← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 14592

حسن التنبه لما ورد في التشبه

نجم الدين الغزي

Полный текст (6 623 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وروى الإمام أحمد، والحاكم وصححه، عن جُبير بن مُطْعِم رضي الله تعالى عنه، وأبو يعلى عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً سأل النبي ﷺ فقال: "أي البلاد شر؟ " قال: "لا أَدْرِيْ حَتَّىْ أَسْأَلَ"، فسأل جبريل ﵇ عن ذلك، فقال: "لا أدري حتى أسأل"، فانطلق ثم جاء، فقال: "إني سألت ربي عن ذلك، فقال: شر البلاد الأسواق" (١). قال الحاكم: هذا الحديث أصل في قول العالم: (لا أدري) (٢). وروى ابن حبان في "صحيحه" عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن رجلاً سأل النبي ﷺ : أيُّ البقاع شر؟ فقال: "لا أَدْرِيْ حَتَّىْ أَسْأَلَ جِبْرِيْلَ"، فسأل جبريل فقال: "لا أدري حتى أسأل ميكائيل"، فجاءه فقال: "خيرُ البقاعِ المساجدُ، وشرُّها الأسواقُ" (٣). وروى ابن مردويه بأسانيدَ حِسانٍ، عن جابر بن عبد الله، وعن قيس ابن سعد بن عبادة، وعن أنس بن مالك - وكلهم من الأنصار ﵃: أنَّ النبي ﷺ لما نزلت هذه الآية: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] قال لجبريل: "ما هَذا؟ " قال: "لا أدري حتى أسأل العليم"، ثم رجع فقال: "إن ربك يأمرك أن تَصِلَ من قطعك،

стр. 492

وتعطيَ من حرمك، وتعفوَ عن من ظلمك" (١). وأنشد القرطبي ليزيد بن الوليد بن عبد الملك (٢)، واستحسنه: [من المتقارب] إِذا ما تَحَدَّثْتُ فِيْ مَجْلِسٍ ... تَنَاهَىْ حَدِيْثِيْ إِلَىْ ما عَلِمْتُ وَلَمْ أَعْدُ عِلْمِيْ إِلَىْ غَيْرِهِ ... وَكانَ إِذا مَا تَناهَىْ سَكَتُّ (٣) وقلت: وذيلت عليه بقولي: [من المتقارب] وَلَوْ جاءَنِيْ أَحَدٌ سائِلاً ... عَنِ الشَّيْءِ أَعْلَمُهُ لأَفَدْتُ وَقُلْتُ لِمَا لَمْ أَكُنْ عَالِماً ... بِهِ إِنْ أَكُنْ عَنْهُ يَوْمًا سُئِلْتُ إِلَيْكَ اعْتِذارِيَ لا عِلْمَ لِيْ ... بِهَذا وَلا غَرْوَ فِيْما فَعَلْتُ

стр. 493

مَلائِكَةُ اللهِ قَبْلِيْ أَجابُوْا ... إِلَهَ السَّماءِ بِما قَدْ أَجَبْتُ ٨٣ - ومنها: التواضع مع الأستاذ، وتعظيم حرمته، والتأدب معه: قال الله تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ [البقرة: ٣١] إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ [البقرة: ٣٤]. قيل: أراد به السجود الحقيقي تعظيمًا لآدم ﵇. وقيل: أراد بالسجود التواضع لآدم، والتذلل له (١). وذكر النقَّاش في تفسير هذه الآية: أن الملائكة لما أُمروا بالسجود كان أولهم سجوداً إسرافيل ﵇ فلذلك منحه الله تعالى علم اللوح المحفوظ (٢). قلت: وفيه إشارة إلى أن من كان من التلامذة أو المريدين أسرع إلى خدمة الأستاذ والشيخ وأطيب نفسًا بها، كان أرقى في وراثة علم الأستاذ وأقرب؛ فإن علم اللوح المحفوظ المحيط بمجريات الكون التي سبق بها القضاء والقدر، إنما جُوزيَ به إسرافيل ﵇ على مبادرته إلى السجود لآدم الذي أقامه الله تعالى في مقام الأستاذية والتربية للملائكة ﵈ لكونه أشبه بعلم آدم بالأسماء كلها.

стр. 494

وروى ابن عساكر في "تاريخه" عن عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه قال: لما أمر الله تعالى الملائكة بالسُّجود لآدم ﵈، كان أول من سجد إسرافيل ﵇، فأثابه الله أن كتب القرآن في جبهته (١). وروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في "العظمة" نحوه عن ضَمْرة (٢). ولا يخلو إما أن يراد بالقرآن جميع كتب الله، أو القرآن المنزل على قلب النبي ﷺ . وعلى كلا الوجهين، فإن القرآن شبيه بعلم آدم الأسماء كلها، بل جميع العلوم في القرآن. ٨٤ - ومنها: الشفقة، والعطف على ولد الأستاذ وذريته - خصوصاً العلماء منهم، والصالحون -؛ فإن للملائكة ﵈ من الشفقة والعطف على أولاد آدم الذي هو أستاذ الملائكة ما لا يخفى، ولذلك يستغفرون لهم، ويصلون عليهم، كما تقدم. ٨٥ - ومنها: التواضع لوجه الله تعالى، خصوصًا مع العلماء، وطلبة العلم: وروى أبو نعيم في "الحلية" عن كعب قال: اطلبوا العلم لله،

стр. 495

وتواضعوا فيه؛ فإن الملائكة تتواضع لله (١). وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، عن صفوان بن عسال ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما مِنْ خارِجٍ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ فِيْ طَلَبِ الْعِلْمِ إِلاَّ وَضَعَتِ الْمَلائِكَةُ أَجْنِحَتَها رِضًى بِما يَصْنَعُ" (٢). وروى البزار عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ طالِبَ الْعِلْمِ تَبْسُطُ الْمَلائِكَةُ لَهُ أَجْنِحَتَها، وَتَسْتَغْفِرُ لَهُ" (٣). وروى أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان في "صحيحه"، وغيرهم عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ سَلَكَ طَرِيْقًا يَلْتَمِسُ فِيْهِ عِلْماً سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيْقاً إِلَىْ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَها لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِما يَصْنَعُ، وَإِنَّ الْعالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِيْ السَّماواتِ وَمَنْ فِيْ الأَرْضِ، حَتَّىْ الْحِيْتانُ فِيْ الْمَاءِ"، الحديث (٤). وهذا الباب فيه أحاديث كثيرة.

