٢٢ - ومنها: الألقاب التي تشعر بتزكية النفس .
قال البغوي: روي عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنَّه أراد أن يكتب إلى رجل من العجم اسمه جوانا به؛ قال: ما جوانا به؟
قالوا: خير الفتيان.
قال: فاكتب إلى شر الفتيان (١)؛ فلعل من أسمائهم ما لا ينبغي لنا أن نتكلم به.
قيل: يكره مثل هذه الأسماء لما فيه من التكبر وتزكية النفس مثل: مردان به، ومردان شاه، وفي أسماء النساء: دخنان شاه، وشاه زنان، وما أشبه ذلك (٢).
٢٣ - ومنها: التسمية: شاهان شاه، وما كان في معناه كملك الأملاك .
روى الأئمة إلا النسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال: أخنع الأسماء عند الله يوم القيامة رجل يسمى ملك الأملاك؛ لا ملك إلا الله.
قال سفيان بن عيينة: وشاهان شاه مثل ملك الأملاك (٣).
стр. 4447
قال النوويّ في "الأذكار": ويحرم تحريماً غليظاً أن يقال للسلطان وغيره من الخلق: شاهان شاه.
قال: معناه ملك الملوك، ولا يوصف بذلك غير الله ، ثم أورد الحديث (١).
٢٤ - ومنها: التطير بشيء من الأشياء من ذات، أو حال، أو زمان، أو مكان .
قال صاحب "قلائد الشرف" فيما ذكره من عوائد العجم: إنهم كانوا يقفون للملك ذات اليمين، ولا يقفون أمامه من جانب إلى جانب، وينحَّى عن طريقه الأعمى، والأعور، والجارية البكر، والغلام المنطلق إلى المعلم، والكلاب، والدابة التي تحمل الحطب، وإذا كانت تحمل الطعام والشراب لم يكرهوا ذلك.
* فائِدةٌ:
روى ابن السني، وغيره عن عقبة بن عامر الجهني (٢) رضي الله تعالى عنه قال: سئل النبي ﷺ عن الطيرة، فقال: "أَصْدَقُها الفَألُ، وَلا تَرُدُّ مُسْلِمًا، وإِذا رَأَيْتُمْ مِنَ الطّيَرَةِ ما تَكْرَهُوْنَ فَقُوْلُوا: اللَّهُمَّ لا يَأْتِي
стр. 4448
بِالْحَسَناتِ إِلا أَنْتَ، وَلا يُذْهِبُ السَّيِّئاَتِ إلا أَنْتَ، وَلا حَولَ وَلا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيْمِ" (١).
فيستحب أن يقال هذا الذكر عند التطير كما ذكره النووي، وغيره (٢).
٢٥ - ومنها: الرقية بغير اللسان العربي .
فقد حمل بعض العلماء النهي عن الرقى على ما كان بغير العربية؛ لأنه لا يدرى معناه، وربما كان شِركاً.
وروى الدينوري في "المجالسة" من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن أيوب، عن ابن سيرين: أنه نهى عن الرقى إلا من ثلاث: رقية النملة، والحمَّة، والنفس (٣).
قال: والنملة: قروح تخرج في الجنب.
قال: سمعت ابن قتيبة يقول -وذكر هذا الحديث- فقال: منه حديث النبي ﷺ قال للشفاء: "عَلِّمِي حَفْصَةَ رُقْيَةَ النَّمْلَةِ" (٤).
قال ابن قتيبة: وقال الشاعر: [من الطويل]
وَلا عَيْبَ فِينا غَيْرُ عرقٍ لِمَعْشَرٍ ... كِرامٍ وَأَنَّا لا نَخُطُّ عَلى النَّمْلِ
стр. 4449
يريد أنَّا لسنا بمجوس، وذلك أنهم كانوا يقولون: إن ولد الرجل من أخته إذا خط على هذه القروح برأ صاحبها.
قال ابن قتيبة: والحمة: السم؛ يريد الحية والعقرب وأشباههما.
والنفس: العين، ويقال للعائن: النافس، انتهى (١).
٢٦ - ومنها: الاشتغال بعلم الفلسفة وعلم المنطق .
ورخص أكثر العلماء في ما كان من علم المنطق بقدر الحاجة، ومنع جماعة منهم السيوطي منه مطلقًا.
وقال السيوطي: [من مجزوء الكامل]
إِنَّ الأَعاجِمَ ذَو سَفَهْ ... لا تَحْمَدُوا مِنْهُم صِفَهْ
عِلْمَ الشَّرِيْعَةِ قَدْ رَمَوْا ... وَأَتَوا عُلُومَ الْفَلْسَفَةْ
٢٧ - ومنها: البداءة في الكتاب باسم المكتوب إليه .
والسنة أن يبدأ الكاتب بنفسه.
قال القرطبي في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠]: كان عادة المتقدمين إذا كتبوا أن يبدؤوا بأنفسهم من فلان إلى فلان، وبذلك جاءت الآثار.
روى البيهقي (٢) عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما كان
стр. 4450
أحد أعظم حرمة من النبي ﷺ ، وكان أصحابه إذا كتبوا بدؤوا بأنفسهم (١).
وقال ابن سيرين: إنَّ أهل فارس إذا كتبوا بدؤوا بعظمائهم، فلا يبدأ الرجل إلا بنفسه.
وقال أبو الليث السمرقندي: ولو بدأ بالمكتوب إليه جاز لأنَّ الأمة قد اجتمعت عليه، وفعلوه لمصلحة رأوا في ذلك.
قال: فالأحسن في زماننا هذا أن يبدأ بالمكتوب إليه، ثمَّ بنفسه لأنَّ البداءة بنفسه تعد منه استخفافًا بالمكتوب إليه وتكبرًا عليه، إلا أن يكتب إلى عبد من عبيده، أو غلام من غلمانه، انتهى (٢).
قلتُ: ولا نسلم أنَّ ما ذكره أحسن مما ثبت في السنة، ولا تتغير الأحكام الشرعية بتغير الأزمنة، وينبغي أن يقال بجواز الوجهين، والأحسن العمل بالسنة.
* تنبِيْهٌ:
يستجاد من عوائد العجم ختم الكتاب لا لكونه من أعمالهم، ولكن لظهور وجهه، وتوارد السنة.
