يده فقبلتها، فقال ابتداء من غير أن أعلمه بما أنا فيه: يا أبا الفضل! لا يضيق صدرك عندنا في بلاد المعجم، مثلٌ يضرب، يقال: بخل أهوازي، وحماقة شيرازي، وكثرة كلام رازي (١).
وروى الدينوري عن المدايني قال: دخل رجل على عبد الملك ابن مروان من غسان، فكلمه في حوائج له، فقضاها، فقال: أتأذن لي يا أمير المؤمنين في تقبيل يدك؟
فقال: مه! أما علمت أنها من العرب مذلة، وهي من المعجم خدعة (٢).
وروى الإِمام أحمد في "الزهد"، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى: أنه سئل عن ذي القرنين فقال: لم يوحَ إليه، وكان ملكًا.
قيل: فلم سمِّي ذا القرنين؟
فقال: اختلف فيه أهل الكتاب، فقال بعضهم: ملك الروم وفارس، وقال بعضهم: إنه كان في رأسه شبه القرنين (٣).
- وروى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن وهب: أنه كان يقول: كان ذو القرنين من الروم ابن عجوز من عجائزهم ليس لها
стр. 4482
ولد غيره، وكان اسمه: الإسكندر (١).
وروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق ابن إسحاق عمن يسوق الأحاديث عن الأعاجم ممن قد أسلم من أهل الكتاب: أنَّ ذا القرنين كان رجلًا صالحا من أهل مصر اسمه: مرزبا بن مرزبه اليوناني من ولد يوثن بن يافث بن نوح (٢).
وذكر الطرطوشي في "سراج الملوك" الإسكندر لما مات قال أرسطاطاليس: أيها الملك! لقد حركنا سكونك.
وقال بعض الحكماء من أصحابه: كان الملكُ أمسِ أنطقَ منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
نظمه أبو العتاهية فقال: [من الوافر]
كَفَى حَزْنًا بِدَفْنِكَ ثُمَّ إِنِّي ... نَفَضْتُ تُرابَ قَبْرِكَ مِنْ يَدَيَّا
وَكانَتْ في حَياتِكَ لِي عِظاتٌ ... فَصِرْتَ الْيَوْمَ أَوْعَظَ مِنْكَ حَيَّا
قال: ووجد مكتوبا على قبره -يعني: الإسكندر-: قهرنا من قهرنا فصرنا للناظرين عبرة.
وقال فيه: روي أن داود ﵇ وافا على غار فإذا فيه رجل
стр. 4483
خلق عظيم من بني آدم، فإذا عند رأسه حجر مكتوب بكتاب محفور فيه: أنا روستم الملك، ملكت ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وافترعت ألف بكر من بنات الملوك، ثم صرت إلى ما ترى، التراب فراشي، والحجارة وسادي، فمن رآني فلا تغره الدنيا كما غرتني (١).
وقال فيه: إن مجوسيًا وقدريًّا تناظرا، فقال القدري للمجوسي: ما لك لا تسلم؟
فقال المجوسي: لو أراد الله لأسلمت.
فقال القدري: قد أراد الله أن تسلم، ولكن الشيطان يمنعك.
قال المجوسي: فأنا مع أقواهما (٢).
قال: وقال رجل لبزُر جمهر: تعال نتناظر في القدر.
فقال: وما تصنع بالمناظرة؟ رأيت ظاهراً استدللت به على باطن، ورأيت أحمق مرزوقًا وعاقلاً محروماً، فعلمت أن التدبير ليس للعباد.
قال: ولما قتل كسرى بزرجمهر وجد في منطقته كتاباً فيه: إذا كان القدر حقًا فالحرص باطل، وإذا كان الغدر طباعاً فالثقة بكل أحد عجز، وإذا كان الموت بكل أحد نازلاً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق، انتهى (٣).
стр. 4484
ونقل هذا الأخير ابن عبد ربه في "العقد" (١).
* تنبِيْهٌ:
إذا قيل: قد ذكرت أول الباب أن العرب أتم عقلاً من المعجم، ونحن نرى من متقدمي الأعاجم ومتأخريهم من نبل قدره في العلم، وبعد صيته في الفضل، وضرب به المثل في العقل، وسلم تفضيله على أقرانه من علماء العربية كأبي إسحاق الشيرازي، والسعد التفتازاني في جماعات كثيرين من المتقدمين والمتأخرين.
وقال النبي ﷺ : "لَوْ كَانَ الْعِلْمُ مُعَلَّقًا بِالثرَيَّا لَنَالَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَبْنَاءِ فَارِسَ" (٢)، ولا شك أن زيادة العلم تدل على كمال العقل في الغالب.
وروى أبو الحسن بن جهضم عن أبي علي الروذباري قال: قال لي أبو بكر الزقاق رحمه الله تعالى: يا أبا علي! لولا أنك تذاكرني في هذا الأمر -يعني: علوم المعارف والإشارات- لظننت أنه قد اندرس، أما أهله فقد اندرسوا في الحقيقة.
فقلت: يا سيدي! إنهم يقولون: إنَّ بناحية العجم قوماً محققين.
فقال: يوشك ذلك لما في الحديث: "لَوْ أَنَّ الدِّيْنَ مُعَلَّقًا بِالثُّرَيَّا ... ".
стр. 4485
فالجواب: أن من بلغ الكمال والكمالات من الأعاجم ما بلغه من حيث إنه أعجمي، بل من حيث إنه طلب الكمالات من طريقها، فرجع بنصيبه المقسوم منها.
على أن العلوم الشرعية لا تؤخذ إلا من الكتاب والسنة وهما عربيان، ومن جاء بهما ﷺ عربي، فمن طلب الكمالات والعلوم من المعجم فبلغها إنما حصل عليها من حيث إنه تشبه في طلبها وتحصيلها بالعرب لأن العلم من قبلهم يؤخذ، على أن أكثر المحققين من علماء المعجم من أصحاب الشافعي رضي الله تعالى عنه، والأعاجم في أصحاب الشافعي أكثر منهم في أصحاب غيره من الأئمة كما يدل عليه كتب "الطبقات والتواريخ"، والشافعي رضي الله تعالى عنه عالم قريش الذي طبق الأرض علماً، وعليه حمل الحديث (١).
