← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.

стр. 4621

ذُنُوبِهِ كَيَوْمَ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ" (١). ٤٩ - ومنها: الحكم بغير ما أنزل الله تعالى . بل لمجرد لرأي أو الهوى يخبط خبط عشواء، فربما أخذ حق هذا فأعطاه هذا، وربما ألزم بما لم يلزم، وربما حكم للشريف على الوضيع والحق مع الوضيع، أو للفقير على الغني - أي: بعكسه - والحق مع الآخرين ترفقاً للفقير، أو ميلاً إلى الغني. والشرع إنما جاء بإجراء الحق على مقتضاه على الشريف والوضيع، والغني والفقير، والقوي والضعيف؛ يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: ١٣٥]. قال الله تعالى مقرعاً لليهود حين أرادوا من النبي ﷺ أن يحكم بينهم بما كان عليه الجاهلية من التفاضل بين القتلى: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]. قال السدي رحمه الله تعالى: الحكم حكمان: حكم الله، وحكم الجاهلية، ثم تلا الآية. رواه أبو الشيخ (٢). وقال قتادة رحمه الله تعالى: إن أهل الجاهلية كان يأكل شديدهم

стр. 4622

ضعيفهم، وعزيزهم ذليلهم. رواه عبد بن حميد (١). وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ : "أَبْغَضُ النَّاسِ إِلَى اللهِ مُتَّبعٌ فِي الإِسْلامِ سُنَّةَ الْجاهِلِيَّةِ، وَطالِبٌ دَمَ امْرِئٍ بِغَيْرِ حَقٍّ لِيُرِيقَ دَمَهُ" (٢). وفسر البيضاوي حكم الجاهلية بالميل والمداهنة في الحكم (٣). وروى البيهقي في "الدلائل" عن أبي عذبة الحضرمي قال: جاء رجل إلى عمر رضي الله تعالى عنه، فأخبره أن أهل العراق قد حَصَبوا إمامهم، وكان عَوَّضهم به مكان إمام كان قبله، فخرج غضبان، فصلى فسها في صلاته، فلما سلم قال: يا أهل الشام! استعدوا لأهل العراق؛ فإن الشيطان قد باض فيهم وفرَّخ. ثم قال: اللهم قد ألبَسُوا علي فَأَلْبِسْ عليهم، وعجل عليهم بالغلام الثقفي الذي يحكم فيهم بحكم الجاهلية، لا يقبل من محسنهم، ولا يتجاوز عن مسيئهم. قال ابن لهيعة: وما ولد الحجاج يومئذ (٤).

стр. 4623

قال البيهقي: لا يقول عمر ذلك إلا توقيفاً (١). وروى عبد الله ابن الإمام أحمد في "زوائد الزهد" عن الحسن قال: قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: اللهم كما ائتمنتهم فخانوني، ونصحتهم فغشوني، فابعث عليهم غلامَ ثقيفٍ يحكم في دمائهم وأموالهم بحكم الجاهلية (٢). ٥٠ - ومنها: ترك العدل في عطية أولاده؛ فإن السنة أن يساوي بينهم . كان طاوس رحمه الله تعالى إذا سئل عن التفضيل بين الأولاد في العطية قرأ: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾. أخرجه ابن أبي شيبة (٣). وروى الإمام الشافعي في "الأم"، والشيخان عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما: أن أباه أتى به النبي ﷺ فقال: إني نحلت ابني هذا غلاماً كان لي. فقال: "أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَ مِثْلَ هَذا؟ " قال: لا. قال: "أَيَسُرُّكَ أَنْ يَكُونُوا لَكَ فِي الْبِرِّ سَواءً؟ " قال: نعم.

стр. 4624

قال: "فَارْتَجِعْهُ" (١). وفي رواية للبخاري قال: "فَاتَّقُوا اللهَ، وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلادِكُمْ" (٢). وأخرجه ابن أبي شيبة، ولفظه: انطلق بي أبي إلى رسول الله ﷺ ليُشهده على عطيةٍ أعطانيها، قال: "لَكَ غَيْرُهُ؟ " قال: نعم. قال: "كُلَّهُمْ أَعْطَيْتَهُمْ مِثْلَ ما أَعْطَيْتَه؟ " قال: لا. قال: "فَلا أَشْهَدُ عَلى جَوْرٍ" (٣). وقال إبراهيم (٤): كانوا يستحبون أن يعدل الرجل بين ولده حتى في القُبَلِ. رواه ابن أبي شيبة (٥). ٥١ - ومنها: التبنِّي بحيث يعتقد أنه يؤثر في إرثه أو محرمية . كما يتفق لبعض ذوي الأموال ممن لم يولد لهم - ولا سيما الترك - يتبنى الرجل أو المرأة ذكراً أو أنثى، ثم يعتقد أنه صار بذلك محرماً.

стр. 4625

وبلغني أن منهم من يأخذ الصغير فيدخله في قميصه، ثم يخرجه من جيبه، ويعتقد أنه بهذا الفعل يكون بينهما محرمية، وهذا ضلال وجاهلية. وكفى دليلاً على إبطال ذلك قصة زيد في تبني النبي ﷺ حيث بيَّن الله تعالى أن التبني لا يحدث محرمية بأَنْ أمره بتزوج زينب بعد أن طلقها زيد رضي الله تعالى عنهما: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا﴾ [الأحزاب: ٣٧]؛ أي: بالطلاق. وروى عبد الرزاق، وابن حبان في "صحيحه"، والطبراني عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال: كان من تبنى رجلاً في الجاهلية دعاه الناس إليه، وورث من ميراثه حتى أنزل الله في ذلك: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [الأحزاب: ٥] (١). وروى الخطيب في "تالي التلخيص" عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ أَعْدى النَّاسِ عَلى اللهِ تَعالَى مَنْ عَدا فِي الْحَرَمِ، أَوْ قَتَلَ غَيْرَ قاتِلِهِ، أَوْ قَتَلَ بذُحُولِ الْجاهِلِيَّةِ". فقام رجل فقال: يا رسول الله! إن فلاناً ابني. فقال ﷺ : "ذَهَبَ أَمْرُ الْجاهِلِيَّةِ، لا دَعْوى فِي الإِسْلامِ؛ الْوَلَدُ