وقد روى ابن أبي حاتم عن السدي، وابن مردويه عن ابن عباس
стр. 4451
في قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] أنه قال: مختوم (١).
وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "كَرامَةُ الكِتابِ خَتْمُهُ" (٢).
وروى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: أراد رسول الله ﷺ أن يكتب إلى بعض الأعاجم، فقيل له: إنهم لا يقرؤون كتابًا إلا بخاتم، فاتخذ خاتمًا من فضة، ونقش عليه: محمَّد رسول الله (٣).
ويروى عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: أيما كتاب لم يكن مختوماً فهو أغلف (٤).
قال في "الكشاف": وعن ابن المُقَفَّع: من كتب إلى أخيه كتابًا ولم يختمه فقد استخف به (٥).
٢٨ - ومن عوائد العجم والروم: تحجُّب ملوكهم وحكامهم
стр. 4452
عن الناس، وإرخاء الستور على أبوابهم، وإقامة البوابين عليها، وطرد الناس عنها وبين أيديهم.
وكل ذلك خلاف سنة النبي ﷺ والخلفاء الراشدين.
روى الإمام أحمد عن صفوان قال: قدم على عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وقد فارس، فسألوا عنه، فقالوا: هو في المسجد، فإذا هو قد جمع حصى، فجعل رداءه عليه فاتكأ عليه، فلما رأوه قالواة إن هذا الملك ضائع.
فقال صاحبهم: بل هو ملك عزيز؛ انظروا إليه ليس عليه غلق، ولا باب، ولا حرس يتحصن به؛ هكذا لا يستطيع أن يرومه أحد.
وروى الترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه عن قدامة بن عبد الله العامري رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يرمي جمرة العقبة يوم النحر لا ضرب، ولا طرد، ولا جلد، ولا: إليك إليك (١).
وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ لا يدفع عنه الناس، ولا يضربون عنه (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن الحسن رحمه الله تعالى قال: إن رسول الله ﷺ لا والله ما كان تغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه
стр. 4453
الحجَّاب، ولا يُغْدى عليه بالجِفان، ولا يراح عليه بها، ولكنه كان بارزًا من أراد أن يلقى نبي الله ﷺ لقيه، وكان يجلس بالأرض، ويوضع طعامه بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف بعده (١)، ويلعق والله يده (٢).
وروى الإمام أحمد، والطبراني في "الكبير" عن معاذ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ وَلِيَ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِيْنَ شَيْئًا فاحْتَجَبَ عَنْ ضَعَفَةِ الْمُسْلِمِيْنَ وَأُولِي الْحاجَةِ احْتَجَبَ اللهُ تَعالَى عَنْهُ يَوْمَ القِيامَةِ" (٣).
٢٩ - ومنها: وطء أعقابهم، ومشي الخدام خلفهم وبين أيديهم .
وقد تقدم في أخلاق النبي ﷺ من حديث ابن عمرو، وأنس رضي الله تعالى عنهم: أنه ﷺ كان لا يطأ عقبه رجلان.
وروى الحاكم وصححه، عن عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ كان يكره أن يطأ أحد عقبه، ولكن يمين وشمال (٤).
وروى أبو نعيم عن الهيثم بن خالد عن سليمان بن عتب ال:
стр. 4454
لقينا كريب بن إبراهيم راكبًا وراءه غلام له، فقال: سمعت أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه يقول: لا يزال العبد يزداد من الله بعداً كلما مشي خلفه (١).
٣٠ - من أخلاق الأعاجم والأروام: قيام بعضهم لبعض على سبيل الإعظام، ومحبتهم لأنَّ يقام لهم، وقيام الخدم بين يدي المخدوم وعلى رأسه، وكل ذلك مكروه .
روى أبو داود، وابن ماجه بإسناد حسن، عن أبي إمامة رضي الله تعالى عنه قال: خرج علينا رسول الله ﷺ متوكئاً على عصا، فقمنا إليه، فقال: "لا تَقُوْمُوْا كَما يَقُوْمُ الأَعاجِمُ يُعَظِّمُ بَعْضُهُمْ بَعْضاً" (٢).
وروى الطبراني في "الأوسط" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّما هَلَكَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُمْ عَظَّمُوا مُلُوْكَهُمْ بِأَنْ قامُوا وَقَعَدُوْا" (٣).
وصحح الترمذي عنه قال: لم يكن شخص أحب إليهم رؤيةً من
стр. 4455
رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا لما يعلمون من كراهيته لذلك (١).
وروى أبو داود، والترمذي وحسنه، عن معاوية رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ الرِّجالُ قِياماً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ" (٢).
ورواه ابن جرير الطبري، ولفظه: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَسْتَجِمَّ لَهُ بَنُو آدَمَ قيَامًا دَخَلَ النَّارَ".
وقال: الاستجمام: الوثوب، انتهى (٣).
وهو بالجيم، وفسره صاحب "النهاية"، والسيوطي في "مختصرها" باجتماع الناس له في القيام، واحتباس أنفسهم عليه؛ قال: ويروى بالخاء المعجمة (٤).
وروى الحديث ابن جرير، والطبراني في "الكبير" بلفظ: "مَنْ سرَّهُ إِذَا رَأَتْهُ الرِّجالُ مُقْبِلًا أَنْ يَمْثُلُوْا لَهُ قِيامًا فَلْيَتَبَوَّأْ بَيْتًا مِنَ النَّارِ" (٥).
стр. 4456
ورواه الحاكم في "تاريخه"، ولفظه: "بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتاً في النَّارِ" (١).
قال البغوي، والغزالي، والنووي، وغيرهم: القيام مكروه على سبيل الإعظام لا على سبيل الإكرام (٢).
