← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4516–4555 · переход к 4521.

стр. 4516

اختفى لم يكن تكليف. وهو المشار إليه بما يروى عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه وقد قيل له: هل كان لكم عقول؛ أين عقولكم حين كنتم تتخذون الصنم من العجوة والْحَيس فتعبدونه ثم إذا جعتم أكلتوه؟ فقال: عقول وأيُّ عقول، ولكن ما ظنك بعقول كادها بادئها (١). التَّنْبِيْهُ الثَّانِي: تكسير الأصنام من الملة الحنيفية التي أمر النبي ﷺ باتباع إبراهيم ﵇ فيها، غير أن إبراهيم ﵇ كسر الأصنام في خفية من قومه لأنه كان وحده، لم يكن له عشيرة ولا نصراء، والنبي ﷺ كسرها وهو في تمام سلطانه وتوافر أعوانه، وقد فتح له وتمكن، فأظهر وأعلن. ٢ - ومن أخلاق الجاهلية: التكذيب بالقدر . قال الله تعالى: ﴿وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَا لَا يُبْدُونَ لَكَ يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤]. روى الثعلبي، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال في قوله: ﴿يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [آل عمران: ١٥٤]؛ يعني: التكذيب بالقدر، وهو قولهم: ﴿لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا

стр. 4517

هَاهُنَا﴾ [آل عمران: ١٥٤] (١). ثم قال الله تعالى ناهياً عن مثل هذه المقالة الجاهلية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٥٦]. قال الحسن رحمه الله تعالى في قوله: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا﴾ [آل عمران: ١٥٦]: هذا قول الكفار؛ إذا مات الرجل يقولون: لو كان عندنا ما مات، فلا تقولوا كما قال الكفار. وقال مجاهد رحمه الله تعالى في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ حَسْرَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦]: يحزنهم قولهم، لا ينفعهم شيئاً. رواهما ابن أبي حاتم (٢). وحاصله: أن إحالة الأمور الواقعة من خير أو شر على فعل الإنسان مع الإعراض عن القدر اعتقاداً لمصارمة فعله للقدر جهلٌ يستجر معتقده من فضاء السلو إلى ضيق الحزن، لا يفيده شيئاً إلا الحسرة في قلبه والكي لفؤاده. هذا في بلائه وضرَّائه، وأما في نعمته وسرائه فقد يعاقب عليه بأن يحاول مثل تلك السراء في مرة أخرى، فيحول بينه وبينها القدر،

стр. 4518

فيظهر وهَنُه في نفسه، وخجله عند غيره، وسواد وجهه، وخيبته من حيث زعم بياض وجهه ونجحه. وزعم أبو العباس ثعلب أنه ليس في العرب إلا مثبت للقدر جاهليةً وإسلاما، وأنشد: [من الرجز] تَجْرِي الْمَقادِيرُ عَلى غُرْزِ الإِبَرْ ... ما تَنْفُذُ الإِبْرَةُ إِلاَّ بِقَدَرْ وأنشد لامرئ القيس: [من البسيط] إِنَّ الشَّقاءَ عَلى الأَشْقَيْنَ مَكْتُوبُ وهذه مبالغة من ثعلب، وقد علمت أن ابن عباس فسر الجاهلية في الآية بالتكذيب بالقدر هم من أهل الجاهلية من كان يقول به كما ذكره ابن قتيبة في "مختلف الحديث"، واللالكائي في "السنة" (١). وأنشد زيادة على ما ذكره ثعلب لذي الإصبع العدواني: [من الهزج] لَيْسَ الْمَرْءُ فِي شَيْءٍ ... مِنَ الإِبْرامِ وَالنَّقْضِ إِذا يُقْضَى أَمْرٌ إِخا ... لُهُ يُقْضَى وَلا يَقْضِي ولبعض أهل الجاهلية: [من الرجز]

стр. 4519

هِيَ الْمَقادِيرُ فَلُمْنِي أَوْ فَذَرْ ... إِنْ كُنْتُ أَخْطَأْتُ فَما أخطا [القَدَر] (*) وروى الترمذي وصححه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: جاء مشركو قريش إلى رسول الله ﷺ يحاجونه في القدر، فنزلت هذه الآية: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨) إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨، ٤٩]. ٣ - ومن أخلاق الجاهلية: الطعن على كتاب الله تعالى، أو على أحاديث رسوله ﷺ الثابتة عنه، ودعوى معارضة القرآن . وكتاب الله تعالى مشحون بذكر قبائح المشركين في ذلك كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ [الأنفال: ٣١]. وقال تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَلْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٣) فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ﴾ [الطور: ٣٣، ٣٤]. وقال الله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ [المرسلات: ٥٠]. ٤ - ومنها: الإعراض عن كتاب الله تعالى، وعن تدبر آياته، وإيثار اللهو واللعب . قال تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩]؛ أي: إنكاراً، ﴿وَتَضْحَكُونَ﴾؛ أي: استهزاءً، ﴿وَلَا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦٠، ٦١]؛

стр. 4520

أي: لاهون، أو مستكبرون، أو مُغَنُّون لتشغلوا الناس عن إسماعه، وهو الغناء بالحميرية، كما رواه عبد بن حميد، وابن جرير عن عكرمة (١). ورويا هما وعبد الرزاق، وأبو عبيد في "فضائله"، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، والبزار، وغيرهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال في قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ سَامِدُونَ﴾ [النجم: ٦١]: الغناء باليمانية؛ كانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا ولعبوا (٢). وروى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني عنه في قوله: ﴿سَامِدُونَ﴾؛ قال: لاهون، معرضون عنه (٣). وروى أبو يعلى، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه في الآية قال: كانوا يمرون على رسول الله ﷺ شامخين؛ ألم تر إلى البعير كيف يخطر شامخاً (٤).

