← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4551–4590 · переход к 4556.

стр. 4551

من الجاهلية الأولى التي كانت في الفترة بين نوح وإبراهيم كما روى ابن المنذر عن هذيل (١) بن شرحبيل قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره بين نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام حتى جاء إبراهيم؛ فلا تزر وازرة وزر أخرى (٢). وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال في قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]: كانوا قبل إبراهيم ﵇ يأخذون الولي بالولي، حتى كان إبراهيم، فوفى أن لا تزر وازرة وزر أخرى؛ لا يؤخذ أحد بذنب غيره (٣). وروى الشافعي، والبيهقي في "سننه" عن عمرو بن أوس رحمه الله تعالى قال: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره، حتى جاء إبراهيم فقال الله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]؛ قال: بلغ وأدى ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [النجم: ٣٨] (٤). وقوله: كان الرجل يؤخذ بذنب غيره؛ أي: شريعة فنسخت بما جاء به إبراهيم ﵇، أو عادة أجريت ولم تكن شريعة، فأبطلها إبراهيم ﵇، وبيَّن أنها نزلت شريعة.

стр. 4552

وإذا تأملت أحوال حكام هذه الأزمنة وجدتها لا تعدو أحوال أهل الجاهلية في كثير من الأمور؛ ألا تراهم إذا طلبوا غريماً وتغيب عنهم أخذوا أباه، أو ابنه، أو قريبه، أو جاره؟ وربما قتل قتيل، أو سرقت دارٌ أو دكان في محلة، وجاء الوالي وجماعته ومعهم قاض من قبل حاكم الشرع يقال: قاضي الكشف، فيأخذون من صاحب المصيبة أو من أهل المحلة جريمة، وسموها: أجرة القدم، أو حجة الكشف، ولا يمهلونه إلى تحصيل ما يأخذونه، بل يأمرونه بتسلم ذلك ممن استعد للربا في أبوابهم، ولعل ذلك فوق جهل الجاهلية. وروى الخطيب في "تلخيص المتشابه" عن الهيثم بن عدي قال: دخل أبي بن الإبَّاء - بتشديد الموحدة - على الحجاج بن يوسف، فقال: [إني] موسوم بالحيلة، مشهور بالطاعة، خرج أخي مع [ابن الأشعث] (١) فحلق على اسمي، وحُرِمْتُ عطائي، وهُدِمَت داري. فقال الحجاج: أو ما سمعت ما قال الشاعر؟ قال. وما قال؟ قال: [من الكامل] جانِيكَ مَنْ يَجْنِي عَلَيْكَ وَقَدْ ... يَعْدِي الصَّحِيحَ مَبارِكُ الْجُرْبِ وَلَرُبَّ مَأخوذٍ بِذَنْبِ قَرِيبِه ... وَنَجا الْمُقارِفُ صاحِبُ الذَّنْبِ

стр. 4553

قال: أيها الأمير! إني سمعت الله يقول غير هذا. قال: وما قال جل ثناؤه؟ قال: ﴿قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٧٨) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ﴾ [يوسف: ٧٨، ٧٩]. قال: يا غلام! ارسم اسمَه، وابْنِ داره، وأعطه عطاءً (١). ٢٥ - ومنها: إعانة القاتل والظالم على ظلمه . فيعاونون القاتل فيه دون أولياء المقتول الدية قهراً. ومن هذا القبيل: تعاون الناس الآن على الصلح بدون الحق على وجه القهر للمصالح وتهديده ليرضى، والصلح إنما يصلح ويكون خيراً إذا لم يكن فيه عدوان. وروى ابن جرير، وغيره عن الحسن رحمه الله تعالى في قوله : ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] قال: كان الرجل في الجاهلية إذا قتل قتيلاً ينضم إلى قومه، فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية، فيخرج الفار وقد أمن على نفسه، فيغتاله - يعني: ولي المقتول - ويرمي إليه بالدية (٢).

стр. 4554

٢٦ - ومنها: قتل القاتل بعد قبول الدية منه لما قاله الحسن . وروى البخاري، والمفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ قال: قتل بعد قبول الدية ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٨] (١). وفي حديث سمرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا أُعافِي رَجُلاً قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّية". أخرجه سَمُّويه في "فوائده" مسنداً مرفوعاً هكذا (٢). وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة مرسلاً (٣). ٢٧ - ومنها: البغي مطلقاً في القتل وغيره . وهو التعدي والاستطالة في الأمور. روى أبو داود في "ناسخه"، والبيهقي في "سننه" عن قتادة في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨] قال: كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي منهم إذا كان فيهم عدد وعدة، فقتل لهم عبد قتله عبدُ قومٍ آخرين، قالوا: نقتل به الأحرار تعززاً وتفضلاً على غيرهم في أنفسهم، وإذا قتلت لهم أنثى قتلتها امرأة، قالوا: لن نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله تعالى هذه الآية

стр. 4555

يخبرهم أن العبد بالعبد، والحر بالحر، والأنثى بالأنثى، ونهاهم عن البغي (١). وروى ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير: أن حيين من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم، فنزلت فيهم الآية (٢). وروى مسلم، وأبو داود، وابن ماجه عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَنْ تَواضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحدٌ عَلى أَحَدٍ وَلا يَبْغِي أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ" (٣). وروى البخاري في "الأدب المفرد"، وابن ماجه عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ أَوْحَى إِلَيَّ أَنْ تَواضَعُوا، وَلا يَبْغِي بَعْضُكُمْ عَلى بَعْضٍ" (٤).

