← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4586–4625 · переход к 4591.

стр. 4586

فيقبلوا على مخالفة المجرمين في هذه الأمور، بل أعرضوا عن التذكرة الداعية إليها بالكلية زيادة على إعراضهم عنها، ولسؤال أهل الجنة أهل النار عن سبب دخولهم إليها مع علمهم بالحال سابقاً في الدنيا بالإيمان، وحالاً في الجنة بالعيان حكمة؛ وهي أن الله تعالى يلهمهم ذلك تحسيراً لأهل النار على ما فاتهم، وتوبيخاً لهم ليكون ذلك زيادة في عذابهم وإهانتهم، وفائدة حكاية ذلك في القرآن بالتذكير والإنذار. وقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] يريد قريشاً؛ فإن السورة مكية، وهي من أول ما نزل، وقد كانوا في جاهليتهم يفجؤهم الإنذار بما أعده الله للمجرمين من عذاب النار، فلم يرفعوا لذلك رأساً، ولم يروا بما هم عليه من الفقر بأساً، بل أعرضوا عن الذكر، وخاضوا مع الخائضين في الباطل، كذبوا بيوم الدين، وطعنوا على سيد المرسلين، فقالوا: شاعر، ساحر، به جِنَّة، أساطير الأولين، لا تسمعوا لهذا القرآن، والغوا فيه، وغير ذلك. وكذلك فسرت: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥]. وقال قتادة في الآية: يقولون: كنا كما غوى غاوٍ غوينا معه. رواه عبد الرزاق، وابن أبي شيبة (١). وروى ابن أبي الدنيا في "الصمت"، والطبراني بسند صحيح، عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: أعظم الناس خطايا يوم القيامة

стр. 4587

أكثرُهم خوضاً في الباطل (١). وأخرجه ابن أبي الدنيا - ورواته ثقات - عن قتادة مرسلاً (٢). قال في "الإحياء": وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٥] (٣). روى أبو نعيم عن سلمان رضي الله تعالى عنه قال: أكثر الناس ذنوباً يوم القيامة أكثرهم كلاماً في معصية الله تعالى (٤). وروى ابن عساكر عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إِن أكثَرَ (٥) خَطايا ابْن آدَمَ فِي لِسانِه" (٦). وروى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد في "الزهد"، والحكيم الترمذي في "نوادر الأصول" عن عمر بن ذر - مرسلاً - قال: قال

стр. 4588

رسول الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ عِنْدَ لِسانِ كُلِّ قائِلٍ؛ فَلْيتَّقِ اللهَ عبدٌ، وَلْيَنْظُرْ ما يَقُولُ" (١). وأخرجه الحكيم عن ابن عباس رضي الله تعالى مرفوعاً (٢). ٣٩ - ومن أخلاق أهل الجاهلية: ترك الصلاة بما لا يعني، ومنع المصلي من الصلاة، ونهيه عنها، وإيذاء المصلين باللفظ وغيره . كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: ٤٣]. وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]. وقال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦) فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ٩ - ١٨]. روى مسلم، والنسائي، وآخرون عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال أبو جهل: هل يُعَفِّرُ محمدٌ وجهه إلا بين أظهركم؟ قالوا: نعم. قال: واللات والعزى لئن رأيته يصلي كذلك لأطأنَّ على رقبته،

стр. 4589

ولأعفِّرن وجهه في التراب. فأتى رسول الله ﷺ وهو يصلي ليطأ على رقبته، قال: فما فجئهم إلا وهو ينكص على عقبيه، ويتقي بيديه، فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه خندقاً من نار، وهولاً، وأجنحة. فقال رسول الله ﷺ : "لَوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ الْمَلائِكَةُ عُضْواً عُضواً". قال: وأنزل الله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ [العلق: ٦] إلى آخر السورة، يعني: أبا جهل، ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]؛ يعني: قومه، ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨] يعني: الملائكة (١). وروى الإمام أحمد، والترمذي وصححه، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان النبي ﷺ يصلي، فجاء أبو جهل: ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ قال: فانصرف النبي ﷺ ، فزبره، فقال أبو جهل: إنك لتعلم: ما بها رجلٌ أكثر نادياً مني، فأنزل الله تعالى: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾ [العلق: ١٧، ١٨]. قال ابن عباس: والله لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله (٢).

стр. 4590

روى ابن أبي شيبة، والمفسرون عن عبد الله بن الحارث رحمه الله تعالى قال: الزبانية أرجلهم في الأرض، ورؤوسهم في السماء (١). ٤٠ - ومن عادات أهل الجاهلية: التحلق في المساجد والمعابد لأجل السَّمر وحديث الدنيا، لا لأجل الصلاة والعبادة، واللغو عند سماع القرآن، واللغط في مجالس الذكر . قال الله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦) مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٦، ٦٧] (٢). قال ابن عباس في قوله: ﴿سَامِرًا تَهْجُرُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٧]: كانت قريش يتحلقون حلقاً حلقاً يتحدثون حول البيت. وقال سعيد بن جبير: كانت قريش تسمُر حول البيت، ولا يطوفون به، ويفتخرون به، فأنزل الله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا﴾ [المؤمنون: ٦٧] بالبيت الحرام (٣). رواهما ابن أبي حاتم. وروى هو والنسائي، وصححه الحاكم، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ﴾ بالبيت؛ تقولون: نحن أهله،