стр. 4626

لِلْفِراشِ، وَلِلْعاهِرِ الْحَجَرُ" (١). ٥٢ - ومنها: الحلف بغير الله تعالى كالآباء، ورأس الأمير بحياته وحياة غيره، وهو مكروه . قال النووي: ومن أشدها كراهة الحلف بالأمانة (٢). روى أبو داود بإسناد صحيح، عن بريدة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ حَلَفَ بِالأَمانَةِ فَلَيْسَ مِنَّا" (٣). وروى الشيخان عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "إِنَّ اللهَ يَنْهاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبائِكُمْ؛ فَمَنْ كانَ حالِفاً فَلْيَحْلِفْ بِاللهِ أَوْ لِيَسْكُتْ" (٤). وروى أبو داود، والنسائي، وابن حبان في "صحيحه" عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا تَحْلِفُوا بآبائِكُمْ وَلا بِأُمَّهاتِكُمْ وَلا بِالأَنْدادِ، وَلا تَحْلِفُوا بِاللهِ إِلاَّ وَأَنُتمْ صادِقُونَ" (٥). قال صاحب "الكشاف" في قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ

стр. 4627

وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ﴾ [الشعراء: ٤٤]: أقسموا بعزة فرعون، وهي من أيمان الجاهلية، وهكذا كل حلف بغير الله. ثم قال: ولقد استحدث الناس في هذا الباب، في إسلامهم جاهلية نُسيت لها الجاهلية الأولى، وذلك أن الواحد منهم لو أقسم بأسماء الله تعالى كلها وصفاته على شيء لم يقبل منه ولم يعتد بها حتى يقسم برأس السلطان؛ فإن أقسم به فذلك عندهم جهد اليمين التي ليست وراءها حلف لحالف (١). ٥٣ - ومنها: الإيلاء أكثر من أربعة أشهر إضراراً بالنساء . وهو في الأصل القسم، ثم خص بأن يحلف أن لا يجامع زوجته. قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا﴾؛ أي: رجعوا إلى الجماع كما قاله الاكثرون ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنين وأكثر من ذلك، فوقَّت الله تعالى لهم أربعة أشهر؛ فإن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء؛ أي: فليس بإيلاء محرم. رواه سعيد بن منصور، والطبراني، والبيهقي، والخطيب في "تالي التلخيص" (٢).

стр. 4628

٥٤ - ومنها: الظِّهار . وعده هو والإيلاء طلاقًا، بل لم يكن طلاقهم إلا ظهاراً وإيلاءً. روى عبد الرزاق عن طاوس رحمه الله تعالى: كان طلاق أهل الجاهلية الظهار، فظاهر رجل في الإسلام وهو يريد الطلاق، فأنزل الله تعالى فيه الكفارة (١). وروى الطبراني عن ابن عباس قال: كان الظهار في الجاهلية تحريم النساء، فذكر الحديث (٢). وروى عبد بن حميد عن أبي قلابة رضي الله تعالى عنه قال: إنما كان طلاقهم في الجاهلية الظهار والإيلاء (٣). وروى البيهقي عن مقاتل بن حيان رحمه الله تعالى قال: كان الظهار والإيلاء طلاقاً في الجاهلية، فوقَّت الله تعالى في الإيلاء أربعة أشهر، وجعل في الظهار الكفارة (٤). ٥٥ - ومنها: أنهم كانوا لا يرون على المطلقة عدة . وروى عبد بن حميد عن قتادة رحمه الله تعالى في قوله ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: ٢٢٨] قال: كان أهل الجاهلية يطلق

стр. 4629

أحدهم ليس لذلك عدة (١). وروى أبو داود عن أسماء بنت يزيد بن السَّكَن الأنصارية رضي الله تعالى عنها قالت: طلقت على عهد رسول الله ﷺ ولم يكن للمطلقة عدة، فأنزل الله تعالى حين طلقت العدة للطلاق: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] (٢). ٥٦ - ومنها: أكل الأولياء مهورَ مولِّياتِهنَّ . وهذا في هذه الأعصار شأن أهل القرى من الفلاحين والأعراب أهل الوبر والشعر، حتى يعدو مهور مولياتهن كسباً من أكسابهم. روى سعيد بن منصور، والمفسرون عن أبي صالح رضي الله تعالى عنه قال: كان الرجل إذا زوج أيمه أخذ صداقها دونها، فنهاهم الله تعالى عن ذلك، ونزلت: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ [النساء: ٤] (٣). ٥٧ - ومنها: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي في "القبس" قال: وكانت أهل الجاهلية تحلق رأس المولود وتلطِّخه بالدم، فشرع النبي ﷺ التصدق بِزِنتَه - يعني: الشعر -. قال: وقال العلماء: يلطخ بالخلوق رأسه. وقال أيضاً: وتكسر عظامها - يعني: العقيقة - خلافاً لما كانت

стр. 4630

تقوله الجاهلية: إنها لا يكسر لها عظم. انتهى (١). وذكر أصحابنا أنه يستحب أن لا يكسر لها عظم، تفاؤلاً بسلامة أعضاء المولود؛ فإن كسر كان خلف الأولى (٢). ٥٨ - ومنها: ما ذكره الجوهري في "صحاحه"، وغيره من أنهم كانوا في الجاهلية إذا قتل لهم قتيل عقوا بسهم ؛ أي: رموا به نحو السماء، فإن رجع السهم ملطخاً بالدم لم يرضوا إلا بالقَوَد، فإن رجع نقياً مسحوا بلحاهم وصالحوا على الدية، وكان مسح اللحى علامة للصلح. وأنشدوا للهذلي: [من الكامل] عَقُّوا بِسَهْمٍ ثُمَّ قالُوا صالِحُوا ... يا لَيْتَنِي فِي القَوْمِ إِذْ مَسَحُوا اللِّحَى قال الجوهري: وذلك السهم يسمى: عقيقة، وهو سهم الاعتداد. قال: ويروى: عقوا بسهم - بفتح القاف - وهو من المعتل، وأنشد: [من البسيط] عَقَّوا بِسَهْمٍ فَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ أَحَدُ ... ثُمَّ اسْتَفاؤوا وَقالُوا حَبَّذا الوَضَحُ (٣)