стр. 4556

٢٨ - ومنها أنهم كانوا إذا قتل لأحدهم قتيل استوفى ذلك بنفسه . وفي الشريعة يرفع أمره إلى ولي الأمر في طلب ما استحقه من قصاص، أو حد قذف، أو تعزير، أو عقوبة، ويحرم عليه استيفاؤه بنفسه وإن وقع موقعه، ولا يستقل بأخذ ما يستحقه من غيره بيد غيره إلا إن أمن الفتنة، ولا يحق (١) له ما استحقه من دين على غريم مقر له غير ممتنع من الأداء، بل يطالبه. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا﴾ [الإسراء: ٣٣]: ينصره السلطان على كل من قتله، ومن انتصر لنفسه دون السلطان فهو عاصٍ مسرف، قد عمل بحمية أهل الجاهلية، ولم يرض بحكم الله. أخرجه ابن المنذر، وابن أبي حاتم (٢). ٢٩ - ومنها: الزنا سراً وجهراً، ونكاح المحارم، وتعاطي الأنكحة الفاسدة كالشغار - وهو أن يزوج الرجل موليته آخر على أن يزوجه موليته، ويضع كل واحد صداق الأخرى - والمتعة - وهي: النكاح بلا أجل، أو بلا بينة - والجمع بين الأختين، ونكاح زوجة الأب، وغير ذلك.

стр. 4557

روى المفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] قال: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر، ويستقبحونه في العلانية، فحرم الله تعالى الزنا في السر والعلانية (١). وروى ابن أبي حاتم عنه في قوله: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: نكاح الأمهات والبنات (٢). ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ قال: الزنا (٣). وروى مسلم عن ابن عمر ﵁، والإمام أحمد، وابن ماجه، وابن حبان عن أنس ﵁ قالا: قال رسول الله ﷺ : "لا شِغارَ فِي الإسْلامِ" (٤). وروى البخاري عن علي رضي الله تعالى عنه، والإمام أحمد عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ نهى عن المتعة (٥).

стр. 4558

وقال الله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]. قال محمد بن الحسن: كان أهل الجاهلية يعرفون هذه المحرمات كلها التي ذكرت في هذه الآية: قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ [النساء: ٢٢]، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]. قال: إلا اثنتين؛ إحداهما: امرأة الأب، والثانية: الجمع بين الأختين؛ ألا ترى أنه قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٢]، وقال: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]، ولم يذكر في سائر المحرمات، ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ (١). قال (٢): هذا يخالف ما نقلناه عن ابن عباس في تفسير ما ظهر من الفواحش من نكاح الأمهات والبنات (٣)؛ فإن في قوله تعالى: ﴿تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ [الأنعام: ١٥١] تعريضاً بما كان عليه أهل الجاهلية، إلا أن يحمل كلام ابن عباس على أنهم كانوا، أو

стр. 4559

كان منهم من يفعله لا على سبيل الاستحسان له والاستطابة، بل كان يفعله وهو في نفسه فاحشة. ويحمل كلام محمد بن الحسن على أنهم ما كانوا يعرفونه ديناً أو مقبولاً لا بأس به، بخلاف نكاح امرأة الأب والجمع بين الأختين. وكذلك ما حكي عن محمد بن السائب الكلبي أنه قال: كانت العرب في جاهليتها تحرم أشياء نزل القرآن بتحريمها؛ كانوا لا ينكحون الأمهات، ولا البنات، ولا الخالات، ولا العمات، وكان أقبح ما يصنعون أن يجمع الرجل بين الأختين، أو يحيف على امرأة أبيه، وكانوا يسمون من يفعل ذلك: الضيزن (١)؛ يعني: المعجمات. قلت: وقد اختلف العلماء في الاستثناء والوصف إذا تأخر عن جمل متعاقبة، هل يعودان إلى الجمل كلها، أم إلى الجملة الأخيرة، أو على الجمل إلا أن يفصل بينهن شرط أو نحوه فعلى ما بعده، أو يفرق بين العطف بالواو فيعودان معها إلى الجمل كلها، وبغيرها فيعودان على الأخيرة؟ أقوال: أرحجها الأخير عند إمام الحرمين. والأكثرون على الأول لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ

стр. 4560

وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [النساء: ٢٣]. فالاستثناء يعود إلى قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] الأخيرة على القول الأول. والقول [ ... ] فإن [ ... ] في الجميع، فالوارد على قول ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ [النساء: ٢٣] فقط على القول الثاني. وعليه وعلى ما قبله من حلائل الأبناء فقط على القول الثالث. وعليه [ ... ] (١) واردة على كلام محمد بن الحسن. وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: كانت مناكح الجاهلية على أربعة أضرب؛ نكاح الرايات، ونكاح الرهط، ونكاح الاستيجاد، ونكاح الولاد. فأما نكاح الرايات فهو أن العاهرة في الجاهلية كانت تنصب على بابها راية ليعلم المار بها عهرها فيزني بها. وأما نكاح الرهط فهو أن النفر من القبيلة كانوا يشتركون في إصابة المرأة، فإذا جاءت بولد ألحق بأشبههم به. وأما نكاح الاستيجاد فهو أن المرأة كانت إذا أرادت ولداً نجيباً