بل قال النووي باستحبابه لأهل العلم والدين والولاية على سبيل الإكرام والاحترام، لا على سبيل الرياء والإعظام، وألف فيه جزءه المشهور، وأنشد فيه عن أبي عبد الرحمن السلمي رحمه الله تعالى: [من المتقارب]
فَلَمَّا بَصُرْنا بِهِ مُقْبِلًا ... حَلَلْنا الْحبا وابْتَدَيْنا الْقِياما
فَلا تُنْكِرَنَّ قِيامِي لَهُ ... فَإِنَّ الْكَرِيْمَ يُجِلُّ الْكِراما (٣)
وأنشد فيه أيضًا: [من الوافر]
قِيامِي وَالْعَزِيْزِ إِلَيْكَ حَقٌّ ... وَتَرْكُ الْحَقِّ ما لا يَسْتَقِيْمُ
فَهَلْ أَحَدٌ لَهُ عَقْلٌ وَلُبٌّ ... وَمَعْرِفَةٌ يَراكَ وَلا يَقُوْمُ (٤)
قلت: والفرق بين ما كان للإكرام وما كان للإعظام أن الإكرام
стр. 4457
إنزال المكرم في منزلته لقوله ﷺ : "أَنْزِلُوْا النَّاسَ مَنازِلَهُمْ" (١)،
والإعظام أن ترفعه عن منزلته، ومن ثم كان استحباب القيام مقيدًا بأن يكون لأهل العلم والدين والولاية.
وفي الحديث: "لا يَقُوْمُ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ إِلَّا لِبَنِي هاشِمٍ".
أخرجه الحافظ الخطيب عن أبي أمامة (٢).
وفي لفظ آخر: "يَقُوْمُ الرَّجُلُ مِنْ مَجْلِسِهِ لأَخِيْهِ إِلَّا بَنِيْ هَاشِمَ لا يَقُوْمُوْنَ لأَحَدٍ" (٣).
فإن كان القيام لمن ليس أهل له كان مكروهاً، فإن كان على سبيل الخضوع والتذلل كما يقوم العبد في العبادة فهذا أولى بأن يقطع ويتحرَّى، وهو المشار إليه في الحديث بأنه كان سببًا في هلاك الأمم.
- ومن آداب الأعاجم والأروام المخالفة للسنة: انحناؤهم لملوكهم، والاكتفاء بذلك عن السلام، وكذلك تقبيل أذيالهم، وتقبيل الأرض بين أيديهم، ووضع اليدين على الصدر عندهم كما يفعل المصلي، وفعل ذلك إذا شرب كبيرهم مع القيام، فإذا فرغ انحنوا له،
стр. 4458
وقيام الخادم إذا عطس المخدوم عوضاً عن التشميت، وكذلك القيام عند أكل المخدوم أو شربه والخادم حامل للقلة أو للصحفة وغيرها.
كل ذلك من آداب الأعاجم التي تخالف السنة، فيتعين اجتنابها.
قال ابن الحاج في "المدخل" في آداب الأكل: وينبغي له أن يتحرز من الأكل وأحد قائم على رأسه إذ ذاك، فإنه من البدع والتشبه بالأعاجم إن سلم من وجوه الكبر.
قال: وكثير من يفعل اليوم هذا، سيما إذا كان الذباب كثيرًا، فيقوم شخص على رؤوس الأكابر فينشر عليهم ويروح.
قال: وهذا من البدع؛ فإن اضطر إلى ذلك فليكن فاعله جالسًا حتى يسلم من التشبه بالأعاجم، ومن الخيلاء والكبر، انتهى (١).
وروى المعافى بن زكريا في "الأنيس والجليس" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قد: دخلت مع رسول الله ﷺ السوق قال: نقعد إلى البزازين، فاشترى سراويل بأربعة دراهم، قال: وكان لأهل السوق رجل يزن بينهم الدراهم يقال له: فلان الوزان، فدعا به ليزن ثمن السراويل، فقال له النبي ﷺ : "أَزِنْ وَأَرْجِحْ".
قال: فقال الرجل: إن هذا لقول ما سمعته من أحد فمن أنت؟
قال أبو هريرة ﵁: فقلت: حسبك من الرهق، وكفى في دينك
стр. 4459
أن لا تعرف نبيك، هذا رسول الله ﷺ .
فألقى الميزان، ووثب إلى يد رسول الله ﷺ ليقبلها.
فمنعه رسول الله ﷺ وقال: "مَهْ! إِنَّما يَفْعَلُ هَذا الأَعاجِمُ بِمُلُوْكِها، وَإنيِّ لَسْتُ بِمَلِكٍ، إِنَّما أَنا كَرَجُلٍ مِنْكُمْ".
قال: فقعد الوزَّان، فاتزن وأرجح كما أمره رسول الله ﷺ ، فلما انصرفنا تناولت السراويل لأحملها عنه، فمنعني وقال: "صاحِبُ الشَّيْءِ أَحَقُّ بِحَمْلِهِ إِلَّا أَنْ يَكُوْنَ ضَعِيْفًا يَعْجِزُ عَنْهُ فَيُعِيْنُهُ أَخُوْهُ الْمُسْلِمُ".
قال: قلت: يا رسول الله! إنك لتلبس السراويل؟
قال: "نعَمْ؛ في السَّفَرِ والْحَضَرِ، وَبِاللَّيْلِ والنَّهارِ".
قال الراوي: قال الإفريقي: شككت في قوله: "وَمَعَ أَهْلِي؛ إِنِّي أُمِرْتُ بِالتَّسَتُّرِ فَلَمْ أَجِدَ ثَوبًا أَسْتَرَ مِنَ السَّراويلِ" (١).
٣١ - ومن آداب الأعاجم: الأكل على الخوان والأواني الرفيعة .
والخوان -بالكسر- وعليه اقتصر صاحب "الصحاح".
وقال صاحب "القاموس": كغراب، وسحاب كالأخوان: ما يؤكل عليه مرتفعاً (٢).
стр. 4460
وقال في "الصحاح": معرب (١).
قال في "المدخل": والخوان من فعل الأعاجم، وقد نهينا عن التشبه بهم (٢).
وروى البخاري عن قتادة عن أنس ﵁ قال: ما أكل رسول الله ﷺ على خوان، ولا سُكْرجة، ولا خبز له مرقق.
قيل لقتادة: فعلى ماذا كانوا يأكلون؟
قال: على السُّفر (٣).
وهي جمع سفرة -بالضم- وهي في الأصل طعام يتخذه المسافر، وأكثر ما يحمل في جلد مستدير، فنقل اسم الطعام إلى الجلد، وسمي به كما في "النهاية"، وغيرها من تسمية المحل باسم الحال (٤).
وروى الإمام أحمد عن الحسن -مرسلًا- قال: كان رسول الله ﷺ إذا أُتيَ بطعام وضعه إلى الأرض (٥).
стр. 4461
٣٢ - ومنها: قطع اللحم النضيج بالسكين .