وقال بعض العلماء: الحكمة في كثرة العلماء والمحققين في المعجم -أعني: أبناء فارس- أنهم لما لم يكن منهم نبي، وكانت أكثر الأنبياء في بني إسرائيل، ثم جاء من العرب نبي يوزن بكل الأنبياء من بني إسرائيل وغيرهم، فترجح عليهم، لم يحرم أبناء فارس من بركة النبوة من طريق الوراثة، فكثرت العلماء فيهم بهذا المعنى، ولذلك
стр. 4486
قال النبي ﷺ : "لوْ كَانَ الْعِلْمُ -وفي رواية: الإِيْمَانُ- مَنُوْطًا بِالثرَيَّا لَنَالَهُ رِجَالٌ مِنْ فَارِسَ" (١).
وأما ما وقع في كلام الفرس قبل الإِسلام من الحكم والمواعظ فهذا من باب إلقاء الله الحكم من غير أهلها ليعتبر بها أهلها إذا وصلت إليهم، كما قد يلتقط المعتبرون الحكم من الجمادات والبهائم، ولذلك كانت الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها حيث وجدها.
وقالوا: لا تنظر إلى من قال، وانظر إلى ما قال.
وحكي عن عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: أنه مات له ابن فعزاه مجوسي تعزية فقال: ينبغي للعاقل أن يفعل اليوم ما يفعله الجاهل بعد خمسة أيام.
قال ابن المبارك: اكتبوا عنه (٢)؛ أي: وإن كان مجوسياً.
وأيضًا في إجراء الحِكَم على ألسنة بعض الفضلاء من الأعاجم في أيام كفرهم وجاهليتهم ما يستجر العقول إلى طاعة القواد والرؤساء، وما يدعو الرؤساء إلى الرفق بالمرؤوسين والرعايا، وبذلك عمارة الدنيا والبلدان، وبها تتم المظاهر الإلهية والأمور المرادة لله تعالى في البَرِيَّة، ومن هنا دونت العلماء من حكم الفرس وغيرهم مما سوى أهل الإِسلام ما دوَّنوه، وهو ما لا يحصى كثرة.
стр. 4487
روى الدينوري في "المجالسة" عن ابن عائشة، عن أبيه قال: قرأت في سيرة المعجم:
حسنُ الجوار خيرُ قِرىً، والأدبُ خير ميراث، والتوفيق خير قائد (١).
وعن ابن قتيبة قال: قال بعض حكماء الفرس: للعادة سلطان على كل شيء، وما استنبط الصواب بمثل المشاورة، ولا حصنت النعمة بمثل المساواة، ولا اكتسبت البغضاء بمثل الكِبر (٢).
وقال ابن قتيبة: قرأت في سيرة العجم: عامة الأحرار أن يلقوا بما يحبون ويحرموا ما أملوا أحب إليهم من أن يلقوا بما يكرهون ويعطوا فوق ما أملوا، فانظر إلى خلة أفسدت مثل الجود فاجتنبها، وانظر إلى خلة تمقت مثل البخل فالزمها (٣).
وأكثر الإِمام أبو بكر الطرطوشي في "سراج الملوك" من حكم الفرس، والهند، وغيرهم، وأكثر فيه من النقل عن بزرجمهر، ثم أورد فصلاً مستقلًّا في كلامه.
قال: وكان النحتكان (٤) أبو بزرجمهر خامل القدر، وضيع
стр. 4488
الحال، مفهفه المنطق، فلما أتت لبزرجمهر خمس عشرة سنة حضر مجلس الملك وقد جلست الوزراء على كراسيها، والمرازبة في مجالسها، فوقف، فحيَّا الملك، ثم قال: الحمد لله المأمولة نعمه، المرهوبة نقمه، الدال عليه بالرغبة إليه، المؤيد الملك بسعوده في الفلك حتى رفع شأنه، وعظم سلطانه، وأنار به البلاد، وأغاث به العباد، وقسم له في التقدير وجوه التدبير، فرعا رعيته بفضل نعمته، وحماها الموبئات، وأوردها المعشبات، وذادها عن الآكلين، وآلفها بالرفق واللين إنعاماً من الله تعالى عليه، وتثبيتاً لما في يديه، وأسأله أن يبارك له فيما آتاه، ويخير له فيما استرعاه، ويرفع قدره في السماء، وينشر ذكره تحت الماء حتى لا يبقى له بينهما مناوئ، ولا يوجد له فيها مداني، وأستوهب له حياة لا يتنغص فيها، وقدرة لا يشاد عنها، وملكاً لا بؤس فيه، وعافية قديم له البقاء، وتكثر له النماء، وعزاً يؤمنه من انقلاب رعية، أو هجوم بلية؛ فإنه مولى الخير، ودافع الشر.
فأمر له الملك فحشي فوه بثمين الجوهر ورفيعه، ولم تدفع حداثة سنه مع نبل كلامه أن استوزره، وقلَّده خيره وشره، وكان أول داخل عليه، وآخر خارج من عنده.
قال أبو بكر الطرطوشي: وكتب قيصر إلى كسرى: أخبرني بأربعة أشياء لم أجد من يعرفها وإخالها عندك؛ أخبرني ما عدو الشدة، وصديق الظفر، ومدرك الأمل، ومفتاح الفقر؟
стр. 4489
فكتب إليه: الحيلة عدو الشدة، والصبر صديق الظفر، والتأني مدرك الأمل، والجود مفتاح الفقر (١).
قال: قال الخضر بن علي: وقرأت في كتاب "جاويذان مجرد" -وهو أجل كتب الفرس-: أضعف الحيلة أنفع من أقوى الشدة، وأقل الثاني أجلُّ من أكثر العجلة، والدولة رسول الله القضاء المبرم، وإذا استبد الإنسان برأيه عميت عليه المراشد (٢).
قال: وقال الوضاحي: وجَّه أنوشروان رسولاً له إلى ملك قد أجمع على محاربته، وأمره أن يتعرف سيرته في نفسه ورعيته، فرجع إليه، وقال: وجدت عنده الهزل أقوى من الجد، والكذب أكثر من الصدق، والجور أرفع من العدل.
فقال أنوشروان: رزقت الظفر به؛ سِرْ إليه، وليكن عملك في محاربته بما هو عنده أضعف وأقل وأجمع؛ فإنك منصور وهو مخذول.
فسار إليه فقتله، واستولى على مملكته (٣).