стр. 4591

تهجرونه ولا تعمرونه (١). قلت: وهذا حال من يقعدون في هذه الأزمنة في المساجد - مسجد دمشق وغيره - خصوصاً بين المغرب والعشاء، يتحلقون ويتكلمون في الدنيا، ويقولون الْهُجر - بالضم - أي: الباطل، والمكر. وروى الطبراني في "الكبير" عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "سَيَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمانِ قَوْم يَجْلِسُونَ فِي الْمَساجِدِ حِلَقاً حِلَقاً، إِمامُهُمُ الدّنْيا، فَلا تُجالِسُوهُمْ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حاجَةٌ" (٢). وهو عند أبي نعيم، ولفظه: "سَيَأْتِي عَلَى الزَّمانٌ زَمانٌ يَقْعُدُونَ فِي الْمَساجِدِ حِلَقاً حِلَقاً [إنما همتهم الدنيا] (٣) فَلا تُجالِسُوهُمْ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ لِلَّهِ فِيهِمْ حاجَةٌ" (٤). وروى البيهقي في "الشعب" عن الحسن - مرسلاً - قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي عَلى النَّاسِ زَمانٌ يَكُونُ حَدِيثُهُمْ فِي مَساجِدِهِمْ فِي أَمْرِ دُنْياهُمْ، فَلا تُجالِسُوهُمْ؛ فَلَيْسَ لِلَّهِ بِهِمْ حاجَةٌ" (٥).

стр. 4592

وهو عند الحاكم في "المستدرك" عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يَأْتِي عَلى النَّاس زَمانٌ يَتَحَلَّقُونَ فِي مَساجِدِهِمْ وَلَيْسَ هَمُّهُمْ إِلاَّ الدُّنْيا، لَيْسَ لِلَّهِ بِهِمْ حاجَةٌ فَلا تُجالِسُوهُمْ" (١). ٤١ - ومن أخلاقهم: منع الحقوق الواجبة كالزكاة، وصلة الأرحام، والديون، والنهي عن فعل ذلك، والحيلولة بين المتصدق والصدقة . قال الله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ﴾ [المدثر: ٤٣، ٤٤]. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [يس: ٤٧]. قال في "الكشاف": نزلت في مشركي قريش حين قال لهم فقراء أصحاب رسول الله ﷺ : أعطونا مما زعمتم من أموالكم أنها لله؛ يعنون قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦]، فحرموهم، وقالوا: لو شاء الله أطعمكم (٢). وقال الله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤) فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (٧) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى (١٠) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى﴾ [الليل: ٤ - ١١].

стр. 4593

روى ابن أبي حاتم، وغيره عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: إن أبا بكر اشترى بلالاً رضي الله تعالى عنهما من أمية بن خلف، وأبي بن خلف ببردة وعشر أواق، فأعتقه لله تعالى، فأنزل الله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى﴾ [الليل: ١ - ٤]؛ يعني: سعي أبي بكر، وأمية بن خلف (١). روى عبد بن حميد، وغيره عن ابن عباس في قوله ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٥، ٦] قال: أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. ﴿وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى﴾ [الليل: ٨، ٩] قال: أبو سفيان بن حرب حين كان في جاهليته (٢). أما ما كان أهل الجاهلية يفعلونه من فك العاني، وقِرى الضيف، والمنائح، والصِّلات، ونحو ذلك من مكارم الأخلاق، فهو إما للرياء والسمعة، وهذا خلق جاهلي، وإما لمقتضى السليقة، وهذا ممدوح، لكن لا يثابون عليه لكفرهم؛ فإنهم لا يريدون به وجه الله. نعم، من أسلم منهم وكان متخلقاً بهذه الأخلاق، فاستصحبها في الإسلام، كان من خيار الناس وصفوتهم لقوله ﷺ : "النَّاسُ مَعادِنٌ

стр. 4594

كَمَعادِنِ الذَّهبِ وَالْفِضَّةِ؛ خِيارُهُمْ فِي الْجاهِلِيَّةِ خِيارُهُمْ فِي الإِسْلامِ إِذا فَقُهُوا". رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه (١). ٤٢ - ومن أخلاقهم: التعبد والتقرب إلى الله تعالى بما لم يرد به الشرع، بل لمجرد الرأي والهوى . وهذا من أعظم أخلاقهم وأعمها، وبه يتحقق معنى الجاهلية. وأبلغ ما كان هنا الخلق مستحكماً من الناس في أزمنة الفترات، ولا سيما الفترة التي كانت بين عيسى ومحمد ﷺ . ولا خفاء أن النبي المبعوث بعد الفترة أقوى حالاً وأشد عزماً ممن كان يبعث في غير زمان الفترة؛ حيث كان الدين قائماً لسد خلل ما. ومن ثم كان الأصح في محمد أولي العزم من الرسل عليهم الصلاة والسلام أنهم كانوا خمسة؛ نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليهم وسلم؛ لأن نوحاً ﵇ بعث على فترة من الناس كانت بعد آدم عليه الصلاة السلام، وإبراهيم ﵇ على فترة بعد صالح ﵇، وموسى ﵇ بعث على فترة كانت بعد يوسف ﵇، وعيسى ﵇ بعث على فترة كانت بعد آل داود من بني إسرائيل، ومحمد ﷺ بعث على فترة كانت بعد عيسى ﵇.