قال النووي: ويكره من غير حاجة، أما للحاجة فلا يكره لما في "صحيح مسلم" عن عمرو بن أمية الضمري رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يحتزُّ من كتف شاة، فأكل منها، فدعى إلى الصلاة، فقام وطرح السكين، وصلَّى ولم يتوضأ (١).
قال القاضي عياض: فيه جواز قطعه -يعني: اللحم- بالسكين عند الأكل للحاجة إلى ذلك من شدة اللحم أو كسر العضو.
قال: ويكره المداومة على استعماله ذلك لأنه من سنة الأعاجم، انتهى (٢).
قلت: روى أبو داود، والبيهقيّ عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بِالسِّكِّيْنِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ صُنْعِ الأَعاجِمِ، وَلَكِنِ انْهَسُوْهُ نَهْسًا؛ فَإِنَّه أَهْنأُ وَأَمْرَأُ" (٣).
والنهس بالمهملة الأخذ بأطراف الأسنان، وهو المروي.
وبالمعجمة: الأخذ بالأضراس، ولم يرد، ومن قرأه بالمعجمة فقد صحفه.
стр. 4462
ورواه الديلمي، ولفظه: "لا تَقْطَعُوْا اللَّحْمَ بِالسِّكيْنِ عَلَىْ الْخِوانِ؛ فَإِنَّهُ مِنْ صُنع الأَعاجِمِ، وانْهَسُوْهُ؛ فَإِنَّهُ أَهْنأُ وَأَمْرَأُ" (١).
وروى البيهقي في "الشعب" عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها: أن رسول الله ﷺ قال: "لا تَقْطَعُوْا اللَّحْم (٢) بِالسِّكيْنِ كَمَا تَقْطَعُهُ الأَعاجِمُ" (٣).
والحكمة في ذلك أن اللحم النضيح إذا قطع بالسكين ربما أكسبه الحديد ما يضر بالبدن ويذهب باللذاذة منه.
٣٣ - ومنها: سكوت الجماعة على الطعام .
بل ذكر الغزالي في "الإحياء" من الآداب أن لا يسكتوا على الطعام؛ فإن ذلك من سيرة العجم.
قال: ولكن يتكلمون بالمعروف، ويتحدثون بحكايات الصالحين في الأطعمة وغيرها (٤).
قال شيخ الإسلام الجد في "ألفيته":
وَإِنَّما النَّهْيُ عَنِ الْكَلامِ ... مِنْ أَدَبِ المَجُوسِ في الطَّعامِ
стр. 4463
وذكر النوويّ في "زوائد الروضة" أن من السنة أن يتحدثوا على الطعام بما لا إثم فيه.
وقال في "الأذكار": باب استحباب الكلام على الطعام، واستدل له بما في "صحيح مسلم" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ سأل أهله الإدام، فقالوا: ما عندنا إلا خل، فدعا به فجعل يأكل منه، ويقول: "نِعْمَ الإِدامُ الْخَلُّ، نِعْمَ الإِدَامُ الْخَلُّ" (١).
٣٤ - ومنها: الاستنكاف عن أكل اللقمة إذا سقطت، ونحو ذلك .
روى ابن ماجه عن الحسن، عن معقل بن يسار قال: بينما هو -يعني: أباه معقلاً رضي الله تعالى عنه- يتغدَّى إذ سقطت منه لقمة، فتناولها فأماط ما كان فيها من أذى، فتغامز به الدهاقين، فقيل: أصلح [الله] الأمير! إن هؤلاء الدهاقين يتغامزون من أخذك اللقمة وبين يديك هذا الطعام؟
قال: لم أكن لأدع ما سمعت من رسول الله ﷺ لهذه الأعاجم؛ إنا كنا يؤمر أحدنا إذا سقطت لقمته أن يأخذها فيميط ما كان فيها من أذى، ويأكلها، ولا يدعها للشيطان (٢).
стр. 4464
٣٥ - ومنها: التنعم والتأنق في ألوان الأطعمة وطيباتها، وغير ذلك .
وهو مكروه، أو خلاف الأولى، وإذا حمل العبد ذلك على الطمع في المال الحرام واكتسابه ليتوصل به إلى ذلك كان محرماً، وهو من جنس ما قدمناه من صنع الأعاجم من كثرة الإرفاه.
ذكر صاحب "قلائد الشرف" أن أول من خبز له المرقق نمرود، وهو من أوائل ملوك العجم (١).
وكل ما تقدم في النهي في التشبه به فيه فهو داخل في النهي عن التشبه بالأعاجم.
وفي حديث أنس رضي الله تعالى عنه: ما أكل رسول الله ﷺ على خوان، ولا سكرجة، ولا خبز له مرقق. أخرجه أبو الشيخ بن حيان في "أخلاق النبي ﷺ "، وأصله في "الصحيح" (٢).
وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن أبي عثمان النهدي رحمه الله تعالى قال: لما قدم عتية أذربيجان أتى بالخبيص، فأمر سفطين عظيمين فصنعا له من الخبيص، ثمَّ حملهما على بعير فسرح بهما إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فلما قدم على عمر ذاقه فوجده شيئًا حلواً،
стр. 4465
فقال: كل المسلمين يشبع من هذا في رحله؟
قال: لا.
قال: فلا حاجة لنا به، أطبقهما وردها عليه.
ثمَّ كتب إليه: أما بعد! فليس من كد أبيك ولا كد أمك، فأشبع المسلمين مما تشبع منه في رحلك.
ثمَّ قال: إياكم وزي الأعاجم ونعيمها، وعليكم بالمَعَدِّية (١).
٣٦ - ومنها: غسل اليدين قبل الطعام ما لم تكونا متقذرتين .
قال القاضي أبو بكر بن العربي في كتاب "سراج المريدين": روى إسماعيل بن أبي إدريس عن مالك رحمه الله تعالى: أنه دخل على عبد الملك بن صالح فجلس ساعة، ثم دعا بالطعام، ودعا بالوضوء لغسل يده، فقال عبد الملك: ابدا بأبي عبد الله يغسل.
فقال مالك: إن أبا عبد الله لا يغسل يده، فاغسل أنت يدك.