стр. 4521

ولا مخالفة في كلام ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ لأن المشركين كانوا يفعلون ذلك كله حين يسمعون القرآن؛ فتارة يتكبرون عن سماعه ويشمخون، وتارة يتغنون اشتغالاً عن سماعه، وتارة يعرضون عنه بالكلية، وتارة يغضون منه لاشتماله عن شتمهم وذى قبائحهم كما قال مجاهد في قوله: ﴿سَامِدُونَ﴾: غِضاب مبرطمون. رواه ابن جرير، وابن المنذر (١). والمؤمن لا ينبغي له أن يتشبه بالمشركين في شيء من ذلك، بل إذا سمع القرآن أنصت له واستمع، وأقبل عليه ولم يَلْهُ عنه، ولم يلغ فيه، ولا يضحك عند سماعه، بل يبكي لمواعظه، وإن لم يبك يتباكى. قال ابن عباس: لما نزلت هذه الآية على النبي ﷺ ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ﴾ [النجم: ٥٩] ما رئي النبي ﷺ ضاحكاً حتى ذهب من الدنيا. أخرجه ابن مردويه (٢). وقال صالح: لما نزلت ما ضحك النبي ﷺ بعد ذلك إلا أن يتبسم حتى ذهب. رواه ابن أبي شيبة، وأحمد في "الزهد"، والمفسرون (٣). وروى ابن ماجه بإسناد جيد، عن سعد بن أبي وقاص رضي الله

стр. 4522

تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "اتلُوا الْقُرآنَ وَابْكُوا؛ فَإِنْ لَمْ تَبْكُوا فَتَباكَوْا" (١). ٥ - ومن أخلاق الجاهلية: التكذيب بلقاء الله تعالى ومصيرهم إليه ، والرضا بالدنيا، والاغترار بها، والطمأنينة بها، والفرح بها، والأسف على فواتها، والغفلة عن الله وآياته، وحب الحياة، وطول الأمل. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (٧) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٧، ٨]. قال ابن زيد: هؤلاء أهل الكفر. رواه ابن جرير (٢). فلا ينبغي للمؤمن أن يتشبه بهم في شيء من ذلك. وفي الحديث: "الدُّنْيا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ وَجَنَّةُ الْكافِرِ". رواه الإمامان مالك وأحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه عن أبي هريرة، والبزار عن ابن عمر، والطبراني، والحاكم وصححه، عن سلمان رضي الله تعالى عنهم (٣).

стр. 4523

وروى أبو الشيخ عن يوسف بن أسباط رحمه الله تعالى قال: الدنيا دار نعيم الظالمين (١). وقال الله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢) ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ [الحجر: ٢، ٣]. ٦ - ومنها: إنكار المعاد . وقد وافقهم الفلاسفة في إنكار المعاد الجسماني. ثم الجاهلية منهم من كان ينكر إعادة الأجسام، ثم يعتقد أن الروح تصير هامة، أو تتحول في صورة دابة أو طير. ويوافقهم على هذا الدروز والتيامنة؛ فإنهم يعتقدون أن الإنسان إذا مات وولد في يوم موته أو بعده دابة، تحولت روحه إليه. ومنهم من كان ينكر إعادة الروح والجسد معاً، ويعتقد أن الموت عدمٌ صِرف، وهم في ذلك على خلف ما عليه المسلمون. وكتاب الله تعالى قد أخبر عنهم في مواضع أنهم كانوا ينكرون

стр. 4524

المعاد كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا﴾ [الإسراء: ٤٩]. وقوله : ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الصافات: ١٥ - ١٧]. وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: ٧٧، ٧٨]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: جاء العاصي بن وائل إلى رسول الله ﷺ بعَظْمٍ حائلٍ، ففتَّه بيده، فقال: يا محمد! أيُحيي الله هذا بعدما أرَّم؟ قال: "نعمْ؛ يَبْعَثُ اللهُ هَذا، ثُمَّ يُمِيتُكَ، ثُمَّ يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُدْخِلُكَ نارَ جَهَنَمَ"، فنزلت الآيات من آخر سورة يس. رواه المفسرون، وغيرهم، وصححه الحاكم، وذكره الضياء المقدسي في "الأحاديث المختارة" (١). وفي حديث آخر: إن الآيات نزلت في أُبي بن خَلَف (٢). وفي آخر: إنها نزلت في أبي جهل (٣).

стр. 4525

٧ - ومنها: إنكار السمعيات كالحشر، والنشر، والصراط، والميزان، والحساب، والقصاص، والحوض، والشفاعة، والرؤية، والجنة والنار وما فيهما . حتى قال قائلهم: [من الوافر] حَياةٌ ثُمَّ مَوْتٌ ثُمَّ نَشْرٌ ... حَدِيْثُ خُرافَةَ فِي أُمِّ عَمْرِو وسبق أنهم كانوا ينكرون البعث وهم الأكثرون. ثم كان من العرب من يقول: إِنْ بُعِثنا شفعت لنا أصنامنا وقريننا؛ كما قال تعالى حكاية عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣]. وكان ممن يؤمن منهم بالبعث عبد المطلب؛ فإنه كان يضرب بالقداح على عبد الله والد النبي ﷺ ويقول: [من الرجز] يا رَبِّ أَنْتَ الْمَلِكُ الْمَحْمُودُ ... وَأَنْتَ لِيَ الْمُبْدِئُ الْمُعِيْدُ مِنْ عِنْدِكَ الطَّارِفُ وَالتَّلِيْدُ (١) وقال أمية بن أبي الصلت: [من الخفيف] كُلُّ دِينٍ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ الـ ... ـلهِ إِلاَّ دِينَ الْحَنِيفَةِ بُورُ ٨ - ومنها: تثبيط الناس عن اتباع السنة، وصدهم عن الهدى . قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)