стр. 4631

٥٩ - ومن عوائدهم وأحكامهم - وهو من تهاونهم بما كان عليه صالحوا آبائهم من التمسك بملة إبراهيم ﵊ من تعظيم الحرم، والإحرام بالنسك -: قتل الصيد بالحرم وهم محرمون، وكان ذلك معروفاً فيهم كما قال قائلهم: [من البسيط] وَالْمؤمِنُ العائدات الطَّيْرِ يَمْسَحُها ... رُكْبانُ مَكَّةَ بَيْنَ الضال وَالسَّنَدِ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [المائدة: ٩٥]. قال أبو ذر رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ [المائدة: ٩٥] قال: عفا كان في الجاهلية؛ أي: من قتل المحرم الصيد. قال: ﴿وَمَنْ عَادَ﴾ في الإسلام ﴿فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥]، وعليه مع ذلك الكفارة. أخرجه ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ (١). وقيل: المعنى: عفا الله عما سلف منكم من ذلك في الإسلام

стр. 4632

قبل نزول الآية. أو: في الحديبية. أو: عفا الله عما سلف منكم أول مرة بالكفارة (١). ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ [المائدة: ٩٥] يترك لا يحكم عليه بالكفارة حتى ينتقم الله منه. وهو مذهب ابن عباس، وشريح، وغيرهما. والأكثرون على أنه يحكم عليه كل مرة (٢). وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الحسن: أن رجلًا أصاب صيداً وهو محرم، فتجوز عنه، ثم عاد فأصاب صيداً آخر، فنزلت نار من السماء فأحرقته (٣). ٦٠ - ومنها: التشديد على من يقتل الصيد بالمجاوزة في الحكم عليه عن الكفارة إلى العقوبة . بل من أفعالهم التجاوز في الحدود والتعزيرات مطلقاً كما تقدم عنهم من المجاوزة في القَوَد إلى غير القاتل. فتجاوُزُ الحكام عن السياسات الشرعية أخلاقٌ جاهلية. قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ

стр. 4633

تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]. قال ابن عباس في الآية: كانوا في الجاهلية إذا أحدث الرجل حدثاً، أو قتل، أو قتل صيداً وهو محرم أو بالحرم، ضرب ضرباً شديداً، وسلب ثيابه. رواه أبو الشيخ من طريق أبي صالح عنه (١). وروى ابن أبي حاتم من طريق قيس بن سعد عنه: أنه كان يقول في قوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [المائدة: ٩٤]: أن يوسِّع بطنه وظهره جلداً، أو سلب ثيابه (٢). يريد: أن ذلك كان عقوبته في صدر الإسلام كما كان ذلك حكمه في الجاهلية، ثم نسخ بالآية بعدها، وهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ [المائدة: ٩٥] الآية. كما قال جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما: كان إذا ما أخذ شيئاً من الصيد أو قتله جلد مئة، ثم نزل الحكم بعدُ. أخرجه أبو الشيخ (٣). * تنبِيهٌ: مما يدل على عظيم حرمة الحرم والإحرام أن الله تعالى لم يرض

стр. 4634

في جزاء من قتل صيدهما إلا بحكم عدلين فيه، ثم ألحقت السنة الخطأ في ذلك بالعمد، وجرى الأمر على ذلك لئلا يستخف الناس في ذلك أو يتساهلوا فيه؛ كما روى الشافعي، وابن المنذر ذلك عن عطاء (١). ورويا عن عمرو بن دينار رحمه الله تعالى قال: رأيت الناس أجمعين يغرمون في الخطأ (٢). وروى المفسرون، والطبراني، والحاكم وصححه، عن قبيصة بن جابر رحمه الله تعالى قال: حججنا زمن عمر رضي الله تعالى عنه فرأينا ظبيًا، فقال أحدهما لصاحبه: أتراني أبلغه؟ فرمى بحجر فما أخطأ حشاه، فقتله، فأتينا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فسألناه عن ذلك، فإذا إلى جنبه رجل - يعني: عبد الرحمن بن عوف - فالتفت إليه فكلمه، ثم أقبل على صاحبنا، فقال: أعمداً قتلته أم خطأً؟ قال الرجل: تعمدت رميه وما أردت قتله. قال عمر: ما أراك إلا أشركت بين العمد والخطأ؛ اعمد إلى شاة فاذبحها، وتصدق بلحمها، وأسق إهابها؛ يعني: ادفعه إلى مسكين يجعله سقاء. قال: فقمنا من عنده فقلت لصاحبي: أيها الرجل! أَعْظِمْ شعائر الله، والله ما درى أمير المؤمنين ما يفتيك حتى شاور صاحبه؛ اعمد

стр. 4635

إلى ناقتك فانحرها، ففعل ذلك. قال قبيصة: وما أذكر الآية في سورة المائدة: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [المائدة: ٩٥]. قال: فبلغ عمر رضي الله تعالى عنه مقالتي فلم يفجأ إلا ومعه الدَّرَّةَ، فعلا صاحبي ضرباً بها، وهو يقول: أقتلت الصيد في الحرم وسفَّهت الفتيا؟ ثم أقبل عليَّ فضربني، فقلت: يا أمير المؤمنين! لا أحل لك مني شيئاً مما حرم الله عليك؟ قال: يا قبيصة! إني أراك شاباً حديث السن، فصيح اللسان، فسيح الصدر، وإنه قد يكون في الوجل تسعة أخلاق صالحة وخلق سيئ، يتغلب خلقه السيئ أخلاقه الصالحة، فإياك وعثراتِ الشباب (١). قلت: ما فعل عمر رضي الله تعالى عنه - وقد صح الأمر بالاقتداء [به و] بأبي بكر رضي الله تعالى عنهما - دليلٌ على أنه يعزَّر على الذنب الذي لا حد فيه، وأنه قد يجتمع التعزير والكفارة، وأن من أفتي بحكم شرعي ولم يرض به يعزر، وأن من اعترض من هو أعلم منه بغير وجه أو بمجرد الرأي يعزر، وكذلك من دعا مستفتياً أرشده المفتي إلى شيء إلى مخالفته ولو بما هو أحوط منه رأيًا يؤدب، وأن الشباب ينبغي أن يتحفظ