стр. 496

قد ألهمني الله تعالى في وضع الملائكة أجنحتها لطالب العلم وللعالم: أن الملائكة رأت لطالب العلم والعالم عليها حقين: الأول: أنه ولد أستاذها، ومعلمها؛ أعني: آدم ﵇. الثاني: أنه أراد الاقتداء بأبيه، ومشابهته في التعلم والتعليم؛ فلذلك خصته بوضع الأجنحة له تواضعاً زيادة على ما هي عليه من المودة والشفقة على سائر المؤمنين من بني آدم كما تواضعت لأبيه آدم بالسُّجود. وهذا من لطائف العلم. وقال الأستاذ أبو القاسم القشيري رحمه الله تعالى في مؤلف جمع فيه كلام أبي علي الدقاق أستاذه: وسمعته يقول في معنى قوله ﷺ : "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَها لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِمَا يَصْنَعُ" (١)، قال: أراد به التواضع على جهة التشريف كقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ﴾ [الشعراء: ٢١٥] وقوله: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ﴾ [الإسراء: ٢٤]. قال: وقيل: على الحقيقة تضع أجنحتها لهم فيمشون عليها، ولا ندركها للطافة أجسامهم. ويحتمل أنه أراد بها يوم القيامة يضعون أجنحتهم لطالب العلم، ويحملونهم إلى الجنة. قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥]؛ ركبانًا على أجنحة الملائكة.

стр. 497

قال: ثم هذا لطالب العلم، فكيف بمن طلب المعلوم؟ انتهى. وأراد بالمعلوم: الله تعالى. وعندي أن الملائكة ﵈ إنما تضع أجنحتها لمن أراد بعلمه وجهه لقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: ٥]، ومن كان علمه محموداً عند الله تعالى. فاما من طلب علمًا مذموماً؛ كالسحر والكهانة، أو محموداً لغير الله تعالى لم تفعل الملائكة معه ذلك؛ لأنه من بُغَضَاءِ الله تعالى وأعدائه، وهم إنما يتواضعون مع أحبائه وأوليائه. وأيضاً فإن الشياطين رفقاء مَنْ هذا وَصْفُهُم كما قال تعالى: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾ [الشعراء: ٢٢١، ٢٢٢]، والملائكة، والشياطين لا يجتمعون؛ فافهم! نعم، يتفاوت تواضعهم مع العلماء المصلحين من المخلصين على قدر تفاوت درجاتهم في العلم الصالح، وفي الإخلاص فيه. * تَنْبِيْهٌ، وَمَوْعِظَةٌ: أخبرنا شيخ الإسلام والدي إجازة عن الشيخ أبي الفتح المزي، عن شيخ الإقراء ابن الجزري صاحب "النشر"، وغيره [ح] وأخبرنا - أيضًا - عن البرهان بن أبي شريف، عن الزين القباني؛ كلاهما عن ابن الخباز، عن شيخ الإسلام أبي زكريا النواوي، أنا الأنباري، أنا الحافظ عبد القادر الرهاوي، أنا عبد الرحيم بن علي الشاهد، أنا محمَّد بن طاهر المقدسي

стр. 498

الحافظ، أنا أبو الفتح المفيد، أنا أبو الحسن علي بن محمد بن طلحة بن سليمان بن أحمد بن أيوب الطبراني، سمعت أبا يحيى زكريا بن يحيى السَّاجي قال: كنا نمشي، وكان معنا رجل ماجن متهم في دينه، فقال: ارفعوا أرجلكم عن أجنحة الملائكة - كالمستهزى" -، فما زال من موضعه حتى جفت رجلاه، وسقط (١). قال الحافظ عبد القادر: إسناد هذه الحكاية كالأخذ باليدين، أو كرأي العين؛ لأن رواتها أعلام، وراويها الإمام (٢). قلت: وكذلك الرواة بيننا وبين الرهاوي كلهم أعلام مشاهير، وتوثيقهم وتعديلهم لا يحتاج إلى مزيد تقدير رحمهم الله تعالى. وبالإسناد إلى محمد بن طاهر قال: أنا يحيى بن الحسن العلوي، أنا الحسن العتيقي، قال: سمعت عبد الله بن محمد بن محمد العكبري قال: سمعت محمد بن عبد الله بن محمد بن يعقوب الْمَتُّوْثِي، قال: سمعت أبا داود السجستانيَّ يقول: كان في أصحاب الحديث رجل خليع إلى أن سمع لحديث النبي ﷺ "إِنَّ الْمَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطالِبِ الْعِلْمِ رِضًى بِما يَصْنعُ" (٣)، فجعل في رجليه مسمارين من حديد، وقال: أريد

стр. 499

أن أطأ أجنحة الملائكة، فأصابته الأَكِلَة في رجله. قال النووي رحمه الله تعالى: الْمَتُّوْثِىُّ: بميم مفتوحة، ثم تاء مثناة من فوق مشددة مضمومة، ثم واو ساكنة، ثم ثاء مثلثة، ثم ياء النسب. وقال: ذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن الفضل في كتابه في "شرح صحيح مسلم" هذه الحكاية، وقال فيها: فَشُلَّتْ يداه، ورجلاه، وسائر أعضائه. قال: ورأيت في بعض الروايات أنه تفسخت بنيته (١). ٨٦ - ومن خصال الملائكة ﵈: الأمر بالسنة، ووفاء الحقوق، والحث على المحافظة على ذلك . روى الإمام أحمد، والطبراني بسند صحيح، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما جاءَنِيْ جِبْرِيْلُ قَطُّ إلَّا أَمَرَنِي بِالسِّواكِ، حَتَّىْ لَقَدْ خَشِيْتُ أَنْ أُحْفِيَ مُقَدَّمَ فَمِيْ" (٢). وروى الشيخان، وغيرهما عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، عن النبي ﷺ قال: "ما زالَ جِبْرِيْلُ يُوْصِيْنِيْ بِالْجارِ حَتَّىْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ" (٣).

стр. 500

وروى البيهقي بسند حسن، عن عائشة رضي الله تعالى عنها، عن النبي ﷺ قال: "ما زالَ جِبْرِيْلُ ﵇ يُوْصِيْنِيْ بِالْجارِ حَتَّىْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ، وَما زالَ يُوْصِيْنِيْ بِالْمَمْلُوْكِ حَتَّىْ ظَنَنْتُ أَنَّهُ يَضْرِبُ لَهُ أَجَلاً أَوْ وَقْتًا إِذا بَلَغَهُ عَتُقَ" (١). وروى الحكيم الترمذي عن حنظلة ﵁، عن النبي ﷺ قال: "ما جاءَنِيْ جِبْرِيْلُ ﵇ إِلاَّ أَمَرَنِيْ بِهاتَيْنِ الدَّعْوَتَيْنِ: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِيْ طَيِّباً، وَاسْتَعْمِلْنِيْ صالِحًا" (٢). إلى غير ذلك من أحاديث الإرشاد إلى الأعمال الصَّالحات المروية عن جبريل ﵇. ومن لطائف الشيخ أبي النجيب عبد القاهر السُّهروردي قوله رضي الله تعالى عنه: [من المتقارب] أَداءُ الْحُقُوْقِ دَلِيْلُ الْكَرَمْ ... وَفِيْ ذاكَ مَرْضاةُ مَوْلَىْ الأُمَمْ وَمَنْ قامَ لِلَّهِ فِيْ خَلْقِهِ ... بِحُسْنِ الرِّعايَةِ حازَ النِّعَمْ