стр. 4526

لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٤ - ٢٥]. نزلت الآية في قريش اجتمعوا فقالوا: إن محمداً رجلٌ حلو اللسان، إذا كلمه الرجل أخذ بعقله؛ فابعثوا أناساً من أشرافكم في كل طريق من طرق مكة على رأس ليلة أو ليلتين، فمن جاء يريده يرده عنه، ففعلوا، فكان إذا أقبل الرجل وافداً لقومه يقول له أحدهم: أنا فلان بن فلان؛ أخبرك أن محمداً رجل كذاب، لم يتبعه على أمره إلا السفهاء، والعبيد، ومن لا خير فيه، وخيار قومه مفارقون له، فإذا سأله عما جاء به يقول: أساطير الأولين، فيرجع الوافد إلا أن يكون عزم على الرشاد، فيقول: بئس الوافد أنا لقومي إن كنت جئت حتى إذا بلغت مسير يوم رجعت قبل أن ألقى هذا الرجل وآتي قومي ببيان أمره، فيدخل مكة، فيلقى المؤمنين، فيسألهم، فيقولون خيراً، فذلك قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ [النحل: ٣٠]. أخرجه ابن أبي الدنيا بنحوه عن السدي (١). فمن صد مريداً عن أستاذ حاذق، أو قال عن عالم عامل، وقَبَّحَ حاله عنده، فهو أشبه الناس بجاهلية قريش، خصوصاً إذا طعن على ذلك الشيخ بما ليس فيه حسداً أو بغياً؛ أولئك قطاع طريق الله تعالى عن المسترشدين.

стр. 4527

٩ - ومنها: تعظيم شجرة مخصوصة، أو بقعة مخصوصة، أو حجر مخصوص لم يعظَّمه الشرع الشريف . وهذا يتفق لعوام المسلمين في سائر البلاد، فربما تبركوا بشجرة فعلَّقوا عليها خِرَقاً من أثوابهم، وربما طافوا بها وتمسحوا، وربما عظموا بعض القبور والمشاهد، وعكفوا عليها في بعض الأيام والليالي، وربما تمسحوا بالستور المعلقة عليها أو السحابة بها. ومن هذا القبيل تبرك الناس بمحامل الركب الثلاثة -المصري، واليماني، والشامي- وصنجقة المجهز في كل عام إلى البلد الحرام. وكل ذلك من أفعال الجاهلية، ومما جرهم إلى عبادة الأصنام كما سبق. وروى الإمام مالك، وابن أبي شيبة، والإمام أحمد، والترمذي، والنسائي عن أبي واقد الليثي قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى حُنين ونحن حُدَثاء عهدٍ بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها، وينوطون بها أسلحتهم يقال لها: ذاتُ أنواط، فمررنا بسدرة فقلنا: يا رسول الله! اجعل لنا ذات أنواط، فقال رسول الله ﷺ : "اللهُ أَكْبَرُ! إِنَّها السَّنَنُ، قُلْتُمْ -وَالَّذِي نَفْسِي بِيدهِ- كَما قالَتْ بَنُو إِسْرائِيلَ: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾؛ لترْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كانَ قَبْلَكُمْ" (١).

стр. 4528

١٠ - ومنها: أنهم كانوا لا يتطهرون . قال ابن سيرين، وابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]: فاغسلها بالماء، وطهرها من النجاسة؛ وذلك أن المشركين كانوا لا يتطهرون من النجاسة، فأمر الله تعالى النبي ﷺ أن يتطهر ويطهر ثيابه. نقله الثعلبي (١). وقول ابن سيرين أخرجه ابن المنذر (٢). ١١ - ومنها: عمل المعاصي مطلقاً، وإساءة الأعمال والأخلاق، وتكديرها بالرياء، والمن والأذى، وطلب العوض . ولا شك أن الدين إنما هو نسخ للجاهلية، وهو عبارة عن ترك ذلك، وفعل العمل الصالح، والتخلق بالأخلاق الحسنة؛ لأنه ﷺ بعث بمكارم الخصال ومحاسن الأعمال. وقد وقع التعريض بذلك في قوله تعالى -وهو من أول ما أنزل-: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ (٦) وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ (٧) فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ﴾ [المدثر ١ - ١٠].

стр. 4529

قال قتادة رحمه الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]: المتدثر في ثيابه. ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ [المدثر: ٢]؛ قال: أنذر عذاب ربك ووقائعه في الأمم، وشدة نقمته إذا انتقم. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قال: طهرها من المعاصي، وهي كلمة عربية؛ كانت العرب إذا نكث الرجل ولم يوف بعهد قالوا: إن فلاناً لَدَنِسُ الثياب، وإذا أوفى وأصلح قالوا: إن فلاناً لطاهر الثياب. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]؛ قال: هما صنمان كانا عند البيت: إسافٌ ونائلة، كان يمسح وجوههما من أتى عليهما من المشركين، فأمر الله تعالى نبيه أن يهجرهما ويجانبهما؛ أي: وغيرهما من الأوثان. ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]: لا تعط لمثابة الدنيا، ولا لمجازاة الناس. أخرجه عبد الرزاق، والمفسرون (١). وروى ابن المنذر عن أبي مالك في قوله: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]؛ أي: عظم. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ قال: عنى نفسه. ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]؛ قال: الشيطان والأوثان (٢).