стр. 4595

روى البخاري عن عطاء بن يسار رحمه الله تعالى قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما؛ قلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ . قال: أجل والله؛ إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن؛ يا أيها النبي! إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً، وحِرزاً للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سَخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه تعالى حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعيناً عُمياً، وآذاناً صُمًّا، وقلوباً غُلْفاً (١). وروى أبو نعيم في "الدلائل" عن وهب بن منبه قال: أوحى الله تعالى إلى شعيب ﵇: إني باعث نبياً أمياً أفتح به آذاناً صماً، وقلوباً غُلْفاً، وأعيناً عمياً، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، عبدي المتوكل، المصطفى، المرفوع، الحبيب، المتحبب، المختار، لا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيماً بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة، ويبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سَخَّاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش، ولا قَوَّال بالخَنَا، لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو مشى على القصب الرعراع - يعني: اليابس - لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشراً

стр. 4596

ونذيراً، أسدوه لكل جميل، وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه، والبر شعاره، والتقوى ضميره، والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمغفرة والمعروف خُلُقَه، والعدل سيرته، والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته، وأحمد اسمه، أهدي به من بعد الضلالة، وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العَيلة، وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين قلوب وأهواء مشتتة وأمم مختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس (١). * تَنْبِيْهٌ: أشبه الأيام بأيام الجاهلية الأيام التي يخرج عقبها المهدي؛ فإنه لا يخرج حتى تمتلئ الأرض ظلماً وجوراً، وفتناً واختلافاً. روى نعيم بن حماد في "الفتن" عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله! المهدي منا أئمةَ الهدى، أم من غيرنا؟ قال: "بَلْ مِنَّا؛ بِنا يُخْتَمُ الدِّينُ كَما بِنا فُتِحَ، وَبِنا يُسْتَنْقَذُونَ مِنْ ضَلالَةِ الْفِتْنَةِ كَما اسْتُنْقِذُوا مِنْ ضَلالَةِ الشِّرْكِ، وَبِنا يُؤَلَّفُ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ فِي الدّينِ بَعْدَ عَداوَةِ الْفِتْنَةِ كَما ألَّفَ اللهُ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَدِيْنهِمْ بَعْدَ عَداوَةِ الشِّرْك" (٢).

стр. 4597

* تَنْبِيهٌ آخَرُ: كل شيء يعمله العبد متعبداً به ولم يرد به الشرع - وإن لم يكن معروفاً من تعبدات الجاهلية - فهو به متشبه بأهل الجاهلية، عابدٌ لله تعالى على حرف - أي: جهل - فمن ثم كان العلم من أفضل العبادات، وأشرف الطاعات، وعظم فضل العالم وعلا مقامه كان قل اشتغاله بالنوافل. ومن ثم قال رسول الله ﷺ : "نَوْمٌ عَلى عِلْمٍ خَيْر مِنْ صَلاةٍ عَلى جَهلٍ". وراه أبو يعلى، وأبو نعيم عن سلمان رضي الله تعالى عنه (١). وروى الطبراني في "الكبير"، والحاكم وصححه، والبيهقي في "الشعب"، عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النبي ﷺ قال: "يا ابْنَ مَسْعُودٍ! أَيُّ عُرى الإِيْمانِ أَوْثَقُ؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "أَوْثَقُ عُرى الإِيْمانِ الْولايَةُ فِي اللهِ، وَالْحُبُّ فِي اللهِ، وَالْبُغْضُ فِي اللهِ". ثم قال: "يا ابْنَ مَسْعُودٍ! أتدْرِي أَيَّ النَّاسِ أَفْضَلَ؟ " قلت: الله ورسوله أعلم.

стр. 4598

قال: "فَإِنَّ أَفْضَلَ النَّاسِ أَفْضَلُهُمْ عَمَلاً إِذا فَقُهُوا فِي دِيْنِهِمْ". ثم قال: "يا ابْنَ مَسْعُودٍ! أتدْرِي أَيَّ النَّاسِ أَعْلَمَ؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "إِنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ أَبْصَرُهُمْ بِالْحقِّ إِذا اخْتَلَفَ فِيْهِ النَّاسُ؛ وَإِنْ كانَ مُقَصِّراً فِي عَمَلِهِ، وإِنْ كانَ يَزْحَفُ عَلى اسْتِهِ زَحْفاً" (١). وقلت في معنى الجملة الأخيرة: [من المديد] أَعْلَمُ النَّاسِ أَبْصَرُ النَّاسِ بِالْحَقِّ ... إِذا ما رَأَيْتَ فِي النَّاسِ خُلْفا ذاكَ ما ضَرَّهُ وَلا نالَ مِنْهُ ... نَقْصُ أَعْمالِهِ وَإِنْ سارَ زَحْفا ٤٣ - ومن أخلاق الجاهلية: التقرب إلى الله تعالى بالسكوت؛ وإن كان هذا شرعاً سابقاً . وإنما الصمت المأخوذ به في الشريعة عن الهُجر، والغيبة، والنميمة، والكذب، وما لا يعني، ونحوها، وأما التعبد بنفس السكوت فليس من هذه الشريعة. روى البخاري عن قيس بن أبي حازم قال: دخل أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه على امرأة من أحمس يقال لها: زينب، فرآها

стр. 4599

لا تتكلم، فقال: ما لها لا تتكلم؟ فقالوا: حجت مصمتة. فقال لها: تكلمي؛ فإن هذا لا يحل، هذا من عمل الجاهلية، فتكلمت (١). وروى ابن سعد في "طبقاته" عن زينب بنت المهاجر الأحمسية قالت: خرجت حاجة ومعي امرأة، فضربت علي فسطاطاً، ونذرت أن لا أتكلم، فجاء رجل فوقف على باب الخيمة، فقال: السلام عليكم، فردت عليه صاحبتي، فقال: ما شأن صاحبتك لم ترد علي؟ قالت: إنها مصمت، إنها نذرت أن لا تتكلم. قال: تكلمي؛ فإنما هذا من فعل الجاهلية. قالت: فقلت: من أنت يرحمك الله؟ قال: امرؤ من المهاجرين. قلت: من أي المهاجرين؟ قال: من قريش. قلت: من أي قريش؟ قال: إنكِ السؤول، أنا أبو بكر. قلت: يا خليفة رسول الله! إنا كنا حديثي عهد بجاهلية، لا نأمن