فقال له عبد الملك: لم يا أبا عبد الله؟
قال: ليس هو من الأمر الأوّل الذي أدركت عليه أهل بلدنا، وإنما هو من زي العجم، وقد بلغني أن عمر بن الخطاب ﵁ قال: إياكم وزي العجم وأمورها.
وكان عمر ﵁ إذا أكل مسح يده بظهر قدمه.
стр. 4466
فقال له عبد الملك: أَفترى لي تركه يا أبا عبد الله؟
قال: إي والله، فما عاد عبد الملك إلى ذلك، انتهى (١).
لكن نص الغزالي، وغيره على استحباب غسل اليدين قبل الطعام لأنَّ اليد لا تخلو عن لوث في تعاطي الأعمال، فغسلها أقرب إلى النظافة والنزاهة، ولأن الأكل بقصد الاستعانة على الطاعة، فينبغي أن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطهارة من الصلاة، ولأن الطعام نعمة فينبغي استقبالها بالأدب (٢).
على أنه شريعة قديمة وقررتها شريعتنا لما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والحاكم وصححه، وحسنه المنذري عن سلمان ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! قرأت في التوراة: بركة الطعام الوضوء قبله، فقال: "بَرَكَةُ الطَّعامِ الْوُضُوْءُ قَبْلَهُ والْوُضُوْءُ بَعْدَهُ" (٣).
والمراد بالوضوء هنا: غسل اليدين والفم.
وروى ابن ماجه بإسناد ضعيف، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُكْثِرَ خَيْرَ بَيْتِهِ فَلْيتَوَضَّأْ إِذا حَضَرَ غداؤُهُ وَإِذا رُفِعَ" (٤).
стр. 4467
وروى الطبراني في "الأوسط" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "الْوُضُوْءُ قَبْلَ الطَّعامِ وَبَعْدَهُ يَنْفِيْ الْفَقْرَ، وَهُوَ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِيْنَ" (١).
وروى القضاعي عن موسى الرضا، عن آبائه رضي الله تعالى عنهم: أنه ﷺ قال: "الْوُضُوْءُ قَبْلَ الطَّعامِ يَنْفِيْ الْفَقْرَ، وَبَعْدَهُ يَنْفِيْ الْهَمَّ (٢) " (٣).
وروى الحاكم في "تاريخه" عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "الْوُضُوْءُ قَبْلَ الطَّعامِ حَسَنةٌ، وَبَعْدَهُ حَسَنتانِ" (٤).
* فائِدَةٌ:
إذا كان على الطعام جماعة وفيهم صبية، فالأدب أن يقدم الصبيان في غسل اليدين قبل الطعام لأنَّ أيديهم أقرب إلى الوسخ، وربما نفِدَ الماء قبل وصول النوبة إليهم لتقديم غيرهم، بخلاف ما بعد الطعام فالأدب تقديم الشيوخ والأكابر كرامة لهم. ذكره ابن العماد الأقفهسي.
стр. 4468
٣٧ - ومن آداب الأعاجم إذا غسلوا أيديهم أن يراق ماء كل واحد منهم من الطست، ثمَّ يوضع بين يدي الآخر .
روى البيهقي، والخطيب عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "أَترِعُوا الطُّوَسَ، وَخالِفُوْا الْمَجُوْسَ" (١).
وقال ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: اجتمعوا على غسل الأيدي في طست واحدة، ولا تستنوا سنة الأعاجم. نقله في "الإحياء" (٢).
وروى البيهقي عن عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى: أنه كتب إلى عامله بواسط: بلغني أن الرجل يتوضأ في طست، ثم يؤمر به فيهراق؛ فإن هذا من زي الأعاجم، فتوضؤوا فيها، فإذا امتلأت فأهرقوها (٣).
٣٨ - ومن آداب الأعاجم والأروام التي يتداولونها في هذه الأيام: قيام قوم عن الطعام قبل أن يرفع وقعود آخرين .
وهو خلاف السنة.
روى ابن ماجه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نهى النبي ﷺ
стр. 4469
أن يقام عن الطعام حتى يرفع (١).
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "إِذَا وُضِعَتِ الْمَائِدَةُ فَلا يَقُوْمُ الرَّجُلُ حَتَّىْ تُرْفَعَ الْمَائِدَةُ، وَلا يَرْفَعْ يَدَهُ وَإِنْ شَبعَ حَتَّىْ يَفْرُغَ الْقَوْمُ" (٢).
٣٩ - ومن أخلاق الأعاجم: أنهم كانوا لا يساكنون الحُيَّضَ، ولا يؤاكلونهن .
كما أخرجه ابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ (٣).
وتقدم أن اليهود وأهل الجاهلية كذلك.
ورُويَ أنَّ الخوارج كذلك.
وتقدم أن النصارى يأتون الحيض، وأن المسلمين بين ذلك.
وقد روى مسلم، وأبو داود عن ميمونة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ كان يباشر نساءه فوق الإزار وهن حُيَّضٌ (٤).
стр. 4470
وروى الشيخان عن أم سلمة قالت رضي الله تعالى عنها: بينا أنا مضطجعة مع رسول الله ﷺ في الخميلة إذ حضت، فانسللت فأخذت ثياب حيضتي، فقال: "أَنَفُسْتِ؟ " قلت: نعم، [فدعاني فاضجعت معه في الخميلة] (١).
وقد روى الإِمام مالك رحمه الله تعالى في "الموطأ"، وغيره نحوه من حديث عائشة، وفيه فقال: "خُذِي ثِيابَ حَيْضَتِكِ وَعُودي إِلَى مَضْجَعِكِ" (٢).
وروى أبو داود عن حَرام بن حكيم، عن عمه رضي الله تعالى عنه: أنه سأل رسول الله ﷺ : ما يحل لي من امرأتي وهي حائض؟
قال: "لَكَ مَا فَوْقَ الإِزَارِ" (٣).
وأخرجه من حديث معاذ بنحوه، وقال: ليس بالقوي (٤).
٤٠ - ومن أخلاق الأعاجم: ترك الشعر أبيض من غير خضاب، وهو خلاف الأولى .
روى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن عامر (٥)، عن عتبة بن
стр. 4471
عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يأمر بتغيير الشيب مخالفة للأعاجم (١).
وروى البزار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تتَشَبَّهُوْا بِالأَعَاجِمِ؟ غَيِّرُوْا اللِّحَىْ" (٢).