стр. 4530

و [روى] ابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قلنا: يا رسول الله! كيف نقول إذا دخلنا في الصلاة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣]. قال: فأمرنا رسول الله ﷺ أن نفتتح الصلاة بتكبير (١). وأبو هريرة لم يشهد حين نزول الآية لأنها مكية من أول ما أنزل، وأبو هريرة إنما أسلم عام خيبر، وإنما أراد بقوله: (قلنا): قال المسلمون، أو حكاه عمن حدث به فحذف الراوي عن أبي هريرة، أو تأخر نزول قوله تعالى: ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ٣] عن نزول ما قبلها وما بعدها. وروى ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵁: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١]. قال: النائم. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ قال: لا تكن ثيابك التي تلبس من مكسب باطل. و﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥]؛ قال: الأصنام. ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]؛ قال: لا تعط عطية تلتمس بها أفضل منها. ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ قال: من الإثم؛ قال: وهي في كلام العرب نقي الثياب (٢). وروى المفسرون، وابن الأنباري في "الوقف والابتداء" عن

стр. 4531

عكرمة: أن ابن عباس سئل عن قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] قال: لا تلبسها على غدرة ولا فجر. ثم قال: ألا تسمعون قول غيلان بن سلمة: [من الطويل] وإنِّي بِحَمْدِ اللهِ لا ثَوْبَ فاجِرٍ ... لَبِسْتُ وَلا مِنْ غَدْرَةٍ أتقَنَّعُ (١) وروى ابن أبي شيبة، وابن المنذر عن سعيد بن جبير قال: كان الرجل في الجاهلية إذا كان غداراً قالوا: فلانٌ دَنِسُ الثياب (٢). وروى ابن المنذر عن الحسن في قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤]؛ قال: خُلُقَكَ فَحَسِّنْه (٣). وروى عبد بن حميد [عن مجاهد]: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦] قال: لا تستكثر عملك (٤). وروى سعيد بن منصور، وغيره عن إبراهيم النخعي في قوله: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ﴾ [المدثر: ٦]: لا تعطي شيئاً لتعطى أكثر منه (٥).

стр. 4532

﴿وَلِرَبِّكَ فَاصْبِرْ﴾ [المدثر: ٧] قال: إذا أعطيت عطية فأعطها لربك، واصبر حتى يكون هو يثيبك (١). قلت: في الآية إشارة إلى أن من كلف بالإنذار وما بعد يبتلى، فيحتاج إلى الصبر، ولذلك أمر به آخراً. ونظيره قول لقمان لابنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧]. ثم كان من أول ما بينه ﷺ أول ما يكون في اليوم الآخر من نفخ الصور، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]، وهو الصور كما أخرجه المفسرون عن ابن عباس، وغيره (٢). ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [المدثر: ٩، ١٠] بيَّن أن يوم القيامة آتٍ، وأول هول فيه النفخ في الصور، والنقر في الناقور، وإنما عسره إنما هو على الكافر خاصة، وهو الذي ارتكب ما أمر النبي ﷺ بخلافه من أحوال أهل الجاهلية، وإنما ينجو من عسره وهوله المؤمن الذي نفعته نذارة النبي ﷺ ، واتبعه على ما هو عليه. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: لما نزلت: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ﴾ [المدثر: ٨]، قال رسول الله ﷺ : "كَيْفَ أَنْعَمُ وَقَدِ الْتَقَمَ صاحِبُ الْقَرْنِ - يَعْنِي الصُّور - حَنَى جَبْهَتَهُ يَنتظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ"؟

стр. 4533

قالوا: كيف نقول يا رسول الله؟ قال: "قُولُوا: حَسْبُنا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنا" (١). ١٢ - ومن عوائد الجاهلية وأعمالهم وأخلاقهم: اتخاذ المواسم والأعياد التي لم تَرِدْ بها الشريعة . روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي عن أنس ﵁ قال: قدم رسول الله ﷺ المدينة ولهم يومان يلعبون فيهما فقال: "ما هَذانِ اليَوْمانِ؟ " قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية. فقال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِما خَيْراً مِنْهُما؛ يَوْمَ الأَضْحَى، وَيوْمَ الْفِطْرِ" (٢). وروى أبو داود عن ثابت بن الضحاك رضي الله تعالى عنه قال: نذر رجل على عهد رسول الله ﷺ أن ينحر إبلاً ببُوانة (٣)، فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني نذرت أن أنحر إبلاً ببوانة، فقال النبي ﷺ : "هَلْ بِهِما وَثَنٌ مِنْ أَوْثانِ الْجاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ؟ " قالوا: لا.

стр. 4534

قال: "فَهَلْ كانَ فِيْها عِيدٌ مِنْ أَعْيادِهِمْ؟ " قالوا: لا. فقال رسول الله: "أَوْفِ بِنَذرِكَ؛ فَإِنَّهُ لا نَّذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ تَعالَى، وَلا فِيما لا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" (١). وروى الأئمة رضي الله تعالى عنهم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النبي ﷺ : أنه قال: "لا فَزعَ، وَلا عَتِيرَةَ" (٢). الفرع: أول ما تلد الناقة كانوا يذبحونه في الجاهلية. والعتيرة: ذبيحةٌ كانوا يذبحونها في رجب في الجاهلية. قال ابن رجب في "لطائفه": ويشبه الذبح في رجب اتخاذه موسماً وعيداً لأكل الحلوى (٣)، انتهى. قلت: ومن أقبح ما يفعله الجهلة فيه تصوير الحلوى بصور الحيوانات، فهو أشبه ما يكون بتماثيل الجاهلية في الأعياد وغيرها، وقد علمت أن التصوير مطلقاً حرام.

