي، فخذها بعمارة التقوى، والعروة الوثقى، وكلما ذكرت الله فاذكر إلى جنبه اسم محمد ﷺ ؛ فإني رأيت اسمه مكتوبًا على ساق العرش - وأنا بين الروح، والطين - ثم إني طفت السماوات فلم أر في السماوات موضعًا إلا رأيت اسم محمد ﷺ مكتوبًا عليه، وإن ربي أسكنني الجنة، فلم أر في الجنة قصراً، ولا غرفة إلا رأيت اسم محمد ﷺ مكتوبًا عليه، ولقد رأيت اسم محمد ﷺ مكتوبًا على نحور الحور العين، وعلى ورق قصب آجام الجنة، وعلى ورق شجرة طوبى، وعلى ورق سدرة المنتهى، وعلى أطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، فأكثر من ذكره؛ فإن الملائكة تذكره في كل ساعاتها (١).
٧٤ - ومنها: موالاة النبي ﷺ ، ومظاهرته، ومناصرته:
قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: ٤].
٧٥ - ومنها: محبة الصالحين، ومجالستهم، ومساعدتهم على
стр. 486
طاعة الله تعالى، وتكثير سوادهم، ومؤانسة الغرباء:
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن كعب قال: إن إبراهيم ﵇ شكى إلى الله تعالى فقال: يا رب! إني ليحزنني أني لا أرى أحداً في الأرض يعبدك، قال: فبعث الله تعالى ملائكة يصلون معه ويكونون معه (١).
وسبق حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: "إِنَّ لِلْمَساجِدِ أَوْتاداً الْمَلائِكَةُ جُلَسَاؤُهُمْ؛ إِنْ غابُوْا يَفْتَقِدُوْهُمْ، وَإِنْ مَرِضُوْا عادُوْهُمْ، وَإِنْ كانُوْا فِيْ حاجَةٍ أَعانُوْهُم" (٢).
٧٦ - ومنها: محبة العلم، والعالم، والمتعلم، وكراهية الجهل، وأهله:
وروى أبو نعيم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ عَلَىْ بابِهِ مَلَكانِ، فَإِذا خَرَجَ قالا: اغْدُ عالِمًا، أَوْ مُتَعَلِّماً، وَلا تَكُنِ الثَّالِثَ" (٣).
٧٧ - ومنها: الإرشاد إلى أفاضل العلماء، وزهادهم، والدلالة عليهم، والإشارة بالتعلم منهم، واستفتائهم:
روى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن سويد بن
стр. 487
إبراهيم قال: شهدت الحسن - يعني: البصري - وجاءته امرأة من بني تيم الله من عُبَّاد أهل البصرة لم يكن في زمانها أفضل منها، فقالت: يا أبا سعيد! إني رأيت في المنام فيما يرى النائم كأني أستفتي ملأً من الملائكة في المستحاضة، فقالوا: تستفتينا! وفيكم الحسن بيده خاتم جبريل ﵇؟ (١).
٧٨ - ومنها: موالاة العلماء، ومخالطتهم، والتبرك بهم:
روى أبو نعيم في "الحلية" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذا الْعِلْمِ أَقْوامًا فَيَجْعَلُهُمْ قاَةً يُقْتَدَىْ بِهِمْ فِيْ الْخَيْرِ، وَتُقْتَصُّ آثارُهُمْ، وَتُرْمَقُ أَعْمالُهُمْ، وَتَرْغَبُ الْمَلائِكَةُ فِيْ خُلَّتِهِمْ، وَبِأَجْنِحَتِها تَمْسَحُهُمْ" (٢).
٧٩ - ومنها: كتابة القرآن:
قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾ [عبس: ١١ - ١٦].
روى ابن جرير عن ابن عباس في الآية؟ قال: هم الملائكة (٣).
стр. 488
وقال مجاهد: السفرة: الكتبة [من] الملائكة. رواه عبد بن حُميد (١).
وقال: القاضي البيضاوي في قوله: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ﴾ [عبس: ١٥]: كتبه من الملائكة ينسخون الكتب من اللوح (٢).
٨٠ - ومنها: تعلم العلم، وتعليمه والتأدب بالآداب اللائقة بطلبة العلم والعلماء:
وقد تقدم ذلك في حديث سؤال جبريل ﵇ عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، وأمارات الساعة، وقول النبي ﷺ : "هَذا جِبْرِيْلُ أَتاكُمْ يُعَلِّمُكُمْ دِيْنَكُمْ" (٣).