стр. 4636

من سَورة الشباب وعثراته، ولكثرة ما في هذا الأثر من الفوائد أوردته هنا. ٦١ - ومن أخلاق الجاهلية: تحريم الحلال، وتحليل الحرام . - فمن الأول: تحريم البَحيرة، والسَّائبة، والوَصِيلة، والحام. قال الله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٣) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾ [المائدة: ١٠٣، ١٠٤]. الواو للحال، والهمزة الداخلة عليها لإنكار الفعل على هذه الحال؛ أي: أكافيهم ما وجدوا عليه آباءهم ولو كانوا على جاهلية وضلال لا يعلمون شيئاً مما تعبدوا به ولا يهتدون إلى شريعة؟ وفيه دليل على أن الاقتداء إنما يصح ممن علم أنه عالم مقتد، وأن الجاهل لا يكون قدوة. روى المفسرون عن ابن عباس قال: البحيرة هي الناقة إذا نتجت خمسة أبطن، نظروا إلى الخامس، فإن كان ذكراً ذبحوه، فأكله الرجال دون النساء، كان كانت أنثى جَدَعوا آذانها، فقالوا: هي بحيرة. وفي رواية: فلا يجز لها وبر، ولا يذاق لها لبن. وأما السائبة: فكانوا يسيبون من أنعامهم لآلهتهم، لا يركبون لها ظهراً، ولا يحلبون لها لبنا، ولا يجُزُّون لها وبراً، ولا يحملون عليها شيئاً.

стр. 4637

وأما الوصيلة: فالشاة إذا نتجت سبعة أبطن، نظروا إلى السابع فإن كان ذكراً أو أنثى وهو ميت اشترك فيه الرجال دون النساء، وإن كان ذكراً وهو حي ذبحوه، وإن كانت أنثى استحيوها، وإن كان ذكراً وأنثى في بطن استحيوهما، وقالوا: وصلته أخته، فحرمته علينا. وأما الحام: فالفحل من الإبل إذا ولد لولده؛ قالوا: حمى ظهره، فلا يحملون عليه شيئاً، ولا يجزون له وبراً، ولا يمنعونه من حمى مرعى عنه، ولا من حوض يشرب منه كان كان الحوض لغير صاحبه. وفي رواية: كان الرجل يكون له الفعل، فإذا لقح عشراً قيل: حام، فاتركوه (١). وروى الشيخان عن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى: الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل، ثم تثني بعد بأنثى، وكانوا يسيبونها لطواغيتهم (٢). وروى الإمام أحمد، والحكيم الترمذي في "نوادره"، والبيهقي في "الأسماء والصفات"، والمفسرون عن أبي الأحوص، عن أبيه رضي الله تعالى عنه قال: أتيت رسول الله ﷺ في خُلْقان من الثياب، فقال لي: "هَلْ مِنْ مالٍ؟ ".

стр. 4638

قلت: نعم. قال: "مِنْ أَيِّ الْمالِ؟ ". قلت: من كل المال؛ من الإبل، والغنم، والخيل، والرقيق. قال: "فَإِذا آتاكَ اللهُ فَلْيُرَ عَلَيْكَ". ثم قال: "تُنْتِجُ إِبِلُكَ وافِيةً آذانُها". قلت: نعم؛ وهل تنتج الإبل إلا كذلك؟ قال: "فَلَعَلَّكَ تَأْخُذُ مُوسَى فَتَقْطَعُ آذانَ طائِفَةٍ مِنْها وَتَقُولُ: هَذهِ بَحِيْرَةٌ، وَتَشُقُّ آذانَ طائِفَةٍ وَتَقُولُ: هَذهِ حَرامٌ"؟ قلت: نعم. قال: "فَلا تَفْعَلْ؛ إِنَّ كُلَّ ما آتاكَ اللهُ لَكَ حِلٌّ". ثم قال: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ﴾ [المائدة: ١٠٣] (١). وروى الإمام أحمد، والشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرٍ الْخزاعِيَّ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ؛ وَكانَ أَوَّلَ مَنْ سَيَّبَ السَّوائِبَ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ" (٢).

стр. 4639

وروى ابن أبي شيبة، والحاكم وصححه، عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول لأكثم بن الجون: "يا أكثمُ! عُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ فَرَأَيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لَحْيٍ بنِ قَمعةَ بْنِ حَفِيفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، فَما رَأَيْتُ رَجُلاً أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْكَ بِهِ وَلا بِهِ مِنْكَ". فقال أكثم: أخشى أن يضرُّني شبهه يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ : "لا، إِنَّكَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كافِرٌ، إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إِبْراهِيْمَ ﵇ وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ، وَحَمَى الْحامَ" (١). وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه نحوه، وقال فيه: "وَرَأَيْتُ فِيها عَمْرَو بْنَ لَحْيٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ، وَأَشْبَهُ مَنْ رَأَيْتُ بِهِ مَعْبَدُ بْنُ أَكْثَمٍ الْخزاعِيُّ". فقال معبد: يا رسول الله! أتخشى عليَّ من شبهه؟ قال: "لا، أَنْتَ مُؤْمِنٌ وَهُوَ كافِرٌ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ حَمَلَ الْعَرَبَ عَلى عِبادَةِ الأَصْنامِ" (٢). * تنبِيهٌ: كثير من العوام يتحرجون عن صيد اليمام في الْحِلِّ، أو وهم