стр. 4535

١٣ - ومنها: الاشتغال مطلقاً بغرور الدنيا، والاعتزاز بها، والفخر والخيلاء، والأشَر والرياء ، والاشتغال بالملاهي لعباً، أو سماعاً أو استماعاً، والقتال حمية، والسفر في المعصية، والبطر بالنعمة السابغة والأموال والأولاد والعشائر؛ فإن ذلك كله أخلاق جاهلية. قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ [الأنفال: ٤٧] الآية. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هم المشركون الذين قاتلوا رسول الله ﷺ يوم بدر (١). قال محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى: لما خرجت قريش من مكة إلى بدر خرجوا بالقيان والدفوف، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا﴾ [الأنفال: ٤٧] (٢). رواهما ابن أبي حاتم وقال قتادة: خرجوا ولهم بغي وفخر، وقد قيل لهم يومئذ: ارجعوا فقد انطلقت عيركم، وقد ظفرتم، فقالوا: لا والله حتى يتحدث أهل الحجاز بمسيرنا وعودنا. قال: وذكر لنا أن نبي الله ﷺ قال يومئذ: "اللَّهُمَّ إِنَّ قُرَيْشاً قَدْ

стр. 4536

أَضَلَّتْ (١) بِفَخْرِها وَخُيَلائِها لِتُجادِلَ رَسُولَكَ (٢) ". رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (٣). وقال تعالى: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا (١٤) ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ (١٥) كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا (١٦) سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧) إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ (١٨) فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (١٩) ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ (٢٠) ثُمَّ نَظَرَ (٢١) ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ (٢٢) ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ (٢٣) فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦) وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ (٢٧) لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ﴾ [المدثر: ١١ - ٢٨]. بيَّن أنه خلقه وحده بأن قال له: كن، فكان. فَـ: "وحيداً" حالٌ من الضمير المرفوع. أو خلقه مجرداً لا مال له، ولا أهل ولا ولد، فهو حال من "من"، أو من الضمير المحذوف؛ أي: "خلقته" حالَ كونه وحيداً لا شيء له. ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢] واسعاً. ﴿وَبَنِينَ شُهُودًا﴾ [المدثر: ١٣] حضوراً عنده لأن الأهل إذا كانوا مجتمعين حاضرين جميعاً كان ذلك أقر لأعينهم، وأتم للنعمة عليهم. ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾ [المدثر: ١٥]؛ أي: في الزيادة من المال والولد،

стр. 4537

وهو شأن أكثر الناس جاهلية وإسلاماً إلا من وفقه الله تعالى، فقنع وعلم أن قليلاً يكفي خيرٌ من كثير يطغي. ثم كان مع ذلك عنيداً لآياته، كافراً لإنعاماته. أجمع المفسرون أنها نزلت في الوليد بن المغيرة المخزومي حين قال: لقد نظرت فيما قال هذا الرجل فإذا هو ليس شعراً، كان له لحلاوة، كان عليه لطلاوة، وإنه ليعلو ولا يُعلى عليه، وما أشك أنه سحر، فنزل فيه الآية. قال سعيد بن جبير: كان له ثلاثة عشر ولداً كلهم رب بيت، فلما نزلت لم يزل في إدبار من الدنيا في نفسه وماله وولده حتى خرج من الدنيا (١). وقال ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢]: ألف دينار (٢). رواهما ابن المنذر. وروى عبد بن حميد عن سفيان قال في قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢]: ألف ألف (٣). وروى الدينوري في "المجالسة" عن عمر بن الخطاب رضي الله

стр. 4538

تعالى عنه: أنه سئل عن قوله: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ [المدثر: ١٢]؛ قال: غلة شهر بشهر (١). وقيل: كانت له أرض وزرع، وماشية، وتجارة. * تنبِيهٌ: من بسط له في دنياه حتى بلغ منها رضاه من مال وبنين من عَرَض حاصل، أو غلة جارية، وهي من أنفع الأموال وأهناها لتجدد السرور بها في كل ما استوفى منها يوماً، أو شهراً، أو عاماً، أو تجارة، أو غير ذلك، ثم بطر نعمة الله فيها، وأصر على المعاصي، وبغى على الناس، وأمن من زوال تلك النعمة عنه وانصرامها منه، عوجل بالعقوبة فيها في الدنيا قبل الآخرة، ثم إن مات على كفر وشرك جمع له بين خزي الدنيا وعذاب الآخرة كما صار للوليد، وهذه سنة جارية في كثير من المفترين. ١٤ - ومن قبائح الجاهلية: الذبائح التي كانوا يذبحونها ويتقربون بها بغير شريعة واردة . من أنواعها: العتيرة، والفرع المتقدمان. وروى البيهقي في "السنن" عن الزهريّ مرسلاً: أن رسول الله ﷺ نهى عن ذبائح الجن، وذلك أن الجاهلية كانوا إذا اشتروا داراً، أو استخرجوا عيناً، أو بنوا بنياناً، ذبحوا ذبيحة مخافة أن تصيبهم الجن،

стр. 4539

فأضيفت الذبيحة إليهم (١). وروى أبو داود عن أنس رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا عَقْرَ فِي الإِسْلامِ" (٢). وذلك أنهم كانوا يعقرون الإبل على قبور الموتى - أي: ينحرونها - ويقولون: إن صاحب القبر كان يعقر للأضياف أيام حياته؛ لنكافئه بمثل صنيعه بعد وفاته. ١٥ - ومنها: المباراة والمعاقرة . وهي المفاخرة في نحر الإبل؛ يقال: تعاقرا؛ إذا عقرا إبلهما ليرى أيهما أعقر لها. وتطلق المعاقرة على إدمان شرب العُقار - بالضم - وهي الخمر، سميت عُقاراً لمعاقرتها؛ أي: ملازمتها الدن، أو لعقرها شاربها عن المشي، كما في "القاموس" (٣). والمعاقرة بهذا المعنى من فعل الجاهلية. روى أبو داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: نهى رسول الله ﷺ عن معاقرة الأصحاب (٤).