стр. 4561

بذلت نفسها لنجيب كل قبيلة وسيدها، فلا تلد إلا نجيباً، فتلحقه بأيهم شاءت (١). وأما نكاح الولاد فهو النكاح الصحيح المقصود للتناسل الذي قال فيه رسول الله ﷺ : "وُلِدْتُ مِنْ نِكاحٍ لا مِنْ سِفاحٍ" (٢). وروى الإمام أحمد بإسناد صحيح، عن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه: أن رجلاً لقي امرأة كانت بغياً في الجاهلية، فجعل يلاعبها حتى بسط يده إليها، فقالت المرأة: مه؛ فإن الله قد ذهب بالشرك - وفي رواية: ذهب بالجاهلية وجاءنا بالإسلام - فولى الرجل، فأصاب وجهه الحائط، فشجه، ثم أتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "أَنْتَ عَبْدٌ أَرادَ اللهُ بِكَ خَيْراً؛ عَجَّلَ لَهُ عُقُوبَةَ ذَنْبِهِ، وَإِذا أَرادَ اللهُ بِعَبْدٍ شَرًّا أَمْسَكَ عَلَيْهِ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوافَى بِهِ يَوْمَ القِيامَةِ كَأَنَّهُ عيرٌ" (٣). وقول المرأة: مه؛ فإن الله ذهب بالجاهلية وجاءنا بالإسلام؛ إشارةٌ إلى أنه لا ينبغي لمن أكرمه الله تعالى بالإسلام والدين بأن يتضمَّخ بما كان عليه أهل الجاهلية من الزنا وغيره من الفواحش والقبائح. وفيه أن وازع الإسلام هو الذي منعها عن الزنا التي كانت تتعاطاه

стр. 4562

في الجاهلية، فكذلك ينبغي أن يكون وازع الإسلام مانعاً للعبد من كل خُلُق لا يليق بالمسلمين. * تَنْبِيْهٌ: روى الحازمي في "الناسخ والمنسوخ" عن الشعبي رحمه الله تعالى في قصة مبايعة هند بنت عتبة: فلما قال رسول الله ﷺ : "وَلا يَزْنِينَ" قالت: أَوَتَزني الحرة؟ لقد كنا نستنحيي من ذلك في الجاهلية، فكيف في الإسلام (١). ٣٠ - ومن أعمال الجاهلية الفاحشة - وهو من جنس ما سبق -: المبادلة . قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: كان البدل في الجاهلية أن يقول الرجل للرجل: بادلني امرأتك وأبادلك امرأتي؛ أي: أنزل لك عن امرأتي وتنزل لي عن امرأتك، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٥٢]، قال: فدخل عيينة بن حصن الفزاري على النبي ﷺ وعنده عائشة رضي الله تعالى عنها، ودخل بغير إذن، فقال له رسول الله ﷺ : "أَيْنَ الاسْتِئْذان؟ " قال: يا رسول الله ﷺ ! ما استأذنت على رجل من الأنصار منذ أدركت.

стр. 4563

ثم قال: من هذه الحميراء إلى جنبك؟ فقال رسول الله ﷺ : "هَذِهِ عائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ". قال: أفلا أنزل لك عن أحسن الخلق؟ قال: "يا عُيَيْنَةُ! إِنَّ اللهَ حَرَّمَ ذَلِكَ". فلما خرج قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: من هذا؟ قال: "أَحْمَقٌ مُطاعٌ، وَإِنَّهُ عَلى ما تَرَيْنَ لَسَيِّدٌ فِي قَوْمِهِ" (١). قلت: وبلغني أن المبادلة الآن ربما جرت في أمراء الأعراب من بني خيار وغيرهم؛ استولى بعضهم على زوجة وبعث إليه بزوجته، وهذا ضلال مبين. ٣١ - ومنها: أكل الأولياء مهور مولياتهم . روى سعيد بن منصور، والمفسرون عن أبي صالح قال: كان الرجل إذا زوج أيمه أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، ونزلت: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] (٢). وهذا العمل الجاهلي الآن فاشٍ في جهلاء الأعراب ونحوهم من التركمان، والفلاحين يأخذون مهور النساء لأنفسهم، ويقتصرون منه

стр. 4564

على أمتعة جزئية تكسبها المرأة، وهذا حرام ما لم تكن المرأة ترضى بأن يأخذ وليها مهرها عن طيبة نفس منها بعد أن تعلم أن صداقها ملك لها لا يستحقه أحد غيرها لا من أقربائها ولا من غيرهم. ٣٢ - ومنها - وهو من أفعال المجوس أيضاً -: كثرة الوقيد في الأعراس ونحوها . وما ينتهي من ذلك إلى حد الإسراف فإنه حرام أو مكروه. وكذلك تعالي البارود ونحوه مما فيه إتلاف الأموال. وقد كره لنا رسول الله ﷺ قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال كما في "الصحيح" (١). وروى الثعلبي من طريق سعيد بن منصور عن عروة بن رُويم قال: بينما عبد الرحمن بن قُرط يعسُّ بحمص إذ مرت عروس وقد أوقدوا النيران، فضربهم بدرته حتى تفرقوا عنها، فلما أصبح قعد على [منبره] وقال: إن أبا جندلة نكح، فصنع جفنات من طعام، فرحم الله أبا جندلة، وصلى على آبائه، ولعن الله أصحاب عروسك؛ أوقدوا النيران، وتشبهوا بأهل الجهل، وإنه يطفئ نورهم يوم القيامة (٢).