стр. 4640

حِلٌّ، وعن أكله، ويزعمون أن الحمامتين اللتين عشَّشتا على النبي ﷺ وهو في الغار كانتا من اليمام، ولم يثبت في ذلك شيء، والتحرج عن ذلك تشبه بالجاهلية في تحرجهم عن البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحام. وكذلك التحرج عن صيد مكان مخصوص ما عدا مكة والمدينة [ .... ] (١) الطائف. - ومن الثاني، وهو تحليل الحرام: إباحتهم لأكل الميتة، والدم كالمنخنقة والموقوذة؛ أي: المقتولة بالعصا ونحوها، والمتردية، والنطيحة، وما أكل السَّبُعُ إلا ما ذكيتم. قال ابن عباس: كانت العرب - يعني: في الجاهلية - تخنق الشاة، فإذا ماتت أكلوا لحمها. ذكره الثعلبي، وغيره (٢). روى الطبراني، والحاكم وصححه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: بعثني رسول الله ﷺ إلى قومي أدعوهم إلى الله ورسوله، وأعرض عليهم شعائر الإسلام، فأتيتهم، فبينما نحن كذلك إذ جاؤوا بقصعة دم، واجتمعوا عليها يأكلونها، قالوا: هلم يا صُدي - واسم أبي أمامة: صدي بن عَجلان - فكل. قلت: ويحكم! إنما أتيتكم من عند من يحرم هذا عليكم، وأنزل الله عليه.

стр. 4641

قالوا: وما ذاك؟ فتلوت عليهم هذه الآية: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ [المائدة: ٣] (١). وروى ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية إذا ذبحوا أودجوا الدابة، وأخذوا الدم فأكلوه، وقالوا: هو دم مسفوح (٢). وروى أبو داود، وغيره، وصححه الحاكم عنه قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذراً، فبعث الله نبيه، وأنزل كتابه، وأحل حلاله وحرَّم حرامه، فما أحل فهو حلال، وما حرم فهو حرام، ومهما سكت عنه فهو عفو، ثم تلا هذه الآية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] إلى آخر الآية (٣). * تَتِمَّةٌ: قال الله : ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨) وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨، ١٣٩].

стр. 4642

قوله: ﴿حِجْرٌ﴾ [الأنعام: ١٣٨]؛ أي: حرام، ثم جعلوا تحليلها وتحريمها لأنفسهم، وقالوا: ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ﴾ فأحلوها للرجال، وحرموها على النساء. ﴿وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨] أن تركب، وهي: البحيرة، والسائبة، والحام. ﴿وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ [الأنعام: ١٣٨] إذا ولدوها، أو نحروها، أو لا يحجون عليها، وهي البحيرة؛ وكل ذلك افتراء منهم على الله. ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] يعنون ألبان البحائر، كما أخرجه ابن المنذر عن قتادة (١). وقال ابن عباس: كانت الشاة إذا ولدت ذكراً ذبحوه، وكان للرجال دون النساء، كان كانت أنثى تركوها فلم يذبحوها، وإن كان ميتة فهم فيه شركاء؛ يعني: الرجال والنساء. أخرجه ابن أبي حاتم (٢). وقال مجاهد في قوله: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩]: قولهم الكذب في ذلك. رواه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم (٣).

стр. 4643

وهو على حذف مضاف؛ أي: جزاء وصفهم الذي وصفوه بألسنتهم من الكذب. ومن أشبه شيء بذلك من أفعال الجاهلية ما يقوله كثير من الأجناد إذا لبسوا الحرير، أو شربوا الخمور إذا عوتبوا في فعل ذلك مع إنكارهم إياه على غيرهم: نحن عسكر السلطان. فإن اعتقدوا حل ذلك لهم كفروا أو تعرضوا للكفر. وجعلت من ذلك عائشة رضي الله تعالى عنها تخصيص ذكور الأولاد بالصدقة، فروى البخاري في "تاريخه" عنها قالت: يعمد أحدكم إلى المال فيجعله للذكور من ولده؛ إن هذا إلا كما قال الله تعالى: ﴿خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ [الأنعام: ١٣٩] (١). ٦٢ - ومن عوائد أهل الجاهلية: أنهم كانوا لا يورثون النساء ولا الصغار، ويأكلون أموال اليتامى والأرامل والضعفاء . وهذا أكثر من يفعله الآن سكان البوادي والفلاحون. روى أبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أهل الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغار الذكور حتى يدركوا، فمات رجل من الأنصار يقال له: أوس بن ثابت، وترك ابنتين وابناً صغيراً، فجاء ابنا عمه وهما عصبة، فأخذا ميراثه كله، فقالت امرأته لهما: تزوجا بهما - وكانت فيهما دَمامة - فأبيا، فأتت رسول الله ﷺ

стр. 4644

فقالت: يا رسول الله! توفي أوس، وترك ابناً صغيراً وابنتين، فجاء ابنا عمه خالد وعرفطة فأخذا ميراثه، فقلت لهما: تزوجا ابنتيه، فأبيا. فقال: رسول الله ﷺ : "ما أَدْرِي ما أقولُ"، فنزلت: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ [النساء: ٧]. فأرسل إلى خالد وعرفطة، فقال: "لا تُحَرِّكا مِنَ الْمِيْراثِ شَيْئاً؛ فَإِنَّهُ قَدْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيْهِ شَيْءٌ أَخْبَرْتُ عَنْهُ أَنَّ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى نَصِيباً". ثم نزل بعد ذلك: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾ [النساء: ١٢٧]. ثم نزل: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ [النساء: ١١ - ١٢]. فدعا بالميراث، فأعطى المرأة الثمن، وقسم ما بقي (١) للذكر مثل حظ الأنثيين (٢). وقال زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ [النساء: ١٠]: هذه لأهل الشرك، حين كانوا لا يورثونهم، ويأكلون أموالهم. أخرجه ابن جرير (٣).