стр. 4540

وروى ابن أبي شيبة عن أبي ريحانة رحمه الله تعالى قال: سئل ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن معاقرة الأعراب بينها، فقال: إني أخاف أن يكون مما أُهِلَّ لغير الله به (١). وروى أبو إسحاق إبراهيم بن عبد الرحمن المعروف بدحيم في "تفسيره" عن الجارود قال: كان رجل يقال له: ابن وثيل شاعراً، نافر أبا الفرزدق الشاعر غالباً على أن يعقر هذا مئة من إبله، وهذا مئة من إبله إذا وردت الماء، فلما وردت الماء قاما إليها بأسيافهما، فجعلا ينسفان عراقيبها، فخرج الناس على الحمرات والبغال يريدون اللحم، وعلي رضي الله تعالى عنه بالكوفة، فخرج على بغلة رسول الله ﷺ البيضاء وهو ينادي: يا أيها الناس! لا تأكلوا من لحومها، فإنما أُهِلَّ بها لغير الله (٢). وروى أبو داود، والحاكم وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن رسول الله ﷺ نهى عن طعام المتبارِييْن أن يؤكل (٣). قال الخطابي: المتباريان هما المتعارضان بفعلهما أيهما يغلب صاحبه.

стр. 4541

وإنما كره ذلك لما فيه من الرياء والمباهاة، ولأنه دخل في جملة ما نهي عنه من أكل المال بالباطل (١)، انتهى. وروى الإمام أحمد في "الزهد" عن حميد بن نعيم: أن عمر، وعثمان رضي الله تعالى عنهما ذهبا إلى طعام، فلما خرجا قال عثمان لعمر رضي الله تعالى عنهما: قد شهدنا طعاماً لوددنا أنا لم نشهده. قال: لِمَ؟ قال: إني أخاف أن يكون صُنِعَ مباهاةً (٢). ١٦ - ومن أخلاق الجاهلية: التحرج عن الأكل من الهدي والأضحية . روى عبد الرزاق، وسعيد بن منصور، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن إبراهيم - هو النخعي - رحمه الله تعالى قال: كان المشركون لا يأكلون من ذبائح نسائكهم، فنزلت: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ [الحج: ٢٨]، والأكل منها سنة إلا أن تكون منذورة (٣). قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه: نحر رسول الله ﷺ ستة وستين، ونحر علي أربعة وثلاثين، ثم أمر رسول الله ﷺ من كل جزور ببضعة فجعلت في قِدر، فأكل رسول الله ﷺ من اللحم، وحَسا من

стр. 4542

المرق لأن الله تعالى يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨]. رواه ابن أبي حاتم (١). ١٧ - ومنها: الذبح لغير الله، أو له ولغيره على وجه الإشراك . روى أبو عبيد، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن الحسن في هذه الآية: ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦]، أنه كان يقرؤها: "صوافي"؛ قال: خالصةً لله تعالى؛ قال: كانوا يذبحونها لأصنامهم (٢). وعن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى: أنه قرأ ﴿فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ [الحج: ٣٦] بالياء منتصبةً، وقال: خالصة لله من الشرك لأنهم كانوا يشركون في الجاهلية إذا نحروها (٣). ١٨ - ومنها: تضريج الكعبة بالدماء، واعتقاد أن ذلك قربة . وهذا حرام، وكذلك تضميخ المساجد وتقذيرها. روى ابن أبي حاتم عن ابن جريج رحمه الله تعالى قال: كان أهل الجاهلية ينضحون البيت بلحوم الإبل ودمائها، فقال أصحاب النبي ﷺ : نحن أحق أن ننضح، فأنزل الله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧] (٤).

стр. 4543

١٩ - ومنها: تلطيخ رأس الغلام بدم عقيقته . وهو مكروه. روى أبو يعلى، والبزار - ورجاله ثقات - عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان في الجاهلية تؤخذ قطنة فتجعل في دم العقيقة، ثم توضع على رأسه - يعني: الولد - فأمر رسول الله ﷺ أن يجعل مكان الدم خَلُوقاً (١). ٢٠ - ومنها: الوأد - وهو من أشد الكبائر - وزيادة الفرح إذا بشر بالغلام، وزيادة الترح إذا بشر بالأنثى حياءً من الناس، وخوفاً من الفقر، وكانوا يئدون البنات لذلك . قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨، ٥٩]. وذلك أن طوائف العرب كانوا يدفنون البنات أحياءً خوفاً من الفقر وطمعِ غير الاكفاء فيهن؛ فمنهم من كانت المرأة فيهم إذا حملت وكان أوان ولادتها، حفرت حفيرة فتمخضت على رأس الحفيرة؛ فإن ولدت جارية دست بها في الحفيرة، كان ولدت غلاماً حبسته.

стр. 4544

ومنهم: من كان يربي البنت حتى تصير سداسية، فيقول لأمها: زينيها، حتى إذا ذهب بها وقد حفر لها بئراً في الصحراء، فإذا بلغ بها البئر قال لها: انظري إلى هذا البئر، فدفعها من خلفها، ثم يهيل عليها التراب حتى يستوي البئر إلى الأرض. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ [التكوير: ٨، ٩] ومثل ذلك ما يفعله الجهلاء من أهل القرى وغيرهم من قتل النساء وإن كن أبكاراً، مهما سمعوا عنهن كلمةً من عدو أو غيره، ويزعمون أن ذلك من المروءة وتطهير العرض. وليس الأمر كذلك، بل قتل النفس التي حرم الله تعالى بغير حق أعظم الذنوب عند الله تعالى بعد الإشراك بالله تعالى. وروى أبو داود، والحاكم وقال: صحيح الإسناد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانَ لَهُ أُنْثَى وَلَمْ يئِدْها، وَلَمْ يُهِنْها، وَلَمْ يُؤثرْ وَلَدَهُ - يَعْنِي: الذُّكُورَ - عَلَيْها، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ" (١). وروى الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ أنه قال: "مَنِ ابْتُلِيَ مِنْ هَذهِ الْبَناتِ بِشَيْءٍ فَأَحْسَنَ إِلَيْهِنَّ، كُنَّ لَهُ سِتْراً مِنَ النَّارِ" (٢).