стр. 4565

٣٣ - ومنها: قولهم لمن تزوج: بالرفاء والبنين، وقولهم للعنب: كرم، وتسميتهم المحرم: صفر، والعشاء: عتمة، والمغرب: عشاء . وكل ذلك مكروه. روى ابن ماجه عن عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: أنه تزوج امرأة من بني جشم فقالوا: بالرفاء والبنين. فقال: لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ : "اللَّهُمَّ بارِكْ لَهُمْ وَبارِكْ عَلَيْهِمْ" (١). قال صاحب "الصحاح": والرفاء: الالتحام والاتفاق، ويقال: رفَّيتُه تَرفيَةً: إذا قلت للمتزوج: بالرفاء والبنين (٢). قال ابن السكيت: وإن شئت كان معناه: بالسكون والطمأنينة من قولهم: رفوت الرجل: إذا سكنته (٣). وروى أبو دواد، والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم بالأسانيد الصحيحة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ كان إذا رفَّأ الرجل إذا تزوج قال: "بارَكَ اللهُ لَكَ، وَبارَكَ عَلَيْكَ، وَجَمَعَ اللهُ بَيْنَكُما فِي خَيْرٍ" (٤).

стр. 4566

وروى الشيخان عن أبي بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "تَقُولُونَ: الكَرْمُ؛ إِنَّما الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ". وفي رواية لمسلم: "لا تُسمُّوا العبَ الْكَرْمَ؛ فَإِنَّ الكَرْمَ قَلْبُ الْمُسْلِمِ" (١). وروى مسلم عن وائل بن حجر ﵁، عن النبي ﷺ قال: "لا تَقُولُوا: الكَرْمُ، وَلَكِنْ قُولُوا: العِنَبُ، وَالْحَبَلَةُ" (٢)؛ أي: بفتح المهملة والموحدة، وقد تسكن. والنهي عن ذلك لأن الجاهلية كانت تسميه كرماً كما أشار إليه النووي في "الأذكار". أو خشية أن يدعو الناسَ حسنُ الاسم إلى شرب الخمر المتخذة منه، كما قال الخطابي (٣). وروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن أبي وائل في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] قال: نزلت في رجل من بني كنانة يقال له: نسيء؛ كان يجعل المحرم صفراً يستحل فيه المغانم (٤).

стр. 4567

قال النووي في "الأذكار": يكره أن يسمى المحرم صفراً لأنه من عادة الجاهلية (١). وروى الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ قال: "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرابُ عَلى اسْمِ صَلاتِكُمُ الْعِشاءَ؛ فَإِنَّها فِي كِتابِ اللهِ العِشاءُ، وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِحلابِ الإِبِلِ" (٢). وروى ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرابُ عَلى اسْمِ صَلاتِكُمْ؛ فَإِنَّما هِيَ العِشاءُ، وَإِنَّما يَقُولُونَ العَتْمَةُ لإِعْتامِهِمُ الإِبِلَ" (٣). وروى البخاري عن عبد الله بن مغفل رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا تَغْلِبَنَّكُمُ الأَعْرابُ عَلى اسْمِ صَلاتِكُمُ الْمَغْرِب"، قال: "وَتَقُولُ الأَعْرابُ: العِشاءُ" (٤). وما ذكرناه من كراهية تسمية العشاء عتمةً هو ما جزم به النووي في "المنهاج" (٥)، و"الأذكار"، وأجاب عن ما وقع في بعض الأحاديث

стр. 4568

من تسمية العشاء العتمة لحديث: "لَوْ يَعْلَمُونَ ما فِي الصُّبْحِ وَالْعَتْمَةِ لأَتَوْهُما وَلَوْ حَبْواً" (١) بوجهين: أحدهما: أنه لبيان كون النهي ليس للتحريم بل للتنزيه. والثاني: أنه خوطب بها من يخاف أن يلتبس عليه المراد لو سماها عشاءً. قال: وأما تسمية الصبح غداة بلا كراهة على المذهب الصحيح. قال: وذكر جماعة كراهة ذلك، وليس بشيء. قال: ولا بأس بتسمية المغرب والعشاء: عشاءين. [ولا بأس يقول العشاء الآخرة، وما نقل عن الأصمعي أنه قال: لا يقال] (٢): العشاء الآخرة [فغلط ظاهر] (٣). لكنه صحح في "المجموع" أن تسمية العشاء عتمة خلاف الأولى كتسمية الصبح الغداة (٤). ٣٤ - ومن عوائد الجاهلية [قولهم]: أنعم الله بك عيناً، وأنعم صباحاً . روى أبو داود عن معمر عن قتادة، أو غيره، عن عمران بن الحصين