стр. 4600

بعضنا بعضنا، وقد جاء الله من الأمن مما ترى، فحتى متى يدوم لنا؟ قال: ما صلحت أئمتكم. قلت: من الأئمة؟ قال: أليس في قومك أشراف يطاعون؟ قلت: بلى. قال: أولئك الأئمة (١). وروى أبو داود بإسناد حسن، عن علي رضي الله تعالى عنه قال: حفظت من رسول الله ﷺ قال: "لا يُتْمَّ بعْدَ احْتِلامٍ، وَلا صماتَ يَوْمٍ إِلَى اللَّيْلِ" (٢). قال الخطابي في هذا الحديث: كان أهل الجاهلية من نسكهم الصمات، وكان أحدهم يعتكف اليوم والليلة، فيصمت ولا ينطق، فنُهوا - يعني: في الإسلام - عن ذلك، وأمروا بالذكر والحديث في الخير، انتهى (٣). وأما قوله تعالى حكاية عن مريم ﵍: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ [مريم: ٢٦]؛ أي: صمتاً، فإنه شرع من قبلنا، ولا يلزمنا الأخذ

стр. 4601

به على الأصح. وإن قلنا بالثاني فيلزمنا (١) الأخذ بشرع من قبلنا إلا إذا لم [ينهَ] (٢) عنه في شرعنا، وقد نهينا عن صمت يوم إلى الليل كما علمت؛ نبه عليه النووي في "شرح المهمات" (٣). ٤٤ - ومن أخلاقهم: الغزو لأجل المعصية والتجبر، وطلب الدنيا كما هو معلوم من أعمالهم، والأعراب الآن على دعواهم الإسلام يفعلون ذلك، وإن اعتقد بعضهم حرمته . ٤٥ - ومنها: حمل الرؤوس المقطوعة من بلد إلى بلد . وهذا والذي قبله وافق فيه أهل الجاهلية الأعاجم، وفعل ذلك بالرؤوس التي قطعت بحق ليس بمحرم إلا إن كان رأس مسلم؛ فإنه مُثلة، بل هو خلف الأولى. روى البيهقي عن الزهريّ قال: لم يحمل إلى النبي ﷺ إلى المدينة رأس قط إلا يوم بدر، وحمل إلى أبي بكر ﵁ رأس فأنكر ذلك، وقال: وأول من حملت إليه الرؤوس عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما (٤). وروى محمد بن زكريا الغلابي البصري في كتاب "أخبار زياد"

стр. 4602

عن الشعبي قال: لم يحمل إلى رسول الله ﷺ ، ولا إلى أبي بكر، ولا إلى عمر، ولا إلى عثمان، ولا إلى علي رضي الله تعالى عنهم رأس، وأول من حمل رأسه عمرو بن الحمق حُمل رأسه إلى معاوية (١). وروى البيهقي عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه: أن عمرو ابن العاص، وشرحبيل بن حسنة بعثا عقبة بريداً برأس يناق بطريق الشام، فلما قدم على أبي بكر أنكر ذلك، فقال: يا خليفة رسول الله! إنهم يفعلون ذلك بنا. قال: أتأسياً واستنانًا بفارس والروم! لا يحمل إلي برأس، وإنما يكفي الكتاب والخبر (٢). وعن معاوية بن خديج قال: هاجرنا على عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فبينما نحن عنده إذ طلع المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، قال: إنه قدم علينا برأس [يناق] البطريق، ولم يكن لنا به حاجة؛ إنما هذه سنة المعجم (٣). وروى النسائي بسند صحيح، عن فيروز الديلمي رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي ﷺ برأس الأسود العنسي (٤).

стр. 4603

وهو وَهْمٌ (١) كما قال أبو أحمد الحاكم في "الكنى"؛ لأن الأسود قتل في عهد أبي بكر رضي الله تعالى عنه سنة إحدى عشرة (٢). وأما ما رواه أبو نعيم في "المعرفة" عن معاذ بن عمرو بن الجموح: أن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه حزَّ رأس أبي جهل، وجاء به إلى رسول الله ﷺ (٣)، وما رواه البيهقي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: جئت إلى رسول الله ﷺ برأس مرحب (٤)، فليس فيها أنه حمل من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام كما قال البيهقي (٥).

стр. 4604

وفي "مراسيل أبي داود" عن أبي نضرة العبدي قال: لقي رسول الله ﷺ العدو، فقال: "مَنْ جاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ عَلى اللهِ ما تَمَنَّى"، فجاءه رجلان برأس. الحديث. قال أبو داود: في هذا أحاديث، ولا يصح منها شيء (١). قال البيهقي: وهذا إن ثبت فإن فيه تحريضاً على قتل العدو، وليس فيه حمل الرأس من بلاد الشرك إلى بلاد الإسلام (٢). وروى أبو حفص بن شاهين في "أفراده" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: إن أول رأس علق في الإسلام رأسُ أبي عزَّة الجمحي؛ ضرب رسولُ الله ﷺ رأسَه بأُحد (٣). كما أخرجه البيهقي عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى (٤). ٤٦ - ومن أعمال أهل الجاهلية: ما كانت العرب تفعله في الحج من الأمور المخالفة لمناسك إبراهيم ﵊. وذلك أن العرب كانوا على دينين: حلة، وحميس. فالحميس: قريش وكل من ولدت من العرب، وكانت قريش إذا أنكحوا غريباً امرأة منهم اشترطوا عليه أن كل من ولدت له فهو