стр. 4545

وروى أبو موسى المديني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن أوس بن ساعدة الأنصاري ﵁ دخل على النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إن لي بناتٍ، وأنا أدعو عليهن بالموت. فقال: "يا ابْنَ ساعِدةَ! لا تَدْعُ عَلَيْهِنَّ؛ فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي البَناتِ، هُنَّ الْمُجَمِّلاتُ عِنْدَ النِّعْمَةِ، وَالْمُنْعِياتُ عِنْدَ الْمُصِيْبَةِ، وَالْمُمَرِّضاتُ عِنْدَ الشِّدَّةِ، لِيْنٌ عَلى الأَرْضِ، وَرِزْقُهُنَّ عَلى اللهِ" (١). * تَنْبِيْهٌ: روى أبو الشيخ في "الثواب" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "بَيْتٌ لا صِبْيانَ فِيهِ لا بَرَكَةَ فِيهِ" (٢)؛ أي: لا بركة كاملة أو ظاهرة فيه. والصبيان: جمع صبي بالمعنى الشامل للصبية. قال في "القاموس": والصبي: من لم يفطم بعد (٣)، فهو شامل للذكور والإناث، مثل الولدان؛ وإن أوهم اللفظ اختصاصه بالذكور لقوله ﷺ : "فَإِنَّ الْبَرَكَةَ فِي البَناتِ". وأما حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "دَفْنُ الْبناتِ مِنَ

стр. 4546

الْمَكْرُماتِ". رواه الخطيب (١)، فالمراد أن البنات يَمُتْنَ بقضاء الله تعالى، ثم يدفنَّ، فيكون دفنهن مكرمة لهن ولأوليائهن؛ فإن قبر البنت ستر لها كما ورد: للمرأة عشر عورات؛ يستر الزوج عورة واحدة، والقبر يستر العشر جميعاً (٢). وروى ابن عدي في "الكامل" - وقال: حديث منكر - والحاكم في "تاريخ نيسابوري" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال "لِلْمَرْأَةِ سِتْرانِ؛ الْقَبْرُ وَالزَّوْجُ". قيل: فأيهما أفضل؟ قال: "القَبْرُ" (٣). ولا يجوز فهم حديث ابن عمر على ظاهر اللفظ، بل المعنى: دفن البنات إذا متن، أو بعد موتهن بقضاء الله تعالى؛ فإن الشرع والعقل يقبحان دفن الحي.

стр. 4547

ومن مكارم صعصعة بن ناجية المجاشعي - وهو جد الفرزدق الشاعر - ما رواه البزار، والطبراني عنه: أنه قال في حديث للنبي ﷺ : ظهر الإسلام وقد أحييت ثلاثمئة وستين موؤودة، أشتري كل واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل، فهل لي في ذلك من أجر؟ قال: "لَكَ أَجْرٌ إِذْ مَنَّ اللهُ عَلَيْكَ بِالإِسْلامِ". قال عباد - وهو أحد رواته -: ومصداق قول صعصعة قول الفرزدق: [من المتقارب] وَجَدِّي الَّذِي مَنَعَ الْوائِدَا ... تِ وَأَحْيَا الوَئيْدَ فَلَمْ يُوْأَدِ (١) ٢١ - ومن عوائد الجاهلية: العزل عن النساء مخافة الولد فراراً من العَيلَة والفقر، أو حذراً من ولادة الإناث . وهو مكروهٌ. ومن العلماء من حرمه مطلقاً. ومنهم من حرمه عن الحرائر دون الإماء، ويشير إلى أنه من فعل الجاهلية [ما] رواه الإمام أحمد، ومسلم، والأربعة عن جُدَامة بنت وهب ﵂ قالت: سئل النبي ﷺ عن العزل، فقال: "ذاكَ الوَأْدُ الْخَفِيُّ"، وهي: ﴿الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ﴾ [التكوير: ٨] (٢).

стр. 4548

وجدامة: بضم الميم، ودالها مهملة. ٢٢ - ومن أفعال الجاهلية: قتل النفس التي حرم الله تعالى إلا بالحق . وأعظمه قتل الأولاد بالوأد كما علمت وبغيره. وفي الصحيح ": "إِنَّ أَعْظَمَ الذُّنُوبِ بَعْدَ الشِّرْكِ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ" (١). ووجهه ظاهر؛ فإن شفقة الوالد على الولد ليس فوقها شفقة، فإذا قتله فليس فوق قسوته قسوة. قال الله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠]. روى البخاري، وغيره عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إذا سَرَّك أن تعرف جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومئة من سورة الأنعام ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [الأنعام: ١٤٠] (٢). وقال قتادة رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٤٠]: هذا صنع أهل الجاهلية؛ كان أحدهم

стр. 4549

يقتل ابنته مخافة السباء والفاقة، ويغذو كلبه. رواه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (١). وقال في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ [الأنعام: ١٥١]: من خشية الفاقة. قال: وكان أهل الجاهلية يقتل أحدهم ابنته مخافة الفاقة عليها والسبي. رواه عبد بن حميد، وأبو الشيخ (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ [النساء: ٩٢]. فيه إشارة إلى أن تعمد قتل النفس بغير حق ليس من أخلاق المؤمنين، بل هو من أخلاق الجاهلية. ٢٣ - ومنها: أنهم كانوا إذا قتل لهم قتيل لم يرضوا بقتل قاتله حتى يتجاوزوا، أو يقتلوا غير قاتله . قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]. روى البيهقي في "سننه" عن زيد بن أسلم رحمهما الله تعالى قال: إن الناس كانوا في الجاهلية إذا قتل الرجل من القوم رجلًا لم يرضوا حتى يقتلوا به رجلاً شريفاً إذا كان قاتلهم غير شريف، لم يقتلوا