стр. 4569

رضي الله تعالى عنهما قال: كنا نقول في الجاهلية: أنعم الله بك عيناً، وأنعم [صباحاً]، فلما كان الإسلام نهينا عن ذلك (١). قال عبد الرزاق: قال معمر: يكره أن يقول الرجل: أنعم الله بك عيناً، ولا بأس أن يقول: أنعم الله عينك. قال أهل العلم: لا يحكم لمثل هذا الحديث بالصحة؛ فإن قتادة - وإن كان ثقة - فإن غيره مجهول، ويحتمل أن يكون عن غيره، فلا يثبت به حكم شرعي كما قال النووي في "الأذكار". قال: ولكن الاحتياط للإنسان اجتناب هذا اللفظ لاحتمال صحته، ولأن بعض العلماء يحتج بالمجهول (٢). فأشار إلى أنه خلاف الأولى، وليس بمكروه لأن معناه غير منكر شرعاً. قال في "الصحاح": أنعم الله بك عيناً؛ أي: أقر الله عينك بمن تحب. قال: وكذلك: نعم الله بك عيناً نُعمة - أي: بالضم - مثل غَلِمَ غُلْمة، وكَرِهَ كُرْهة، ونَعِمَك عيناً مثلُه. قال: وقولهم: عم صباحاً: كلمة تحية كأنه محذوف من نَعِمَ يَنْعِمُ بالكسر؛ كما تقول: كُلْ مِنْ أَكَلَ يأكل، فحذف منه

стр. 4570

الألف استخفافاً" (١). وجعل في "القاموس" من المثال من مادة (وعم)، وهو الظاهر، فقال: وعم الديار كوعد وورث: قال لها: أنعمي، [ومنه: عِمْ] صباحاً ومساءاً وظلاماً (٢). ٣٥ - ومن قبائح الجاهلية: إدمان شرب الخمر . روى الطبراني بإسناد صحيح، وصححه عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن أبا بكر، وعمر، وناساً كانوا جلوساً بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فذكروا أعظم الكبائر، فلم يكن عندهم فيها علم، فأرسلوني إلى عبد الله بن عمرو ﵄ أسأله، فأخبرني أن أعظم الكبائر شرب الخمر، فأتيتهم فأخبرتهم، فأنكروا ذلك، ووثبوا إليه جميعاً حتى أتوه في داره، فأخبرهم أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ مَلِكاً مِنْ مُلُوكِ بَنِي إِسْرائِيلَ أَخَذَ رَجُلاً فَخَيَّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ، أَوْ يَقْتُلَ نَفْساً، أَوْ يَزْنِيَ، أَوْ يَأْكُلَ لَحْمَ خِنْزِيرٍ، أَوْ يَقْتُلُوهُ، فَاخْتارَ الْخَمْرَ، وَإِنَّهُ لَمَّا شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ يَمْتَنِعْ مِنْ شَيْءٍ أَرادُوهُ مِنْهُ". وأن رسول الله ﷺ قال: "ما مِنْ أَحَدٍ شَرِبَها فَتُقْبَلَ لَهُ صَلاةٌ أَرْبَعِينَ لَيْلةً، وَلا يَمُوتُ وَفِي مَثانَتِهِ مِنْهُ شَيْءٌ إِلاَّ حُرِّمَتْ عَلَيْهِ بِها عَلَيْهِ الْجَنَّة؛

стр. 4571

فَإِنْ ماتَ فِي أَرْبَعِينَ لَيْلةً ماتَ مِيْتةً جاهِلِيَّةً" (١). وقد تواردت الأخبار بأن جماعة حرموا الخمر على أنفسهم في الجاهلية لما رأوا فيها من القبائح المخلة بالمروءة لأنه يخامر العقل، ويتلف المال، ويكون صاحبه ضحكة للصبيان، وأميراً للذبان، وطريحاً للقمامات، وجليساً للعاويات، وهو قيء في شدقه، وسلح على عقبه (٢). وهذا عجيب أن يكون من الجاهلية من تنزه عن الخمر لهذه القبائح، ويكون من أهل الإيمان من يدمن شربها، ويلازم كأسها وتعبها. كلا لقد باعد صاحب الشرع ﷺ ما بين شاربها وبين الإيمان، وألحق من يدمن شربها بعبدة الأوثان. قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ زَنىَ أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ نَزَعَ اللهُ مِنْهُ الإِيْمانَ كَما يَخْلَعُ الإِنْسانُ الْقَمِيصَ مِنْ رَأْسِهِ". رواه الحاكم (٣).

стр. 4572

وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لقِيَ اللهَ وَهُوَ مُدْمِنُ خَمْرٍ لَقِيَهُ كَعابِدِ وَثَنٍ". رواه ابن حبان في "صحيحه" (١). وممن حرم الخمر على نفسه في الجاهلية قيس بن عاصم المنقري رضي الله تعالى عنه؛ كان في جاهليته شريباً، ثم حرم الخمر على نفسه، وكان سبب ذلك أنه غمز عكنة ابنته وهو سكران، وسب أبويه، ولقي القمر فتكلم بشيء، وأعطى الخمَّار كثيراً من ماله، فلما أفاق أخبر بذلك فحرمها على نفسه، وقال فيها: [من الوافر] رَأَيْتُ الْخَمْرَ صالِحَةً وَفِيها ... خِصالٌ تُفْسِدُ الرَّجُلَ الْحَلِيما فَلا وَاللهِ أَشْرَبُها صَحِيحاً ... وَلا أُشْفَى بِها أَبَداً سَقِيما وَلا أُعْطِي بِها ثَمَناً حَياتِي ... وَلا أَدْعُو لَها أَبَداً نَدِيْما فَإِنَّ الْخَمْر تَفْضَحُ شارِبِيها ... وَتُجْنِيهِمْ بِها الأَمْرَ الْعَظِيما (٢) وقال عامر بن الظَّرِب العُدواني، وكان من حكام العرب وخطبائها، وكان ممن حرَّم الخمر من أهل الجاهلية، وقال فيها: [من البسيط]