стр. 4605

أحمسي على دينهم. وكانت نساء الحميس لا ينسجن ولا يغزلن الشعر إذا أحرمن، وكانوا إذا أحرموا لا يأقطون الأقط، ولا يأكلون الزبد، ولا السمن، ولا يسلونه، ولا يمخضون اللبن، ولا يلبسون الوبر ولا الشعر، ولا يستظلون به ما داموا حُرُماً، وإنما يستظلون بالأدم، ولا يأكلون شيئاً من نبات الحرم، وكانوا يعظمون الأشهر الحرم، ولا يخفرون فيها الذمة، ولا يظلمون فيها. وكانوا إذا أحرم الرجل منهم فإن كان من أهل المَدَر نقب نقباً في ظهر بيته، فمنه يدخل ومنه يخرج، ولا يدخل من بابه ولا يخرج، ولا يجوز تحت أسكفة بابه ولا عارضته، فإن أرادوا بعض أطعمتهم ومتاعهم تسوَّروا من ظهور بيوتهم وأدبارها، فنزلوا إلى حجرهم (١). وكانوا على ذلك حتى بعث الله تعالى محمداً ﷺ ، فأحرم عام الحديبية، فدخل بيته وكان معه رجل من الأنصار، فوقف الأنصاري على الباب، فقال له: "أَلا تَدْخُلُ"؟ فقال: إني أحمسي يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "وَأَنا أَحْمَسِيّ، ديني وَدِيْنُكَ سَواءٌ". فدخل الأنصاري، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ

стр. 4606

مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] (١). وكانت الحمس يقولون: لا تعظِّموا شيئاً من الحل، ولا تجاوزوا الحرم في الحج، وقصروا عن مناسك الحج والموقف من عرفة وهو من الحل، فلم يكونوا يقفون ولا يفيضون منه، وجعلوا موقفهم في طرف الحرم، من نَمِرة بمفضى المَأْزمين، يقفون به عشية عرفة، ويظلون به يوم عرفة في الأراك من نمرة، ويفيضون منه إلى المزدلفة (٢). وقد أمر الله تعالى بمخالفتهم في ذلك، فأمر بالوقوف بعرفة والإفاضة منها، فقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٩٨، ١٩٩]. وقال رسول الله ﷺ : "الْحَجُّ عَرَفةُ". رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن (٣). وكانت الحلة يدفعون من عرفة والخمس من أطراف الحرم إذا

стр. 4607

طفلت الشمس للغروب، وكانت على رؤوس الرجال كأنها عمائم الرجال في وجوههم، فيبيتون جميعاً بمزدلفة حتى إذا كان في الغلس وقفت الحلة والحمس جميعاً على قزح، فلا يزالون عليه حتى إذا طلعت الشمس وصارت على رؤوس الجبال كأنها عمائم الرجال في وجوههم دفعوا من مزدلفة، وكانوا يقولون: أشرق ثبير كي ما نغير (١). فلما حج رسول الله ﷺ خطب الناس يوم عرفة كما روى الطبراني بسند صحيح، عن المِسْور بن مَخْرمة رضي الله تعالى عنهما قال: خطبنا رسول الله ﷺ بعرفات، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أَمَّا بَعْدُ! فَإِنَّ أَهْلَ الشِّرْكِ وَالأَوْثانِ كانُوا يَدْفَعُونَ مِنْ هَذا الْمَوْقف إِذا كانَتِ الشَّمْسُ عَلى رُؤُوسِ الْجِبالِ كَأَنَّها عَمائِمُ الرِّجالِ فِي وُجُوهِهِمْ، وَإِنَّا لا نَدْفَعُ إِلاَّ بَعْدَ أَنْ تَغِيْبَ الشَّمْسُ، وَكانُوا يَدْفَعُونَ مِنَ الْمَشْعَرِ الْحَرامِ إِذا كانَتِ الشَّمْسُ مُنْبَسِطَةً" (٢). وفي رواية غيره: "وإِنَّاَ لا نَدْفَعُ مِنْ عَرَفَةَ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَيَحِلَّ فِطْرُ الصَّائِمِ، وَنَدْفَعُ مِنْ مُزْدلِفَةَ غَداً إِنْ شاءَ اللهُ تَعالَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ؛ هَدْيُنا مُخالِفٌ لِهَدْيِ أَهْلِ الشِّرْكِ وَالأَوْثانِ" (٣). وروى الأئمة الستة رحمهم الله تعالى عن عمرو بن ميمون قال:

стр. 4608

سمعت عمر بن الخطاب ﵁ بجَمْع بعد ما صلى الصبح وقف فقال: إن المشركين كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس [ويقولون]: أشرق ثبير، وإن رسول الله ﷺ خالفهم، فأفاض قبل طلوع الشمس (١). ٤٧ - وكان من عادة الجاهلية: ما يتفق الآن من جهلة الناس وعامتهم من سرعة السير، والإيضاع (٢)، والازدحام عند الدفع من عرفات، والشريعة جاءت بالسكينة في السير. وصحح الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إنما بدء الإيضاع من أهل البادية؛ كانوا يقفون حافتي الناس قد علقوا القباب والعصي، فإذا أفاضوا تقعقعوا، فأنفرت الناس، فلقد رأيت رسول الله ﷺ وإن ظفري ناقته لا يمس الأرض، وهو يقول: "يا أيُّها النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ" (٣). وفي "صحيح البخاري" عنه: أنه دفع مع النبي ﷺ يوم عرفة، فسمع النبي ﷺ وراءه زجراً شديداً، وضرباً للإبل، فأشار بسوط إليهم، وقال: "يا أيُّها النَّاسُ! عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ؛ فَإِنَّ الْبِرَّ لَيْسَ بِالإِيضاعِ" (٤).