٤١ - ومنها: عقد اللحية .
روى أبو داود بإسناد جيد، عن رويفع بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَا رُوَيْفِعُ! لَعَلَّ الْحَيَاةَ سَتَطُوْلُ بِكَ بَعْدِي، فَأَخْبِرِ النَّاسَ أَنَّ مَنْ عَقَدَ لِحْيتهُ، أوْ تَقَلَّدَ وتَرًا، أَوْ اسْتَنْجَىْ بِرَجِيع دَابةٍ أَوْ عَظْمٍ فَإِنَّ مُحَمَّدًا مِنْهُ بَرِيْء" (٣).
قال الخطابي: في عقدها تفسيران:
أحدهما: أنهم كانوا يعقدون لحاهم في الحرب، وذلك من زي الأعاجم.
والثاني: معالجة الشعر ليتعقد ويتجعد، وذلك من فعل أهل
стр. 4472
التأنيث والتوضيع، وهو مكروه كما نص عليه النووي في "شرح المهذب" (١).
٤٢ - ومنها: حلق القفا لغير ضرورة .
وهو نوع من القزع، وتقدم أنه مكروه للنهي عنه.
روى ابن عساكر عن عمر رضي الله تعالى عنه، [عن النبي ﷺ ] أنه قال: حلق القفا من غير حجامة مجوسية (٢).
وروى الخلال عن الهيثم بن حميد رحمه الله تعالى قال: حف القفا من شكل المجوس (٣).
وقال المروزي: سألنا أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- عن حلق القفا، فقال: هو من فعل المجوس، ومن تشبه بقوم فهو منهم (٤).
ويظهر كراهيته للنساء، ولعله من تغيير خلق الله، وهو داخل في النمص، وهو نتف الشعر.
روى الإِمام أحمد، والستة عن ابن مسعود ﵁: أن النبي ﷺ :
стр. 4473
"لَعَنَ اللهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللهِ" (١).
٤٣ - ومنها: توفير الشوارب، والأخذ من اللحى .
روى مسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "جُزُّوْا الشَّوَارِبَ وَأَرْجِئُوْا اللِّحَى؛ خَالِفُوْا الْمَجُوْسَ" (٢).
وروى البزار عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "خَالِفُوْا الْمَجُوْسَ؛ جُزُّوْا الشَّوَارِبَ، وَأَعْفُوا اللِّحَى" (٣).
وروى ابن حبان في "صحيحه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال في المجوس: "إِنهمْ يُوَفِّرُوْنَ سِبَالَهُمْ ويُحِفُّوْنَ لِحَاهُمْ؛ فَخَالِفُوْهُمْ" (٤).
وروى ابن أبي شيبة عن عبيد الله بن عتبة رحمه الله تعالى -مرسلاً- قال: جاء رجل من المجوس إلى رسول الله ﷺ وقد حلق لحيته وأطال
стр. 4474
شاربه، فقال له النبي ﷺ : "مَا هَذا؟ ".
قال: هذا في ديننا.
قال: "لَكِنْ فِيْ دِيْننِا أَنْ نَجُزَّ الشَّارِبَ وَأَنْ نَعْفِيَ اللِّحْيَةَ" (١).
وعن حصين، عن عبد الله بن شداد قال: كتب كسرى إلى باذام:
إني نبُئتُ أن رجلًا يقول شيئًا لا أدري ما هو، فأرسِلْ إليه فليقعد في بيته، ولا يكن من الناس في شيء، وإلا فليواعدني موعدًا ألقاه به.
قال: فأرسل باذام إلى رسول الله ﷺ رجلين حالقي لحاهما مرسلي شواربهما، فقال رسول الله ﷺ : "مَا يَحْمِلُكُمَا عَلَىْ هَذَا؟ "
فقالا له: يأمرنا به الذي يزعمون أنه ربهم.
فقال له رسول الله ﷺ : "لَكِنَّنَا نُخَالِفُ سُنَّتَكُمْ، نَجُزُّ هَذَا وَنُرْسِلُ هَذَا".
قال: فمر به رجل من قريش فأمره أن يجزهما.
قال: فتركهما بضعا وعشرين يومًا.
قال: "اذْهبَا إِلَىْ الذِيْ تَزْعُمَانِ أَنَّهُ رَبكُمَا، فَأَخْبِرَاهُ أَنَّ رَبِّيْ قَتَلَ الَّذِيْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَبَّهُ".
قالا: متى؟
قال: "الْيَوْمَ".
قال فذهبا إلى باذام، فأخبراه الخبر.
стр. 4475
قال: فكتب إلى كسرى، فوجدوا اليوم هو الذي قتل فيه كسرى (١).
٤٤ - ومنها: ما ذكره صاحب "قلائد الشرف": أن من عادة الفرس أنهم كانت الأصوات تستر عنهم إلَّا غناء النساء، وصوت الجوارح، وصهيل المراكب .
ولا يحمد من ذلك إلا إظهار صهيل الخيل، فأما أصوات الجوارح فإنها -وإن كان الصيد بها مباحًا- فإنَّه من الملاهي لقوله ﷺ : "وَمَنِ اتَّبَعَ الصَّيْدَ غَفَلَ". أخرجه أبو داود، وغيره (٢).
ومن غفلة الملوك وأمثالهم أنهم يتخذون الصيد لهواً لا كسباً، وربما تكلفوا وكلفوا من يقرون به من أهل القرى أضعاف قيمة ما صادوه.
وسماع الرجل غناء الأجنبية مكروه كغنائها بمسمع منه، ويحرمان عند خوف الفتنة، ويحرم عليها رفع صوتها بالأذان إن كان ثمَّ أجنبي يسمع، ويفرق بينه وبين سماعه غنائها بأنَّ الأذان والنظر إلى المؤذن مستحب الإصغاء إليه، ففي استحبابه لها بل في إباحته لها حمل الناس على ما يؤدي إلى الفتنة لهم فيه.
وليس كذلك التلبية؛ فإن كل إنسان مشغول بتلبيته، ولا يسن الإصغاء إلى التلبية، ولا النظر إلى الملبي، فلا داعي إلى الفتنة.
стр. 4476
على أن المداومة على الغناء وعلى سماعه ولو من مثل السامع ذكورة وأنوثة مكروهٌ لأنه من لهو الحديث.