стр. 4573

إِنْ أَشْرَبِ الْخَمْرَ أَشْرَبْها لِلَذَّتِها ... وإِنْ أَدَعْها فَإِنِّي ماقِتٌ قالِي لَوْلا اللَّذاذَةُ وَالْهَيَمانُ لَمْ أَرَها ... وَلا رَأتْنِي إِلاَّ مِنْ مُدًى عالِي سَآَّلَةٌ لِلْفَتى ما لَيْسَ فِي يَدهِ ... ذَهَّابَة بِعُقولِ الْقَومِ وَالْمالِ تُوْرِثُ الْقَوْمَ أَصْعاباً بِآخِرَةٍ ... دَرَّاءَةٌ بِالْفَتَى ذِي النَّجْدَةِ الْخالِي أَقْسَمْتُ بِاللهِ أُسْقاها وَأَشْرَبُها ... حَتَّى يَفْرُقَ تُربُ الأَرْضِ أَوْصالِي (١) أي: لا أسقاها وأشربها، فحذف حرف النفي، ولو كان الفعل مثبتاً لجاء بنون التوكيد، والعرب تحذف حرف النفي كثيراً بعد القسم. والخمر مؤنثة، وقد تذكر، ويقال: خمرة. واعلم أن من مدح الخمر، أو حسَّن شربها لأحد، أو ألف في مدحها كتاباً أو قافية، أو حضر مجلس شربها مختاراً مطلقاً، أو غير مختار، وأمكنه الإنكار ولم ينكر، أو أقر شاربيها عليها، لقي الله تعالى يوم القيامة ولا حجة له. وقد قال رسول الله ﷺ : "مَنْ كانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلا يَجْلِسْ عَلى مائِدَةٍ شُرِبَ عَلَيْها الْخَمْرُ". رواه الطبراني من حديث ابن عباس ﵄ (٢).

стр. 4574

* تنبِيهٌ: روى ابن عساكر بسند صحيح، عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: والله ما قال أبو بكر ﵁ شعراً قط في جاهلية ولا إسلام، ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية (١). أي: أعرض عنها بالكلية، لا أنه كان يشربها ثم تركها كما تقدم عن قيس بن عاصم. وكذلك ما أخرجه أبو نعيم بسند جيد، عن عائشة قالت: لقد حرم أبو بكر على نفسه الخمر في الجاهلية (٢). ويدل على ما ذكرناه: ما أخرجه ابن عساكر عن أبي العالية قال: قيل لأبي بكر رضي الله تعالى عنه في مجمع من أصحاب رسول الله ﷺ : هل شربت الخمر في الجاهلية؟ فقال: أعوذ بالله. فقيل: ولِمَ؟ قال: كنت أصون عرضي وأحفظ مروءتي؛ فإن من شرب الخمر كان مضيعاً في عرضه ومروءته. قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: "صَدَقَ أبُو بَكْرٍ" - مرتين (٣).

стр. 4575

قال السيوطي: [مرسل] غريب سنداً، ومتناً (١). ٣٦ - ومن أعمال أهل الجاهلية: ضرب آلات الملاهي واستماعها كالطنبور، والعود، والجنك، والسنطير، والرباب، والكمنجة، والشياب، والمزمار. وكذلك الغناء، والتصفيق بالكفين، والصفير لهواً ولعباً، واتخاذ القينات، وإباحتهن للسماع، وإيثار ذلك على ذكر الله تعالى وطاعته. قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾ [الفرقان: ٧٢] روى ابن أبي حاتم عن عكرمة: أنه قال في تفسير الزور في الآية: لعب كان في الجاهلية (٢). وروى الفريابي، وعبد بن حميد عن محمد بن الحنفية رحمه الله تعالى أنه قال فيه: الغناء واللهو (٣). وقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانت قريش يطوفون بالبيت وهم عراة، يصفرون ويصفقون، فأنزل الله تعالى ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. قال: والمكاء: الصفير، وإنما شبهوا بصفير الطير.

стр. 4576

والتصدية: التصفيق. وأنزل الله تعالى فيهم: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: ٣٢] الآية. رواه ابن أبي حاتم، والضياء في "المختارة"، وغيرهما (١). وأخرجه بمعناه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما (٢). وقال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [لقمان: ٦]. روى جويبر عن ابن عباس في الآية قال: نزلت في النضر بن الحارث اشترى قينة، فكان لا يسمع بأحد يريد الإسلام إلا انطلق به إلى قينته، فيقول: أطعميه واسقيه، وغنيه، ويقول: هذا خير مما يدعوك إليه محمد من الصلاة والصيام، وأن تقاتل بين يديه، فنزلت (٣). وروى البخاري في "الأدب المفرد"، وابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، وغيرهما عنه أنه قال في الآية: هو الغناء وأشباهه (٤). وقال أبو الصَّهباء: سألت ابن مسعود رضي الله تعالى عنه عن

стр. 4577

قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] قال: هو والله الغناء. رواه ابن أبي شيبة، وابن أبي الدنيا، وابن جرير، وابن المنذر، والحاكم وصححه (١). وروى البيهقي في "الشعب" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] قال: رجل يشتري جارية تغنيه ليلاً أو نهاراً (٢). وقال عطاء الخراساني: نزلت الآية في الغناء، والطبل، والمزامير. أخرجه الحاكم في "الكنى" (٣). وروى ابن أبي الدنيا عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي رَحْمَةً وَهُدىً لِلْعالَمِينَ، بَعَثَنِي لأَمْحَقَ الْمَعازِفَ وَالْمَزامِيرَ، وَأَمْرَ الْجاهِلِيَّةِ وَالأَوْثانِ" (٤).