стр. 501

٨٧ - ومنها: الدعاء إلى الله تعالى، والتذكير بآلائه، والتزهيد في الدنيا، والترغيب في الآخرة، والدعاء للمنفقين، وعلى الممسكين، ولا يقال: (منفق) إلا إذا أنفق في وجوه الخير، وإلا فهو غارم وخاسر. وروى الإمام أحمد، وابن حبان في "صحيحه"، والحاكم وصححه، واللفظ له، عن أبي الدرداء ﵁: أن النبي ﷺ قال: "ما طَلَعَتْ شَمْسٌ قَطُّ إِلاَّ بُعِثَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ؛ إِنَّهُما يُسْمِعانِ أَهْلَ الأَرْضِ إِلاَّ الثَّقَلَيْنِ: يا أَيُّها النَّاسُ! هَلُمُّوْا إِلَىْ رَبِّكُمْ، فَإنَّ ما قَلَّ وَكَفَىْ، خَيْرٌ مِمَّا كَثُرَ وَأَلْهَىْ، وَلا غَرَبَتْ شَمْسٌ قَطُّ إِلاَّ وَبُعِثَ بِجَنْبَتَيْها مَلَكانِ يُنادِيانِ: اللَّهُمَّ عَجِّلْ لِمُنْفِقٍ خَلَفًا، وَعَجِّلْ لِمُمْسِكٍ تَلَفًا (١). وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ صَباحٍ يُصْبحُ الْعِبادُ فِيْهِ إِلاَّ وَمَلَكانِ يَنْزِلانِ فَيَقُوْلُ أَحَدُهُما: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُوْلُ الآخَرُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً" (٢). ورواه ابن حبان في "صحيحه"، ولفظه: "إِنَّ مَلَكًا بِبابٍ مِنْ أَبْوابِ الْجَنَّةِ ... " (٣).

стр. 502

ورواه الطَّبراني: "بِبابٍ مِنْ أَبْوابِ السَّماءِ يَقُوْلُ: مَنْ يُقْرِضِ الْيَوْمَ يُجْزَ غَداً، وَمَلَكٌ بِبابٍ آخَرَ يَقُوْلُ: اللَّهُمَّ أَعْطِ مُنْفِقاً خَلَفاً، وَأَعْطِ مُمْسِكاً تَلَفاً" (١). وروى أبو نعيم عن الأوزاعي قال: بلغني أن في السماء ملكاً ينادي كل يوم: ألا ليت الخلائق لم يخلقوا، أو: يا ليتهم إذا خلقوا علموا لماذا خلقوا له، وجلسوا مجلساً، وذكروا ما عملوا (٢). ٨٨ - ومنها: الإيجاز في الخطبة والتذكرة . وروى الطبراني في "معجمه الصغير"، و"الأوسط" عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "قالَ لِيْ جبْرِيْلُ ﵇: أَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفارِقُهُ، وَاعْمَلْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مُلاقِيْهِ، وَعِشْ ما شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ". وقال رسول الله ﷺ : "أَوْجَزَ لِيْ جِبْرِيْلُ فِيْ الْخُطْبَةِ" (٣). ٨٩ - ومنها: النصيحة للمسلمين: كما يستدل لذلك بالخصال المذكورة آنفاً، وفيما سبق. وروى أبو نعيم في "الحلية" عن مُطَرِّف رحمه الله تعالى قال:

стр. 503

وجدنا أنصح عباد الله لعباد الله الملائكة، ووجدنا أغش العباد لعباد الله الشياطين (١). ٩٠ - ومنها: الصدق، وتصديق أهل الصدق: قال الله تعالى حكاية عن رسل إبراهيم ﵇: ﴿وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ﴾: [الحجر: ٦٤]. وتقدم قول جبريل ﵇ للنبي ﷺ حين أجابه عن سؤاله عن الإسلام، والإيمان، والإحسان: " صدقت، ... صدقت" (٢). ٩١ - ومنها: الجهاد في سبيل الله: روى مسلم، وغيره عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما قال: حدثني عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله ﷺ إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلث مئة وسبعة عشر رجلاً، فاستقبل رسول الله ﷺ القبلة، ثم مد يده، فجعل يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبه، فأتاه أبو بكر ﵁ فأخذ رداءه، فألقاه عن منكبه، ثم التزمه من ورائه، فقال: يا نبي الله! كذلك مناشدتك ربك؛ فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩] الآية.

стр. 504

قال: وأمده الله تعالى بالملائكة. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: فبينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسَّوط فوقه، وصوت الفارس: أقْدِم حَيزوم؛ إذ نظر إلى المشرك أمامه مستلقياً، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه لضربة السوط (١)، فاخضر ذلك أجمع، فجاء الأنصاري، وحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: "صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّماءِ الثَّالِثَةِ"، فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسروا سبعين (٢). وروى البيهقي عن خارجة بن إبراهيم رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ لجبريل من القائل يوم بدر من الملائكة: "أقدم حَيْزُوم (٣) "، فقال جبريل ﵇: "ما كل ملائكة السماء ... " (٤). * فَائِدةٌ: روى الطبراني عن رافع بن خَديج ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ لِلْمَلائِكَةِ الَّذِيْنَ شَهِدُوْا بَدْراً فِيْ السَّماءِ لَفَضْلاً عَلَىْ مَنْ تَخَلَّفَ مِنْهُمْ" (٥).