стр. 4645

٦٣ - ومنها: تناول الأثمان المحرمة والأعواض المؤثمة؛ كثمن الكلب، والخمر، ومهر البغي، وحُلْوان الكاهن، والعقود الفاسدة؛ كبيع الخمر، والكلب، والميتة، وبيع الغرر، وبيع حَبَل الحَبلَة، وعَسْب الفَحْل . وقد نهى النبي ﷺ عن ذلك كله، وتكلم عليه المحدثون، والفقهاء. روى الطيالسي، والبزار، وابن مردويه بسند صحيح، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أن جارية لعبد الله بن أبي كانت تزني في الجاهلية فولدت له أولاداً، فلما حرم الله تعالى الزنا قال لها: ما لك لا تزنين؟ قالت: لا والله لا أزني أبداً، فضربها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ [النور: ٣٣] (١). وفي "صحيح مسلم" عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها: مسيكة، وأخرى يقال لها: أميمة، وكان يريدهما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النور: ٣٣] الآية (٢).

стр. 4646

وفي رواية: أنه قرأ الآية: ﴿ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن لهنَّ غفور رحيم﴾ [النور: ٣٣]؛ هكذا كان يقرؤها (١). وهي قراءة ابن مسعود أيضاً (٢). وفسر سعيد بن جبير قراءته ﴿لَهُنَّ﴾ قال: للمكرهات، كما رواه ابن أبي حاتم (٣). ولذلك كان سعيد بن جبير يقرؤها، كما رواه ابن جرير (٤). وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كان أهل الجاهلية يبغون إماءهم، فنهوا عن ذلك في الإسلام (٥). وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: كانوا في الجاهلية يكرهون إماءهم على الزنى؛ يأخذون أجورهن، فنزلت الآية (٦). أخرجهما ابن مروديه. وروى الإمامان مالك، والشافعي، والحفاظ البخاري، وأبو داود، والنسائي رحمهم الله تعالى، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن

стр. 4647

رسول الله ﷺ نهى عن بيع حَبَل الحَبَلة. زاد في رواية: وكان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم ينتج الذي في بطنها (١). وروى الإمام مالك في "الموطأ" عن داود بن الحصين: أنه سمع ابن المسيب يقول: كان من ميسر أهل الجاهلية بيع اللحم بالشاة والشاتين (٢). ٦٤ - ومنها: الربا وأكل ما يحصل منه، وتناوله، والتصرف فيه . قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٨، ٢٧٩]. روى المفسرون عن السدي: أن الآية نزلت في العباس بن عبد المطلب ورجل من بني المغيرة، كانا شريكين في الجاهلية يُسْلِفان في الربا إلى الناس من ثقيف من بني ضَمْرة، فجاء الإسلام ولهما أموال عظيمة في الربا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ﴾ [البقرة: ٢٧٨] من فضل كان في زمن الجاهلية من الربا (٣).

стр. 4648

وتقدم قول النبي ﷺ : "وَأَوَّلُ رِبًا أَضَعُهُ رِبا الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ". وروى ابن جرير عن الضحاك في قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٨] قال: كان ربا يتبايعون به في الجاهلية، فلما أسلموا أمروا أن يأخذوا رؤوس أموالهم (١). وروى ابن أبي حاتم، والبيهقي في "سننه" عن مجاهد في الآية قال: كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل الدَّيْنُ، فيقول: لك كذا وكذا وتؤخر عني، فيؤخر عنه (٢). وفي "الموطأ"، و"سنن البيهقي" عن زيد بن أسلم قال: كان الربا في الجاهلية أن يكون للرجل على الرجل الحق إلى أجل، فإذا حل الحق قال: أتقضي أم تربي؛ فين قضاه أخذ، وإلا زاده في حقه، وزاده الآخر في الأجل (٣). وروى الإمام أحمد، والشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لما نزلت الآيات من آخر سورة البقرة في الربا خرج

стр. 4649

رسول الله ﷺ إلى المسجد فقرأهن على الناس، ثم حرم التجارة في الخمر (١). وروى أبو داود، والحاكم وصححه، عن جابر ﵁ قال: لما نزلت: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ [البقرة: ٢٧٥] قال رسول الله ﷺ : "مَنْ لَمْ يَذَرِ الْمُخابَرَةَ فَلْيُؤْذِنْ بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولهِ" (٢). قال في "القاموس": المخابرة: أن تزرع على النصف ونحوه، كالخَبِر - بالكسر - والمواكرة، والخبير: الأكَّار (٣). وقال الفقهاء: هي المعاملة على الأرض ببعض ما يخرج منها والبذر من العامل. والمزارعة: هذه المعاملة والبذر من المالك. وأجاز الشافعي المزارعة مع المساقاة على الشجر بشرط اتحاد العامل، وتعذر إفراد الشجر بالسقي والبياض بالزراعة. والأصح من المذهب أنه لا تجوز المخابرة تبعاً للمساقاة لعدم ورودها؛ بخلاف عامل أهل خيبر على نخلها وأرضها بشطر ما يخرج

стр. 4650

منها من ثمر أو زرع، كما في "الصحيحين" (١). وقد يفرق بينهما بأن المخابرة محض زيادة ينالها المخابر على أرضه، ولذلك ألحقها ﷺ بالربا كما في حديث جابر. والمزارعة لا ينال فيها المزارع إلا ما حصل من أرضه وبذره، والعامل يأخذ أجرة عمله. ٦٥ - ومنها: القمار، وهو المراهنة على ما يأخذه الغالب؛ إلا المسابقة والمناضلة الشرعيتين، والنَّرد . قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. روى البخاري في "الأدب المفرد" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يقال - يعني: في الجاهلية -: أين أيسار الجزور؟ فيجتمع العشرة، فيشترون الجزور بعشرة فصلان إلى الفصال، فيحلون السهام - يعني: الأزلام - فتصير تسعة حتى تصير إلى واحد، ويغرم الآخرون فصيلاً فصيلاً إلى الفصال؛ فهو الميسر (٢) أخرج ابن المنذر عن محمد بن كعب القرظي رحمه الله تعالى في الميسر قال: كانوا يشترون الجزور فيجعلونها أجزاءً، ثم يأخذون القداح فيلقونها، وينادى: يا ياسر الجزور! فمن خرج قدحه أخذ جزءاً