стр. 4609

وروى الشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما أنه سئل: كيف كان رسول الله ﷺ يسير حين أفاض من عرفة - وكان رسول الله ﷺ أردفه من عرفات -؟ قال: كان يسير العَنَق، فإذا وجد فُرجة نَصَّ (١). وكانت الحمس يطوفون بالبيت وعليهم ثيابهم، وكانت الحلة يطوفون بالبيت عراة؛ الرجال بالنهار، والنساء بالليل، إلا من استعار ثوباً من أحمس. وكانت المرأة منهم إذا طافت عريانة وضعت إحدى يديها على قُبُلها، والأخرى دبرها تقول: [من الرجز] الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَما بَدا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ (٢) وكان إذا بلغ أحدهم باب المسجد [قال للحمس]: من يعير مصوباً، من يعير معوزاً، فإذا أعاره أحمسي ثوبه طاف فيه، وإلا ألقى ثيابه بباب المسجد، ثم طاف عرياناً، وكانوا يقولون: لا نطوف في

стр. 4610

الثياب التي قارفنا فيها الذنوب، ثم يرجع إلى ثيابه فيجدها لم تتحرك إلا أن يتكرم منهم متكرم فيطوف في ثيابه، فإذا طاف فيها لم يحل له أن يلبسها، ولا ينتفع بها، ويطرحها لَقىً لا يمسها أحد من خلق الله تعالى حتى تبليها الشمس والأمطار، ووطء الأقدام. وفيه يقول ورقة بن نوفل الأسدي: [من الطويل] كَفَى حَزَناً كَرْبِي عَلَيْهِ بِأنَّنَي ... لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ (١) أي: لا يمس. قال في "الصحاح": واللقى - بالفتح؛ أي: والقصر - الشيء الملقى لهوانه، والجمع: الألقاء. وقد أبطل الله ما كان عليه أمر الجاهلية بقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وأذن مؤذن رسول الله ﷺ حين نزلت هذه الآية: ألا لا يطوف بالبيت عريانٌ (٢). وروى عبد بن حميد، وأبو الشيخ عن عطاء رحمه الله تعالى قال: كان المشركون في الجاهلية يطوفون بالبيت عراة، فأنزل الله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] (٣).

стр. 4611

وروى ابن أبي شيبة، ومسلم، والنسائي، والمفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، وتقول: من يعيرني تطوافاً تجعله على فرجها، وتقول: [من الرجز] الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ ... وَما بَدا مِنْهُ فَلا أُحِلُّهُ (١) وفي لفظ: إن النساء كن يطفن عراة إلا أن تجعل المرأة على فرجها خرقة، وتقول: اليوم ... إلى آخره، فنزلت هذه الآية ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١] (٢). وكانوا في الجاهلية يطوفون على الشمال. روى عبد بن حميد عن عكرمة قال: كان المشركون يطوفون بالبيت على الشمال، وهو قوله تعالى ﴿وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾ [الأنفال: ٣٥]؛ فإنها مثل نفخ البوق والتصدية طوافهم على الشمال (٣). وكانوا في الجاهلية منهم من يسعى بين الصفا والمروة، ومنهم من كان يتحرج عن ذلك، فلما جاء الإسلام تحرج ناس عن ذلك،

стр. 4612

ورأوا أنه من أمر الجاهلية، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. روى الأئمة مالك، وأحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن عروة: أنه قال لعائشة رضي الله تعالى عنها: أرأيت قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: ١٥٨] لا أرى على أحد جناحاً أن يطوف بهما؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي! إنها لو كانت على ما أولتها كانت: فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يُهِلُّون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان من أهل بها يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله! إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية، فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا﴾ [البقرة: ١٥٨] الآية. قالت عائشة: ثم سنَّ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يدع الطواف بهما (١).

стр. 4613

وروى مسلم، والترمذي عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: [كان] رجال من الأنصار ممن كان يهل لمناة في الجاهلية. ومناة: صنم بين مكة والمدينة. قالوا: يا نبي الله! إن كنا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيماً لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله الآية (١). وكانوا لا يتبايعون في يوم عرفة ولا في أيام منى، فلما جاء الإسلام أحلَّ الله ذلك، فنزل ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وفي قراءة أبي بن كعب ﵁: في مواسم الحج؛ يعني: منى وعرفة (٢). روى البخاري، والمفسرون عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت عكاظ، ومجنة، وذو المجاز أسواقاً في الجاهلية، فتأثَّموا أن يتَّجروا في المواسم، فسألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨] في مواسم الحج (٣). وروى عبد بن حميد عن قتادة رحمه الله تعالى في الآية قال: كان ناس من أهل الجاهلية يسمون ليلة النفر ليلة الصدر، وكانوا لا يعرجون

стр. 4614

على كسير، ولا ضالة، ولا لحاجة، ولا يبتغون فيها تجارة، فأحل الله تعالى ذلك كله للمؤمنين أن يعرجوا على حاجاتهم، ويبتغوا من فضل الله تعالى (١). وكانوا يذكرون فعل آبائهم في الجاهلية إذا وقفوا بعرفة، فأنزل الله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٠٠] كما روى ابن جرير عن سعيد بن جبير، وعكرمة (٢). وأخرج عن مجاهد قال: كانوا إذا قضوا مناسكهم وقفوا عند الجمرة، فذكروا آباءهم، وذكروا أيامهم في الجاهلية وفعال آبائهم، فنزلت (٣). وروى ابن أبي حاتم، والضياء في "المختارة" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم يقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحمالات، ويحمل الرايات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله تعالى الآية (٤).