وقد روى أبو داود، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي" عن ابن مسعود ﵁ -مرفوعًا، وموقوفاً وهو أصح- والبيهقي في "الشعب" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "الْغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِيْ الْقَلْبِ كَمَا يُنْبِتُ الْمَاءُ الْبَقْلَ".
ولفظ جابر: "الزَّرْعُ" (١).
وقال الفضيل عن عياض رحمه الله تعالى: الغناء رُقية الزنا.
وقال يزيد بن الوليد: إياكم والغناءة فإنه يزيد في الشهوة، ويهدم المروءة، وإنَّه لينوب عن الخمر ويفعل ما يفعله السكر، فإن كنتم لا بد فاعلين فجنَّبوه النساء؛ فإن الغناء داعية الزنا. نقلهما في "الإحياء"، ونزَّلهما على سماع العشاق والمتعلمين من الشبان، وجزم أنَّ الأولى ترك الغناء وسماعه في أكثر الأحوال (٢).
وكلام يزيد بن الوليد موافق لشهامة العرب.
ولما خالط بنو العباس من الخلفاء الأعاجم غلب عليهم حب السماع، وعقد مجالس الإنس والشرب كما يعرف ذلك من سيرهم.
стр. 4477
٤٥ - ومنها: ما ذكره صاحب "قلائد الشرف" أيضًا: أنهم كانوا يعادون المريض من أوليائهم، فإذا مات لم يحضروا حمله، وذلك أنفةً منهم أو اعتقادًا للعدوى، وكانوا إذا نعي عليهم رجل مشهور قام إنسان بحذاء الملك ونحوه ومعه إبريق صفر فيه ماء، فإذا نظر إليه الملك صب، فيقول: مَنْ؟ فيسمَّى، وذلك من الأنفة والكبر.
والسنة عيادة المريض، والقرب منه، وسؤاله عن حاله، وتعهد أوليائه له، والإكثار من ذكر الموت والاتعاظ به: [من مخلع البسيط]
مِنْ عادَةِ الْفُرْسِ أَنْ يُعادَ ... مَرِيْضُهُمْ ثُمَّ لا يُعادُ
قُرْبُ وَلِيِّ الْمَرِيْضِ مِنْهُ ... يُنْدَبُ لا الصَّدُّ وَالمعادُ
وَالْمَوْتُ آتٍ لا بُدَّ مِنْهُ ... وَبَعْدَهُ الْحَشْرُ وَالْمَعادُ
أَيْنَ الْمُلُوكُ الَّذِيْنَ بادُوا ... أَيْنَ ثَمودُ وَأَيْنَ عادُ
أَيْنَ الْمِراضُ الَّذِينَ عُودُوا ... ماتُوا وَماتَ الَّذِينَ عادُوا
٤٦ - ومنها: وضع الأموات في النواويس والتوابيت التي اعتاد الروم والعجم وضع أمواتهم فيها، ومثله الفساقي التي اعتادوها أهل مصر .
قال في "المدخل": وجعل الميت في الفسقية يمنع لوجوه.
ثم قال: الوجه الرابع عشر: ما في فعلها من ارتكاب النهي لأن النبي ﷺ نهانا عن التشبه بالأعاجم، وما كان ابتداء فعلها إلا من
стр. 4478
جهتهم، انتهى (١).
وذكر بعضهم أن المجوس لا يتغوطون في الآبار والبلاليع لأنهم يزعمون تكريم بطن الأرض عن ذلك، ويزعمون أن بطن الأرض أحد الأركان التي تثبت العوالم الخمسة، ولذلك لا يدفنون موتاهم في القبور، ويضعونهم في النواويس.
قالوا: وعلى هذا المثال أعظمنا النار والماء، وليسا بأحق بالتعظيم من الأرض.
٤٧ - ومن أخلاق الأعاجم: حب الدنيا .
ولذلك يغلب عليهم البخل كما ذكره علماء الفِراسة.
روى الطبراني في "الكبير" عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأتِيْ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ قُلُوْبُهُمْ قُلُوْبُ الْعَجَمِ".
قلت: وما قلوب المعجم؟
قال: "حُبُّ الدُّنْيَا" (٢).
وروى الديلمي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "الْبُخْلُ عَشْرَةُ أَجْزَاءِ، فَتِسْعَةٌ مِنْهَا فِيْ فَارِسَ، وَوَاحِدٌ فِيْ النَّاسِ" (٣).
стр. 4479
٤٨ - ومنها: محبة طول العمر حتى إن من تحية الملوك: عش ألف سنة .
وبه فسر قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦] قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾؛ قال: اليهود، ﴿وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾؛ قال: الأعاجم، ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [البقرة: ٩٦]. قال: هو قول الأعاجم إذا عطس: زه هزاسان (١).
وفي رواية: هو قول أحدهم لصاحبه: هزارسان سرور مهرجان نحور. رواه الحاكم (٢).
* لَطِيْفَةٌ:
روى الدينوري عن مسلم بن يسار رحمه الله تعالى قال: سمعت سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى يقول -وقد أنشد شعراً- فقلت: وإنكم لتنشدون الشعر؟
فقال: أو ما تنشدونه عندكم؟
قلت: لا.
стр. 4480
قال: نسكتم نسكًا أعجمياً، ثم حدث أن رسول الله ﷺ قال: "شَرُّ النُّسُكِ نُسُكٌ أَعْجَمِيٌ" (١).
قلت: لعل وجهه أن العجم يتلقون النسك عن العرب، فربما قصر فهمهم عن استيفاء ما يطلب في النسك من شرط وغيره، فيوقعونه على غير وجهه.
وأقرب الناس من أن يعبد الله على جهل الأعاجم، ومن ثم اتخذ صوفيتهم النايات والدفوف المصنجة عبادة، والدوران كالمولوية وأمثالهم.
* لطائِفُ أُخْرى:
روى ابن جرير عن مجاهد قال: تلوت هذه الآية على عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٦٨] فقال: أتدري يا مجاهد من الذي أشار بتحريق إبراهيم ﵇ بالنار؟
قلت: لا.
قال: رجل من أعراب فارس؛ يعني: الأكراد (٢).