٨١ - ومنها: الوعظ، والنصيحة، والنطق بالحكمة:
وهذا جبريل ﵇ جاء بذلك كله إلى الأنبياء ﵈.
وقال وُهَيب بن الورد رحمه الله تعالى: بينما أنا في السوق إذ أخذ آخِذٌ بقفاي، فقال: وهيبُ! خف الله في قدرته عليك، واستحي من الله في قربك منه، فالتفتُّ فلم أر أحداً (٤).
وقال عبد العزيز بن أبان - وليس بالقرشي -: كنت أصلي ذات
стр. 489
ليلة، أو كنت نائمًا فهتف بي هاتف: يا عبد العزيز! نظيف الثوب حسن الصورة يتقلب بين أطباق جهنم غداً (١).
وقال عبد الواحد بن الخطاب: أقبلنا قافلين من بلاد الروم نريد البصرة، حتى إذا كنا بين الرصافة وحمص سمعنا صائحاً يصيح من تلك الرمال - سمعته الآذان، ولم تره الأعين - يقول: يا مستور! يا محفوظ! اعقل في ستر من أنت؛ فإن كنت لا تعقل في ستر من أنت فاتَّقِ الدنيا؛ فإنها حمى الله ، فإن كنت لا تتقيها فاجعلها شَرَكًا، ثم انظر أين تضع قدميك منها (٢).
وقال رجاء بن عيسى: قال لي عمرو بن حزم: أتدري أي شيء كانت توبتي؟ خرجت مع أحداث بالكوفة، فلما أردت آتي المعصية هتف بي هاتف: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر: ٣٨] (٣).
وقال زِرُّ بن أبي أسماء: إن رجلاً دخل غَيْضَة، فقال: لو خلوت هاهنا بمعصية من كان يراني؟ فسمع صوتًا ملأ ما بين لابتي الغيضة: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (٤).
стр. 490
وقال المستلم بن سعيد: كان رجل بأرض طبرستان - قال: وهي أرض آسية كثيرة الشجر - قال: فبينما هو يسير إذ نظر إلى ورق الشجر قد جف، فتساقط، وتراكم بعضه على بعض، فجعل يفكر في نفسه وهو يسير: أترى الله يحصي هذا كله؟ فسمع منادياً ينادي: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] (١).
روى هذه الآثار ابن أبي الدنيا في كتاب "الهواتف".
وأقرب ما يحمل عليه ما فيها أن الهواتف بهؤلاء من الملائكة ﵈.
٨٢ - ومنها: قولهم فيما لا يعلمون: "لا علم لنا"، أو: "لا ندري ":
قال الله تعالى حكاية عن الملائكة ﵈: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ [البقرة: ٣٢].
قال القرطبي: الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم:
(الله أعلم)، و: (لا أدري) اقتداء بالملائكة، والأنبياء، والفضلاء من العلماء (٢). انتهى.
وسئل الشعبي عن مسألة فقال: لا علم لي بها، فقيل: ألا تستحيي؟ قال: ولِمَ أستحيي مما لم تستحِ منه ملائكة الرحمن حين قالوا: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ٣٢]؟ .
стр. 491
وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن جُبير بن مُطْعِم رضي الله تعالى عنه، وأبو يعلى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: "أي البلاد شر؟ " قال: "لا أَدْرِيْ حَتَّىْ أَسْأَلَ"، فسأل جبريل ﵇ عن ذلك، فقال: "لا أدري حتى أسأل"، فانطلق ثم جاء، فقال: "إني سألت ربي عن ذلك، فقال: شر البلاد الأسواق" (١).
قال الحاكم: هذا الحديث أصل في قول العالم: (لا أدري) (٢).
وروى ابن حبان في "صحيحه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أيُّ البقاع شر؟ فقال: "لا أَدْرِيْ حَتَّىْ أَسْأَلَ جِبْرِيْلَ"، فسأل جبريل فقال: "لا أدري حتى أسأل ميكائيل"، فجاءه فقال: "خيرُ البقاعِ المساجدُ، وشرُّها الأسواقُ" (٣).
وروى ابن مردويه بأسانيدَ حِسانٍ، عن جابر بن عبد الله، وعن قيس ابن سعد بن عبادة، وعن أنس بن مالك - وكلهم من الأنصار ﵃: أنَّ النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قال لجبريل: "ما هَذا؟ " قال: "لا أدري حتى أسأل العليم"، ثم رجع فقال: "إن ربك يأمرك أن تَصِلَ من قطعك،
стр. 492
وتعطيَ من حرمك، وتعفوَ عن من ظلمك" (١).