стр. 4651

بغير شيء، ومن لم يخرج قدحه حرم ولم يأخذ شيئاً (١). قال: وفي "القاموس": والميسر اللعب بالقداح، يسر ييسر؛ أي: كضرب يضرب. أو هو الجزور التي كانوا يتقامرون عليها؛ كانوا إذا أرادوا أن ييسروا اشتروا جزوراً نسيئة، ونحروه قبل أن ييسروا، وقسموه ثمانية وعشرين قسماً أو عشرة أقسام، فإذا خرج واحد واحد باسم رجل رجل ظهر فوز من خرجت لهم ذوات الأنصباء، وغرم من خرجت له الغفل، وهو النرد أو كل قمار (٢). وروى ابن أبي الدنيا في "ذم الملاهي"، وغيره عن قتادة رحمه الله تعالى قال: كان الرجل في الجاهلية يقامر على أهله وماله، فيقعد حزيناً سليباً ينظر إلى ماله في يد غيره. قال: وكانت - يعني: المقامرة - تُورث بينهم العداوة والبغضاء، فنهى الله تعالى عن ذلك (٣). وتقدم فيه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٩٠]. وروى هو وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن عطاء،

стр. 4652

وطاوس، ومجاهد رحمهم الله تعالى قالوا: كل شيء فيه قمار فهو من الميسر، حتى لعب الشيطان بالكعاب والجوز (١). وفسر ابن الزبير الميسر بالنردشير، كما أخرجه ابن أبي الدنيا، والبيهقي في "الشعب" (٢). ٦٦ - ومنها: الْجَلَب والْجَنَب - وهما بفتحتين -. وروى الإمام أحمد، وأبو داود من حديث ابن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لا جَلَبَ وَلا جَنَبَ، وَلا تُؤْخَذُ صَدَقاتُهُمْ إِلاَّ فِي دُورِهِمْ" (٣). قال ابن إسحاق: يعني لا جلب: أن تصدق الماشية في موضعها، ولا تجلب إلى المصدق. ومعنى لا جنب: أن يكون المصدق بأقصى مواضع أصحاب الصدقة فتجنب إليه، فنهوا عن ذلك، انتهى (٤). وهذا كان من فعل الجاهلية إذا أخذوا الرباع؛ وهو ربع الغنيمة ونحوه، فنهى الشرع عن مثل ذلك في أخذ الصدقات، وأمر أن

стр. 4653

تؤخذ من أرباب المواشي بالرفق من غير أن يعنفوا، أو يكلفوا جلباً أو جنباً. وفسر الإمام مالك رحمه الله تعالى الجلب والجنب بخلاف ما فسره ابن إسحاق، فقال: الجلب أن يجلب الفرس في السباق وراعه، فيحرك الشيء يستحث به، فيسبق. والجنب: أن يجنب مع الفرس الذي سابق به فرسًا آخر، حتى إذا دنا تحول الراكب على الفرس الجنوب، فيسبق (١). وهذا التفسير ظاهر في ما رواه أبو داود عن عمران بن حصين ﵄: أن النبي ﷺ قال: "لا جَنَبَ وَلا جَلَبَ فِي الرِّهانِ" (٢). أخرجه هو والإمام أحمد، والنسائي، والترمذي، وابن حبان وصححاه، بدون قوله: "فِي الرِّهانِ" (٣). وقد أقر التفسيرين ابنُ الأثير، والترمذيُّ، وغيرهما (٤).

стр. 4654

وقال أبو عبيد: الجلب يكون في شيئين: في سباق الخيل: وهو أن يتبع الرجل فرسه، فيزجره ويجلب عليه، فيكون ذلك معونة للفرس على جريه. ويكون في الصدقة: وهو أن يقدم المصدق فينزل موضعًا، ثم يرسل من يجلب إليه الأموال من أماكنها ليأخذ صدقتها، فنهى عن ذلك، وأمر أن يصدقوا على مياههم (١). ٦٧ - ومنها: المُكس . وهو كما قال في "القاموس": دراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية (٢). وفي "النهاية": إنه الضريبة التي يأخذها الماكس، وهو العَشَّار (٣). وفيها أن العَشَّار: الْمَكَّاس، والعُشُور: المكوس التي تأخذها الملوك (٤)؛ أي: ما عدا عُشر الزكاة فيما تجب فيه من المعشرات. ومن ذلك الرباع؛ يقال: ربَّع الجيش إذا أخذ منهم ربع الغنيمة، كان يفعل ذلك في الجاهلية [فرده] (٥) الإسلام خمساً؛ قاله في

стр. 4655

"القاموس"، ثم فسر فيه الرباع بأنه ربع الغنيمة الذي كان يأخذه الرئيس في الجاهلية خالصاً (١). وقال السيوطي في "البدور السافرة": إن أخذ الربع من الغنائم والكسب كان عادة أمراء الجاهلية، وإذا نظرت إلى ما أحدث الحكام في هذه الأعصار على المسلمين في بضائعهم وتجاراتهم، وزروعهم وطرقهم مما يؤخذ باسم السلطان أو للوالي من قبله، ولصبيانهم وأعوالهم، علمت على أنهم على شَبهٍ ظاهر بأهل الجاهلية. ولعل ذلك يؤخذ من المسلمين كما تؤخذ الجزية من الذميين، بل أشد. وقد روى الإمام أحمد عن حرب بن هلال الثقفي، عن جده أبي أمية رجلٍ من تَغْلب رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَيْسَ عَلى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ؛ إِنَّما الْعُشُورُ عَلى الْيَهُودِ وَالنَّصارَى" (٢). وروى هو وأبو داود عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "لَيْسَ عَلى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ" (٣). وهي فِعْلة من الجزاء، سمي ما يؤخذ من الذمي جزية كأنها