стр. 4578

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ «وهو كتابٌ فرِيدٌ فِي بَابهِ يشتَمل على بَيَان مَا يتشبَّهُ بهِ المسلمُ وَمَا لَا يتشبَّهُ بهِ» تَألِيف العَلَّامَةِ نَجْمِ الدِّينِ الغزِّيِّ محمَّدِ بْنِ محمَّدِ العَامِريِّ القُرَشِيِّ الغَزيِّ الدِّمَشْقِيِّ الشَّافِعيِّ المولُودِ بِدِمَشق سَنَة ٩٧٧ هـ، وَالمتَوفَّى بِهَا سَنَة ١٠٦١ هـ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالى تَحقِيقَ وَدِرَاسَة لَجْنَة مختصَّة منَ المحققينَ بِإِشْرَافِ نُورِ الدِّين طَالِب المُجَلَّد التَّاسِعُ دَارُ النَّوادِرِ

стр. 4579

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4580

حُسْنُ التَّنَبُّهِ لمَا وَرَدَ فِي التَّشَبُّهِ (٩)

стр. 4581

جَميعُ الحُقُوقِ مَحْفُوظَة الطَّبْعَةُ الأُولَى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م ردمك: ٧ - ٨٤ - ٤١٨ - ٩٩٣٣ - ٩٧٨: ISBN دَار النَّوادِر سورية - لبنان - الكويت مُؤَسَّسَة دَار النَّوادِر م. ف - سُورية * شَرِكَة دَار النَّوَادِر اللِّبْنَانِيَّة ش. م. م - لُبْنَان * شَرِكَة دَار النَّوَادِرِ الكُوَيْتِيَّةِ ذ. م. م - الكُوَيْت سورية - دمشق - ص. ب: ٣٤٣٠٦ - هاتف: ٢٢٢٧٠٠١ - فاكس: ٢٢٢٧٠١١ (٠٠٩٦٣١١) لبنان - بيروت - ص. ب: ١٤/ ٥١٨٠ - هاتف: ٦٥٢٥٢٨ - فاكس: ٦٥٢٥٢٩ (٠٠٩٦١١) الكويت - الصالحية - برج السحاب - ص. ب: ٤٣١٦ حولي - الرمز البريدي: ٣٢٠٤٦ هاتف: ٢٢٢٧٣٧٢٥ - فاكس: ٢٢٢٧٣٧٢٦ (٠٠٩٦٥) www.daralnawader.com - info@daralnawader.com أسَّسَهَا سَنَة: ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٦ م - نُورُ الدِّين طَالِب - المُدِير العَام وَالرَّئيسْ التَّنْفِيذِي

стр. 4582

تَابِع (١٣) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ وَالمُشْرِكِين

стр. 4583

تَابِع (١٣) بَابُ النَّهْيِ عَنِ التَّشَبُّهِ بِأَهْلِ الجَاهِلِيَّةِ وَالمُشْرِكِين ٣٧ - ومن أعمال الجاهلية: قول الشعر المشتمل على هجاء من لا يجوز هجاؤه ، أو على الغيبة ونحوها، أو على الفخر بالأنساب، أو الطعن فيها، أو على مدح ما لا يجوز مدحه، أو على أوصاف امرأة مخصوصة، أو على نياحة، أو غير ذلك من المحرمات. وعليه يحمل قوله ﷺ : "لأَنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ أَحَدِكُمْ قَيْحاً خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَمْتَلِئَ شِعْراً" (١). قال الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]. قال عكرمة رحمه الله تعالى: تهاجى شاعران في الجاهلية، وكان مع كل واحد منهم قيام من الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]. رواه ابن أبي حاتم (٢). وقال قتادة: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾: الشياطين (٣).

стр. 4584

﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥] قال: يمدحون قوماً بباطل، ويشتمون قوماً بباطل (١). وقال مجاهد: ﴿فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥]: في كل فن يفننون (٢). وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]: هم الكفار يتبعون ضلال الجن والإنس. ﴿في كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٥]: في كل لغو يخوضون. ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٦]: أكثر قولهم يكذبون. رواهما ابن جرير، وابن أبي حاتم (٣). * تنبِيْهٌ: روى الطبراني، والخطيب، وابن عساكر عن فروة بن سعيد بن [عفيف بن] معد يكرب، عن أبيه، عن جده: أنَّ امْرَأ القيس بن حجر ذكر عند النبي ﷺ فقال: "ذاكَ رَجُلٌ مَذْكُورٌ فِي الدُّنْيا، مَنْسِيٌّ فِي الآخِرَةِ، شَرِيفٌ فِي الدُّنْيا، خامِلٌ فِي الآخِرَةِ، يَجِيْءُ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَعَهُ لِواءُ الشُّعَراءِ،