стр. 505

وروى البخاري عن معاذ بن رَفاعة الزُّرقي، عن أبيه - وكان أبوه من أهل بدر ﵁ قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ ، فقال: "ما تَعُدُّون أهل بدرِ فيكم؟ قال: مِنْ أَفْضَلِ الْمُسْلِمِيْنَ" - أو كلمة نحوها -، قال: "كذلك من شهد بدراً من الملائكة" (١). وروى أبو نعيم في "معرفة الصحابة" عن رفاعة بن رافع بن مالك قال: سمعت أبي يقول: إن جبريل ﵇ قال لرسول الله ﷺ : "كيف أهل بدر فيكم؟ قال: هُمْ أَفاضِلُنا"، فقال جبريل ﵇: "ومن شهد بدراً من الملائكة هم أفاضلنا" (٢). قال شيخ الإسلام الوالد في "تفسيره": [من الرجز] وَمالِكٌ رَوَىْ بَلاغاً أَنْ سَأَلْ ... نبِيَّنَا جِبْرِيْلُ ما هُوَ مَحَلْ غُزاةِ بَدْرٍ فِيْكُمُ قالَ الْخِيارْ ... فَقالَ إِنَّهُمْ كَذَلِكَ يُشارْ إِلَيْهِمُ فِيْنا فَدَلَّ ذَلِكْ أَنَّ ... اصْطِفاءَ النَاسِ وَالْمَلائِكْ

стр. 506

لَمْ يَكُ بِالذَّاتِ وَلَكِنْ بِالْفِعالْ ... وَأَنَّ مِنْ أَفْضَلِ الأعْمالِ الْقِتالْ * تَنْبِيهٌ: روى محمد بن جرير الطبري، والبيهقي، وأبو نعيم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت سيماء الملائكة يوم بدر عمائم بيض أرسلوها في ظهورهم ويوم حنين عمائم حمر، ولم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً، ومدداً، لا يضربون (١). وقوله: (لم تقاتل الملائكة في يوم سوى يوم بدر)؛ أي: في حروب النبي ﷺ ، وفي مشهد الناس. ويجوز أنها كانت تقاتل في بعض حروبه غير بدر، ولم يشهدها أحد، ولم يخبرهم النبي ﷺ عن ذلك، أو لم يبلغ ابن عباس ذلك، وهذا أحسن الأوجه كلها. وقد صح أنهم قاتلوا في أُحُدٍ أيضاً. فروى الشيخان عن سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال: رأيت يوم أحد عن يمين رسول الله ﷺ ، وعن يساره رجلين عليهما ثياب

стр. 507

بيض يقاتلان عن رسول الله ﷺ ، ما رأيتهما قبل ذلك، ولا بعده (١)؛ يعني: جبريل، وميكائيل ﵉. وروى الطبراني، وغيره عن محمود بن لَبيد رضي الله تعالى عنه قال: قال الحارث بن الصِّمَّة ﵁: سألني النَّبي ﷺ يوم أحد وهو في الشِّعْبِ عن عبد الرَّحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه فقلت: رأيته إلى جنب الجبل، فقال: "إِنَّ الْمَلائِكَةَ تُقاتِلُ مَعَه". قال الحارث: فرجعت إلى عبد الرَّحمن، فأجد بين يديه سبعة صرعى، فقلت: ظفرت عينك! أكلَّ هؤلاء قتلت؟ قال: أَمَّا هذا وهذا فإني قتلتهما، وأما هؤلاء فقتلهم من لم أره، فقلت: صدق الله ورسوله (٢). ومن مقاتلة الملائكة ﵈ في غير حروب رسول الله ﷺ ما قاله الشيخ أبو الفتح بن سيد الناس اليعمري الحافظ في كتاب "المقامات العلية في الكرامات الجلية"، وهي قصيدة عينية نظمها في كرامات بعض الصحابة، وشرحها، وقال فيها بعد أن مدح النبي ﷺ ، وذكر مناقب أصحابه رضي الله تعالى عنهم: [من الكامل] وَسَرَتْ سَرِيْرَتُنا إِلَىْ أَصْحابِه ... فَلَهُمْ خَوارِقُ ما ادَّعاها مُدَّعِيْ

стр. 508

فَلِعَسْكَرِ الصِّدِّيْقِ إِمْدادُ السَّما ... وَلَمْ تَلُحْ مِنْ بَعْدِها فِيْ مَجْمَعِ ثم قال في الشرح المذكور: أما شهود الملائكة الحروب التي كانت في خلافة أبي بكر رضي الله تعالى عنه فذكره الثعلبي، وغيره من المفسرين. قال: وذكر وليمة بن موسى في كتاب "الردة" في قتالِ خالدِ بن الوليد رضي الله تعالى عنه مسيلمةَ أن غلامين من أهل اليمامة من بني يَشْكُر نظر أحدهما في اليوم الأول من أيام القتال، فقال لأخيه: هل ترى ما أرى؟ قال: نعم، قال: فما ترى؟ قال: أرى ملائكة تنزل من السماء بأيديها سيوف من نار تضرب وجوه القوم وأدبارهم، فقال: لقد رأيت. ذكر الخبر، وذكر فيه قولهما لخالد رضي الله تعالى عنه: لقينا ملائكة السماء وبأيديها (١) سيوف من نار، فخفنا يوماً كيوم بدر. ا. هـ. ٩٢ - ومن خصال الملائكة ﵈: تكثير سواد المجاهدين، كما علمت من خبر ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وروى الإمام أحمد، والبزار وصححه، والبيهقي عن علي رضي الله تعالى عنه قال: قيل لي ولأبي بكر رضي الله تعالى عنه يوم بدر؛ قيل لأحدنا: "معك جبريل"، وقيل للآخر: "معك ميكائيل"، قال: وإسرافيل

стр. 509

ملك عظيم يشهد القتال ولا يقاتل، ويكون في الصَّف (١). ٩٣ - ومنها التسويم في الحرب: قال الله تعالى: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]. قرأ أبو عمر، وابن كثير، وعاصم: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ - بكسر الواو - على أنه اسم فاعل؛ أي: معلمين أنفسهم، وخيلهم، أو مرسلين خيلهم في الغارة. وقرأ الباقون بفتح الواو على أنه اسم مفعول؛ أي: معلمين بعلامات. واختلف في تلك العلامات، فقال علي رضي الله تعالى عنه: إن الملائكة اعتمت بعمائم بيض أرسلوها بين أكتافهم، وذلك في يوم بدر (٢). وتقدم عن ابن عباس نظيره، واستثنى منهم جبريل ﵇؛ فإنه كان بعمامة صفراء على مثال الزُّبير بن العوَّام رضي الله تعالى عنه. روى أبو نعيم في "فضائل الصحابة" عن عروة رحمه الله تعالى

стр. 510

قال: نزل جبريل ﵇ يوم بدر على سيما الزبير وهو معتجر بعمامة صفراء (١). وروى هو، وابن عساكر عن عباد بن عبد الله بن الزُّبير: أنه بلغه أن الملائكة نزلت يوم بدر وهم طير بيض عليهم عمائم صفر، وكان على رأس الزبير يومئذٍ عمامة صفراء، فقال النبي ﷺ : "نزَلَتِ الْمَلائِكَةُ عَلَىْ سِيْما أَبِيْ عَبْدِ الله"، قال: وجاء النبي ﷺ وعليه عمامة صفراء (٢). وروى ابن أبي شيبة، وابن جرير، وغيرهما عن عبد الله بن الزُّبير رضي الله تعالى عنهما: أن الزُّبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجراً بها، فنزلت الملائكة عليهم عمائم صفر (٣). وروى الطَّبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم سود، ويوم حنين عمائم حمر (٤) (٥).