قال بزرجمهر: المدح آفة الحمد، والكذب عدو الصدق، والجور مفسدة الملك، فإذا استعمله الملك ذهبت هيبته، وإذا استصحب الكذب استخف به، وإذا بسط الجور فسد سلطانه.
стр. 4490
قال: وكان نقش خاتم رستم -وهو آخر ملوك الفرس-: الهزل منغصة، والكذب منقصة، والجور مفسدة (١).
وذكر ابن عبد ربه في "العقد": أن أزدشير قال لابنه: يا بني! إن الملك والعدل أخوان لا غنى بأحدهما عن صاحبه، فالملك أس، والعدل حارس، فما لم يكن له أس لمهدوم، وما لم يكن له حارس فضائع.
يا بني! اجعل حديثك مع أهل المراتب، وعطيتك لأهل الجهاد، وبشرك لأهل الدين، وسرك لمن عَناه ما عَنَاك من ذوي العقول (٢).
وذكر فيه عن ابن الكلبي قال: ولما أتى بالهرمزي البختكان أسيراً إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قيل له: يا أمير المؤمنين! هذا زعيم القوم وصاحب رستم.
قال له عمر ﵁: أعرض عليك الإِسلام نصحًا لك في عاجلتك وآجلتك.
فقال له: يا أمير المؤمنين! إنما اعتقل ولا أرغب في الإِسلام رهبة.
فدعا له عمر بالسيف، فلما هم بقتله قال له: يا أمير المؤمنين! مُر لي بشربة ماء فهي أفضل من قتلي للظمأ.
стр. 4491
فأمر له عمر رضي الله تعالى عنه بشربة من ماء، فلما أخذها قال: آمِنِّي حتى أشربها.
قال: نعم.
فرمى بها، وقال: الوفاء يا أمير المؤمنين نورٌ أبلج.
قال: صدقت؛ لك التوقف عنك والنظر فيك، ارفعا عنه السيف.
فلما رفع عنه قال: الآن يا أمير المؤمنين أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، وما جاء به حق من عنده.
قال له عمر: أسلمت خير إسلام، فما خبرك؟
قال: خفت أن تظن بي أني إنَّما أسلمت خوفًا من السيف، أو إيثاراً لدينه بالرهبة.
قال عمر: إن لأهل فارس عقلاً، واستحقوا ما كانوا فيه من الملك.
ثم أمر به أن ينزل ويكرم، فكان عمر يشاوره في توجيه الجيوش نحو أرض فارس (١).
وقد أكثر ابن عبد ربه في "عقده"، والطرطوشي في "سراجه"، وغيرهما من العلماء في كتبهم من إيراد حِكَم الأعاجم، وأمثالهم.
وذكر صاحب "قلائد الشرف" منها جملة صالحة سردها فيه، ولا معنى للإكثار منها في هذا الموضع من الكتاب، وإنما ذكرت هذه
стр. 4492
النبذة ليستدل بالصبابة على الحباب إشارة إلى رصانة عقول الفرس كما شهد لهم بذلك عمر رضي الله تعالى عنه في كلامه المذكور آنفا.
غير أن أكثر عقولهم مصروفة فيما به قوام الملك وانتظام أمور الدنيا، فلذلك ترى أكثر حِكَمهم وأمثالهم في ذلك، وأكثر ما ترى فيه حذاقة عقول العجم في الصنائع اللطيفة، والنقوش العجيبة، والأوضاع الغريبة، بخلاف العرب؛ فإن أكثر ما يصرفون عقولهم في محاسن الآداب، والفكر، والعلم، وتحصيل الأخلاق المحمودة كالشجاعة، والسخاء، وكثر ذلك يؤول إلى طلب الآخرة، ومن ثم وصفت الأعاجم بالدَّهاء والعرب بالعقول؛ لأن الدهاء عقل أفرط حتى مال عن حد الاعتدال، ومن ثم قال عمر رضي الله تعالى عنه حين أتاه فتح القادسية: أعوذ بالله أن يبقيني بين أظهركم حتى يدركني أولادكم من هؤلاء.
قالوا: لمَ يا أمير المؤمنين؟
قال: ما ظنكم بمكر العربي ودهاء العجمي إذا اجتمعا في رجل؟ رواه الدينوري (١).
* تَتِمَّةٌ:
أخرج الإِمام مالك رحمه الله تعالى في "الموطأ" عن عائشة رضي الله تعالى عنها [عن جدامة بنت وهب الأسدية]: أن النبي ﷺ قال:
стр. 4493
"أَرَدْتُ أَنْ أَنْهَى عَنِ الْغَيْلَةِ ثُمَّ ذَكَرْتُ أَنَّ الرَّوْمَ وَفَارِسَا يَفْعَلُوْنهُ فَلا يَضُرُّهُمْ" (١).
ليس فيه أنه ﷺ ترك النهي عنها لكونها من فعلهم، بل استدل بفعلهم إياها ولم يحصل الضرر بها لهم بأنها لا تضر غالبًا؛ والله أعلم.
والحمد لله وحده، وصلى الله على سيدنا محمَّد وآله وسلم (٢).
• • •
(١٣) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ وَالمُشْرِكِين
قال الله تعالى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠].
وقال الله تعالى: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾ [الأحزاب: ٣٣].
وقال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [الشورى: ١٦].
قال مجاهد في هذه الآية: طمع رجال بأن تعود الجاهلية، فنزلت. أخرج ابن جرير (١).
وروى هو وابن أبي حاتم عن ابن عباس بها: أنها نزلت في قوم كانوا يتربصون أن تأتيهم الجاهلية؛ أي: بعد الإِسلام (٢).
стр. 4496
فمن أحب شيئًا من عوائد أهل الجاهلية في الإِسلام فقد تعرض لغضب الله والعذاب الشديد.
وروى الإِمام أحمد، والشيخان عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ ثَلاثَةٌ: مُلْحِدٌ في الْحَرَمِ، ومبتغٍ في الإسْلامِ سُنَةً جاهِلِيَّةٍ، وَمُطَّلِبٌ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُهْرِيْقَ دَمَهُ" (١).
وروى مسلم، وأبو داود عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ خطب الناس يوم عرفة في حجة الوداع فقال: "إِنَّ دِماءَكمْ وَأَمْوالَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذا في شَهْرِكُمْ هَذا في بَلَدِكُمْ هَذا.