стр. 4585

يَقُودُهُمْ إِلَى النَّارِ" (١) ٣٨ - ومن قبائح الجاهلية: الخوض في الباطل . قال الله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ﴾ [المدثر: ٣٨ - ٥١]. قال قتادة في قوله: ﴿عَنِ التَّذْكِرَةِ﴾ [المدثر: ٤٩]: القرآن. أخرجه ابن المنذر (٢). ويحتمل أن يريد التذكرة بما ذكره لهم في الآية من أن أهل النار يخبرون بما تحققوه من أن السبب في دخولهم سَقر في ترك الصلاة والزكاة، والخوض في الباطل، والتكذيب بيوم الحساب، والإصرار على ذلك حتى أتاهم اليقين؛ أي: الموت. يقول: فما لهم بعد أن قضينا عليهم جواب أهل النار لأهل الجنة عن سؤالهم إياهم عن السبب في سلكهم في سقر، لا يتذكرون بذلك

стр. 4586

فيقبلوا على مخالفة المجرمين في هذه الأمور، بل أعرضوا عن التذكرة الداعية إليها بالكلية زيادة على إعراضهم عنها، ولسؤال أهل الجنة أهل النار عن سبب دخولهم إليها مع علمهم بالحال سابقاً في الدنيا بالإيمان، وحالاً في الجنة بالعيان حكمة؛ وهي أن الله تعالى يلهمهم ذلك تحسيراً لأهل النار على ما فاتهم، وتوبيخاً لهم ليكون ذلك زيادة في عذابهم وإهانتهم، وفائدة حكاية ذلك في القرآن بالتذكير والإنذار. وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] يريد قريشاً؛ فإن السورة مكية، وهي من أول ما نزل، وقد كانوا في جاهليتهم يفجؤهم الإنذار بما أعده الله للمجرمين من عذاب النار، فلم يرفعوا لذلك رأساً، ولم يروا بما هم عليه من الفقر بأساً، بل أعرضوا عن الذكر، وخاضوا مع الخائضين في الباطل، كذبوا بيوم الدين، وطعنوا على سيد المرسلين، فقالوا: شاعر، ساحر، به جِنَّة، أساطير الأولين، لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه، وغير ذلك. وكذلك فسرت: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥]. وقال قتادة في الآية: يقولون: كنا كما غوى غاوٍ غوينا معه. رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة (١). وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت"، والطبراني بسند صحيح، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: أعظم الناس خطايا يوم القيامة

стр. 4587

أكثرُهم خوضاً في الباطل (١). وأخرجه ابن أبي الدنيا - ورواته ثقات - عن قتادة مرسلاً (٢). قال في "الإحياء": وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (٣). روى أبو نعيم عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: أكثر الناس ذنوباً يوم القيامة أكثرهم كلاماً في معصية الله تعالى (٤). وروى ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِن أكثَرَ (٥) خَطايا ابْن آدَمَ فِي لِسانِه" (٦). وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن عمر بن ذر - مرسلاً - قال: قال

стр. 4588

رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ؛ فَلْيتَّقِ اللهَ عبدٌ، وَلْيَنْظُرْ ما يَقُولُ" (١). وأخرجه الحكيم عن ابن عباس رضي الله تعالى مرفوعاً (٢). ٣٩ - ومن أخلاق أهل الجاهلية: ترك الصلاة بما لا يعني، ومنع المصلي من الصلاة، ونهيه عنها، وإيذاء المصلين باللفظ وغيره . كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ٩ - ١٨]. روى مسلم، والنسائي، وآخرون عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمدٌ وجهه إلا بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأنَّ على رقبته،

стр. 4589

ولأعفِّرن وجهه في التراب. فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار، وهولاً، وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : "لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ الْمَلائِكَةُ عُضْواً عُضواً". قال: وأنزل الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] إلى آخر السورة، يعني: أبا جهل، ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]؛ يعني: قومه، ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] يعني: الملائكة (١). وروى الإمام أحمد، والترمذي وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ يصلي، فجاء أبو جهل: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ قال: فانصرف النبي ﷺ ، فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم: ما بها رجلٌ أكثر نادياً مني، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨]. قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله (٢).

стр. 4590

روى ابن أبي شيبة، والمفسرون عن عبد الله بن الحارث رحمه الله تعالى قال: الزبانية أرجلهم في الأرض، ورؤوسهم في السماء (١). ٤٠ - ومن عادات أهل الجاهلية: التحلق في المساجد والمعابد لأجل السَّمر وحديث الدنيا، لا لأجل الصلاة والعبادة، واللغو عند سماع القرآن، واللغط في مجالس الذكر . قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦، ٦٧] (٢). قال ابن عباس في قوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]: كانت قريش يتحلقون حلقاً حلقاً يتحدثون حول البيت. وقال سعيد بن جبير: كانت قريش تسمُر حول البيت، ولا يطوفون به، ويفتخرون به، فأنزل الله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] بالبيت الحرام (٣). رواهما ابن أبي حاتم. وروى هو والنسائي، وصححه الحاكم، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ بالبيت؛ تقولون: نحن أهله،
следующие страницы →