стр. 511

وروى هو، وابن إسحاق عنه قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض أرسلوها في ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر (١) (٢). وقيل: كانت سيماهم أنهم كانوا على خيل بُلْقٍ (٣). وروى البيهقي، وابن عساكر عن سهيل بن عمرو رضي الله تعالى عنه قال: رأيت يوم بدر رجالاً بيضا على خيل بُلْقٍ بين السماء والأرض معلمين يقتلون ويأسرون (٤). وروى ابن أبي شيبة، وغيره عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ قال: كانت سيما الملائكة يوم بدر الصوف الأبيض في نواصي الخيل وأذنابها (٥).

стр. 512

وروى ابن أبي حاتم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]؛ قال: بالعِهْن الأحمر (١). وروى هو، وابن أبي شيبة عن مجاهد في قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾؛ قال: معلمين، مجزوز أذناب خيولهم، ونواصيها فيها الصُّوف والعِهْن (٢). قلت: هذا يصلح أن يكون أصلاً فيما يعتاده الناس من جز أذناب الخيل ونواصيها، لكنهم يخصون ذلك بصغار الخيل المركوبة، والله الموفق. وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وحكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر لأبي بكر ﵁: "أَبْشِرْ يا أَبا بَكْرٍ، هَذا جِبْرِيْلُ مُعْتَجِرٌ بِعَمامَةٍ صَفْراءَ آخِذٌ بِعِنانِ فَرَسِهِ بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ" (٣). قال في "القاموس": الاعتجار: لف العمامة دون التلحي (٤).

стр. 513

وفي "النهاية": إنه لف العمامة على رأسه، ورد طرفها على وجهه، ولا يعمل منها شيئاً تحت ذقنه (١). قلت: وهذه الهيئة لائقة بالحرب؛ فإن في كشف الوجه دون التلحي إظهاراً للشجاعة، وكمالاً للمبارزة، وفي رد طرف العمامة على الوجه ضبطا لها وصيانةً عن السقوط عند الفروسية والطعان. وفي جميع ما ذكرناه دليل على اتخاذ الشارة والعلامة لطوائف المقاتلة وكتائبها، يجعلها السلطان أو نائبه لهم لتتميز كل كتيبة وطائفة من غيرها، ونص عليه القرطبي في "تفسيره" (٢). وروى ابن جرير عن عكرمة في قوله: ﴿مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٥]؛ قال: عليهم سيما القتال (٣). قلت: وهذا شامل للبس الدرع، والمِغْفَر، وحمل السلاح، والدَّرْق، وغير ذلك من آلات القتال. وعليه: فمن تلبس بذلك كله فهو متشبه بالملائكة ﵈. ٩٤ - ومن خصال الملائكة ﵈: ركوب الخيل في الحرب - وخصوصاً البُلْق - لما تقدم من فعل الملائكة يوم بدر من نزولهم على خيل بُلْقٍ.

стр. 514

قال القرطبي: ولعلهم نزلوا على الخيل البُلْقِ موافقة لفرس المقداد رضي الله تعالى عنه؛ فإنه كان أبلق، ولم يكن لهم فرس غيره، فنزلت الملائكة على الخيل البُلْقِ إكراماً للمقداد، كما نزل جبريل ﵇ معتجراً بعمامة صفراء على مثال الزُّبير ﵁ (١). قلت: وفي ذلك إشارة إلى استحباب الملائكة ﵈ للتشبه بالصالحين، وقد تقدم نظير ذلك. وفي كون فرس المقداد وخيل الملائكة بلقاً في بدر، وحصول النصرة فيها دليل واضح على يُمْنِ الخيل البلق، ورَدّ على من يتطير بالفرس الأبلق، والله الموفق. ٩٥ - ومنها: معاونة المجاهدين، ومساعدتهم، وحَسُّ الكَلال عنهم وعن دوابهم . روى محمَّد بن سعد في "طبقاته" عن محمود بن لَبيد رضي الله تعالى عنه قال: حدثنا عبيد بن أوس قال: لما كان يوم بدر أسرت العباس وعقيل بن أبي طالب، فلما نظر إليهما رسول الله ﷺ قال: "أَعانَكَ عَلَيْهِما مَلَكٌ كَرِيْمٌ" (٢). وروى ابن أبي شيبة عن محمد بن ثابت رضي الله تعالى عنه قال: إنَّ رسول الله ﷺ قال يوم أحد: "اقْدُمْ مُصْعَبُ"، فقال له عبد الرَّحمن

стр. 515

ابن عوف رضي الله تعالى عنه: يا رسول الله! ألم يقتل مصعب؟ قال: "بَلَىْ، وَلَكِنْ مَلَكٌ قامَ مَقامَهُ، وَتَسَمَّىْ بِاسْمِهِ" (١). وروى ابن عساكر، وغيره عن سعد بن أبي وقاص قال: لقد رأيتني أرمي بالسهم يوم أحد فيرده علي رجل أبيض حسن الوجه لا أعرفه حتى كان بعد، فظننت أنه ملك (٢). وروى هو، والبيهقي عن عمير بن إسحاق قال: لما كان يوم أحد انكشفوا عن رسول الله ﷺ ، وسعد يرمي بين يديه، وفتى ينبل له، . كلما ذهبت نبَلة أتاه بها، وقال: ارم أبا إسحاق! فلفَا فرغوا نظروا مَنِ الشَّابُ، فلم يروه، ولم يُعرف (٣). وروى الطبراني في "معجمه الكبير" عن أبي الدَّرداء رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ مَلائِكَةً يَنْزِلُوْنَ فِيْ كُلِّ لَيْلَةٍ يَحُسُّوْنَ الْكَلالَ (٤) عَنْ دَوابِّ الْغُزاةِ إِلاَّ دابَّةً فِيْ عُنُقِها جَرَسٌ" (٥).

стр. 516

وروى الخطيب البغدادي في "تالي التلخيص" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أصبح رسول الله ﷺ يمسح فرساً له بثوبه ويقول: "عاتَبَنِيْ فِيْهِ جِبْرِيْلُ الْبارِحَة". وروى أبو داود في "المراسيل" عن نعيم بن أبي هند رحمه الله تعالى: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بفرس، فقام إليه يمسح وجهه وعينيه ومنخريه بكُمّ قميصه، فقيل: يا رسول الله! تمسح بكم قميصك؟ فقال: "إِنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ عاتَبَنِيْ فِيْ الْخَيْلِ" (١). ٩٦ - ومنها: تثبيت المجاهدين، وتشجيعهم: قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. قال القاضي البيضاوي: بالبشارة، أو بتكثير سوادهم، أو بمحاربة أعدائهم (٢). وروى البيهقي في "دلائل النبوة" عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: كان الملك يتصور في صورة من يعرفون من الناس يثبتونهم، فيقول: إني دنوت منهم - يعني: الكفار - فسمعتهم يقولون: لوحملوا علينا ما ثبتنا ليسوا بشيء (٣).