стр. 4615

وكانوا يرون أن أفجر الفجور العمرةُ في أشهر الحج، فبطل ذلك بالإسلام (١). وقال رسول الله ﷺ : "دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ إِلَى يَوْمِ الْقِيامَةِ". رواه مسلم، وأبو داود عن جابر، وأبو داود، والترمذي عن ابن عباس (٢). فاعتمر رسول الله ﷺ عُمَرَهُ كلها في ذي القعدة (٣). وفي كتاب الله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٦]. قال ابن عباس: يقول: فمن أحرم بالعمرة في أشهر الحج. رواه المفسرون (٤). وروى عبد بن حميد عن الضحاك رحمه الله تعالى قال: التمتع: الاعتمار في أشهر الحج (٥).

стр. 4616

وعن مجاهد قال: كان أهل الجاهلية إذا حجوا قالوا: إذا عفا الوَبَر، وتولى الدَّبَر، ودخل صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فأنزل الله التمتع بالعمرة تغييراً لما كان أهل الجاهلية يصنعون، وترخيصاً للناس (١). وروى أبو داود - وأصله في البخاري - عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله ﷺ عائشة في ذي الحجة إلا لينقطع بذلك لسن أهل الشرك؛ فإن هذا الحي من قريش مَنْ دان دينهم كانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبَرأَ الدبر، ودخل صفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر، وكانوا يحرمون بالعمرة حين ينسلخ ذو الحجة والمحرم (٢). وكان عمرو بن لحي - وهو أول من بدل ملة إبراهيم ﵇ غيَّر تلبية إبراهيم ﵇؛ بينما هو يسير على راحلته في بعض مواسم الحج وهو يلبي إذ مثل له إبليس في سورة شيخ نجدي على بعير أصهب، فسايره ساعة، ثم لبى إبليس: لبيك اللهم لبيك، فقال عمرو بن لحي مثل ذلك، فقال إبليس: لبيك لا شريك لك، فقال عمرو بن لحي مثل ذلك، فقال إبليس: إلا شريك هو لك، فقال عمرو: ما هذا؟ فقال إبليس لعنه الله: إن بعد هذا ما يصلحه إلا شريك

стр. 4617

هو لك، تملكه وما ملك، فقال عمرو: ما أرى؛ فلباها، ولبى الناس على ذلك، فكانوا يقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك (١). وفي ذلك - كما رواه ابن جرير، وابن المنذر عن الضحاك - أنزل الله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] (٢). ولم تزل تلك تلبيتهم حتى جاء الإسلام، ولبى رسول الله ﷺ تلبية إبراهيم ﵇، فلباها المسلمون. وكان من سنتهم أن الرجل يحدث الحدث يقتل، أو يلطم، أو يضرب، فيربط لحاة من لحا الحرم زيادة في رقبته، ويقول: أنا صرورة، فيقال: دعوا الصرورة بجعله، وإن رمي بحصره في رجله فلا يعرض له أحد، فقال رسول الله ﷺ : "لا صَرُورَةَ فِي الإِسْلامِ، وإِنَّ مَنْ أَحْدَثَ حَدثاً أُخِذَ بِحَدَثِهِ". رواه الأزرقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (٣). وروى الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم وصححه: حديث: "لا صَرورَةَ فِي الإِسْلامِ" عن ابن عباس (٤). وفي "القاموس": إن الصرورة الذي لم يحج، واقتصر عليه (٥).

стр. 4618

وكانوا يمنعون الصرورة من العمرة حتى يحج، فجاء الإسلام بخلافه. روى الإمام أحمد - ورواته ثقات - عن أبي عمران بن أسلم: أنه قال لأم سلمة رضي الله تعالى عنها: أعتمر قبل أن أحج؟ قالت: قبل أن تحج، وإن شئت فبعد أن تحج. قال: فقلت: إنهم يقولون من كان صرورة فلا يصلح أن يعتمر قبل الحج، فسألت أمهات المؤمنين فقلن مثلما قالت. ثم رجع إليها فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "أَهِلُّوا يا آلَ مُحَمَّدٍ بِالْعُمْرَةِ فِي الْحَجِّ" (١). وأخرجه الطبراني باختصار إلا أنه قال: "أَهِلُّوا يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ" (٢). وتقدم في الصرورة تفسير آخر، وهو الذي يتبتل ويتنزه عن النكاح على طريقة رهبانية النصارى. وحكى الأزهري في "شرح ألفاظ مختصر المزني" القولين: أنه الذي لم يحج، وأنه الذي لم يتزوج ولم يأت النساء. وأنشد للنابغة: [من الكامل]

стр. 4619

لَوْ أَنَّها عَرَضَتْ لأَشْمَطَ راهِبٍ ... - عَبَدَ الإِلَهَ - صَرُوْرَةٍ مُتَعَبِّدِ قال: وقيل للذي لم ينكح: صرورة لصره على ماء ظهره به إياه. وقيل للذي لم يحج: صرورة؛ لصره على نفقته التي يبلغ بها إلى الحج، انتهى (١). وحكى الزمخشري في "الفائق" صارورة لغة في الصرورة؛ قال: ونظيره الضرورة والضارورة؛ يعني: بالمعجمة (٢). قال في "القاموس": والضرورة الحاجة، كالضارورة والضارور، والضاروراء (٣). وقال في الصاد المهملة: ورجل صرورة، وصرارة، وصارورة، وصارورى، وصروري، وصاروراء، والجمع: صرارة، وصرار (٤). ٤٨ - ومن أفعال أهل الجاهلية: الفسوق، والرفث، والجدال في الحج . قال الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]. قال ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : "الإِعْرابُ وَالتَّعْرِيضُ لِلنِّساءِ