стр. 4550

قاتلهم وقتلوا غيره، فوعظوا في ذلك يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. قال: لا تقتل غير قاتل وليك (١). قال [الضحاك]: وهي اليوم على ذلك الوضع من المسلمين؛ لا يحل لهم أن يقتلوا إلا قاتلهم (٢). وعن سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال في الآية: لا يقتل اثنين بواحد (٣)؛ أي: لا يقتل اثنين أحدهما لم يقتل. ٢٤ - ومنها: أخذ الإنسان بجريرة . كما علمت من قتلهم غير قاتل وليهم. ولقد قالوا في أمثالهم: قدْ يُؤخذُ الجارُ بذنبِ الجارِ (٤)؛ وهو خلف كتاب الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨]. ذكر القرطبي في "تفسيره" أقوالاً منها: أنها نزلت رداً على العرب في الجاهلية من مؤاخذة الرجل بأبيه وبابنه، وبجريرة خليله (٥)، بل هو

стр. 4551

من الجاهلية الأولى التي كانت في الفترة بين نوح وإبراهيم كما روى ابن المنذر عن هذيل (١) بن شرحبيل قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره بين نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام حتى جاء إبراهيم؛ فلا تزر وازرة وزر أخرى (٢). وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال في قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]: كانوا قبل إبراهيم ﵇ يأخذون الولي بالولي، حتى كان إبراهيم، فوفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى؛ لا يؤخذ أحد بذنب غيره (٣). وروى الشافعي، والبيهقي في "سننه" عن عمرو بن أوس رحمه الله تعالى قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره، حتى جاء إبراهيم فقال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]؛ قال: بلغ وأدى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] (٤). وقوله: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره؛ أي: شريعة فنسخت بما جاء به إبراهيم ﵇، أو عادة أجريت ولم تكن شريعة، فأبطلها إبراهيم ﵇، وبيَّن أنها نزلت شريعة.

стр. 4552

وإذا تأملت أحوال حكام هذه الأزمنة وجدتها لا تعدو أحوال أهل الجاهلية في كثير من الأمور؛ ألا تراهم إذا طلبوا غريماً وتغيب عنهم أخذوا أباه، أو ابنه، أو قريبه، أو جاره؟ وربما قتل قتيل، أو سرقت دارٌ أو دكان في محلة، وجاء الوالي وجماعته ومعهم قاض من قبل حاكم الشرع يقال: قاضي الكشف، فيأخذون من صاحب المصيبة أو من أهل المحلة جريمة، وسموها: أجرة القدم، أو حجة الكشف، ولا يمهلونه إلى تحصيل ما يأخذونه، بل يأمرونه بتسلم ذلك ممن استعد للربا في أبوابهم، ولعل ذلك فوق جهل الجاهلية. وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن الهيثم بن عدي قال: دخل أبي بن الإبَّاء - بتشديد الموحدة - على الحجاج بن يوسف، فقال: [إني] موسوم بالحيلة، مشهور بالطاعة، خرج أخي مع [ابن الأشعث] (١) فحلق على اسمي، وحُرِمْتُ عطائي، وهُدِمَت داري. فقال الحجاج: أو ما سمعت ما قال الشاعر؟ قال. وما قال؟ قال: [من الكامل] جانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ وَقَدْ ... يَعْدِي الصَّحِيحَ مَبارِكُ الْجُرْبِ وَلَرُبَّ مَأخوذٍ بِذَنْبِ قَرِيبِه ... وَنَجا الْمُقارِفُ صاحِبُ الذَّنْبِ

стр. 4553

قال: أيها الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا. قال: وما قال جل ثناؤه؟ قال: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٨، ٧٩]. قال: يا غلام! ارسم اسمَه، وابْنِ داره، وأعطه عطاءً (١). ٢٥ - ومنها: إعانة القاتل والظالم على ظلمه . فيعاونون القاتل فيه دون أولياء المقتول الدية قهراً. ومن هذا القبيل: تعاون الناس الآن على الصلح بدون الحق على وجه القهر للمصالح وتهديده ليرضى، والصلح إنما يصلح ويكون خيراً إذا لم يكن فيه عدوان. وروى ابن جرير، وغيره عن الحسن رحمه الله تعالى في قوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلاً ينضم إلى قومه، فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية، فيخرج الفار وقد أمن على نفسه، فيغتاله - يعني: ولي المقتول - ويرمي إليه بالدية (٢).

стр. 4554

٢٦ - ومنها: قتل القاتل بعد قبول الدية منه لما قاله الحسن . وروى البخاري، والمفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال: قتل بعد قبول الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (١). وفي حديث سمرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أُعافِي رَجُلاً قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّية". أخرجه سَمُّويه في "فوائده" مسنداً مرفوعاً هكذا (٢). وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة مرسلاً (٣). ٢٧ - ومنها: البغي مطلقاً في القتل وغيره . وهو التعدي والاستطالة في الأمور. روى أبو داود في "ناسخه"، والبيهقي في "سننه" عن قتادة في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] قال: كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي منهم إذا كان فيهم عدد وعدة، فقتل لهم عبد قتله عبدُ قومٍ آخرين، قالوا: نقتل به الأحرار تعززاً وتفضلاً على غيرهم في أنفسهم، وإذا قتلت لهم أنثى قتلتها امرأة، قالوا: لن نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية

стр. 4555

يخبرهم أن العبد بالعبد، والحر بالحر، والأنثى بالأنثى، ونهاهم عن البغي (١). وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزلت فيهم الآية (٢). وروى مسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَنْ تَواضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحدٌ عَلى أَحَدٍ وَلا يَبْغِي أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ" (٣). وروى البخاري في "الأدب المفرد"، وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَواضَعُوا، وَلا يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ" (٤).
следующие страницы →