стр. 517

فذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الأنفال: ١٢]. قلت: والكذب في الحرب نَصَّ رسول الله ﷺ على إباحته (١)، لكن الأحسن أن يحمل ذلك من الملائكة على حقيقته، وأن الملك كان يدنو من الكفار فيسمعهم يقولون ذلك لشدة ما دخل قلوبهم من الرُّعب، ثم يبلغون ذلك المؤمنين تثبيتاً لهم، والله الموفق. ٩٧ - ومنها: حفظ العبد وحراسته، وكَلأَتُه من الشياطين ومن كل ما يؤذيه ، وإحصاء حسناته له، وسيئاته عليه، وكتابة ذلك. ويتشبه بالملائكة في ذلك من حفظ أخاه المؤمن في نفسه بالحراسة، والجاه، والذبِّ عنه وعن ماله وعرضه، وبتعويذه بأسماء الله تعالى وكلماته، وبتعلم الفرائض والحساب والكتابة، ونحو ذلك. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢]. وقال تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾ [الأنعام: ٦١]. قال السُّدِّي: هم المعقبات من الملائكة يحفظونه، ويحفظون

стр. 518

عمله. رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم (١). وقال تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]. قال مجاهد: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ﴾ [الرعد: ١١]؛ يعني: هي الْحَفَظة (٢). وقال ابن عباس: هم الملائكة تعقب بالليل والنهارة تكتب على ابن آدم. رواهما ابن جرير، وابن المنذر (٣). وروى الطبراني عن أبي عُبيدة بن عبد الله بن مسعود قال: كان عبد الله - يعني: أباه رضي الله تعالى عنه - يقول: يتدارك الحرسان من ملائكة الله حارس الليل، وحارس النهار عند طلوع الفجر (٤). وقال علي بن أبي طالب ﵁ في الآية: ليس من عبد إلا ومعه ملائكة يحفظونه من أن يقع عليه حائط، أو يتردَّى في بئر، أو يأكله سبع، أو غرق، أو حرق، فإذا جاء القدر خَلَّوا بينه وبين القدر. رواه ابن

стр. 519

المنذر، وأبو الشيخ (١). وفي رواية لابن المنذر: لكل عبد حفظةٌ يحفظونه؛ لا يخر عليه حائط، أو يتردى في بئر، أو يصيبه دابة، حتى إذا جاء القدر الذي قدر له تخلت عنه الحفظة، فأصابه ما شاء الله أن يصيبه (٢). وأخرجه أبو داود، وابن أبي الدنيا، وابن عساكر. وفي رواية لأبي داود: ليس من الناس أحد إلا وقد وكل به ملك فلا تريده دابة، أو شيء إلا قال: اتقه، اتقه، فإذا جاء القدر خلى عنه (٣). وروى ابن جرير عن أبي مَجْلِز قال: جاء رجل من مُراب إلى عليٍّ وهو يصلي، فقال: احترس فإن ناساً من مراد يريدون قتلك، فقال: إن مع كل رجل ملكين يحفظانه مما لم يقدر عليه، فإذا جاء القدر خَلَّيا بينه وبينه، وإن الأجل عدة حصينة (٤). وروى هو، وأبو الشيخ عن كعب الأحبار قال: لو تجلى لابن آدم كل حزن وسهل لرأى على كل شيء من ذلك شياطين، لولا أن الله

стр. 520

وكل بكم ملائكة يذُبُّون عنكم في مطعمكم ومشربكم وعوراتكم إذن لتَخَطَّفَتْكم (١). وروى ابن أبي الدُّنيا في "مكائد الشيطان"، والطبراني عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "وُكِّلَ بِالْمُؤْمِنِيْنَ ثَلاثُ مِئَةٍ وَسِتُّوْنَ مَلَكاً يَدْفَعُوْنَ عَنْهُ ما لَمْ يُقَدَّرْ عَلَيْه؛ مِنْ ذَلِكَ: لِلْبَصَرِ سَبْعَةُ أَمْلاكٍ يَذُبُّوْنَ عَنْهُ كَما يُذَبُّ عَنْ قَصْعَةِ الْعَسَلِ مِنَ الذُّبابِ فِيْ الْيَوْمِ الصَّائِفِ، وَما لَوْ بَدا لَكُمْ لَرَأَيْتُمُوْهُ عَلَىْ كُلِّ سَهْلٍ وَجَبَلٍ كُلُّهُمْ باسِطٌ يَدَيْهِ فَاغِرٌ فاهُ، وَما لَوْ وُكِلَ الْعَبْدُ إِلَىْ نَفْسِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ لاخْتَطَفَتْهُ الشَّياطِيْنُ" (٢). وروى ابن جرير عن كِنانة العدويّ قال: دخل عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! أخبرني عن العبد كم معه من ملك؟ فقال: "مَلَكٌ عَنْ يَمِيْيكَ عَلَىْ حَسَناتِكِ، وَهُوَ أَمِيْرٌ عَلَىْ الَّذِيْ عَلَىْ الشِّمالِ؟ إِذا عَمِلْتَ حَسَنَةً كُتِبَتْ عَشْراً، فَإِذا عَمِلْتَ سَيهمَةً قالَ الَّذِيْ عَلَىْ الشِّمالِ: أَكْتُبُ؟ قَالَ: لا، لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ اللهَ ويَتُوْبُ، فَإِذا قالَ ثَلاثاً قالَ: نعَمْ، اكْتُبْهُ أَراحَنَا اللهُ مِنْهُ، فَبِئْسَ الْقَرِيْنُ ما أقلَّ مُراقَبَتَهُ لِلَّهِ، وَأقلَّ اسْتِحْياءَهُ مِنْهُ، يَقُوْلُ اللهُ تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ

стр. 521

رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾: [ق: ١٨]، وَمَلَكانِ مِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ؛ يَقُوْلُ اللهُ: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]، وَمَلَكٌ قابِضٌ عَلَىْ ناصِيَتِكَ، فَإِذا تَواضَعْتَ لِلَّهِ رَفَعَكَ، فَإِذا تَجَبَّرْتَ عَلَىْ اللهِ قَصَمَكَ، وَمَلَكانِ عَلَىْ شَفَتَيْكِ لَيْسَ يَحْفَظانِ عَلَيْكَ إِلاَّ الصَّلاةَ عَلَىْ مُحَمَّد ﷺ ، وَمَلَكٌ قائِمٌ عَلَىْ فِيْكَ لا يَدَعُ [الحيَّةَ تدخل] (١) فِيْ فِيْكَ، وَمَلَكانِ عَلَىْ عَيْنَيْكَ، فَهَؤُلاءِ عَشَرَةُ أَمْلاكٍ عَلَىْ كُلِّ بَنِيْ آدَمَ، يَنْزِلُوْنَ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ عَلَىْ مَلائِكَةِ النَّهارِ؛ لأَن مَلائِكَةَ اللَّيْلِ سِوَىْ مَلائِكَةِ النَّهارِ، فَهَؤُلاءِ عِشْرُوْنَ مَلَكاً عَلَىْ كُل آدَمِي، وَإِبْلِيْسُ بِالنَّهارِ وَوَلدُهُ بِاللَّيْلِ" (٢). * تَنْبِيْهٌ: قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى في قوله: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ [الرعد: ١١]؛ قال: حفظهم إياه من أمر الله. رواه ابن جرير (٣). وقال ابن عباس: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ " [الرعد: ١١]؛ قال: عن أمر الله من بين يديه، ومن خلفه (٤).