أَلا إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمِي مَوْضُوع، وَدِماءَ الْجاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَة، وَأَوَّلُ دَمٍ أَضَعُهُ دَمَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؛ كانَ مُسْتَرْضَعا في بَنِي سَعْدٍ، قَتَلَتْهُ هُذَيلٌ.
وَرِبا الْجاهِلِيَّةِ مَوْضُوع، وَأَوَّلُ رِبا أَضَعُهُ رِبَا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطلِبِ؟ فَإِنَّهُ مَوْضُوع كُلهُ" (٢).
وروى الإِمام أحمد، ومسلم عن عائشة رضي الله تعالى عنها،
стр. 4497
عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلاً لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنا فَهُوَ رَدٌّ" (١).
وروى أبو يعلى، والحاكم وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ حَلَفَ عَلى يَمِينٍ فَهُوَ كَما حَلَفَ؛ إِنْ قالَ: هُوَ يَهُودِيٌّ فَهُوَ يَهُودِيٌّ، وإنْ قالَ: هُوَ نَصْرانِيٌّ فَهُوَ نَصْرانِيٌّ، وإنْ قالَ هُوَ بَرِيْء مِنَ الإِسْلامِ؟ يَعْنِي: فَهُوَ كَذَلِكَ.
وَمَنِ ادَّعَى دعاءَ الْجاهِلِيَّةِ فَإِنَّهُ مِنْ جِثا جَهَنَّمَ".
قالوا: يا رسول الله! وإن صام وصلى؟
قال: "وإنْ صامَ وَصَلَّى" (٢).
وجثا جهنم - بالجيم مكسورة ومضمومة، وبالمثلثة، مقصور - جمع جثوة؛ وهي الحجارة المجموعة كما في "الصحاح"، و"القاموس" (٣).
وروى ابن لال في "مكارم الأخلاق" عن معاذ رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "عَلَيْكُمْ بِالرِّفْقِ وَالْعَفْوِ في غَيْرِ تَرْكِ حَقٍّ؟ يَقُولُ
стр. 4498
الْجاهِلُ: قَدْ تَرَكَ مِنْ حَقِّ اللهِ.
وَأَمِتْ أَمْرَ الْجاهِلِيَّةِ إلا ما حَسَّنَهُ الإِسْلامُ.
وَلْيَكُنْ أكثَرُ هَمِّكَ الصلاةَ؛ فَإِنَّها رَأْسُ الإِسْلامِ بَعْدَ الإِقْرارِ بِاللهِ " (١).
وروى الإِمام أحمد عن عمر رضي الله تعالى عنه: أنه أمر بالمَعَدِّية، وهي زي بني معد بن عدنان، وهم العرب، ونهى عن زي الأعاجم وزي المشركين (٢).
وروى الطبراني في "الكبير" عن الحكم بن عمير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "غُضُّوا الأَبْصارَ، وَاهْجُرُوا الدعارَ، وَاجْتَنِبُوا أَعْمالَ أَهْلِ النَّارِ" (٣).
وعن المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَحَبَّ اللهَ ورَسُولَهُ صادِقًا غَيْرَ كاذِبٍ، وَلَقِيَ الْمُؤْمِنِينَ فَأَحَبَّهُم، وَكانَ أَمْرُ الْجاهِلِيةِ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ نارٍ ألقِيَ فِيها، فَقَدْ طَعِمَ طَعْمَ الإِيْمانِ".
стр. 4499
أو قال: "فَقَدْ بَلَغَ ذِرْوَةَ الإِيْمانِ" (١).
والجاهلية تارة تكون اسما للحال، ومعناه قريب من المصدر.
وتارة تكون اسماً لذي الحال؛ يقال: طائفة من الجاهلية، و: شاعر جاهلي؛ نسبةً إلى الجهل بمعنى عدم العلم، أو عدم اتباع العلم.
قال الواحدي: الجاهلية اسم لما كان قبل الإِسلام؛ سموا به لكثرة جهلهم (٢).
وأراد بقوله ما كان بعد تناسيهم الشرائع في زمن الفترة.
قال صاحب "الصحاح": وقولهم: كان ذلك في الجاهلية الجهلاء هو تأكيد للأول يشتق له من اسمه ما يؤكد به؛ كما يقال: وتد واتدٌ، وهمج هامجٌ، وليلة ليلاءُ، ويوم أيومُ (٣).
وقال السيوطي في "مختصر النهاية": الجاهلية: الحال التي
стр. 4500
كانت عليها العرب قبل الإِسلام من الجهل بالله ورسوله، وشرائع الدين، والمفاخرة بالأنساب، والكبر والتجبر، وغير ذلك، انتهى (١).
وقال بعضهم: سموا جاهلية لأنهم لم يتعبدوا بشريعة، بل كانوا يخبطون خَبّطة عَشْواء، ويركبون في أمورهم متن عمياء، وما كانوا عليه من مكارم الأخلاق كالبر والصلة والقربى وفك العاني إنما كان سجايا منهم، وهي غير محسوبة لهم، ولا تنفعهم يوم القيامة إلا لو آمنوا.
قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا﴾ [الكهف: ١٠٥].
وقال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: ٢٣].
أما من آمن وكان قد عمل خيراً في الجاهلية، فهل يثاب على ذلك العمل أم لا؟
قولان:
- بالأول قال إبراهيم الحربي، وابن بطال، وغيرهما من المتقدمين، والقرطبي، وابن المنير من المتأخرين، وصوَّبه النووي ونسبه إلى المحققين، وحكى بعضهم فيه الإجماع.
стр. 4501
- وبالثاني قال الماوردي، والقاضي عياض، وغيرهما (١).
ومن أدلة الأول حديث "الصحيحين" عن حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! أرأيت أشياء كنت أتحنَّث بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، وصلة رحم، فهل فيها من أجر؟
قال: "أَسْلَمْتَ عَلى ما أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ" (٢).
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: لا مانع من أن الله تعالى يضيف إلى حسنات الإِسلام ثواب ما كان صدر منه في الكفر من الأعمال الجميلة تفضلاً وإحسانًا (٣).
قلت: والحكمة في ذلك أن الإِسلام كما يَجُبُّ ما قبله من القبائح يحيى ما قبله من الصوالح.