وأنشد القرطبي ليزيد بن الوليد بن عبد الملك (٢)، واستحسنه: [من المتقارب]
إِذا ما تَحَدَّثْتُ فِيْ مَجْلِسٍ ... تَنَاهَىْ حَدِيْثِيْ إِلَىْ ما عَلِمْتُ
وَلَمْ أَعْدُ عِلْمِيْ إِلَىْ غَيْرِهِ ... وَكانَ إِذا مَا تَناهَىْ سَكَتُّ (٣)
وقلت: وذيلت عليه بقولي: [من المتقارب]
وَلَوْ جاءَنِيْ أَحَدٌ سائِلاً ... عَنِ الشَّيْءِ أَعْلَمُهُ لأَفَدْتُ
وَقُلْتُ لِمَا لَمْ أَكُنْ عَالِماً ... بِهِ إِنْ أَكُنْ عَنْهُ يَوْمًا سُئِلْتُ
إِلَيْكَ اعْتِذارِيَ لا عِلْمَ لِيْ ... بِهَذا وَلا غَرْوَ فِيْما فَعَلْتُ
стр. 493
مَلائِكَةُ اللهِ قَبْلِيْ أَجابُوْا ... إِلَهَ السَّماءِ بِما قَدْ أَجَبْتُ
٨٣ - ومنها: التواضع مع الأستاذ، وتعظيم حرمته، والتأدب معه:
قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١]
إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة: ٣٤].
قيل: أراد به السجود الحقيقي تعظيمًا لآدم ﵇.
وقيل: أراد بالسجود التواضع لآدم، والتذلل له (١).
وذكر النقَّاش في تفسير هذه الآية: أن الملائكة لما أُمروا بالسجود كان أولهم سجوداً إسرافيل ﵇ فلذلك منحه الله تعالى علم اللوح المحفوظ (٢).
قلت: وفيه إشارة إلى أن من كان من التلامذة أو المريدين أسرع إلى خدمة الأستاذ والشيخ وأطيب نفسًا بها، كان أرقى في وراثة علم الأستاذ وأقرب؛ فإن علم اللوح المحفوظ المحيط بمجريات الكون التي سبق بها القضاء والقدر، إنما جُوزيَ به إسرافيل ﵇ على مبادرته إلى السجود لآدم الذي أقامه الله تعالى في مقام الأستاذية والتربية للملائكة ﵈ لكونه أشبه بعلم آدم بالأسماء كلها.
стр. 494
وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قال: لما أمر الله تعالى الملائكة بالسُّجود لآدم ﵈، كان أول من سجد إسرافيل ﵇، فأثابه الله أن كتب القرآن في جبهته (١).
وروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في "العظمة" نحوه عن ضَمْرة (٢).
ولا يخلو إما أن يراد بالقرآن جميع كتب الله، أو القرآن المنزل على قلب النبي ﷺ .
وعلى كلا الوجهين، فإن القرآن شبيه بعلم آدم الأسماء كلها، بل جميع العلوم في القرآن.
٨٤ - ومنها: الشفقة، والعطف على ولد الأستاذ وذريته - خصوصاً العلماء منهم، والصالحون -؛ فإن للملائكة ﵈ من الشفقة والعطف على أولاد آدم الذي هو أستاذ الملائكة ما لا يخفى، ولذلك يستغفرون لهم، ويصلون عليهم، كما تقدم.
٨٥ - ومنها: التواضع لوجه الله تعالى، خصوصًا مع العلماء، وطلبة العلم:
وروى أبو نعيم في "الحلية" عن كعب قال: اطلبوا العلم لله،
стр. 495
وتواضعوا فيه؛ فإن الملائكة تتواضع لله (١).
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن صفوان بن عسال ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ خارِجٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِيْ طَلَبِ الْعِلْمِ إِلاَّ وَضَعَتِ الْمَلائِكَةُ أَجْنِحَتَها رِضًى بِما يَصْنَعُ" (٢).
وروى البزار عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ طالِبَ الْعِلْمِ تَبْسُطُ الْمَلائِكَةُ لَهُ أَجْنِحَتَها، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُ" (٣).
وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، وغيرهم عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيْقاً إِلَىْ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَها لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِما يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِيْ السَّماواتِ وَمَنْ فِيْ الأَرْضِ، حَتَّىْ الْحِيْتانُ فِيْ الْمَاءِ"، الحديث (٤).
وهذا الباب فيه أحاديث كثيرة.