стр. 4656

جَزت عن قتله، وسمي خراج الأرض جزية كأنه لازم لصاحب الأرض كما تلزم الجزية الذمي؛ كذا في "النهاية" (١). وعليه: فمعنى الحديث: أنه لا يُضرب على المسلم ضريبة تؤخذ منه في كل عام، فيُلزم بها كما يُلزم الذمي بجزيته، وتؤخذ منه طَوعاً أو كَرهاً. وهذه أفعال أكثر الأمراء في نواحي الشام وغيرها، يأخذون من الرجال في كل عام مالاً معيناً على كل واحد منهم كأنه حق يلزم رقابَهم، ويكتب بذلك دفاتر لهم، ويُنتظر صبيهم حتى يبلغ فيفرض عليه كما تُفرض الجزية على رجال أهل الذمة، بل تعدَّى بعضهم ففرض على غير آلات بلاده في بعض الأعوام قدراً من الغزل لأجل البندقيات؛ فإنا لله وإنا إليه راجعون. ٦٨ - ومنها: المغالقة على الخيل . وهي من جنس القمار، إلا أني نبهت عليها لمزيد الفائدة والإيضاح. روى ابن أبي شيبة، والإمام أحمد عن أبي عمرو الشيباني، عن رجل من الأنصار رضي الله تعالى عنهم، عن النبي ﷺ قال: "الْخَيْلُ ثَلاثةٌ؛ فَرَسٌ يَرْبِطُهُ الرَّجُلُ فِي سَبِيلِ اللهِ؛ فَثَمَنُهُ أَجْرٌ، وَعارِيَّتُهُ أَجْرٌ، وَعَلُفُه أَجْرٌ، وَفَرَسٌ يُغالِقُ فِيهْ الرَّجُلُ ويُراهِنُ؛ فَثَمَنُهُ وِزْرٌ، وَعَلَفُهُ وِزْرٌ، وَرُكُوبُهُ وِزْرٌ، وَفَرَسٌ لِلْبِطْنَةِ؛ فَعَسَى أَنْ يَكُونَ سَداداً مِنَ الْفَقْرِ

стр. 4657

إِنْ شاءَ الله" (١). وفسر صاحب "النهاية" المغالقة بالمراهنة، وقال في الحديث: كأنه كره الرهان في الخيل إذا كان على رسم الجاهلية (٢)، كان يشرط في السباق من الجانبين؛ كأن يشترط المتسابقان أن من سبق منهما فله على الآخر كذا؛ فإن هذا غير صحيح، ويحرم لتردد كل منهما بين الغُنم والغُرم، وهو سورة القمار المحرم إلا بمحلل فرسه كفؤ لفرسيهما إن سبق أخذ مالها، كان سبق لم يغرم شيئاً، فإن سبقهما أخذ المالين، وإن سبقاه وجاءا معاً أو مرتباً وهو مع الثاني فلا شيء لأحد، وإن جاء مع أحدهما، أو تأخر الآخر، فمال هذا السابق لنفسه، ومال المتأخر للمحلل، وللذي معه لأنهما سبقاه، وإن جاء أحدهما ثم المحلل، ثم الآخر، فمال الآخر للأول؛ سمي محللاً لأن العوض به صار حلالاً (٣). روى أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَدْخَلَ فَرَساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَهُوَ لا يَأْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمارٍ، وَمَنْ أَدْخَلَ

стр. 4658

فَرساً بَيْنَ فَرَسَيْنِ وَقَدْ أَمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمارٌ" (١). وروى ابن حبان، وابن أبي عاصم في "الجهاد" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي ﷺ سابق بين الخيل، وجعل بينهما سباقاً، وجعل بينهما محللاً (٢). وروى ابن أبي عاصم بإسناد فيه مجهول، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال: "لا جَلَبَ وَلا جَنَبَ إِذا لَمْ يَدْخُلِ الْمُتَراهِنانِ سَبقاً يَسْتَبِقانِ عَلَى السَّبْقِ بِهِ فَهُوَ حَرامٌ" (٣). ٦٩ - ومنها: غلق الرهن . يقال: غلِق الرهن - بكسر اللام الذي هي عين الكلمة - يغلَق - بفتحها - إذا استحقه المرتهن، وذلك إذا لم يستفكه. وكان هذا من فعل الجاهلية كما ذكره صاحب "النهاية"، وغيره: أن الراهن إذا لم يؤد ما عليه في الوقت المعين ملك المرتهن الرهن،

стр. 4659

فأبطله الإسلام (١). وأنشدوا لزهير: [من البسيط] وَفارَقْتُكَ برهْن لا فِكاكَ لَه ... يَوْمَ الْوَداعِ فَأَمْسَى الرَّهْنُ قَدْ غَلِقَا (٢) روى عبد الرزاق، والإمام الشافعي، وابن أبي شيبة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَغْلقُ مِنْ صاحِبِهِ الَّذِي رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَليَهْ غُرْمُهُ" (٣). قال الشافعي: غنمه: زيادته، وغرمه: هلاكه (٤). ورواه الدارقطني، وابن حبان، والحاكم وصححاه، ولفظه: "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ مِنْ راهِنِهِ؛ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٥).

стр. 4660

قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: وقوله: له غنمه وعليه غرمه، من كلام سعيد بن المسيب؛ يعني: إنه مندرج في الحديث. نقله عن الزهري (١). وقال عبد الرزاق: أنا معمر عن الزهريّ، عن المسيب أن النبي ﷺ قال: "لا يَغْلَقِ الرَّهْنُ". قلت للزهري: أرأيت قول النبي ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ" أهو الرجل يقول: إن لم آتك بمالك فالرهن لك؟ قال: نعم. قال معمر: ثم بلغني عنه أنه قال: إن أهلك لم يذهب حق هذا، إنما هلك من رب الرهن؛ له غنمه، وعليه غرمه (٢). لكن أخرجه ابن حزم - وقال: سنده حسن - عن شبابة، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَغْلَقُ الرَّهْنُ، الرَّهْنُ لِمَنْ رَهَنَهُ؛ لَهُ غُنْمُهُ، وَعَلَيْهِ غُرْمُهُ" (٣). وصحح هذه الرواية عبد الحق، وهي تدل على أن لا إدراج فيه (٤).
следующие страницы →