وهما خلعتان جميلتان يكساهما الإنسان بالإِسلام والإيمان زائدتان على ثواب الإيمان والإِسلام، فما كان من الأخلاق الحسنة التي كانت العرب عليها في جاهليتهم فإنما كانت تدعوهم إلى طباعهم وسلائقهم من غير قصد إلى ثواب، ولكن لاعتدال
стр. 4502
أمزجتهم وصحة أفكارهم، وإذا تخلق العبد بها في الإيمان بالقصد الصحيح نفعته، بل ينفعه بالإيمان ما أسلفه منها قبله في الجاهلية.
قال أبو عبيدة: ما اجتمعت العرب اجتماعها على السؤدد والإفضال في العسر، والصواب في الغضب، والرحمة مع القدرة، والرضا للعامة، والبعد من الحقد، والتودد إلى الناس، والمسارعة إلى المعونة (١).
وقال العتبي: كان أهل الجاهلية لا يُسَوِّدُون إلا من كان فيه ست خصال؛ السخاء، والنجدة، والصبر، والحلم، والبيان والموضع؛ وصارت في الإِسلام بالعفاف سبعًا (٢). رواهما الدينوري في "المجالسة".
وكل هذه الأخلاق لا تنفع ذويها في الآخرة إذا ماتوا على الكفر، وإنما يقع جزاء ذويها في الدنيا بما يرفق الله بهم، أو يوسع عليهم في رزقهم، أو يدفع عنهم من البلاء والآفات، أو نحو ذلك.
وقد صحح الحاكم عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: يا رسول الله! إن ابن جدعان كان يَقْري الضيف، ويصل الرحم، ويفعل الفعل، أينفعه ذلك؟
قال: "لا؛ إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوما قَط: رَبِّ اغْفِرْ لِي خَطِيْئَتِي يَوْمَ الدِّيْنِ" (٣).
أي: لم يعترف بربوبية الله تعالى، ولم يَرْجُ منه مغفرته.
стр. 4503
وقد كان ابن جدعان في أعلى طبقات العبودية، ومع ذلك لم ينفعه شيئًا على كفره.
وفيه يقول أمية بن أبي الصلت كما رواه الدينوري: [من الوافر]
أَأَذْكُرُ حاجَتِي أَمْ كَفانِي ... حَياؤُكَ إِنَّ شِيْمَتَكَ الْحَياءُ
إِذا أثنَى عَلَيْكَ الْمَرْءُ يَوْمًا ... كَفاهُ مِنْ تَعَرُّضِهِ الثَّناءُ
كَرِيْمٌ لا يُغَيِّرُهُ صَباحٌ ... عَنِ الْخُلُقِ الْجَمِيلِ وَلا مَساءُ
يُبارِي الرِّيحَ مَكْرُمَةً وَجُوداً ... إِذا ما الضَّبُّ أَجْحَرَهُ الشِّتاءُ
فَأَرْضُكَ كُلُّ مَكْرُمَةٍ بَنَاها ... بَنُو تَيْمٍ وَأَنْتَ لَها سَماءُ (١)
وقد يكون في أعمال الجاهلية ما يوافق الحق من غير قصد؛ كتعظيم الحرم والأشهر الحرم، والسعي بين الصفا والمروة، وسَوق الهدايا إلى البيت الحرام، وتقليدها، ثم جاء الحق بتقريره.
وقد يكون في أعمالهم ما لو نقضته الشريعة لأدى إلى فساد عظيم كأنكحة الجاهلية، وأخلاقهم، وقسمهم، فيكون حكم الشرع تقريره حسماً للفساد، ثم لا يجوز التشبه بهم في ابتدائه؛ إذ لا ضرورة تدعو إليه لاستغنائنا بما جاءت الشريعة بأبلغ منه، أو أكمل، كما روى أبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ قَسْمٍ قُسِمَ فِي الْجاهِلِيَّةِ فَهُوَ عَلى قَسْمِ ما قُسِمَ،
стр. 4504
وَكُلُّ قَسْمٍ أَدْرَكَهُ الإِسْلامُ فَهُوَ عَلى قَسْمِ الإسْلامِ" (١).
وروى الإِمام أحمد عن قيس بن عاصم رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "ما كانَ مِنْ حَلْفٍ في الْجاهِلِيَّةِ فَتَمَسَّكُوا بِهِ، وَلا حَلْفَ في الإِسْلامِ".
وروى هو ومسلم، وأبو داود، والنسائي عن جبير بن مطعم رضي الله تعالى عنه أن النبي ﷺ قال: "لا حِلْفَ فِي الإِسْلامِ، وَأيُّما حِلْفٍ كانَ في الْجاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الإِسْلامُ إِلاَّ شِدَّةً" (٢).
وروى ابن سعد في "طبقاته" عن معن بن عيسى قال: ثنا مالك عن الزهريّ: أن صفوان بن أمية أسلمت امرأته بنت الوليد بن المغيرة زمن الفتح، فلم يفرق النبي ﷺ بينهما، واستقرت عنده حتى أسلم صفوان، وكان بين إسلاميهما نحوٌ من شهر (٣).
وبهذا السند: أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام كانت تحت عكرمة بن أبي جهل، فأسلمت يوم الفتح بمكة، وهرب زوجها عكرمة ابن أبي جهل حتى قدم النبي، فدخلت إليه امرأته ودعته إلى الإِسلام، فأسلم، وقدم وبايع، وثبتا على نكاحهما (٤).
стр. 4505
وروى الإِمام أحمد، وأبو القاسم البغوي عن السائب بن أبي السائب عبد الله المخزومي رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال له: "يا سائبُ انْظُرْ أَخْلاقَكَ الَّتِي كُنْتَ تَصنَعُها في الْجاهِلِيَّةِ فَاجْعَلْها في الإِسْلامِ؛ أَقْرِ الضَّيْفَ، وَأَكْرِمِ الْيَتِيمَ، وَأَحْسِنْ إِلَى جارِكَ" (١).
والمعنى: أخلاقك التي كنت تصنعها مستحسناً لها، أو كنت راضياً بها، يعني: الأخلاق الكريمة التي ترضاها النفوس الطيبة.
فأما الأخلاق السيئة الناشئة عن الجهل فهي التي أشار إليها النبي ﷺ بقوله في الحديث السابق: "أَلا إِن كُلَّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجاهِلِيِّةِ تَحْتَ قَدَميَّ مَوْضُوعٌ" (٢).
وهي الأمور التي سُمُّوا بها جاهلية، وأهل جاهلية.