стр. 4620

بِالْجِماعِ وَالْفُسُوقُ وَالْمَعاصِي كُلُّها، وَالْجِدالُ جِدالُ الرَّجُلِ صاحِبَهُ". أخرجه الطبراني (١). وكره طاوس الإعراب للمحرم، قيل: وما الإعراب؟ قال: يقول: لو أحللت قد أصبتك. رواه ابن أبي شيبة (٢). وروى ابن جرير عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى في الآية قال: الجدال: كانت قريش إذا اجتمعت بمنى، قال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم، وقال هؤلاء: حجنا أتم من حجكم (٣). وعن ابن زيد هنا قال: كانوا يقفون مواقف مختلفة يتجادلون، كلهم يدعي أن موقفه موقف إبراهيم ﵇، فقطعه الله حين أعلم نبيه بمناسكهم (٤). وفي "الصحيحين" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَجَّ هَذا الْبَيْتَ فَلَم يَرْفُثْ وَلَمْ يَفْسُقْ خَرَجَ مِنْ

стр. 4621

ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (١). ٤٩ - ومنها: الحكم بغير ما أنزل الله تعالى . بل لمجرد لرأي أو الهوى يخبط خبط عشواء، فربما أخذ حق هذا فأعطاه هذا، وربما ألزم بما لم يلزم، وربما حكم للشريف على الوضيع والحق مع الوضيع، أو للفقير على الغني - أي: بعكسه - والحق مع الآخرين ترفقاً للفقير، أو ميلاً إلى الغني. والشرع إنما جاء بإجراء الحق على مقتضاه على الشريف والوضيع، والغني والفقير، والقوي والضعيف؛ يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. قال الله تعالى مقرعاً لليهود حين أرادوا من النبي ﷺ أن يحكم بينهم بما كان عليه الجاهلية من التفاضل بين القتلى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. قال السدي رحمه الله تعالى: الحكم حكمان: حكم الله، وحكم الجاهلية، ثم تلا الآية. رواه أبو الشيخ (٢). وقال قتادة رحمه الله تعالى: إن أهل الجاهلية كان يأكل شديدهم

стр. 4622

ضعيفهم، وعزيزهم ذليلهم. رواه عبد بن حميد (١). وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ مُتَّبعٌ فِي الإِسْلامِ سُنَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، وَطالِبٌ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيقَ دَمَهُ" (٢). وفسر البيضاوي حكم الجاهلية بالميل والمداهنة في الحكم (٣). وروى البيهقي في "الدلائل" عن أبي عذبة الحضرمي قال: جاء رجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فأخبره أن أهل العراق قد حَصَبوا إمامهم، وكان عَوَّضهم به مكان إمام كان قبله، فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: يا أهل الشام! استعدوا لأهل العراق؛ فإن الشيطان قد باض فيهم وفرَّخ. ثم قال: اللهم قد ألبَسُوا علي فَأَلْبِسْ عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي الذي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم. قال ابن لهيعة: وما ولد الحجاج يومئذ (٤).

стр. 4623

قال البيهقي: لا يقول عمر ذلك إلا توقيفاً (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الحسن قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحتهم فغشوني، فابعث عليهم غلامَ ثقيفٍ يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية (٢). ٥٠ - ومنها: ترك العدل في عطية أولاده؛ فإن السنة أن يساوي بينهم . كان طاوس رحمه الله تعالى إذا سئل عن التفضيل بين الأولاد في العطية قرأ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. أخرجه ابن أبي شيبة (٣). وروى الإمام الشافعي في "الأم"، والشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: أن أباه أتى به النبي ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي. فقال: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذا؟ " قال: لا. قال: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَواءً؟ " قال: نعم.

стр. 4624

قال: "فَارْتَجِعْهُ" (١). وفي رواية للبخاري قال: "فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ" (٢). وأخرجه ابن أبي شيبة، ولفظه: انطلق بي أبي إلى رسول الله ﷺ ليُشهده على عطيةٍ أعطانيها، قال: "لَكَ غَيْرُهُ؟ " قال: نعم. قال: "كُلَّهُمْ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ ما أَعْطَيْتَه؟ " قال: لا. قال: "فَلا أَشْهَدُ عَلى جَوْرٍ" (٣). وقال إبراهيم (٤): كانوا يستحبون أن يعدل الرجل بين ولده حتى في القُبَلِ. رواه ابن أبي شيبة (٥). ٥١ - ومنها: التبنِّي بحيث يعتقد أنه يؤثر في إرثه أو محرمية . كما يتفق لبعض ذوي الأموال ممن لم يولد لهم - ولا سيما الترك - يتبنى الرجل أو المرأة ذكراً أو أنثى، ثم يعتقد أنه صار بذلك محرماً.

стр. 4625

وبلغني أن منهم من يأخذ الصغير فيدخله في قميصه، ثم يخرجه من جيبه، ويعتقد أنه بهذا الفعل يكون بينهما محرمية، وهذا ضلال وجاهلية. وكفى دليلاً على إبطال ذلك قصة زيد في تبني النبي ﷺ حيث بيَّن الله تعالى أن التبني لا يحدث محرمية بأَنْ أمره بتزوج زينب بعد أن طلقها زيد رضي الله تعالى عنهما: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ أي: بالطلاق. وروى عبد الرزاق، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: كان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه حتى أنزل الله في ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] (١). وروى الخطيب في "تالي التلخيص" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَعْدى النَّاسِ عَلى اللهِ تَعالَى مَنْ عَدا فِي الْحَرَمِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بذُحُولِ الْجاهِلِيَّةِ". فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن فلاناً ابني. فقال ﷺ : "ذَهَبَ أَمْرُ الْجاهِلِيَّةِ، لا دَعْوى فِي الإِسْلامِ؛ الْوَلَدُ
следующие страницы →