стр. 522

قال أيضاً: ﴿مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: بإذن الله. رواهما ابن أبي حاتم (١). وقال: ﴿يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾: بأمر الله. رواه أبو الشيخ (٢). فَ: (مِنْ) للتبعيض على قول سعيد؛ أي: حفظهم إياه بعض أمر الله. وللسببية على قول ابن عباس؛ أي: حِفْظُهم إياه ناشع عن أمر الله تعالى، فهم مسخرون من قِبَلِه سبحانه لحفظ العبد، وحفظه من جملة أعمالهم التي بأمره يعملون. وليس معنى الآية أنهم يحفظونه من قضاء الله وقدره؛ فإن هذا محال. ٩٨ - ومن أعمال الملائكة ﵈: السعي في مصالح المسلمين ؛ فإنهم يصعدون بأعمالهم الصَّالحة، ويسوقون أرزاقهم إليهم باذن الله تعالى. روى الحاكم وصححه، والبيهقي، وغيرهما عن المحارب بن سليم قال: قال عبد الله رضي الله تعالى عنه: إذا حدثناكم بحديث بتصديق ذلك من كتاب الله : إن العبد المسلم إذ قال: الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، وتبارك الله، أخذها ملك، فجعلها تحت

стр. 523

جناحه، ثم صَعِدَ بها، فلا يمر على جمع من الملائكة إلا استغفروا لقائلهن، حتى يجيء بها وجه الرحمن، ثم قرأ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: ١٠] (١). وقد تكلم حجة الإسلام أبو حامد في كتاب الشكر من "الإحياء" في تسخير الله تعالى الملائكة ﵈ لعباده في القيام بمصالح أغديتهم ومنافعهم بما لا مزيد عليه؛ كالملائكة الموكلين بالسحاب، وغيرهم (٢). وروى الديلمي في "مسند الفردوس" عن بُريدة الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما مِنْ نبتٍ يَنْبُتُ إِلاَّ وَتَحْتَهُ مَلَكٌ مُوَكَّل بِهِ حَتَّىْ يُحْصَدَ" (٣). وروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عبد الله بن الحارث قال: ما في الأرض من شجرة - صغيرة ولا كبيرة، كمغرز إبرة، رطبة

стр. 524

ولا يابسة - إلا عليها ملك موكل بها يأتي الله بعلمها - أي: وهو أعلم -؛ رطوبتها إذا رطبت، ويبسها إذا يبست كل يوم (١). قال الأعمش: وهذا في الكتاب: ﴿وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩] (٢). قلت: ولا شك أن هذا تسخير للملائكة في حفظ أرزاق العباد. وقد قال الله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]، والملائكة: ما في السَّموات والأرض. وقال كعب: ما من شجرة، ولا موضع إبرة إلا وملك موكل بها، يرفع علم ذلك إلى الله تعالى؛ فإن ملائكة السَّماء كثر من عدد التراب (٣). وقال الحسن: ما من عام بأمطر من عام، لكن الله يصرفه حيث يشاء، وُينزل مع المطر كذا وكذا من الملائكة يكتبون حيث يقع فيه المطر، ومن يرزقه، وما يخرج منه مع كل قطرة (٤). رواهما أبو الشَّيخ.

стр. 525

وروى الإمام أحمد، والترمذي وصححه، والنَّسائي عن ابن عباس ﵄: أن اليهود سألوا النَّبيَّ ﷺ عن الرَّعد: ما هو؟ قال: "مَلَكٌ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُوَكَّلٌ بِالسَّحابِ مَعَهُ مَخارِيْقُ مِنْ نارِ يَسُوْقُ بِها السَّحابَ حَيْثُ شاءَ الله"، قالوا: فما الصوت الذي نسمع فيه؟ قال: "زَجْرُهُ السَّحابَ حَتَّىْ يَنْتَهِيَ إِلَىْ حَيْثُ أُمِرَ"، قالوا: صدقت (١). وروى ابن أبي حاتم عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: إن تحت الأرض الثالثة، وفوق الأرض الرابعة من الجن ما لو أنهم لو ظهروا لكم لم تروا معه نوراً، على كل زاوية من زواياه خاتم من خواتيم الله، على كل خاتم ملك من الملائكة يبعث الله إليه في كل يوم ملكاً من عنده: أن احتفظ بما عندك (٢). ولا شك أنَّ في حبس الملائكة، وطردهم الشياطين - كما سبق - مصالح كثيرة لبني آدم، ودَرء مفاسد كثيرة، وما ذلك إلا كرامة للمؤمنين منهم، ولكن كان التسخير لعامة بني آدم ليتم حفظ المؤمنين بحفظ عامتهم، وليرحم العامة بعمل الخاصة، وحِكَمُهُ ﵎ بديعةٌ بلغةٌ.

стр. 526

٩٩ - ومن أعمال الملائكة ﵈، وهو مندرج فيما قبله: قضاء حوائج العباد . روى البيهقي عن جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "إِنَّ جِبْرِيْلَ ﵇ مُوَكَّلٌ بِحاجاتِ الْعِبادِة فَإِذا دَعا الْمُؤْمِنُ قالَ: يا جِبْرِيْلُ! احْبِسْ حاجَةَ عَبْدِيْ؛ فَإِنِّي أُحِبُّهُ، وَأُحِبُّ صَوْتَهُ، وَإِذا دَعا الْكافِرُ قالَ: يا جِبْرِيْلُ! اقْضِ حاجَةَ عَبْدِيْ؛ فَإِنِّيْ أُبْغِضُهُ، وَأُبْغِضُ صَوْتَه" (١). وروي من طرق أخرى نحوه. فقضاء حوائج العباد عبادة مَلائِكِيَّةٌ (٢)، والآتي بها متشبةٌ بالملائكة الكرام. وقد روى ابن أبي الدُّنيا في "قضاء الحوائج" عن جابر ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ يَكُنْ فِيْ حاجَةِ أَخِيْهِ يَكُنِ اللهُ فِيْ حاجَتِه" (٣). وهو في "صحيح البخاري" من حديث ابن عمر بلفظ: "مَنْ كانَ ... " (٤). وروى ابن أبي الدُّنيا عن الحسن رحمه الله تعالى مرسلاً قال:

стр. 527

قال رسول الله ﷺ : "إِنَّ لِلَّهِ عِباداً خَلَقَهُمْ لِحَوائِجِ النَّاسِ، فَقَضاها عَلَىْ أَيْدِيْهِمْ؟ أُوْلَئِكَ آمِنُوْنَ مِنْ فَزَعِ يَوْمِ الْقِيامَة" (١). وعنه قال: لأن أقضيَ لمسلم حاجة أحب إِلَيَّ من أن أصلي ألف ركعة (٢). وقال: لأن أقضي لأخٍ حاجة أحب إِلَيَّ من أن أعتكف شهرين (٣). وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَضَىْ لأَخِيْهِ حاجَةً كانَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ خَدَمَ اللهَ عُمُرَهُ". وأخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٤). وروى الخطيب عنه قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قَضَىْ لأَخِيْهِ

стр. 528

الْمُسْلِمِ حاجَة كانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ كَمَنْ حَجَّ وَاعْتَمَر" (١). قلت: وإنما كان قضاء حاجة العبد بمثابة خدمة الله في عمر القاضي كله، أو بمثابة الحج والعمرة، والاعتكاف والصَّلاة؛ لأن العبد محتاج إلى تلك الحاجة، أو إلى المعونة فيها، والله سبحانه غنيٌّ عن العالمين. ولطف أبو العتاهية في قوله: [من مجزوء الكامل المرفل] وَاقْضِ الْحَوائِجَ ما اسْتَطَعـ ... ـتَ وَكُنْ لِهَمِّ أَخِيْكَ فارِجْ فَلَخَيْرُ أَيَّامِ الْفَتَىْ ... يَوْمٌ قَضَىْ فِيْهِ الْحَوائِجْ ١٠٠ - ومنها: المكافأة على المعروف، والتوسل بالصالحين، وطلب الدعاء منهم، والإحسان إليهم: روى ابن أبي شيبة عن عبد الله بن عيسى قال: كان فيمن كان قبلكم رجلٌ عَبَدَ الله أربعين سنة في البر، ثم قال: يا رب! قد اشتقت أن أعبدك في البحر، فأتى قوماً، فاستحملهم، فحملوه، وجرت بهم سفينتهم ما شاء الله أن تجري، ثم قامت، فإذا شجرة في ناحية الماء، قال: فقال: ضعوني على هذه الشجرة، قال: فقالوا: ما يعيشك على هذه؟ قال: إنما استحملتكم، فضعوني حيث أريد، فوضعوه، وجرت بهم سفينتهم، فأراد مَلَكٌ أن يعرج إلى السَّماء، فتكلم بكلامه الذي كان يعرج به، فلم يقدر على ذلك، فعلم أن ذلك لخطيئة كانت منه، فأتى صاحب الشجرة،

стр. 529

فسأله أن يشفع له إلى ربه، قال: فصلى، ودعا للمَلَكِ، قال: وطلب إلى ربه أن يكون هو يقبض نفسه ليكون أهون عليه من ملك الموت، فأتاه حين حضر أجله فقال: إني طلبت إلى ربي أن يشفعني فيك كما شفعك فيَّ، وأن أكون أقبض نفسك، فمن حيث شئت قبضتها، قال: فسجد سجدة، فخرجت دمعة (١) من عينه، فمات (٢). ١٠١ - ومنها: موافقة الطائعين، والقرب منهم، والثناء عليهم، ومجانبة العاصين، والتحذير منهم: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [فصلت: ٣٠ - ٣١]. وروى الإمام أحمد، والترمذي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي ﷺ قال: "لَوْ أَنَّكمْ تَكُوْنُوْنَ عَلَىْ كُل حالَةٍ عَلَىْ الْحالَةِ الَّتِيْ أَنْتُمْ عَلَيْها عِنْدِيْ لَصافَحَتْكُمُ الْمَلائِكَةُ، وَلَزارَكُمْ فِيْ بُيُوْيكُمْ، وَلَوْ لَمْ تُذْنِبُوْا لَجاءَ اللهُ بِقَوْمٍ يُذْنِبُوْنَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ" (٣). وروى الامام أحمد، والطبراني بسند قريب، عنه: أن رسول الله ﷺ

стр. 530

قال: "ما مِنْ خارِجٍ يَخْرُجُ مِنْ بَيْتِهِ إِلاَّ بِبابِهِ رايَتانِ؛ رَايَةٌ بِيَدِ مَلكٍ، وَرايَةٌ بِيَدِ شَيْطانٍ، فَإنْ خَرَجَ لِما يُحِبّ اللهُ اتَّبَعَهُ الْمَلَكُ بِرايَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رايَةِ الْمَلَكِ حَتَّىْ يَرْجِعَ إِلَىْ بَيْتِهِ، وإِنْ خَرَجَ إِلَىْ سَخَطِ اللهِ اتَّبَعَهُ الشَّيْطانُ بِرايَتِهِ، فَلَمْ يَزَلْ تَحْتَ رايَةِ الشَّيْطانِ حَتَّىْ يَرْجِعَ إِلَىْ بَيْتِهِ" (١). وسبق حديثه: "إِنَّ لِلْمَساجِدِ أَوْتاداً، الْمَلائِكَةُ جُلَساؤُهُم؛ إِنْ غابُوْا يَفْتَقِدُوْهُمْ، وإِنْ مَرِضُوْا عادُوْهُمْ، وإِنْ كانُوْا فِيْ حاجَةٍ أَعانُوْهُمْ" (٢). وذكر الإمام أبو طالب المكي في كتاب "القوت": أن الله تعالى أوحى أيُّوب ﵇: "ما من عبد لي من الآدميين إلا ومعه ملكان، فإذا شكر على نعمائي قال: اللهم زده نِعَماً على نعمك؛ فإنك أهل الشكر والحمد، فكن من الشاكرين قريباً، وزدهم شكراً، وزدهم من النعماء، وكفى بالشاكرين - ياأيُّوب - علو المرتبة عندي، وعند ملائكتي، فأنا أشكر شكرهم، وملائكتي تدعو لهم، والبقاع تحبهم، والآثار تبكي عليهم، فكن لي - ياأيُّوب - شاكراً، ولآلائي ذاكراً، ولا تذكر لي حتى أذكر، ولا تشكر لي حتى أشكر أعمالك، أنا أوفِّق
следующие страницы →