١ - فمن قبائح الجاهلية -وهو أقبحها وأفحشها-: الكفر، وعبادة الأصنام، واعتقاد أنها تنفع وتشفع، وتقرب إلى الله زُلفى .
والقرآن العظيم متوافر بذم قريش والمشركين على عبادة الأوثان، والإغلاظ في وعيدهم، وبيان شدة عذابهم.
قال الله تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤].
стр. 4506
وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥] الآية.
وقال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا﴾ [الفرقان: ٣].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣) مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج: ٧٣، ٧٤].
وروى الأزرقي عن ابن إسحاق: أن بني إسماعيل وجُرهم من ساكني مكة ضاقت عليهم مكة، فتفسحوا في البلاد والتمسوا المعاش، ويزعمون أن أول ما كانت عبادة الحجارة في بني إسماعيل ﵇ أنه كان لا يظعن من مكة ظاعن منهم إلا احتملوا معهم من حجارة الحرم تعظيماً للحرم وصبابة بمكة وبالكعبة، حيثما رحلوا وضعوه، وطافوا به كالطواف بالكعبة، حتى سبح ذلك بهم إلى أنهم كانوا يعبدون ما استحسنوا من الحجارة، وأعجبهم من حجارة الحرم خاصة، حتى خلفت الخلوف من بعد الخلوف، ونسوا ما كانوا عليه، وصاروا إلى ما كانت عليه الأمم من قبلهم من الضلالات، وأنتجوا ما كان يعبد قوم نوح منها، فلما رَثَّ ما كان بقي فيهم من ذكرها.
قال: وكان أول من غيَّر دين إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة
стр. 4507
والسلام، ونصب الأوثان، وسيَّب السوائب، وبَحَر البحيرة، ووصل الوصيلة، وحمى الحامي: عمرو بنُ لحي (١).
ثم الأصنام التي كانت تعبدها العرب كثيرة جداً، حتى روى الواقدي عن جبير بن مطعم ﵁ قال: لما كان يوم الفتح: نادى منادي رسول الله ﷺ : "من كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَتْرُكَنَّ في بَيْتِهِ صَنَمًا إِلاَّ كَسَرَهُ وَحَرَّقَهُ؛ وَثَمَنُهُ حَرامٌ".
قال جبير رضي الله تعالى عنه: وقد كنت قبل ذلك أرى الأصنام يطاف بها فيشتريها أهل بدر، فيخرجون بها إلى بيوتهم، وما من رجل من قريش إلا وفي بيته صنم؛ إذا دخل مسحه، وإذا خرج مسحه تبركاً به (٢).
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ [الفرقان: ٤٣] قال: كان الرجل يعبد الحجر الأبيض زماناً من الدهر في الجاهلية، فإذا وجد حجراً أحسن منه رمى به وعَبَدَ الآخر (٣).
من مشاهير الأصنام التي كانوا يعبدونها: هُبل، وإساف، ونائلة، واللاَّت، والعُزَّى، ومَناة، والخلصة، ونَهيك، ومُطعم الطير، ووُدّ، وسُواع، وَيغوث، وَيعوق، ونسر.
стр. 4508
وهذه الأصنام الخمسة الأخيرة أقدمها، بل هي أول ما عبد من الأصنام لأنها أصنام قوم نوح التي عبدوها، ثم دفنت في الأرض حتى عبدها جماعة من العرب كما تقدم ذكرها وأول من وضعها ومن يعبدها من العرب في: التشبه بالشيطان، والتشبه بقوم نوح.
وأما هُبل: فقال ابن إسحاق: إن البئر التي كانت في جوف الكعبة كانت على يمين من دخلها، وكان عمقها ثلاثة أذرع، يقال: إن إبراهيم وإسماعيل ﵉ حفراها ليكون فيها من يهدى للكعبة، فلم تزل كذلك حتى كان عمرو بن لحي، فقدم بصنم يقال له: هبل من هيت من أرض الجزيرة، وكان هبل من أعظم أصنام قريش عندها، فنصبه على البئر من بطن الكعبة، وأمر الناس بعبادته، وكانت القداح التي يستقسمون بها عند هبل.
قال ابن إسحاق: وكان هبل من خرز العقيق على صورة إنسان، وكانت يده اليمين مكسورة، فأدركته قريش فجعلت له يداً من ذهب (١).
وأما إساف ونائلة: فقال ابن إسحاق: لما طغت في الحرم دخل رجل منهم بامرأة منهم الكعبة ففجر بها -ويقال: إنما قَبَّلها فيها- فمسخا حجرين؛ اسم الرجل: إساف بن بغا، واسم المرأة: نائلة بنت رمه، فأخرجا من الكعبة، فنصب أحدهما على الصفا والآخر على المروة،
стр. 4509
وإنما نصبا هناك ليعتبر بهما الناس، ويزدجروا عن مثل ما ارتكبا لما يرون من الحالة الذي صاروا إليها.
فلم يزل الأمر يدرُس ويتقادم حتى صار المسخان يتمسح بهما من وقف على الصفا والمروة، ثم صارا وثنين يعبدان، فلما كان عمرو ابن لحي أمر الناس بعبادتهما والتمسح بهما.
وقال للناس: من كان قبلكم كان يعبدهما.
وكانا كذلك حتى كان قصي بن كلاب، وصارت إليه الحجابة وأمرُ الكعبة، فحوَّلهما من الصفا والمروة، فجعل أحدهما بلصق الكعبة، وجعل الآخر في موضع زمزم (١).
ويقال: جعلهما جميعًا في موضع زمزم، وكان ينحر عندهما، وكان أهل الجاهلية يقرون بإساف ونائلة ويتمسحون بهما، وكان الطائف بالبيت يبدأ بإساف ويستلمه، فإذا فرغ من طوافه ختم بنائلة فاستلمها، حتى كان يوم الفتح فكسرها رسول الله ﷺ مع ما كسر من الأصنام (٢).
وقال صاحب "القاموس": إساف -ككِتاب وسَحاب- وضعها عمرو بن لحي على الصفا، ونائلة على المروة، وكان يذبح عليهما تجاه الكعبة، أو هما إساف بن عمرو، ونائلة بنت سهل، فجرا في
стр. 4510
الكعبة، فمسخهما الله تعالى حجرين، فعبدتهما قريش (١).
واقتصر في "الصحاح" على الثاني، وقال: ثم عبدتهما قريش (٢).