وذكر التاج ابن السبكي في "طبقاته" في ترجمة أبي القاسم الزنجاني سعيد بن علي الحافظ الزاهد الورع عن محمَّد بن طاهر المقدسي أنه قال: دخلت عليه وأنا ضيِّق الصدر من رجل من أهل شيراز لا أذكره، فأخذت
стр. 4481
يده فقبلتها، فقال ابتداء من غير أن أعلمه بما أنا فيه: يا أبا الفضل! لا يضيق صدرك عندنا في بلاد المعجم، مثلٌ يضرب، يقال: بخل أهوازي، وحماقة شيرازي، وكثرة كلام رازي (١).
وروى الدينوري عن المدايني قال: دخل رجل على عبد الملك ابن مروان من غسان، فكلمه في حوائج له، فقضاها، فقال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في تقبيل يدك؟
فقال: مه! أما علمت أنها من العرب مذلة، وهي من المعجم خدعة (٢).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أنه سئل عن ذي القرنين فقال: لم يوحَ إليه، وكان ملكًا.
قيل: فلم سمِّي ذا القرنين؟
فقال: اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: إنه كان في رأسه شبه القرنين (٣).
- وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن وهب: أنه كان يقول: كان ذو القرنين من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها
стр. 4482
ولد غيره، وكان اسمه: الإسكندر (١).
وروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عمن يسوق الأحاديث عن الأعاجم ممن قد أسلم من أهل الكتاب: أنَّ ذا القرنين كان رجلًا صالحا من أهل مصر اسمه: مرزبا بن مرزبه اليوناني من ولد يوثن بن يافث بن نوح (٢).
وذكر الطرطوشي في "سراج الملوك" الإسكندر لما مات قال أرسطاطاليس: أيها الملك! لقد حركنا سكونك.
وقال بعض الحكماء من أصحابه: كان الملكُ أمسِ أنطقَ منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
نظمه أبو العتاهية فقال: [من الوافر]
كَفَى حَزْنًا بِدَفْنِكَ ثُمَّ إِنِّي ... نَفَضْتُ تُرابَ قَبْرِكَ مِنْ يَدَيَّا
وَكانَتْ في حَياتِكَ لِي عِظاتٌ ... فَصِرْتَ الْيَوْمَ أَوْعَظَ مِنْكَ حَيَّا
قال: ووجد مكتوبا على قبره -يعني: الإسكندر-: قهرنا من قهرنا فصرنا للناظرين عبرة.
وقال فيه: روي أن داود ﵇ وافا على غار فإذا فيه رجل
стр. 4483
خلق عظيم من بني آدم، فإذا عند رأسه حجر مكتوب بكتاب محفور فيه: أنا روستم الملك، ملكت ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وافترعت ألف بكر من بنات الملوك، ثم صرت إلى ما ترى، التراب فراشي، والحجارة وسادي، فمن رآني فلا تغره الدنيا كما غرتني (١).
وقال فيه: إن مجوسيًا وقدريًّا تناظرا، فقال القدري للمجوسي: ما لك لا تسلم؟
فقال المجوسي: لو أراد الله لأسلمت.
فقال القدري: قد أراد الله أن تسلم، ولكن الشيطان يمنعك.
قال المجوسي: فأنا مع أقواهما (٢).
قال: وقال رجل لبزُر جمهر: تعال نتناظر في القدر.
فقال: وما تصنع بالمناظرة؟ رأيت ظاهراً استدللت به على باطن، ورأيت أحمق مرزوقًا وعاقلاً محروماً، فعلمت أن التدبير ليس للعباد.
قال: ولما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتاباً فيه: إذا كان القدر حقًا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر طباعاً فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل أحد نازلاً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق، انتهى (٣).
стр. 4484
ونقل هذا الأخير ابن عبد ربه في "العقد" (١).
* تنبِيْهٌ:
إذا قيل: قد ذكرت أول الباب أن العرب أتم عقلاً من المعجم، ونحن نرى من متقدمي الأعاجم ومتأخريهم من نبل قدره في العلم، وبعد صيته في الفضل، وضرب به المثل في العقل، وسلم تفضيله على أقرانه من علماء العربية كأبي إسحاق الشيرازي، والسعد التفتازاني في جماعات كثيرين من المتقدمين والمتأخرين.
وقال النبي ﷺ : "لَوْ كَانَ الْعِلْمُ مُعَلَّقًا بِالثرَيَّا لَنَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ" (٢)، ولا شك أن زيادة العلم تدل على كمال العقل في الغالب.
وروى أبو الحسن بن جهضم عن أبي علي الروذباري قال: قال لي أبو بكر الزقاق رحمه الله تعالى: يا أبا علي! لولا أنك تذاكرني في هذا الأمر -يعني: علوم المعارف والإشارات- لظننت أنه قد اندرس، أما أهله فقد اندرسوا في الحقيقة.
فقلت: يا سيدي! إنهم يقولون: إنَّ بناحية العجم قوماً محققين.
فقال: يوشك ذلك لما في الحديث: "لَوْ أَنَّ الدِّيْنَ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا ... ".
стр. 4485
فالجواب: أن من بلغ الكمال والكمالات من الأعاجم ما بلغه من حيث إنه أعجمي، بل من حيث إنه طلب الكمالات من طريقها، فرجع بنصيبه المقسوم منها.
على أن العلوم الشرعية لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة وهما عربيان، ومن جاء بهما ﷺ عربي، فمن طلب الكمالات والعلوم من المعجم فبلغها إنما حصل عليها من حيث إنه تشبه في طلبها وتحصيلها بالعرب لأن العلم من قبلهم يؤخذ، على أن أكثر المحققين من علماء المعجم من أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه، والأعاجم في أصحاب الشافعي أكثر منهم في أصحاب غيره من الأئمة كما يدل عليه كتب "الطبقات والتواريخ"، والشافعي رضي الله تعالى عنه عالم قريش الذي طبق الأرض علماً، وعليه حمل الحديث (١).
وقال بعض العلماء: الحكمة في كثرة العلماء والمحققين في المعجم -أعني: أبناء فارس- أنهم لما لم يكن منهم نبي، وكانت أكثر الأنبياء في بني إسرائيل، ثم جاء من العرب نبي يوزن بكل الأنبياء من بني إسرائيل وغيرهم، فترجح عليهم، لم يحرم أبناء فارس من بركة النبوة من طريق الوراثة، فكثرت العلماء فيهم بهذا المعنى، ولذلك