ولا أدري ما النكتة في عدول صاحب "القاموس" عن (ثم) إلى (الفاء) مع أن عبادة قريش لهما كان بعد عهد طويل، كما في كلام ابن إسحاق.
وأما اللات والعزى: فروى البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان اللاَّت رجلًا يَلُتُّ سويق الحاج (٣).
وروى ابن أبي حاتم عنه قال: كان اللاَّت يَلُتُّ السويق على الحجر، فلا يشرب أحد منه إلا سَمِنَ، فعبدوه (٤).
وروى الفاكهي عنه: أن اللَّات لما مات قال لهم عمرو بن لحي: إنه لم يمت، ولكنه دخل الصخرة، فعبدوها وبنوا عليها بيتًا (٥).
وروى سعيد بن منصور، والفاكهي عن مجاهد قال: كان اللاَّت رجلًا في الجاهلية بالطائف، وكان له غنم، فكان يسلو من رِسلها -بالكسرة أي: من لبنها- ويأخذ من زبيب الطائف والأقط، فيجعل
стр. 4511
منه حَيساً، ويطعم من يمر من الناس، فلما مات عبدوه، وقالوا: اللاَّت، وكان يقرأ: اللاَّت -مشددة- (١).
وروى ابن المنذر عن ابن حر قال: كان رجل من ثقيف يَلُتُّ السويق بالزيت، فلما توفي جعلوا قبره وثناً، وزعم الناس أنه عامر بن الظَّرِب أحد [بني] عُدوان (٢).
وروى الأزرقي: أن رجلًا ممن مضى كان يقعد على صخرة لثقيف يبيع السمن من الحاج إذا مروا فيَلُتُّ سويقهم، وكان ذا غنم، فسميت صخرة اللاَّت، فمات، فلما فقده الناس قال لهم عمرو بن لحي الخزاعي: إن ربكم كان اللاَّت فدخل في جوف الصخرة.
قال: وكانت العُزَّى ثلاث شجرات سمرات بنخلة، وكان أول من دعا إلى عبادتها عمرو بن ربيعة، والحارث بن كعب، فقال لهم عمرو: إن ربكم يتصيف باللاَّت لبرد الطائف، ويشتي بالعُزَّى لحر تهامة، وكان في كل واحدة شيطان يعبد.
فلما بعث الله تعالى محمدًا ﷺ ، بعث بعد الفتح خالد بن الوليد إلى العُزَّى ليقطعها، فقطعها؛ وذكر الحديث (٣).
стр. 4512
وروى النسائي عن [أبي] الطفيل رضي الله تعالى عنه قال: لما فتح رسول الله ﷺ مكة بعث خالد بن الوليد إلى نخلة، وكانت بها العُزَّى، فأتاها خالد وكانت على ثلاث سمرات، فقطع السمرات، وهدم الذي كان عليها، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "ارْجِعْ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَصْنع شَيْئًا".
فرجع خالد، فلما أبصرته السَّدَنَة أمعنوا في الحيل وهم يقولون: "يا عُزَّى! يا عُزَّى! "، فأتاها خالد، فإذا امرأة عريانة ناشرة شعرها تحفن التراب على رأسها، فغمسها بالسيف حتى قتلها، ثم رجع إلى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال: "تِلْكَ الْعُزى" (١).
وأما مَناةُ: فقال ابن إسحاق: إن عمرو بن لحي نصب مَناة على ساحل البحر مما يلي قديد، وهي التي كانت للأزد وغسان يحجونها ويعظمونها، فإذا طافوا بالبيت، وأفاضوا من عرفات، وفرغوا من مني، لم يحلقوا إلا عند مناة، وكانوا يهلون بها (٢).
وقال محمَّد بن السائب الكلبي: كانت مَناة شجرة لهذيل، وكانت هذيل (٣). رواهما الأزرقي.
وروى عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة رحمه الله تعالى: أن
стр. 4513
اللاَّت كانت لأهل الطائف، والعُزَّى كانت لقريش ببطن نخلة، ومَناة كانت للأنصار بقديد (١).
وروى عبد بن حميد، وابن جرير عن أبي صالح: قال اللاَّت التي كان يقوم على آلهتهم، وكان يَلُتَّ لهم السويق، والعُزَّى بنخلة، نخلة كانت يعلقون السيور والعهن عليها، ومَناة حجر بقديد (٢).
وأما الْخَلَصة: -بفتحتين، وبضمتين- ونَهيك، ومُطعم الطير: فروى الأزرقي عن ابن إسحاق قال: نصب عمرو بن لحي الخلصة بأسفل مكة، وكانوا يلبسونها القلائد، ويهدون لها الشعير والحنطة، ويصبون عليها، ويحلفون لها، ويعلقون عليها بيض النعام.
قال: ونصب على الصفا صنماً يقال له: نَهيك، ومجاود الريح.
ونصب على المروة صنمًا يقال له: مُطعم الطير (٣).
وذو الخلصة؛ قال في "القاموس": [بيت] كان يدعى الكعبة اليمانية بخثعم، كان فيه صنم اسمه الخلصة، أو لأنه كان منبت الخلصة، وهي واحدة الخلص -بفتحتين- وهو شجر كالكرم يتعلق بالشجر فيعلو، طيب الرائحة، حَبّهُ كخرز العقيق (٤).
стр. 4514
وروى الإِمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَضْطَرِبَ ألياتُ [نساء] دَوْسٍ حَوْلَ ذِي الْخَلَصَةِ" (١).
وروى الأزرقي، وابن أبي شيبة، والشيخان، والترمذي، والنسائي عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وحول البيت ثلاثمئةٍ وستون صنماً، فجعل يطعنها ويقول: "جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً، جاءَ الْحَقُّ وَما يُبْدِئُ الْباطِلُ وَما يُعِيْدُ" (٢).
وروى الأزرقي، والطبراني بإسناد جيد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لقد دخل رسول الله ﷺ مكة يوم الفتح وإن بها ثلاثمئة وستين صنماً قد شدها لهم إبليس بالرصاص، وكان بيد رسول الله ﷺ قضيب، وكان يقوم عليها فيقول: "جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً"، ويشير إليها بقضيب فتسَّاقط على ظهورها (٣).
стр. 4515
وفي رواية: فما منها صنم أشار إلى وجهه إلا وقع على دبره، ولا أشار إلى دبره إلا وقع على وجهه، حتى وقعت كلها.
قال الأزرقي: وقال ابن إسحاق: لما صلى النبي ﷺ الظهر يوم الفتح أمر بالأصنام التي حول الكعبة كلها، فجمعت ثم حرقت بالنار.
وفي ذلك يقول فضالة بن عمير بن الملوح الليثي في ذكر يوم الفتح: [من الكامل]
لَوْ ما رَأَيْتَ مُحَمَّدًا وَجُنُودَهُ ... بِالْفَتْحِ يَوْمَ تَكَسَّرُ الأَصْنامُ
لَرَأَيْتَ نُورَ اللهِ أَصْبَحَ بَيْنَنا ... وَالشِّرْكَ يَغْشَى وَجْهَهُ الإِظْلامُ (١)
* تَنْبِيهانِ:
الأَوَّلُ: أخرج ابن أبي الدنيا في "العقل" عن القاسم بن أبي بُرة -بالضم-: أن رجلًا من بني قشير أتى النبي ﷺ فقال: إنا كنا نعبد في الجاهلية أوثاناً، وكنا نرى أنها تضر وتنفع.
فقال رسول الله ﷺ : "أَفْلَحَ مَنْ جَعَلَ اللهُ لَهُ عَقْلاً" (٢).
فيه إشارة إلى أن عبادة الأصنام واتخاذها من ضعف العقول الذي هو بمعنى العلم الناشئ عن صحة النظر لا الغريزي؛ فإنه متى عدم أو
стр. 4516
اختفى لم يكن تكليف.
وهو المشار إليه بما يروى عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه وقد قيل له: هل كان لكم عقول؛ أين عقولكم حين كنتم تتخذون الصنم من العجوة والْحَيس فتعبدونه ثم إذا جعتم أكلتوه؟
فقال: عقول وأيُّ عقول، ولكن ما ظنك بعقول كادها بادئها (١).
التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: تكسير الأصنام من الملة الحنيفية التي أمر النبي ﷺ باتباع إبراهيم ﵇ فيها، غير أن إبراهيم ﵇ كسر الأصنام في خفية من قومه لأنه كان وحده، لم يكن له عشيرة ولا نصراء، والنبي ﷺ كسرها وهو في تمام سلطانه وتوافر أعوانه، وقد فتح له وتمكن، فأظهر وأعلن.
٢ - ومن أخلاق الجاهلية: التكذيب بالقدر .
قال الله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤].
روى الثعلبي، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال في قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]؛ يعني: التكذيب بالقدر، وهو قولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا
стр. 4517
هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] (١).
ثم قال الله تعالى ناهياً عن مثل هذه المقالة الجاهلية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦].
قال الحسن رحمه الله تعالى في قوله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]: هذا قول الكفار؛ إذا مات الرجل يقولون: لو كان عندنا ما مات، فلا تقولوا كما قال الكفار.
وقال مجاهد رحمه الله تعالى في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]: يحزنهم قولهم، لا ينفعهم شيئاً. رواهما ابن أبي حاتم (٢).
وحاصله: أن إحالة الأمور الواقعة من خير أو شر على فعل الإنسان مع الإعراض عن القدر اعتقاداً لمصارمة فعله للقدر جهلٌ يستجر معتقده من فضاء السلو إلى ضيق الحزن، لا يفيده شيئاً إلا الحسرة في قلبه والكي لفؤاده.
هذا في بلائه وضرَّائه، وأما في نعمته وسرائه فقد يعاقب عليه بأن يحاول مثل تلك السراء في مرة أخرى، فيحول بينه وبينها القدر،
стр. 4518
فيظهر وهَنُه في نفسه، وخجله عند غيره، وسواد وجهه، وخيبته من حيث زعم بياض وجهه ونجحه.
وزعم أبو العباس ثعلب أنه ليس في العرب إلا مثبت للقدر جاهليةً وإسلاما، وأنشد: [من الرجز]
تَجْرِي الْمَقادِيرُ عَلى غُرْزِ الإِبَرْ ... ما تَنْفُذُ الإِبْرَةُ إِلاَّ بِقَدَرْ
وأنشد لامرئ القيس: [من البسيط]
إِنَّ الشَّقاءَ عَلى الأَشْقَيْنَ مَكْتُوبُ
وهذه مبالغة من ثعلب، وقد علمت أن ابن عباس فسر الجاهلية في الآية بالتكذيب بالقدر هم من أهل الجاهلية من كان يقول به كما ذكره ابن قتيبة في "مختلف الحديث"، واللالكائي في "السنة" (١).
وأنشد زيادة على ما ذكره ثعلب لذي الإصبع العدواني: [من الهزج]
لَيْسَ الْمَرْءُ فِي شَيْءٍ ... مِنَ الإِبْرامِ وَالنَّقْضِ
إِذا يُقْضَى أَمْرٌ إِخا ... لُهُ يُقْضَى وَلا يَقْضِي
ولبعض أهل الجاهلية: [من الرجز]
стр. 4519
هِيَ الْمَقادِيرُ فَلُمْنِي أَوْ فَذَرْ ... إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَما أخطا [القَدَر] (*)
وروى الترمذي وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يحاجونه في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨، ٤٩].
٣ - ومن أخلاق الجاهلية: الطعن على كتاب الله تعالى، أو على أحاديث رسوله ﷺ الثابتة عنه، ودعوى معارضة القرآن .
وكتاب الله تعالى مشحون بذكر قبائح المشركين في ذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١].
وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣، ٣٤].
وقال الله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠].
٤ - ومنها: الإعراض عن كتاب الله تعالى، وعن تدبر آياته، وإيثار اللهو واللعب .
قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩]؛ أي: إنكاراً، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾؛ أي: استهزاءً، ﴿وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦٠، ٦١]؛
стр. 4520
أي: لاهون، أو مستكبرون، أو مُغَنُّون لتشغلوا الناس عن إسماعه، وهو الغناء بالحميرية، كما رواه عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة (١).
ورويا هما وعبد الرزاق، وأبو عبيد في "فضائله"، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، والبزار، وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١]: الغناء باليمانية؛ كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا (٢).
وروى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عنه في قوله: ﴿سَامِدُونَ﴾؛ قال: لاهون، معرضون عنه (٣).
وروى أبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: كانوا يمرون على رسول الله ﷺ شامخين؛ ألم تر إلى البعير كيف يخطر شامخاً (٤).